أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / رؤية نقدية للعلمانية

رؤية نقدية للعلمانية

د. محمد علي الجزولي

رئيس حزب دولة القانون والتنمية
عرض مقالات الكاتب

العلمانية ومزاحمة الدين في وظيفته
عندما يردد العلمانيون هذه العبارة ( الدين جاء لتنظيم العلاقة بين الإنسان وربه لا علاقة له بالحكم والسياسة ) أقول أيها العلمانيون هذه فتوى دينية ذلك لأنها توصيف لطبيعة الدين وطبيعة الشيئ لا يمكن أن يدركها الإنسان إلا بقرءاة متفحصة له فالذي يريد أن يوصف الشيوعية هو يصدر عن جهل كبير إن وصفها من غير دراسة لواقعها .
المفتي العلماني عندما يصدر توصيفا لطبيعة الدين وعلاقته بالدولة على نحو ما سبق هو يصدر عن أحد جهلين أو الجهلين معا إما جهل بطبيعة الدولة ووظائفها وإما جهل بطبيعة الدين وهل وردت في نصوصه وظائف الدولة أم لا ؟ !!.
العلمانية تقول أن الحكم الإسلامي ينافي الإعتراف بالتنوع نقول إذا كان المطالبون بالحكم الإسلامي مواطنين في الدولة فإن المطالبة بالعلمانية هو أيضا ينافي الإعتراف بالتنوع لأن في الدولة إتجاها فكريا وسياسيا يريد للحكم أن يكون إسلاميا فالزعم بأن العلمانية أوسع ماعون لاستيعاب التنوع هو زعم أوهن من بيت العنكبوت إلا إذا سحب الجنسية من المواطنين المنادين بالحكم الإسلامي وعندئذ هو ينكر حقهم في الوجود ويكشف عن وجه سافر للإستبداد وقد رمانا بدائه وما انسل !!
والفكرة العلمانية هي تزاحم الدين في طبيعته ، فالدين نزل أصلا للحكم لا لغيره نزل لتهيئة البيئة العامة للإهتداء لا لحمل الناس على الهداية إقرأ من القرآن الكريم في شأن سائر الأنبياء ما أنزل الله عز وجل عليهم الكتب إلا ليقوم الناس بالقسط أي العدل (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) 25 الحديد وانظر في حق خاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام ماذا أنزل الله عليه القرآن إلا ليحكم بين الناس قال الله تعالى ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ) والأنبياء إنما بعثوا ساسة لذلك من يخلفهم في منصبهم بعد موتهم هم الخلفاء لا الفقهاء وفي الحديث عند البخاري ومسلم عن أَبي هريرةَ  قَالَ: قالَ رَسُول اللَّه ﷺ:كَانَت بَنُو إسرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبياءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبيٌّ، وَإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي، وسَيَكُونُ بَعدي خُلَفَاءُ فَيَكثُرُونَ ) تنبه إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون ) فهذه لطيفة عظيمة وهي أن النبي يقوم مقامه السلطان الحاكم لا المفتي العالم والبديل لا بد له من القيام بأعمال الأصيل فلما كان الحاكم هو الذي يخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم صح ان وظيفة النبي كانت هي الحكم والسياسة وأدلة ذلك في القرآن والسنة تتجاوز الألف دليل !
فإذا علمنا أن طبيعة الدين وتشريعاته هي القيام بأعمال الحكم ووظائف الدولة فلنتأمل نموذجه الأول دولة المدينة فإنه لم يكن فيها نقاء ثقافي وديني فقد كان يقطنها مسلمون ويهود ونصارى ، ولم يكن فيها نقاء عرقي أو لغوي فقد كان يقطنها عرب وفرس وروم وحبش ، ولم يكن فيها نقاء في السحنة فقد كان يقطنها سود وبيض عرب وزنوج وإفرنجة لكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع هذا التنوع كان يحكمها بالإسلام وهنا نطرح سؤالا على بني علمان هل كان هذا الفعل مته عليه الصلاة والسلام عدلا أم ظلما ؟!
إن قلت كان عدلا فيسعنا هذا العدل الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي حكم هذا التنوع الديني و الثقافي والعرقي واللغوي بالإسلام وإن قلت كان ظلما منه فأولويات الخطاب معك هي دعوتك إلى الإيمان بنبوءته لا بدولته !
إن التنوع هذه العبارة التي صدعوا بها رؤوسنا ليست نازلة حديثة ظهرت في القرن الواحد والعشرين بل هو موجود من قديم الزمان قدم وجود الإنسان .
لقد كان الدين يقول ما تريد العلمانية اليوم مزاحمته فيه أيها المواطنون في تصوركم عن الله عز وجل توحيد أو تثليث لن تتدخل الدولة ، بل في جميع تصرفاتكم الشخصية الخاصة خلف جدر بيوتكم لن تتدخل الدولة وتحضرني هنا قصة أبي محجن الثقفي مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عندما كان الفاروق يتجول في الليل فسمع جلبة وأصواتًا مرتفعة فقال لمرافقه عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه ما هذا ؟ قال هذا بيت أبي محجن أظنه يتعاطى الخمر مع أصحاب له فدفع عمر بن الخطاب الباب ودخل عليه فقال له أبو محجن ( يا أمير المؤمنين إن كنا قد عصينا الله عز وجل وسترنا أنفسنا فقد عصيته بتجسسك علينا وهتك سترنا ودخولك بلا استئذان ) فقال له عبدالرحمن بن عوف :صدق يا أمير المؤمنين فخرج عمر وأغلق عليهم الباب ! .
فالنظام السياسي الإسلامي ما جاء ليتدخل بين الناس وربهم وإنما ليحكم ما بين الناس والناس ،وفي ما ظهر له وبلغه من مخالفة الأفراد لقيم المجتمع وأخلاقه حفاظا على المجتمع وصونا له فالإسلام يتركهم وعقائدهم لكنه يقيم لهم اقتصادًا عادلا لا ربا فيه يستغل حاجة أصحاب العوز ، وقضاءا مستقلا عادلا لا يفضل فيه الشريف على الضعيف ، وعلاقات مع الدول الأخرى تحفظ قيم المجتمع وسيادة الدولة ، وسوقًا يبيع الناس فيه ويشترون بلا غرر ولا جهالة ، وفقها زراعيا يحرم إيجار الأرض بلا إنتاج ، وفقها للحياة البرية يحرم صيد ذي الناب من السباع وذي الظفر من الطيور ، وفقها لمتولي الولاية العامة يحرم عليه قبول الهدية ويعدها من الغلول ، وفقها للأجور يوجب أجرة المثل عند النزاع وتعجيل الأجرة قبل أن يجف العرق ! إذا لم تكن هذه هي أحكام السياسة والدولة فما هي ؟! .
إن ما تطالب به العلمانية من ترك الدين للعلاقة الخاصة وإبعاده من الحكم والسياسة هي دعوة لإبعاد الدين من وظيفته الأساسية ،وهي ما ذكرنا قلت لعلماني في حوار معه عندما تقول : أنا أحترم الدين لكن فقط لا نريده يدخل في الدولة ، مثل أن تقول لشيوعي أنا: أحترم الشيوعية فقط لا نريدها تدخل في الاقتصاد ،فإنه سيتعجب من عبارتك هذه ! لأن الشيوعية أصلاً نظرية اقتصادية فسيقول لك ( ماذا يفيدها احترامك وقد منعتها من التدخل في ما كتبت له ؟) وأنا من قولك عن الدين أشدّ عجبًا منه لأن الدين ما هو إلا منظومة سياسية متكاملة وضعت تشريعات للمسلم ولغير المسلم فإذا منعناه من التدخل في السياسة فما هي وظيفته أصلا ؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

صديق عن صديق يختلف

حسام الدين الفرا شاعر وكاتب سوري رُشّح صديقي لاتباع دورة، وورشة عمل في …