أخبار عاجلة

حقيقة علاقة إيران بأمريكا وإسرائيل: قراءة في كتاب “التحالف الغادر” لتيريتا بارسي 3 من 5

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

اندلاع الحرب بين العراق وإيران

اصطدم طموح كلٍّ من الخميني وصدَّام حسين لاستعادة أمجاد إمبراطوريتي فارس وبابل، ووصل العداء إلى حدِّ الاقتتال، وكان لسياسات الخميني الهادفة إلى تحقيق الزَّعامة في الشَّرق الأوسط دورها في تأجيج الصراع. شنَّ صدَّام هجومًا على إيران في 22 سبتمبر 1980، على خلفيَّة محاولة اغتيال وزير الخارجيَّة العراقي، طارق عزيز. وحقق الجيش العراقي في البداية تقدُّمًا كبيرًا، ولم يجد مقاومة قويَّة، ولكن سرعان ما انقلب الوضع عليه، بعد انضمام عشرات الآلاف من المتطوِّعين إلى الجيش الإيراني. بحلول عام 1982، استعادت إيران أراضيها التي فقدتها لصالح العراق، وأصبحت المعركة التي اعتبرها صدَّام تأديبيَّة للدولة الفارسيَّة، حربًا استنزاف موسَّعة استمرَّت 8 سنوات، أُزهقت خلالها مليون روح. فقدت العراق خلال تلك الحرب الكثير من قوَّتها السَّابقة، بعد أن أُنهك اقتصادها، وتراجعت قيمة عملتها أمام الدولار، برغم الدعم السعودي بمليار دولار في الشهر لجيش صدَّام حسين. توتَّرت علاقة إيران بمنظَّمة التحرير الفلسطينيَّة وقتها؛ بسبب مساندتها العراق. وأغرت الحرب العراقيَّة-الإيرانيَّة المملكة العربيَّة السعوديَّة والإمارات العربيَّة المتَّحدة وقطر والبحرين وسلطنة عمان والكويت بتأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981. المثير للاهتمام أنَّ أمير محبيان، المحلل السياسي الإيراني لدى صحيفة رسالات، قد اعترف أنَّ إخفاء تعاوُن بلاده الاستراتيجي مع إسرائيل كان لإقناع العرب والمسلمين بخطأ العراق في هجومها على بلاده، كما ينقل فارسي (ص101). ويشدد المؤلِّف على أنَّ الخطاب الإيراني العدائي تجاه إسرائيل لم يُترجم أبدًا إلى مواقف وأفعال على الأرض، خاصَّة وأنَّ الخميني قد اعتبر في السَّابق أنَّ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي شأنٌ فلسطينيٌّ (ص102). رفض الخميني الصُّلح الذي عرضه صدَّام حسين عشيَّة حرب لبنان مع إسرائيل في يونيو من عام 1982، في سبيل مساندة لبنان في مواجهة الكيان الصهيوني، كما ساند الحزب السُّوري القومي الاجتماعي في معركته مع حزب الله الشِّيعي اللبناني، حليف إيران، عام 1986؛ لأنَّ الحزب السُّوري كان يشاركه في عدائه لصدَّام حسين. ويعتبر بارسي أنَّ ‘‘تحرير’’ فلسطين ظلَّ “أداةً بلاغيَّة” استخدمها خطاب الخميني في “كسب الشرعيَّة في العالم العربي”، ولم يكن هدفًا يسعى النظام إلى تحقيقه فعليًّا (ص103).

هرعت إسرائيل إلى نُصرة إيران في حربها مع العراق، خوفًا من ازدياد سطوة الأخيرة في المنطقة بما يهدد أمنها، وأملًا في استعادة العلاقات التي توتَّرت في السنوات الأخيرة قبل الحرب. فقد قطع وزير الخارجيَّة الإسرائيلي، موشيه ديان، رحلة خاصَّة إلى فيينا لعقد مؤتمر صحافي، يدعو فيه الولايات المتَّحدة إلى نسيان الماضي، وكان يقصد أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران، ودعم إيران بالسلاح في حربها. ولعبت إسرائيل أكثر من دور، وعلى أكثر من جبهة لضمان أمن إيران بكافَّة السُّبل الممكنة، سواء في سويسرا أو أمريكا. ويروي بارسي أنَّ بيغن أعرب لجيمي كارتر، في آخر لقاء للاثنين قبل انتهاء فترة رئاسة الأخير، في أغسطس من عام 1980، عن أمله في عودة المياه إلى مجاريها بين بلاده وإيران، وكذلك عن التزامه بدعمها. أيقنت إسرائيل بمرور الوقت أنَّ نظام الخميني ما كان ليسقط سريعًا، وكذلك أنَّ سقوطه لم يكن في مصلحتها؛ لأنَّ في ذلك قوَّة للدول العربيَّة المحيطة.

حرب لبنان 1982 وتصدير الثَّورة الخمينيَّة

اندلعت حرب في جنوب لبنان في 6 يونيو من عام 1982، بعد هجوم إسرائيلي ضارٍ للانتقام من منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة، إثر محاولتها اغتيال السفير الإسرائيلي في المملكة المتَّحدة، شلومو أرجوف. أراد آرييل شارون، وزير الدِّفاع الإسرائيلي حينها، محو منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة من الوجود، واعتبر هو وبيغن أنَّ في ذلك منفعة كبيرة. أسفرت الحرب عن مقتل 20 ألفًا، وتهجير قرابة نصف مليون إنسان، بالإضافة إلى تدمير شامل للبنية التحتيَّة في لبنان، ولعلَّ مجزرة مخيَّمات اللاجئين الفلسطينيين في صبرا وشتيلا في سبتمبر 1982، من أشهر المآسي الإنسانيَّة التي شهدتها تلك الحرب، حينما هجم الإسرائيليُّون، بإيعاز من شارون، على اللاجئين السلميين، فذبَّحوا واغتصبوا وشوَّهوا قدر ما استطاعوا. واستجابة للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، ونصرة لحزب الله الشِّيعي، تدخَّلت القوَّات الإيرانيَّة في لبنان؛ فصارت إسرائيل هي مَن أدخل إيران إلى الشَّام، وكأنَّما كان نصيب إيران تنفي مخططها التوسُّعي، ونصيب العرب القتل والتشريد. والمفارقة أنَّ الحرب العراقيَّة-الإيرانيَّة حققت هي الأخرى هدف إسرائيل باستنزاف موارد العراق وإضعافها، ومن ثمَّ تأمين الجهة الشرقيَّة لإسرائيل (ص112).

اضطر الرئيس الأمريكي رونالد ريجان أواخر عام 1986، للاعتراف بتورُّطه، وشخصيَّات بارزة في إدارته، فيما عُرف بفضيحة إيران-كونترا، وهي صفقة لبيع الأسلحة لإيران في حربها مع العراق، برغم حظر بيع السلاح إليها ومنع دول أخرى من التعامل معها في المجال العسكري. برَّر ريجان ما حدث بأنَّه نابع من حرصه على دعم إيران أهميَّتها الاستراتيجيَّة في العالم الإسلامي. ودخلت إسرائيل في الصُّورة، باعتبارها متورِّطة في تسهيل صفقة السلاح، وإن كان الإيرانيُّون قد نفوا من جانبهم التفاوض مع إسرائيل، التي دافعت عن موقفها بأنَّها أرادت تحسين العلاقات بإيران. ويؤكِّد بارسي أنَّ إيران-كونترا لم تكن الصفقة الوحيدة بين إيران وإسرائيل في عقد الثمانينات، أي في عهد الخميني، الذي أعلن في بداية نجاح ثورته عن ضرورة محو إسرائيل من الوجود.

نظام عالمي جديد يبدأ في التسعينات

شهد مطلع التسعينات من القرن الماضي حدثين غيَّرا معادلة القوَّة في الشَّرق الأوسط، بهزيمة العراق في حرب الخليج وانهيار الاتِّحاد السوفييتي. وقد دفعت تغيُّرات المعادلة إيران وإسرائيل إلى النظر إلى بعضهما من منظور جديد؛ فلا إيران عادت تحتاج إلى التسليح الإسرائيلي، ولا إسرائيل عادت تخشى سطوة العراق السَّابقة؛ ونتيجةً لذلك، اتَّخذت كلُّ دولة جانبًا، برغم هدوء الزخم الثَّوري الإيراني، وتراجُع الأصوات المندِّدة بعلاقة إيران بإسرائيل. وينقل بارسي رأي الإسرائيليين القائل بأنَّ تخلُّص إيران من كابوس العراق جعل منها تهديدًا لإسرائيل، خاصَّة بعد توفيرها مواردها المهدرة بسبب الحرب. ورأت إسرائيل كذلك أنَّه برغم الخسائر الفادحة التي مُنيت بها العراق، وتراجُع عدد قوَّات جيش من 1.4 مليون عنصر إلى 475 ألفًا، فقد ظلَّت تشكِّل تهديدًا على أمن الدولة العبريَّة (ص140). أراد صدَّام حسين تعويض خسائر حربه مع إيران، بإسقاط ديونه على الكويت، التي اقترضها خلال سنوات الحرب، كما أراد منحة خليجيَّة تُقدَّر بـ 10 مليارات دولار، على أساس أنَّ حربه مع إيران حمت الجانب الشرقي للعالم العربي، وبخاصَّة الخليج، من الغزو الشِّيعي. رفضت الكويت التنازل، فازداد التوتُّر، خاصَّة بعد أن اتَّهمها صدَّام بسرقة آبار النفط الحدوديَّة. وبعد فشل الجهود الدبلوماسيَّة، شنَّ صدَّام الحرب على الكويت في 2 أغسطس من عام 1990 ميلاديًّا. سارع الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب بتشكيل تحالُف عربي ضدَّ العراق؛ فردَّ صدَّام باستغلاله قضيَّة فلسطين في استعطاف العرب تجاهه، بأن أعلن أنَّه لن يخرج من الكويت إلَّا إذا خرج اليهود من الأرض المقدَّسة. أمَّا عن ردِّ فعل إيران، فقد سمحت للقوَّات الجويَّة الأمريكيَّة بالتحليق في مجالها الجوِّي، ورفضت طلبات المساعدة المقدَّمة من العراق، وامتنعت عن إعادة طائرات استأمنتها العراق عليها قبل الحرب، والملفت أنَّها رفضت دعم ثورة شيعيَّة على نظام صدَّام حسين؛ كي لا تسمح بتمزُّق العراق في حرب طائفيَّة (ص142).

أصبحت أمريكا، بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتِّحاد السوفييتي، القوَّة الأولى في العالم؛ وبعد هزيمة العراق في حربيها مع إيران والكويت، أصبحت إسرائيل وإيران القوَّة الباطشة في الشَّرق الأوسط، مما استدعى تكوين تحالفات جديدة، وأسفر كذلك عن نشأة عداوات بين أطراف. قبل المضي في تناوُل هذه المسألة، تجدر الإشارة إلى أنَّ من أهم تبعات هزيمة العراق في حربي الخليج، الأولى والثانية، مرورها بأزمة اقتصاديَّة طاحنة، تمثَّلت في انهيار قيمة الدينار العراقي من ربع دولار عام 1988 إلى ما يقرب من 3 آلاف دينار مقابل الدولار الواحد عام 1993 بقرار من مجلس الأمن، وتبلغ قيمة الدينار حاليًا حوالي 1190 دولارًا. دفع هذا التدهور الاقتصادي الأمم المتَّحدة إلى إطلاق مشروع أسمته Oil for Food Program، النفط مقابل الغذاء، عام 1995، يسمح للعراق بتصدير جزء من نفطها في مقابل الحصول على دفعات من الأغذية والأدوية وتخفيف المعاناة عن الشعب العراقي. جدير بالذِّكر أن شبكة دويتشه فيله الإعلاميَّة الألمانيَّة قد نشرت بتاريخ 10 أغسطس 2005، مقالًا يكشف عن فساد تعلَّق بتنفيذ برنامج النَّفط مقابل الغذاء، تمثَّل في استغلال البرنامج في التربُّح على حساب معاناة العراقيين، في عمليَّة تورَّطت فيها شخصيَّات بارزة وشركات متعدِّدة الجنسيَّات.

وطالت الاتهامات الأمين العام للأمم المتَّحدة ذاته، كوفي عنان، بمعرفته بالتجاوزات وتغاضيه عنها.

عودةً إلى النظام العالمي الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتصار إيران في حربها على العراق وإضعافها بالكامل، فقد آثر نظام الخميني الاصطفاف إلى جانب النظام الجديد في روسيا، بعد أن تبددت مخاوف إيران تجاه تهديدات الاتحاد السوفييتي. غير أنَّ بعد تخلُّص إيران من تهديد العراق، ظهر أمامها تهديد جديد في أفغانستان، بعد أن نشطت حركة طالبان الجهاديَّة المسلَّحة، المحسوبة على أهل السُّنَّة، بدعم باكستاني وسعودي، كما يذكر بارسي (ص142). تنامى خطر تنظيم القاعدة المسلَّح في أفغانستان بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وبدعم من طالبان، وقد ازداد التهديد السُّنِّي على إيران من جهة أفغانستان، بعد أن أعلن تنظيم القاعدة أنَّ العالم الإسلام يواجه ثلاثة تهديدات، مصادرها اليهود والمسيحيون والشِّيعة. نجحت حرب الخليج الثانية، بين العراق والكويت، في إدخال أمريكا إلى الخليج، مركز النفوذ الفارسي، تسعى أمريكا منذ ذلك الحين إلى تصوير إيران بأنَّها أشدُّ خطرًا من إسرائيل على العرب، نقلًا عن مستشار الرئيس الإيراني الأسبق محمَّد خاتمي. وبرغم هزيمة العراق وتردِّي حالة اقتصادها على يد أمريكا، فقد اعتبرتها إيران الأقدر بين دول العالم على تهديد سلامة أراضيها (ص143). وينقل بارسي عن نائب وزير الدفاع الإيراني الأسبق، محمود واعظي، ما قاله في لقاء أُجري معه في 16 أغسطس من عام 2004، من أنَّ إيران كانت تستشعر الخطر من جهة صدَّام حسين؛ لأنَّه كان سيسعى إلى الثَّأر، طالما احتفظ بالسُّلطة.

البرنامج النووي الإيراني يطفو على السَّطح من جديد

أعادت إيران العمل على تطوير أسلحة نوويَّة، المشروع الذي كان الشَّاه محمَّد رضا بهلوي، قد بدأه قبل الثَّورة الخمينيَّة، ثمَّ علَّقه الخميني باعتباره ‘‘غير إسلامي’’. وقد أشار تقرير استخباراتي أمريكي يعود لعام 2005، إلى أنَّ إيران كان من المتوقَّع أن تتمكَّن من تصنيع مكوِّنات المفاعل النووي بحلول 2015. وعملت إيران كذلك على تعزيز قدرات الدفاع الصَّاروخي؛ وبرغم أنَّ برنامج تطوير القاذفات كان يضع إسرائيل ضمن أهدافه، كانت إيران تعتبرها عدوًّا غير مباشر، ولم تكن تعبأ بقدراتها العسكريَّة الفائقة. غير أنَّ ذلك لم يكن يعني أنَّ إيران كانت تطمئن إلى إسرائيل، بل كانت تعتقد أنَّها تسعى إلى تحطيم مكانتها في المنطقة، وإلى تكوين قاعدة لها في جمهوريَّات آسيا الوسطى، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ضدَّ إيران، التي اعتقد أن أرمينيا ستكون مقرًّا لها، ولكنَّها أُسست في أذربيجان. وبدأت إيران تشعر بأنَّ إسرائيل تنافسها في سعيها إلى إحداث تغيير شامل في نظام المنطقة، وإحكام السيطرة عليها (ص172). وبرغم أنَّ إيران لم تكن في موقع يسمح لها بأن تتحدَّى سيطرة أمريكا المطلقة على المنطقة، والتي حققتها بسبب تدخُّلها العسكري في حرب الخليج الثَّانية مطلع التسعينات، وعزَّزتها لاحقًا بعد حرب الخليج الثَّالثة في 2003، استكمال نظام الملالي مساعي الشَّاه للسيطرة على المنطقة كان يؤكِّد تعطُّشها إلى تعظيم دورها السياسي والاقتصادي، على حساب مصالح إسرائيل. من ثمَّ، بدأ إسرائيل تعمل على إقناع أمريكا بفرض عقوبات اقتصاديَّة وخصار سياسي على إيران، بعد أن كانت تحث الإدارة الأمريكيَّة في الثمانينات من القرن الماضي، على مساندة إيران عسكريًّا في حربها مع العراق (ص181).

دور الأيباك…جماعة الضَّغط اليهوديَّة الأعلى تأثيرًا

الأيباك-AIPAC أو لجنة الشؤون العامة الأمريكيَّة الإسرائيليَّة، هي إحدى جماعات الضغط اليهوديَّة في أمريكا، وتأثيرها هو الأقوى على الإطلاق في توجيه السياسات الأمريكيَّة. تأسست الأيباك عام 1953 ميلاديًّا، وتجتهد منذ حينها في إفشال صفقات السلاح الأمريكيَّة مع العرب، وتخفيف الموقف الأمريكي تجاه تجاوزات الاحتلال الإسرائيلي في الأرض المقدَّسة، ودفع أمريكا إلى عدم الاعتراف بشرعيَّة منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة، وإلى اتِّخاذ موقف مؤيِّد لإسرائيل، وتحديدًا لسياسة حزب الليكود. يذكر بارسي أنَّ بداية من منتصف عام 1994، تعاونت الأيباك مع الليكود الإسرائيلي في حشد الرأي العام ضدَّ إيران، وشجَّعا أمريكا على فرض عقوبات اقتصاديَّة رادعة عليها (ص184). ازدادت الفجوة بين البلدين، بعد طريقة تعامُل إيران مع حادث اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إسحق رابين، في 4 نوفمبر من عام 1995؛ بسبب إبرامه معاهدة أوسلو للسَّلام، التي منحت رئيس منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة، ياسر عرفات، السَّلطة الجزئيَّة على الضَّفَّة الغربيَّة وقطاع غزَّة في 13 سبتمبر من عام 1993. علَّقت إيران بأنَّ رابين جرَّع نفس الكأس الذي يسقيه للمسلمين في الأرض المقدَّسة، ودفع ثمن الإرهاب الممارَس ضدَّهم، كما قال عليُّ خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلاميَّة وخلفة الخميني، عبر إذاعة طهران، أنَّ حكومة إيران وشعبها لا يؤمنون بشرعيَّة إسرائيل، ولا يرونها دولةً، بل هي جماعة من الزعماء الصهيونيين، ليس لهم دافع سوى العنصريَّة. وردَّت إسرائيل من جانبها، بالحشد لفرض مزيدٍ من العزلة على إيران، وصرَّح إيهود باراك، وزير الخارجيَّة الإسرائيلي وقتها ولاحقًا رئيس الوزراء، في 15 فبراير 1996، لمجلس الأمن التَّابع للأمم المتَّحدة، بأنَّ إيران ستُنتج سلاحًا نوويًّا خلال 8 سنوات منذ ذلك التَّاريخ.

صعود نتنياهو إلى رأس السُّلطة وتجدُّد الخطاب المعادي لإيران

يشير بارسي إلى أنَّ اغتيال إسحق رابين أجبر السياسة الإسرائيليَّة على العودة إلى مسارها السَّابق، شديد الحذر من الأعداء، التي كانت إيران على رأسهم. وكان الجنرال العسكري عاموس جلعاد صاحب أشدِّ موقف تجاه إيران، من بين عناصر الجيش الإسرائيلي. تزامنت حملة جلعاد المعادية لإيران مع فوز بنيامين نتنياهو، زعيم حزب الليكود، الذي تلقَّى تعليمه في الولايات المتَّحدة، في الانتخابات، ليتقدَّم بذلك إلى منصب رئيس وزراء إسرائيل. ويجدر هنا التذكير بأمرين: أنَّ حزب الليكود شديد العداء تجاه خصوم إسرائيل ولا يعتبر السَّلام طريقة التعامل السليمة معهم، بل القتال؛ وأنَّ نتنياهو تلقَّى دعمًا روحانيًّا من الحاخام مناحيم مندل شنيئورسون، زعيم حركة حباد الحسيديَّة الروحانيَّة، لمَّا زاره السياسيُّ الطامح في 1990، وأثنى الحاخام على جهود، ولكنَّه أعرب عن عدم رضاه بوتيرة العمل من أجل ظهور الماشيح.

كان فوز نتنياهو بمثابة إعلان نهاية معاهدة أوسلو للسَّلام، وبداية جولة جديدة من الصراع مع إيران، كما يلمح بارسي. عُيِّن جلعاد متحدثًا باسم الجيش الإسرائيلي، ثمَّ انتقل إلى الاستخبارات الحربيَّة، حيث أصبح رئيس قسم الأبحاث بالجهاز، ليتبنَّى عمليَّة الترويج لخطورة إيران وتهديدها المباشر لأمن إسرائيل، بعد حالة التردِّي التي أصابت العراق إثر هزيمتها في حربي الخليج. وفي اجتماع وزاري عقَده نتنياهو فور وصوله إلى السُّلطة، دعا إليه قادة الجيش والموساد، أشار جلعاد، بوصفه متحدِّثًا باسم الجيش، إلى بعض أسباب الحذر من إيران؛ أوَّلها، أنَّ النظام الإيراني كان يعادي إسرائيل ويريد محوها من الوجود؛ وثانيها، أنَّ إيران طوَّرت قدراتها العسكريَّة، ويمكن لمنظومة الصواريخ التي طوَّرتها أن تصل إلى إسرائيل في غضون سنين قليلة؛ وثالثها، أنَّ مشروع إيران النووي كان بمثابة أكبر تهديد لأمن إسرائيل. وخالف عوزي أراد، ممثل الموساد في ذلك الاجتماع، جلعاد الرأيَ؛ حيث رأى أنَّ تسلُّح إيران كان دفاعيًّا في مواجهة تهديد نظام صدَّام حسين، وأنَّها كانت مكبَّلة بالديون، نتيجة انخفاض أسعار النفط؛ من ثمَّ، لم يكن خطرها عظيمًا للدرجة التي كان يشيعها جلعاد. وبعد استماعه إلى الطرفين، آثر نتنياهو اتِّخاذ موقف عوزي أراد، مفضِّلًا التركيز على منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة، ولكن دون ترك إيران وشأنها، من خلال تسليط أعدائها الآخرين عليها.

تطوُّر هام على السَّاحة السياسيَّة الإيرانيَّة بوصول خاتمي إلى الرئاسة

كان فوز محمَّد خاتمي بالرئاسة تحديًّا للمؤسسة الدِّينيَّة ونظام الملالي، الذي أسسه الخميني. اعتقد الإيرانيُّون أنَّ خاتمي كان بمقدوره إحداث التغيير المرجو، فخرجوا إلى صناديق الاقتراع لانتخابه. بدأ خاتمي عهده عام 1997 ميلاديًّا، بإظهار تودُّد كبير تجاه الجيران العرب، وقد شهد عام تنصيبه رئيسًا عقد الدورة الثالثة عشرة لمؤتمر القمة الإسلامي في طهران، التي كان شعارها ‘‘الوحدة والتضامن من أجل العدالة والسلام’’، وقد نالت هذه الدورة مشاركة وليِّ العهد السَّعودي وقتها، الأمير عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، وياسر عرفات، رئيس السُّلطة الفلسطينيَّة، في خطوة غير مسبوقة في مساعي التقارب مع العرب. استهلَّ خاتمي كلمته بالإشارة إلى قبول إيران أنظمة الحُكم العربيَّة السَّائدة، وإلى جديَّة مساعي بلاده للسَّلام معها. المفارقة أنَّ التقارب العربي-الفارسي تزامن مع تباعد عربي-عبري؛ بسبب انحراف حزب الليكود، بزعامة نتنياهو، عن مسار السَّلام الذي تنصُّ عليه معاهدة أوسلو 1993. ومع استعداد العرب لتطبيع العلاقات بإيران، أمرت جامعة الدول العربيَّة بتجميد العلاقات بإسرائيل، حتَّى يعود نتنياهو إلى مسار أوسلو.

حرص خاتمي على تحسين علاقة إيران بالاتحاد الأوروبي، وبأمريكا، معربًا عن أسفه حيال حادثة احتجاز مواطنين أمريكيين سفارة بلادهم عام 1979. غير أنَّ سياسة خاتمي تلك لم ترُق لإسرائيل، التي حرص وزير خارجيَّتها، ديفيد ليفي، فور فوز خاتمي وتيَّاره الإصلاحي في الانتخابات، على تحذير الكيان الصهيوني من إمكانيَّة مواجهتها تحالفًا دوليًّا، مثل الذي هاجم العراق عام 1991، كما يشير بارسي (ص207). تعاملت أمريكا بشكٍّ مع تركيز الخطاب الإسرائيلي ضدَّ إيران على تطويرها برنامج للصواريخ البالستيَّة، كما شعرت باليأس من محاولتها حضِّ نتنياهو على العمل وفق مسار أوسلو. غير أنَّ نتنياهو لم ييأس من محاولة إقناع أمريكا والعالم بخطورة الصواريخ التي كانت إيران تطوِّرها، والتي كان من شأنها أن تجعل منها قوَّة عظمة في المنطقة. وكان دعم إيران لحزب الله اللبناني، في حربه في مواجهة إسرائيل في جنوب لبنان، من أهم أسباب استمرار التوتر بين البلدين.

سياسة إسرائيليَّة مختلفة تجاه إيران في عهد باراك

هزم إيهود باراك، وزير الدفاع الإسرائيلي في عهد إسحق رابين، بنيامين نتنياهو في الانتخابات في عام 1999، وتبنَّى سياسته القديمة تجاه إيران، التي اعتبرها مجرَّد تهديد، وليست عدوًّا. أمَّا عن تبرير ذلك، فكان استعداد إسرائيل للانسحاب من جنوب لبنان، في أبريل من عام 2000، بعد صراع طويل كبَّد إسرائيل خسائر فادحة، ومنح إيران الفرصة للتدخُّل العسكري في لبنان، من خلال تسليحها حزب الله. أعلن الإيرانيُّون النَّصر، مشدِّدين على أهميَّة الصراع المسلَّح في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، مما منح إيران فرصة جديدة لتزعُّم القضيَّة الفلسطينيَّة، والزَّعم بأنَّها الأقدر على حلِّها. لهذا السبب، انتقدت إيران قمَّة كامب ديفيد 2 في يوليو من عام 2000، المنعقدة بين كلٍّ من الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون وياسر عرفات وإيهود باراك. فشل الطرفان، الفلسطيني والأمريكي-الإسرائيلي، في إيجاد تسوية بشأن الأرض والقدس الشرقيَّة وما يُعرف بـ ‘‘جبل الهيكل’’، أو الحرم القدسي الشريف.

زيارة شارون لـ ‘‘جبل الهيكل’’ واندلاع انتفاضة الأقصى الثَّانية

في 28 سبتمبر من عام 2000، زار زعيم المعارضة الإسرائيليَّة، آرييل شارون، ‘‘جبل الهيكل’’ في البلدة القديمة في القُدس الشَّريف، بموافقة باراك، لكنَّ الزيارة كانت عبارة عن اقتحام أحدث بعض أعمال الشَّغب، مما أثار حفيظة الفلسطينيين، وتحوَّل ردُّ فعلهم إلى ما سمِّي لاحقًا انتفاضة الأقصى الثَّانية. من جانبها، استغلَّت إيران الحدث لصالحها؛ فراحت تدعو المسلمين إلى الاتِّحاد في مواجهة إسرائيل، ‘‘الورم الخبيث، والشَّجرة الخبيثة’’، كما أطلقت عليها، معتبرةً إيَّاها ‘‘تهديدًا للعالم الإسلامي بأسره، حتى للحكومات التي تعتقد أنَّ صلتها بالحكومة الصهيونيَّة الغاصبة في مصلحتها”، كما ينقل بارسي (ص221) عن ‘‘دعوات خامنئي للوحدة الإسلاميَّة في مواجهة إسرائيل’’، التي أذاعتها إذاعة جمهوريَّة إيران الإسلاميَّة في 27 ديسمبر من عام 2000. مع هذا الموقف الإيراني تجاه الانتفاضة، ومع فوز شارون في الانتخابات عام 2001 وتشكيله الحكومة، ازدادت فرص التقارب العربي-الإيراني، خاصَّة بعد أن طالبت إيران بعقد محكمة لجرائم الحرب للتعامل مع انتهاكات إسرائيل في حقِّ مسلمي الأرض المقدَّسة، وبإرسال مراقبين دوليين تابعين لمجلس الأمن لمنع تصعيد أعمال العُنف. المفارقة أنَّ إسرائيل مع اتِّهامها إيران بتمويل ‘‘الإرهاب الفلسطيني’’، أعرب الفلسطينيُّون عن خيبة أملهم حيال عدم وفاء إيران بوعودها. من جديد، يذكِّرنا بارسي بأنَّ خطابات إيران الرنَّانة عن دعمها القضيَّة الفلسطينيَّة، لم ترقَ إليها أبدًا جهودها لدعمها على أرض الواقع (ص222).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

التقرير الإستراتيجي السوري (97)

المرصد الاستراتيجي شؤون أمنيةأنقرة: هل يثمر الحوار مع دمشق؟تحدث تقرير نشره موقع “إنتلجنس أونلاين” (2 …