أخبار عاجلة
الرئيسية / تحقيقات / الليرة السورية في مدافن آل الأسد.

الليرة السورية في مدافن آل الأسد.

عمر عبد العال- رسالةبوست
مرّت الليرة السورية بمراحل عدة، منذ الدولة العثمانية فالجنيه المصري فالليرة السورية اللبنانية خلال الانتداب الفرنسي، ولم تستقل الليرة السورية وتصدر عن بنك سورية المركزي، إلا منتصف خمسينيات القرن الفائت، لتستمر بقوة سعر صرفها، حتى مجيء آل الأسد.

ففي عام 1953م تمّ إصدار أوّل ليرة سورية مستقلة، فصدرت عملات معدنية من فئات القروش، بالإضافة إلى العملة الورقية من فئات الليرات، وكانت الليرة منذ عام 1947م مرتبطة بالدولار، حيث كان الدولار الواحد يساوي 2.19 ليرة سورية، وبقي هذا سعر الصرف إلى عام 1961م، لكنه بعد عام 1961م بدأ التراجع الواضح أمام الدولار، حيث أصبح الدولار الواحد يساوي 3.65 ليرة سورية عام 1970م، ويعود السبب الرئيسي إلى السياسات الاقتصادية والمالية الخاطئة التي بدأت في الستينات، وتوّجت بانقلاب آذار 1963م ـ استيلاء اللجنة العسكرية بقيادة حزب البعث على القيادة المدنية بعد الانفصال عن مصرـ.
نستطيع القول :إن مرحلة حافظ الأسد في الحكم هي مرحلة حرجة وخطيرة في مسيرة قيمة الليرة السورية، حيث اتجهت فيه قيمة الليرة السورية من القوة إلى الانهيار، بشكل يفوق كثيراً مرحلة التراجع في الستينات.

وفي ما يلي جدول يظهر تدهور الليرة السورية أمام الدولار خلال حكم حافظ الأسد:

السنة سعر صرف الليرة أمام الدولار

1970م 3.65 ليرة
1976م 3.90 ليرة
1981م 5.56 ليرة
1986م 11.25 ليرة
1990م 42.25 ليرة
2000م 46.5 ليرة

تبدأ أولى أسباب هذا الانهيار المخيف، هو بنية الاقتصاد في ظل مايسمى بالحركة التصحيحية التي قادها حافظ الأسد في سنة 1970م، وأورثها لابنه بشار بعد وفاته في سنة 2000م، من حيث اعتبر سوريا بأسرها مزرعة مفتوحة للنظام وأعوانه، مما أتاح هيمنة الفساد بأشكاله المختلفة التي تشمل الرشوة والاختلاس والنهب والهدر وإساءة استخدام السلطة.
ومع مطلع الثمانينات، تراجعت قيمة الليرة السورية أكثر، إبان إعلان حافظ الأسد تأييده للثورة الخمينية في إيران ودعمها والوقوف إلى جانبها في وجه العراق والدول الخليجية.
فقد كلف القرار سوريا في ذلك الوقت توقف جميع المساعدات الخليجية المالية، والتي كانت تقدر بأكثر من مليار ونصف المليار دولار سنويًا. ولعبت هذه الأموال دوراً كبيراً على مدى أكثر من عشر سنوات، في حماية الاقتصاد السوري من الانهيار في أعقاب حربين مدمرتين، في عام 1967م وعام 1973م.
وقامت إيران بتعويض سوريا عن المساعدات الخليجية، بمنحها 100 ألف برميل نفط يوميًا، كان حافظ الأسد، وبدل أن يضخها في الاقتصاد، يبيعها في الأسواق العالمية، ويضعها في حساب خاص باسم ابنه باسل. وهي الفضيحة التي تكشفت خيوطها بعد موت باسل في العام 1994، إذ تبيين وجود مبلغ 13 مليار دولار باسمه في أحد البنوك النمساوية، في وقت مرت فيه سوريا بسنوات عصيبة في الثمانينيات، ومطلع التسعينيات، إذ كانت الموازنة العامة للدولة كلها لا تتجاوز الـ 1.5 مليار دولار.
والجدير بالذكر أن أموال المساعدات الخليجية، تم تبديدها بالكامل على يد رفعت الأسد، الذي استحوذ على قسم كبير منها منذ بداية السبعينيات وحتى مطلع الثمانينيات وراح يبني بها قوة عسكرية خاصة به.
وأما على صعيد بناء الاقتصاد الداخلي، فقد استعان حافظ الأسد بالشركات الرومانية، التي راحت تتواجد في كل القطاعات تقريباً، وتتولى هي مهمة انجاز المشاريع الاقتصادية ومشاريع البنية التحتية، وقد استنزفت هذه الشركات الأموال الطائلة من الاقتصاد المحلي دون أن يكون لعملها أثر واضح على حياة الناس المعاشية أو على تطور البنية الاقتصادية في البلد.
ومن أهم أسباب تدهور قمية الليرة السورية، البعد الطائفي القائم على الفساد، فبدأ قسم من أبناء طائفته باستغلال قبضتهم العسكرية والأمنية والسياسية لكسب الأموال سواء من خلال المشاريع المختلفة أو من خلال التهريب، خارقين كل القوانين الاقتصادية والرقابية، وقاموا بتحويل مبيعاتهم إلى دولارات يضعونها في حساباتهم في الخارج، وهذا يحرم البلد من العملة الصعبة، ويضرب عجلة الاقتصاد الوطني، وبالنتيجة التأثير على العملة الوطنية.

والمثال الأبرز لهذا، هو رجل الأعمال السوري الأول، رامي مخلوف ابن خال رئيس النظام، الذي قدّرت صحيفة (فايننشيال تايمز) أن ثروته تعادل 60٪ من الناتج القومي الإجمالي السوري، وليست مصادفة أن تُعزى بعض عوامل الانهيار الأخير لليرة السورية إلى ما يتردد من إشاعات حول بوادر خلاف بين الأسد وابن خاله بعد امتناع الأخير عن تغطية بعض التزامات النظام المالية.

ومن المعلوم أنّ الفساد الممنهج إذا دخل الاقتصاد فإنّه يؤثر على الإنتاج والمستوى العام للأسعار بشكل سلبي، ما يقود إلى تدهور قيمة العملة.
لقد ترك حافظ الأسد هؤلاء الرجال ومن بعده ابنه، يزدادون ثراءً على حساب اقتصاد الدولة، ويعيثون فساداً وسرقة للمال العام.
لم يكن هدف حافظ الأسد الجوهري هو التنمية الاقتصادية؛ بل هدفه سياسي يتمثل بتثبيت نظام الحكم ومن ثمّ توريثه، ومن المعهود أن التنمية الاقتصادية لا تتحقق، إلا إذا كانت السياسة خادمة للاقتصاد، وهذا هو الذي كان مفقودًا في حقبة حكم آل الأسد.
وأما عن أسباب تدهور قيمة الليرة في عهد بشار الأسد فهي الأسباب نفسها في عهد أبيه، فقد ورثها بسوء وزادت سوءًا.
لنرى عام 2000م وبعد توريث بشار الأسد كرسي أبيه، طباعة صورة حافظ الأسد على فئة الأف ليرة التي لم تك موجودة ضمن الأوراق النقدية السورية، لتبدأ حفلة النهب والاستيلاء خلال الثورة، بطرح ورقة نقدية من فئة ألفي ليرة، وعليها صورة بشار الأسد، ولتبدأ مرحلة جديدة وساحقة لقيمة الليرة السورية، مع انطلاقة الثورة في آذار 2011م، حينها لم يزد سعر صرف الدولار عن 45 ليرة، ويصل الآن نحو 600 ليرة.
وقد يقول قائل، من الطبيعي أن تتهاوى أي عملة بواقع الحرب والحصار، ويتناسى هذا القائل، حالات التخلي التي عانتها الليرة السورية، من نظام بشار الأسد ورجالاته الذين كونوا ثروات طائلة وبالعملات العالمية وليس الليرة، خلال سنوات حكمه، وربما السبب الأهم بتهاوي سعر صرف الليرة خلال الثورة، أن نظام بشار الأسد، بدأ ومنذ عام 2011م، بسحب نحو 21 مليار دولار من الاحتياطي الدولاري والذهبي بالمصرف المركزي، واستنفاذ أموال الدولة لشراء الأسلحة وقتل الشعب.

وهذه الأرقام في مرحلة آل الأسد من أسوأ الأرقام في الدول المتخلّفة، حيث أن الليرة السورية لم تشهد انخفاضًا جنونيًا بهذا الشكل طوال تاريخ تداولها، وبذلك يكون الأسد قد أدخل سوريا عالم المشاكل الاقتصادية من الباب العريض، باعتبار أن تدهور سعر الصرف يضرب بثقله السلبي على جميع مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وفي النتيجة نقول: إنّ حكم آل الأسد لسوريا كان كارثة على مسيرة الليرة السورية، ويكفي أن نقول: إنّ قيمة الليرة السورية عام 1970م كانت تساوي 3.65 دولاراً، فأصبحت عام 2019م تساوي 675 ليرة سورية؛ أي تدهورت بمقدار 184.93 ضعفاً، بما يعادل 18493% وهذه نسبة كفيلة تعطي دروسًا كبيرة في الفشل الاقتصادي، لا يقدر عليه إلا آل الأسد!
وباعتبار أنّ هدف التنمية في كل البلدان العالمية هو تحقيق الرفاهية للإنسان، فإننا نجد أنّ الإنسان السوري كان ضحيّة لسياسات آل الأسد الاقتصادية، لم تعد تساوي الورقة من فئة الألفي ليرة التي تتصدرها صورة بشار، سوى 4 دولارات، ولا تصرف الورقة التي تحوي صورة أبيه، سوى دولارين.

فهل ما زالت الليرة السورية، هي عملة وطنية تمثل السوريين و يعتمدونها بمدخراتهم؟ أم تراهم من المتشفين بانهيارها؟
وبين ضغط الدولار وندرة الذهب، كيف لليرة السورية أن تصمد أو أن تسد الرم

شاهد أيضاً

حوار مع نصير السوريين في مصر المحامي يوسف المطعني

عمر عبد العال ـ رسالة بوست RP أرض إذا ما جئتها متقلبًا فى محنةٍ ردتك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *