أخبار عاجلة

ماذا تريد السعودية من مصالحة إيران؟

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

من المؤسف، وعلى الرغم من المعطيات الواضحة الصريحة على مختلف المستويات وأنواعها على الأقل منذ بضع سنوات، أنني بالكاد أجد محللا يقترب من الحقيقة في شأن السعودية فيما بتصل بالحدث؛ كل حدث على حدة.

نعم هنا بعض ا لمقاربات والتعليقات وحتى التحليلات التي توحي بانكشاف الغطاء عن حقيقةالموقف السعودي والسياسة السعودية بالجملة. ولكن في الوقت ذاته فإن الأكثرين يكثرون من المبالغة في اللغو في الشأن السعودي وأتحدث عن النظيفين لا المغرضين والمغرقين في التعمية والتشويش والتشويه.

موضوعنا وحدثنا هو حدث اليوم 30 أيلول 2019م، وهو التصريح الذي أدلى به علي الربيعي الناطق باسم الحكومة الإيرانية عن طلب السعودية من أحد قادة الدول التوسط لدى إيران لفتح باب الحوار بين السعودية وإيران.

هل كان من باب المصادفة، أم النتيجة المنطقية، أم النتيجة الإكراهية أن تعلن اليوم وسائل الإعلام رغبة السعةدية في بدء الحوار مع إيران ومصالحتها؟!

لم تُكذِّب السعودية الخبر، ولن تكذب الخبر، ولا تستطيع أن تكذب الخبر، وليس من المعروف من هو الرئيس الذي نقل الرجاء السعودي، ولكن من خلال التحضيرات العراقية لاستضافة طاولة الحوار بين الطرفين السعودي والإماراتي يمكن أن يكون الرئيس العراقي أو رئيس الوزراء العراقي على الأرجح هو الذي طلبت منه السعودي التوسط لدى إيران لتقبل بدء الحوار مع السعودية. ولا تبتعد كثيراً في التأويل فقد سبق أن أعلن رئيس الوزراء العراقي قبل نحو ستة أشهر أن السعودية طلبت منه التوسط لدى إيران أن تقبل فتح باب الحوار مع السعودية، وفي هذا اليوم تحديداً أيضاً أعلن رئيس الوزراء الباكستاني أن السعودية كانت قد طلبت منه الوسط لدى إيران لتقبل الحوار مع السعودية، ولكنه اعتذر عن ذلك فيما يبدو. وأيضاً صدر هذا التصريح عن أكثر من مسؤول أمريكي وأوروبي بطريقة غير مباشرة من قبل.

وقبل هذا الخبر بأيام ثلاثة أعلنت السعودية عن رغبتها في الهدنة مع الحوثيين بناء على عرض الحوثيين، ولكنها قبلت أن تكون الهدنة في أربع مناطق فقط… ولنضع خطًّا تحت أربع مناطق لأننا سنعود إليها بعد قليل. وهذه الخطوة مفهومة في جوهرها لدى بعض، ولكنها صارت ربما أوضح اليوم مع إعلان الشهوة السعودية لفتح باب الحوار مع إيران، فبدا قبول الهدنة بمنزلة الخطوة التمهيدية لهذا الحوار، وإن كانت تتضمن أكثر من ذلك؟

بغض النظر عن أحداً من المحللين الذين التهبوا على الشاشات وانبحت حناجرهم بالتحليلات والتعليقات لم يلتفت إلى حقيقة هذه  الرغبة ولا طبيعتها ولا غايتها، فقد ركز المحللون ووسائل الإعلام على اليأس السعودي، والعجز السعودي عن النصر، والقصور السعودي عن مواجهة إيران، والهزيمة النكراء أمام الحوثيين، والإحباط السعودي من انعدام الرغبة الأمريكية في محاربة إيران، ناهيك عن بعض الحمقى الذين أيدوا هذا التصالح والتآخي السعودي الإيراني… وأتحدث عن الحمقى لا عن الأذكياء فالأذكياء يعرفون لماذا يضلون ولماذا يضللون.

هذا الفهم والطريقة في إدارة تفسير الحدث هو عملية تضليل للناس وتشويه للحقيقة في عقولهم من ثم استلابهم لاستتبابهم.

فما الحقيقة وأين الحقيقة؟

الجرح الجديد إمَّا أن تعالجه بإرادة من حديد أو تهمل وتتركه حتى يحيل صاحبه إلى قديد. أما  الجرج الذي تعاتق وتخالق فإن لم توغر فيه إلى الجذر وتحسن في البتر فلن تصل إلى نتيحة تستحق عليها أقل الشكر.

لأجلو الغبار عن هذه الحقيقة يجب أن أبدأ بنسف الوهم ا لذي يعشعش في رؤوس المحللين والإعلاميين جميعاً تقريباً، وهو توافقهم على أن السعودية عجزت عن مواجهة الحوثيين، وانهزمت في مواجهتهم… وهلم جرًّا في هذا الإطار.

هذا وهم لا أساس له من الصحة أبداً. فالحقيقة أنه لو أرادت السعودية لمسحت الحوثيين مسحاً ومسختهم مسخاً وشلختهم وشلخاً في بضعة أيام لا في شهور ولا شهر. ولكن من قال إن السعودية تريد ذلك أصلاً؟

السعودية لم تدخل الحرب في اليمن لمحاربة الحوثيين بحال من الأحوال. بل دخلت الحرب في اليمن لنصرة الحوثيين، على الرغم من كل ما يبدو من عكس ذلك. وهذا ما قلته صبيحة انطلاق عاصفة الحزم  التي سمتها في ذلك  اليوم «عاطفة الخرم»، وكررت ذلك مراراً وما زلت مصراً عليه إصراراً.

الأدلة على ذلك كثيرة جد كثيرة. حسبك الدعم السعودي للحوثيين السابق على انقلابهم، والسابق على الثورة اليمنية التي أحبطتها السعودية، والدعم السعودي للحوثيين في أثناء  الحرب عليهم الأمر الذي يصعب على الكثير فهمه أو تفهمه. وهل يصدق أحد أن السعودية تحارب السعوديين وتقدم لهم الإغاثة في الوقت ذاته؟! شيء سيصعب على الكثيرين تفهمه وحتى فهمه. ولا أطيل في ذلك حسبك أن تبحث وتتأمل إذا أردت.

ليست هذه هي الأدلة فقط، وعلى الرغم من ضوحها أو أكثرها فإنَّ الأفهام تتجه إلى مغازٍ أخرى إما جهلاً أو تجهيلاً أو عجزاً أو تعجيزاً أو هروباً من مواجهة الحقيقة وتصديقها. والمؤسف أن المضلِلين الذين يعمدون إلى التعمية أقل من الضالين الذين يحسبون أنهم يفهمون.

في السياق وما يلزم له أكرر حقيقة يجهلها الكثيرون ولكن ثمة غير القليل ممن يعرفونها وهي أنَّ السعودية هي أكبر مشترٍ للسلاح في العالم منذ أفول الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا. لم ينته الخبر. مصادر السلاح الذي تشتريه السعودية هو أمريكا في كفة تقريباً وكل الدول الغربية التي تصنع السلاح في الكفة الثانية. السعودية تشتري السلاح من كل شركات صنع السلاح في العالم الغربي… وقد تبينت هذه الحقيقة وانجلت على نحو قاطع في الشهور الأخيرة إثر الحملة الشديدة على السعودية بسبب حربها على اليمن، وبالمناسبة هذه الحملة ليست مصادفة ولا هي بدوافع إنسانية ولا شفقة على اليمن كما يتوهم الكثيرون، وإنما هي حملة مبرمجة مخطَّطة لأهداف محددة. المهم أننا بسبب هذه الحملة اكتشفنا أنه لا توجد شركة صناعة سلاح في أرجاء العالم  الغربي إلا وتقبض عشرات ملايين الدولارات سنويات من السعودية ثمن صفقات سلاح. وهذا أمر أخطر من كل ما تتخيلون أو يخطر في بالكم من فنون التخيل. وليس من مبالغة في ذلك بحال من الأحوال.

وأزيدكم في الشعر بيتاً: لقد دفعت السعودية ثمن سلاح منذ الحرب ا لعالمية الثانية إلى اليوم ما يكفي لبناء أربع أو حمس إمبراطوريات من طراز الإمبراطورية الأمريكية… أقول دفعت ثمن أسلحة وهذا يقين، وما لست منه على يقين هو استلام الأسلحة… وتلك مصيبة أخرى غير ذات شأن.

خلاصة القول في ذلك منه ومن غيره:

إذا قبلنا أنَّ السعودية عاجزة عن مواجه إيران، ولا أقول الحوثييين الذين هم بضعة آلاف بضربتين يجب أن ينتهوا، فهذه ستكون فضيحة ليس ثمة أشنع منها ولا أبشع ولا أفظع عبر تاريخ بني البشر. ومن هذا الباب كانت عبر عمر علاقتها مع أمريكا تعول على أنَّ أمريكا هي من يحارب عنها ومن يدافع عنها، ومن هذا الباب مهزلة عادل الجبير قبل ثلاثة أيام في لقاء مع صحافي أمريكي إذ سـأله: «ماذا ستفعل السعودي إذا ثبت تورط النظام الإيراني في الهجمات ضد آرامكو؟ فقال: صبر أمريكا سينفد وعلى إيران أن تعي ذلك».

ولكن الحقيقة في ترجيحي هي أنَّ السعودية ليست عاجزة عن نسح الحوثيين مسحاً في غضون أيام قليلة لا شهور. وليست عاجزة عن مواجهة إيران ذاتها فيما لو كانت نية المواجهة موجودة… وقد تابع أكثرنا غاراتها في اليمن وفي سوريا في العراق التي شنتها بدقة استثنائية وأدت إلى قتل المئات وتدمير الأهداف بدقة عجيبة.

أي أهداف هذه؟!!

في اليمن ليست لأهداف من الحوثيين، لقد كان هدفها أو بنك أهدافها أطرافاً أخرى غير الحوثيين. إذا تتبعنا غارات التحالف غير المنفصم؛ السعودي الإماراتي في اليمن وجدنا أن أقل من ربع هذه الغارات كان ضد الحوثيين وربما أو غالباً بإصابات خاطئة أو غير دقيقة… بإمكانكم أن تراجعوا هذه الغارات وتتحققوا وتتحققوا في الوقت ذاته من أنَّ أكثر من ثلاثة أرباع الغارات السعودية الإماراتية كانت ضد الشرعية اليمنية وضد من يسمونهم الأخوان المسلمين أو أنصار الأخوان المسلمين… ولك أن تضع خطين تحت هذه الجملة وتعيد التأمل فيها بهدوء… وكانت الإصابات هنا دقيقة وفاجعية إن لم يكن دائماً فغالباً وغالباً ما يقولون وقعت بالخطأ.

لهذا السبب كانت موافقة السعودية على أن تكون الهدنة في أربع مناطق وحسب، وما هي هذه المناطق؟ إنها مناطق الحوثيين، أما مناطق الشرعية ومن يرفضون المشروع التدميري التقزيمي لليمن فلا بد من استمرار قصفها. سيرفض الحوثيون شكلاً وقد يرفضون فعلاً ولكنهم ضمناً على قلب واحد.

هذه هي حقيقة الحرب السعودية الإماراتية على اليمن. إنها للقضاء على الشرعية وشرعنة الحوثيين وتقسيم اليمن. وهذا ما بدا صريحا وبات واضحاً في الشهرين الأخيرين على الأقل لكل من كان يجحد هذه الحقيقة، وإن كان الظاهر أن الإمارات هي التي تفعل ما تفعل دون الرغبة السعودية كما يشاع. فالحقيقة أن السعودية هي المحراك والإمارات هي الواجهة على الرغم من كل ما يقال عكس ذلك.

إذا كان الأمر كذلك فهل يمكن أن تكون السعودية ضد إيران؟

منطقيًّا، وعند هذه النقطة فقط، لا يمكن أن تكون  السعودية ضد لإيران ولا بحال من الأحوال. قد يقول قائل: بالعكس، يمكن الفصل بين المسارين، بين الحوثيين وإيران من ناحية المشروع السعودي، هذا من السعودية فهي تيد أن تلعب وتكسب وتأخذ الحوثيين من إيران وتضعهم تحت جناحها… وهلم جرًّا من الهشت والهرف؛ الهرف وليس الحرف، أعني ما أقول وليس خطأ مطبعيًّا.

هو هشت وهرش وهرج وهرف بكل ما تحمل هذه الكلمات من دلالات، لأنه بهذا المعنى الذي يذهب إليه من يهرف بما لا يعرف دعمت السعودية شيعة العراق منذ غزو العراق عام 2003م، على أساس أنهم تريد أن تأخذهم من إيران وتبعدهم عن إيران، وهذا ما يوجب الضحك ثلاث مرات في اليوم قبل  الطعام وبعد الطعام.

فإذا كان ذلك سوء تقدير فماذا عن دعمها المنصات الشيعية والإيرانية في سوريا؟ وماذا عن دعمها إيران في لبنان؟ والحقائق أكثر من ذلك، بل أزيدكم في الشعر بيتاً لا يصدقه أحد وهو أنَّ الميليشيات الشيعية في العراق كانت تقاتل تحت غطاء الطيران السعودي الإماراتي أساساً والأمريكي رمزيًّا وشكليًّا. أرجو ممن لا يعرف الحقيقة أ يبحث ويتأمل ولا يجادل قبل أن يعلم وإلا حق عليه قول الله تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (الجمعة ـ 5)».

من الحماقة اللاصقة القبول بهذا الفهم التافه السطحي إذا أحسنا الظن بالفاهم. ولذلك، على الأقل استنتاجاً، من الحماقة الذهاب إلى أنَّ السلطة السعودية تعادي إيران أو حتى تكن لها أي ناويا عدوانية، وكل ما كان من ضخ إعلامي كان لأغراض دعائية معلنة وأغراض سرية مضمرة لا شك في وجود من يستطيع استكناهها. وما الدعم السعودي لعراق صدام حسين في حربه على إيران إلا لتدمير العراق القوة المتميزة في المنطقة، وهذا ما أثبتته الأيام  التالية على انتهاء هذه الحرب.

لننظر إلى مشهد طلب الحوار والمصالحة من قبل السعودية الآن بمقدماته ونتائجه غاياته.

قبل بضعة أشهر أعلن رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي أن السعودية طلبت منه التوسط لدى إيران لبدء المصالحة، ولكن سرعان ما نفت السعودية الخبر. الطلب حينها كان ليذاع ويكون تمهيداً، وتم نفيه لأن الوقت المناسب لم يأتي بعد ولم تنضج الظروف لهذا الانفتاح والتصالح.

وتكرر طلب السعودية من أطراف عدة التوسط لدى إيران من أجل بدء الحوار. وتكرار هذا الطلب من أطراف عدة هو من باب التسريب للنشر من أجل تهيئة الأجواء للتقبل من الشارع المحلي والعربي والإسلامي الذي بات يرى على حقيقة تماثلها مع إسرائيل من جهة، وينظر إلى السعودية على أنها قبلة المسلمين… كانت السعودية تري أن يعلن المطلوب منهم أن السعودية طلبت فتنفي مرة ومرة تسكت، فتلين قولب العرب والمسلمين لهذا التصالح بين السعودية التي ما فتئت تعلن عداءها إيران منذ عشرات السنين. ولكن الإعلان تم اليوم، تم اليوم في أجواء لا تسمح بتكذيب الخبر حتى ولو لم يبدأ الحوار أو لم يتم. ناهيك عن عدم إمكان تكذيب الخبر بالقياس إلى الأدلة والقرائن التي تفقأ عين الجاحد.

تم التمهيد بخير نشرته وول ستريت جورنال قبل ثلاثة أيام أي في 27 أيلول 2019م نقلا عن مسؤول سعودي وهو قبول السعودية الهدنة مع الحوثيين في أربعة مناطق هي مناطق الحوثيين كما أشرنا قبل قليل وبينا السبب.

هذا القسم الأول، انظر الآن إلى القسم الثاني المحيط بالإعلان عن الرغبة في مصالحة إيران. لن أتحدث عن أربعين سنة من الحشد والتبويق والبوقنة للحرب على إيران… ولن أتحدث عن الصريحات الإيرانية والشيعية ضد السعودية منذ أربعين سنة أيضاً وخاصة في السنوات العشر الأخيرة، ولن أتحدث عن الاعتداءات الإيرانية من خلال أذرعها على السعودية في السنوات الأخيرة… سأقف فقط عن قيام إيران بقصف منشأة آرامكو النفطية التي زلزلت الاقتصاد العالمي وليس السعودي وحسب. فهل تتخيلون مدى الأضرار والخسائر  التي تعرضت لها السعودية؟ إنها فوق كل ما يقولون بكثير. أبسطها خسارة خمسمئة مليون دولار يوميًّا ثمن نفط. ولك أن تتخيل بعد ذلك ماذا يمكن أن يكون.

وقد أكدت السعودية مرات ومرات أن إيران هي الفاعل، وأكدت أمريكا ذلك، والمنطق والواقع يجزمان بذلك، وقد وصل الأمر إلى محمد بن سلمان ذاته في لقائه مع قناة (CBS)  الأمريكية اليوم 30 أيلول 2019م قطع بذلك قائلاً: «أتفق مع وزير الخارجية الأمريكي ‏مايك بومبيو بأن إيران هي التي استهدفت منشأى آرامكو».

فهل يعقل بعد هذه الضربة القاسية القاصمة المذلة المهينة أن يكون الرد السعودي بعد كل التهديدات السعودية والعنجهية السعودية هو التوسل إليها أن تقبل الحوار؟

عشرات السنين المنصرمة بل على الأقل السنوات العشر الأخيرة والسعودية تحشد المسلمين والعرب نفسيًّا وعقليًّا وأخلاقيًّا وعسكريًّا لشن الحرب على إيران وعندما جاءت الفرصة الحقيقية والمناسبة تتوسل من يتوسط بينها وبين إيران للحوار والمصالحة؟!!

ربما يذهب بعض إلى أن هذه الضربة متفق عليها من أجل تمرير البدء بالحوار والتصالح، وهذا احتمال غير بعيد، لأن مثل هذه الضربة لا يجرؤ الحوثيون عليها من دون إشارة واتفاق إن كانوا هم الفاعلين، وإيران ذاتها لا يمكن أن تجرؤ عليها لولا التوافق مع السعودية ذاتها وليست أمريكا بمنأى من باب أخذ العلم… هذه قناعتي. والدليل على ذلك أن مراسيل التوسط على قدم وساق منذ سنة على الأقل من أجل تليين الناس وتبرير الضرورة للحوار والمصالحة.

حتى أفهم لماذا أنا أمام حقيقتين. الحقيقة الأولى متمثلة باعتراض شديد وتساؤل عنيف يقول: وهل يعقل أن تذل السعودية نفسها هذا الذل كله، وتقبل هذا الهوان كله وهي قادرة على الرد والمواجهة؟

في هذا القسم لن أطيل وأترك لكم المتابعة، وإنما أشير إلى المثل العربي القديم: «كمن جدع أنفه ليغيظ عينه». أتدركون ماذا يعني ذلك؟ لا جواب عندي فكروا وتدبروا.

الحقيقة الثانية وهي الخطيرة أيضاً. حتى نفهم المشهد أكثر لننظر إلى تركيا التي تكاد تتوسل للسعودية منذ سنوات أن تفتح باب الحوار معها، وأن تتصالحا… بل على أقل الأقل أن تكف السعودية آذاها وشرورها وحروبها على تركيا. علماً أن السعودية هي التي تشن الحروب على تركيا منذ عشر سنوات، منذ صارت هوية الدولة مسلمة، وفي الوقت ذاته فإن تركيا لم تشن أي حرب على السعودية، ولم توجه لها أي إساءة، ولم تخذلها أي مرة… وحتى الآن وعلى الرغم من كل بشاعة حرب السعودية على تركيا فإن الخطاب الرسمي التركي يتعامل مع السعودية بكل احترام، ومع ذلك فإن السعودية لم تتوقف عن محاربة تركيا والسعي إلى تدميرها وخلق المشكلات أمامها وزرع الفتن فيها، ودعم الأكراد الشيوعيين ضد تركيا في شمال سوريا وفي قلب تركيا لأنها رجت فيها الهوية الإسلامية… السعودية الإمارات يدفعها المليارات شهريًّا لمحاربة التوجه الإسلامي في تركيا… في حين أن التصريحات الإيرانية العلنية عن إذلال السعودية وإذلال الحرمين وإذلال المسلمين لم تتوقف قديما ولكنها صارت علنية على نحو مدهش في السنوات العشر الأخيرة، والسعودية تتوسل بل تظهر أنها تتوسل إيران أن تقبل الجلوس معها على طاولة الحوار.

ها هنا مربط  الفرس. وهاهنا نفهم الرفض الإيراني للحوار والمصالحة مع السعودية. وهذا ما شكا منه ولي العهد السعودي في لقائه اليوم مع قناة (CBS)  الأمريكية إذ قال: «نحن وترامب نريد الحوار مع إيران وإيران ترفض».

تخيل يا رعاك الله إذا كنت تعرف ما يدور. أيعقل أن إيران المخنوقة من الجهات كلها؛ اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا بسبب الحصار، وعملتها النقدية هي الأكثر انهياراً في العالم… ترفض الرجاءات الأمريكية والسعودية من أجل الحوار معها؟ ولا في المنام يمكن تصديق ذلك. طبعاً هنا بعض الحيثيات في شأن الرفض ليس هذا مكانها. ولكننا أمام مسألة تستحق التأمل. أختصر فأقول: هذا ما لا بد منه، أي الرفض، من أجل حسن حبك المسرحية، ديكور العملية الضروري من أجل إيصالها إلى النتائج المطلوبة.

أترك إيران وأعود إلى السعودية التي وأكرر الآن أيضاً أنها لم تكن عدوًّا لإيران ولا عدوة لميليشياتها في العراق واليمن وسوريا ولبنان، وخطوتها التي تم إعلان والترويج لها في رغبتها في مصالحة إيران ليست إلا لخنق تركيا وإطباق الحصار عليها من الجهات كلها.

يعلم المهتمون والمتابعون مدى الحصار غير المعلن الذي تتعرض له تركيا من سائر الأنظمة العربية وحتى الإسلامية أكثرها، ناهيك عن الحرب المعلنة عليها من السعودية والإمارات ومصر وأوروبا وحتى أمريكا التي لا تخبل في الإفصاح عن هذه الحرب بطرق مباشرة وغير مباشرة… وفي هذا السياق لم يبق مفتوحاً أمام تركيا سوى الساحة الإيرانية التي هي بحاجة الساحة التركية في الوقت ذاته. ولا بد من منح إيران المسوغ العلني لتضييق ساحة التعامل مع تركيا إلى أقل الحدود لتشديد الخناق على تركيا، فلا بد إذن من المصالحة العلنية بين السعودية وإيران، وبذلك يكون الانفتاح السعودي الإيراني التبرير الصريح لتركيا إن لم يكن لقطع علاقاتها مع تركيا فلسد الباب الإيراني أمام تركيا، وإيران أصلاً لا تكن الود لتركيا ولا تحتاج إلى ذريعة، ولكنها مضطرة بحكم الظروف، وبذلك وأرجو الانتباه هنا، ستكون هذه الفرصة المفصلية لإيران للإجهاز على تركيا والتفرغ لابتلاع الخليج المسلمين بهدوء من دون وجود أي منغصات تحول بينها وبين ذلك. ولمن سيعترض فإنَّ أمريكا لن تمانع في ذلك… بل ستباركه كما باركت التمدد الإيراني في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن.

ألا يدرك السعوديون هذا الهدف الإيراني؟

أتساءل مجيباً: ومن من المسلمين في العالم لم يسمع ويشاهد تصريحات الإيرانيين بهدم الكعبة وسبي نساء المسلمين وخاصة السعوديات والاستيلاء على بلاد الحرمين؟ من بقي لا يعرف ذلك؟

فهل يجب أن يكون للقصة بقية؟

نعم، للقصة بقية، بعضها سيكون في مقال آخر قادم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

أزمة النخب الثورية في سوريا

سامي محمد عادل- كاتب سوري شهدت سوريا حرباً ضارية تعد من أكبر المآسي التي شهدتها …