أخبار عاجلة

تورّط الفكر السلفي المعاصر في أوضاع المسلمين اليوم

بشير بن حسن

مفكر إسلامي
عرض مقالات الكاتب

عندما تقدم طائفة نفسها للأمة على أنها الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، وأنها تمتلك المنهج الحق، وأن رؤاها وقناعاتها وقراءاتها هي فقط الكفيلة باسترجاع مجد المسلمين المفقود، ومن سوى تلك الطائفة ففرق نارية محترقة، ضالّة مضلّة، على حدّ تعبيرهم، أو أن مراجعها ومشيخيتها هم الذين يجب أن يكونوا في صدارة مشروع الإصلاح، بما انهم أئمة هدى و مصابيح دجى هذا العصر، كما روجوا لذلك ولا يزالون، فلتتحمل هذه الطائفة إذن مسؤولية هذه التزكية للنفس ، ولتعلم أن ما تعيشه الأمة اليوم يجب أن تكون فيه جزءا من الحل لا من المشكلة ، ولكن الواقع يظهر لنا خلاف ذلك تماما ، حيث أن السلفية بألوانها الثلاثة( العلمية والمدخلية والمتوحشة ) ضالعة ضلوعا بيّنا في ما وصل إليه حال كثير من المسلمين اليوم ، وليس فقط حُكّام الجور ، وإليكم الأدلة على ذلك ، ولنبدأ ب :

1— السلفية العلمية ::

سبق أن قلنا أن هذا اللون من السلفيات، علماني بحت في التعامل مع الشأن العام، أو الشأن السياسي ككل ، وذلك برفض الخوض في السياسة بأي صورة من الصور ، ظانين أنها رجس أو مضيعة للوقت ، أو هو خلاف منهج السلف!! وهذه أدهى، بل مما يثير الدهشة أنهم يرددون عبارة ( نربي أنفسنا وازواجنا واولادنا على كتاب الله وسنة رسوله ومنهج السلف ) ولا يعنينا الشأن السياسي!! و تجاهل هؤلاء أو غفلوا عن أن اولادهم يتربون في المدارس التي تضع الحكومات برامجها ، اللهم الا أن يسلكوا مسلك سياسة الهروب إلى الأمام وذلك بإخراج الابناء من المدارس الحكومية ، و الحاقهم بالكتاتيب أو ما يمسمونه المدارس الدينية ، و لأنها على كل حال عندهم لا خير في العلوم التي تقدمها المدارس الحكومية كما يعتقدون ، إذ أن مفهوم العلم عندهم هو علم الشريعة التي يسمونه بالعلم الشرعي( وقد رددت عليهم في مقال بخصوص هذا الموضوع ) .
واذا اعتبرنا أن مهد السلفية العلمية هي السعودية ، فلننظر إلى أوضاع تلك البلاد، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ومعرفيا !! سيتبين لنا وبدون كثرة تفكير ، أنها دولة معدودة من العالم الثالث ، بل من الدول المستهلكة لا المنتجة، و من البلاد المستصنعة لا المُصنّعة ، مع أنها تمتلك أكبر مخزون للبترول في العالم !!
بل اذا نظرنا إلى حال كثير من أبناء الشعب السعودي الشقيق، سوف نجد أنهم في عناء رهيب ، من انتشار البطالة والفقر ، و تدهور القدرة الشرائية، وأزمة السكن ، وتأخر سن الزواج ، وغلاء المهور ، وغيرها من المشاكل التي ما كان يجب أن توجد في بلاد الحرمين الشريفين!! لما حباها الله تبارك وتعالى من الموارد الطبيعية، ومن الخيرات ، لو لم يكن الا عوائد الحج والعمرة، والسؤال الذي يطرح نفسه ههنا أين تذهب تلك الأموال؟؟ أين هي هذه الثروة على أرض الواقع؟؟
و هنا ، سوف تدرك أن الخلل في التسيير والإدارة والسياسة ، ولكن ما هي مسؤولية العلماء، وما دخل السلفية في ذلك ؟؟
والجواب ان مسؤولية العلماء اولا التربية والتوجيه والبيان ،ونشر ثقافة الوعي كثقافة العمل والإنتاج، و المحافظة على الثروة من الاهدار ، و تكريس معاني المنافسة للدول المتقدمة ، فالعلماء هم أرباب الفكر والقلم والتوجيه ، وهم صنّاع الحضارة ، كما صنعها علماء الأندلس،
ولكن علماء السلفية لا علاقة بخطابهم وطرحهم بهذه الأمور، هم لا يتكلمون عن واقع المجتمع ، بل منشغلون بأمور اخرى ، اما بمسائل عقائدية قد انقرضت ، أو بأمور جزئية وفرعية قد جعلوا منها كل اهتمامهم، بيانا وتصنيفا و تأليفا ، وبطبيعة الحال هؤلاء لهم “مُريدوهم” وأتباعهم في الداخل والخارج، وهم الذين تفتح لهم القنوات الرسمية ، لأن خطابهم يتناسب مع توجه الدولة ، حيث أنهم يستعملونهم كمروّجي المخدرات الفكرية، والمُسكّنات لآلام المجتمع ، من قبيل مثلا ( نحن أيها المسلمون في نعمة عظيمة انها نعمة الإيمان والأمن، والاستقرار والرخاء ، بفضل الله ثم بفضل خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ورعاه ، وولي عهده الأمين…الخ من هذا الأفيون !!
و ربما عمدوا الى تسلية الفقراء بأنهم في ابتلاء من الله ويجب الصبر على الابتلاء !! كما يقرعون آذانهم بأحاديث بشرت الفقراء بدخول الجنة قبل الأغنياء بخمسمئة عام !! بل ربما عادوا على الفقراء بالملامة ، بأنهم كسالى لا يحبون العمل( وكأنّ العمل متوفّر في كل مكان ؟؟ ) أو خوفوهم من حسد إخوانهم الأغنياء !! بل والله بلغ ببعضهم أنه قال : الغني من أغناه الله والفقير من افقره الله ، فلا يعترضنّ أحد على فعل الله وقضاءه وقدره !!
وهذا كلام حق أريد به باطل ، و هؤلاء فعلا يذكروننا بالقساوسة والرهبان ، الذين استخدمهم ملوك الإقطاع في أوروبا في القرون الوسطى، و الذين كانوا يبيضون جرائم الملوك وفسادهم ، حتى ثارت عليهم شعوبهم، ورددوا تلك العبارة الشهيرة: اشنقوا أخر ملك بأمعاء آخر قسّيس !!
ما أشبه هؤلاء المشايخ بهؤلاء القساوسة والكهنة ، ثم يخرجون علينا بالتحذير من التشبه باليهود والنصارى ، وغفلوا أنهم هم أول الناس وقوعا في التشبه بخاصة اليهود والنصارى أي أحبارهم ورهبانهم، كما لا ننسى أنهم يتقاضون الرواتب الخيالية ، ويتمتعون بالامتيازات المختلفة ، ويحظون بكل أنواع الدعم المادي والمعنوي ، إلا من رحم الله، وصدق الله في قيله( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله )
ورحم الله بعض السلف حيث قال ( من أكل من مرق السلطان احترق لسانه عن قول الحق ) !!
ان هذا اللون من السلفية تسبب في انتشار التخلف في صفوف المسلمين ، والإبقاء على حكام الفساد والجور ، و هم بذلك تورّطوا في إهدار نوعين من أنواع الطاقة:
الأول : طاقة النفط ، التي لا يستفيد منها المسلمون بل هي موزعة العوائد على العائلة الحاكمة!!
الثاني : طاقة الشباب، فكم عطلوا من طاقاتهم ؟ وكم شغلوهم بالمسائل الهامشية والقضايا الثانوية ؟ بدل أن يشغلوهم بما ينفعهم في دينهم ودنياهم ؟؟ وكم من الشباب الذي توقف عن الدراسة وانقطع بعد طول مشوار فيها ، في شتى الاختصاصات والمجالات ، بدعوى أنهم الان يريدون أن يصبحوا طلبة للعلم الشرعي و من ثمّ ان يصيروا مشايخ ودعاة يهزون أعواد المنابر!!!
ولا يتوقف الأمر ههنا ، لأنه لا بد أن نرجع الى الأحداث الأخيرة في كثير من دول المسلمين ، لنجد السلفية متورطة الى النخاع ومتسببة فيها ، و أذكركم بالفتاوى التي ارسلوا بها الشباب الى أفغانستان، !!
وغيرها من المحارق !!
ومن الذي كان سببا في غزو العراق ، ودخول القوات الأمريكية الى ارض الرسالة والنبوة ، أليست السلفية العلمية بفتاوي مشايخهم ؟؟
من الذي كفّر الرئيس الراحل صدام حسين رحمه الله ، و فتح الباب للقوى الغربية لقصف العراق التي خسرنا فيها أكثر من مليون ونصف مسلم!! فضلا عن الثروات التي نهبت ،والخراب الذي حلّ تلك البلاد !! ثم في النهاية تسلّم أمريكا العراق الى حكومة شيعية رافضية تمثل الذراع الإيراني الفارسي في المنطقة !!
ومن الذي خذل مشروع الإصلاح في مصر ، ودعم حكم العسكر ؟؟ بعد الثورة المصرية أليست السلفية بفتاوى مشايخها ،و أن ذلك في إطار محاربة الفكر الاخواني الخارجي كما يروق لهم وصفه ؟؟ أو بسكوتهم وصمتهم المطبق وكأن الامر لا يعنيهم لا في قليل ولا في كثير؟؟ ثم يخرجون علينا بالاستشهاد بالأحاديث التي تحث على الاخوة الإسلامية وأننا أمة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى!!!
وهذا الذي أقوله ليس اتهاما ولا تحاملا ، ولكنها الحقيقة التي يتجاهلونها و يخشون الكلام فيها !! خاصة أتباعهم ومريدوهم !!
وهاهم اليوم يرون ويسمعون أنواعا شتى من المخالفات الشرعية في بلادهم، ولا يهمس واحد منهم بكلمة ، بل يبحثون عن المسوغات لتبريرها وشرعنتها ، فبعد أن كانت حراما من كبائر الذنوب، صارت اليوم حلالا أو هي مسائل خلافية !!! و قطيع الاتباع لا يزال مصرّا على التقليد والولاء الأعمى، بلا عقل ولا تفكير ، خوفا من أن يحكم عليه بالخروج من ” السلفية ” والنعت بالاخوانية والحزبية ”
إلى هذا الحد بلغوا !!

2– السلفية المدخلية : وهذه الطائفة أشنع من الأولى ، وأجرؤ على حرمات الله عز وجل، وذلك بإعلان الولاء المطلق لكل الحُكّام ، و لو صدر منهم الكفر !! أو الفسق العلني ، مستدلين بالأحاديث التي أخرجوها من سياقها ، و بتروا بعضها ، و حرّفوا معانيها ، و شعارهم في هذا المقام ( عليك بالسمع والطاعة وإن أخذ مالك وضرب ظهرك )
وهذه زيادة شاذة طعن فيها الامام الدارقطني رحمه الله ، كما أنها لو صحت فهي بمعنى( ان أخذ مالك بحق وضرب ظهرك في حد ) .لان كلام النبي صلى الله عليه وسلم يفسر بعضه بعضا ، و لذا فإنه عليه الصلاة والسلام استشار السعيدن سعد بن عبادة و سعد بن معاذ في دفع ثلث ثمار المدينة لقبائل غطفان وذلك في غزوة الأحزاب لتخذيل جيوش المشركين ، ولم يأخذها بلا اذنهم ولا مشورتهم رغم أنه رسول الله، وهو الإمام الأعلى في الدولة يتصرف لمصلحة الأمة، فما كان من الرجلين الا أن رفضا ذلك !! ولم يعتب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما !!
ويوم ان كان يسوي الصفوف في غزوة بدر ، فإذا بسواد به غزية رضي الله عنه ، كان متقدما في الصف، فلهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بطنه وهو يقول له ( استو يا سواد ) فقال الرجل يا رسول الله لقد أوجعتني فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم الا أن كشف عن بطنه الشريفة ، وقال له ( يا سواد استقدْ) أي اقتصّ مني !!
وقد بوب الامام عبد الرزاق بن همام الصنعاني في مصنّفه بابا سماه( باب القوَد من السلطان أي القصاص من السلطان ) انظر المجلد التاسع صفحة 432 الى الصفحة 465 .
واستدل أيضا بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعُماله وولاته( ظهور المسلمين حمى الله ، لا تحلّ لأحد الا أن يخرجها حدّ قال ولقد رأيت بياض ابط النبي صلى الله عليه وسلم يُقيد من نفسه ) ( الجزء التاسع من مصنف عبد الرزاق الصفحة 466) .
فلماذا لا يذكر السلفيون المداخلة هذه الأدلة ؟؟ بل إنهم باقتطاعهم للأدلة وتعمد بترها ، أعطوا صكّا على بياض لكل الطغاة والظالمين ، أن يأخذوا من أموال المسلمين ما شاؤوا ،وأن يفعلوا بهم ما أرادوا ، ضربا وحبسا و قتلا وسحلا !!
وهاهم اليوم بحزبهم المسمى بحزب النور في مصر ( بعد ان كانت التحزب حراما )هاهم يصطفّون في خندق السيسي ، وقد أعلنوا تأيدهم وترشيحهم له ، لولاية اخرى، فهرعوا الى صناديق الاقتراع، وصارت الانتخابات حلالا بعد أن كانت حراما!!
شأنهم شأن السلفية العلمية التي تتلون باللون السياسي !! وتغير فتاواها حسب الطلب لإرضاء السلطان!!
و لذا يصدق في هؤلاء جميعا قول النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة ( أعاذك الله من إمارة السفهاء قال يا رسول الله وما إمارة السفهاء ؟؟ قال أمراء يكونون بعدي ، لا يستنون بسنتي ولا يهتدون بهديي ، فمن صدّقهم بكذبهم ،أو أعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولن يردوا علي حوظي يوم القيامة ،ومن لم يصدقهم بكذبهم ، ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وانا منهم وسيردون علي حوظي يوم القيامة ) رواه أحمد وهو في السلسلة الصحيحة للالباني.

السلفية المتوحشة :

قابل السلفيتين الاوليين ، سلفية متوحشة ثائرة هائجة ، تنقم على كل شيء حولها ، وتشيطن وكل شيء،أمامها ، و تنتحل التكفير المستصاغ من كتب السلفية العلمية ، مقتطعا أو متأوّلا ، و تنطلق بعد ذلك بالعوث في الأرض فسادا ،قتلا وارهابا و دمارا ، وهؤلاء هم بوابة الاستعمار المعاصر ، فحيثما وجدوا في بلد من بلاد المسلمين الا حل الخراب ، ودخل الغزاة الغربيون تحت لافتة مكافحة الإرهاب!!
ناهيكم عن ما تسببوا فيه من تشويه صورة الإسلام المشرقة، وعما خلفوه للدعوة الى الله في مجالاتها المتنوعة ، من تعقيدات ومشكلات، كم اغلق من مسجد ؟ وكم تعطل من عمل خيري؟ وكم ضُيّق على الدعاة والأخيار ؟ وكم حصلت من كوارث ؟؟
إنهم الابن العاق للسلفية !
هذه بعض الأمور التي يشيب لها الولدان ، والتي تورطت فيها هذه المدرسة الإصلاحية المعاصرة كما يحلو لها أن تسمي نفسها .
وما أكتب عنها إلا بعد سبر وتقسيم ، وقراءة في كتبهم و معرفة تامة بمنهجهم وطريقة تفكيرهم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

عاجل

رئيس دولة الإمارات، محمد بن زايد آل نهيان، يستقبل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي …