أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / أزمة اليمين المحافظ في كندا على ضوء الانتخابات العامة التشريعية أكتوبر 2019

أزمة اليمين المحافظ في كندا على ضوء الانتخابات العامة التشريعية أكتوبر 2019

فهد السالم صقر

كاتب وباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
عرض مقالات الكاتب

ذكرت في مقالي السابق بتاريخ 3 -09-2019  بأن الإنتخابات التشريعية الكندية المقررة في 21 أكتوبر 2019 هي أكثر من أي وقت مضى خيار بين رؤيتين مختلفتين بخصوص حاضر و مستقبل كندا. والسبب في ذلك يعود إلى أن حزب المحافظين اليميني، المنافس الرئيسي على السلطة  للحزب الليبرالي بزعامة جاستن ترودو Justin Trudeau قد خضع لعملية إختطاف أو إستحواذ (hostile takeover) من اليمين المتشدد منذ العام  2003،  حيث بدأنا نشهد عملية تحول جوهري في خطابه و أساليبه، وأدواته السياسية، وفي فلسفته بشكل عام ، وبالتحديد موقفه من مجموعة من القضايا الوطنية الحيوية منها الهجرة والجنسية واللجوء، الموازنة العامة والضرائب،  التأمين الصحي والتعليم ، البيئة والتغير المناخي، التعددية العرقية والأقليات وغيرها من الأمور. هذا التحول نحو اليمين المتشدد لا ينسجم مع المزاج الكندي العام الذي يؤمن به أيضا اليمين المعتدل من حزب المحافظين التقدميين السابق (The Progressive Conservatives Party)

لقد حمل حزب “المحافظين التقدميين”  راية اليمين الكندي منذ العام 1867، فهو حزب عريق أسسه المستعمرون الأوائل ، وإليه كان ينتمي السير جون ماكدونالد أول رئيس وزراء لكندا بعد قيام الكونفيدرالية. وقد شكل هذا الحزب ندا سياسيا قويا للحزب الليبرالي   وتداول معه السلطة على المستوى الفيدرالي،  تارة في الحكم وتارة في المعارضة ، وإن كان الحزب الليبرالي (وسط) هو الأطول حكما والأنجح في الإحتفاظ بالسلطة . ولكن يؤخذ على حزب  “المحافظين التقدميين”  أنه وفر بيئة صديقة – سواءا عن قصد أو غير قصد-  لليمين  المسيحي المتطرف  والشعبويين من العنصريين البيض الذين لم يجدوا متنفسا آخرا للتعبيرالسياسي  إلا من خلاله، فهم بطبيعة الحال،  غير مرحب بهم في أحزاب اليسار والوسط و لا تنسجم أفكارهم وتوجهاتهم مع تلك  الأحزاب أصلا، ودعني أضيف، ولا مع السواد الأعظم من الكنديين.   وعلى الرغم من أن هذة الأقلية داخل التيار المحافظ إحتلت جزء صغيرمن الطيف السياسي في فترة من الفترات، (يمين اليمين)، فإن تغاضي حزب المحافظين التقدميين عنها لدواعي إنتخابية كان له آثارا عكسية لاحقا، وهي سبب الأزمة الحادة التي تعصف بتيار اليمن المحافظ في كندا الآن.   

سُؤل السيد جو كلارك Joe Clark رئيس حزب المحافظين التقدميين من 1976-1983 ورئيس وزراء كندا الأسبق، لماذا تركت حزب المحافظين ؟ فأجاب أنا لم أترك الحزب، الحزب هو الذي تركني. هذا الجواب يلخص الحكاية بدقة. أما السيد بريان مولروني Brian Mulroney  رئيس  وزراء كندا من عام 1984-1993 وعراب المحافظين الكنديين في القرن العشرين، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك،  ففي إنتخابات 2015 أعلنها صراحة أنه يدعم فوز مرشح  الحزب الليبرالي المعارض آنذاك جاستن ترودو Justin Trudeau للفوز بمنصب رئيس الوزراء، ضد رئيس الوزراء المحافظ ستيفن هاربر Stephen Harper ، في سابقة لم تحدث من قبل. أما خليفة السيد مولروني في رئاسة حزب المحافظين التقدميين، رئيسة الوزراء السابقة ، وأول إمرأة تتبوأ هذا المنصب السيدة كيم كامبل Kim Campbell فعندما سئلت لماذا لم تعد ناشطة في حزب المحافظين أجابت بإقتابس مقولة السيد جو كلارك نفسها.

أزمة اليمين الكندي الآن سببها الجوهري أن جناحا هامشيا متشددا لا يمثل مزاج الأغلبية في الجناح المحافظ التقليدي في كندا سيطر على حزب المحافظين في غفلة من التاريخ وجر الحزب معه إلى يمين اليمين، وأصبح قادة الجناح  المعتدل التقليدي من المحافظين  سواءا من الغرب أومن مقاطعات  أونتاريو وشرق كندا ( مقاطعات الأطلسي الأربع) الذين قادوا الحزب طوال فترة تاريخه  صف ثاني داخل الحزب، ويجلسون في المقاعد الخلفية. هذا الجناح الهامشي ” المتطرف”  يتكون بشكل رئيسي  من عناصر يمينية مسيحية  ومحافظين إجتماعيين لديهم أجندات مخفية غالبيتهم قادمين من الغرب الكندي،  (Social conservatives & populists)   شاءت الأقدار والظروف المؤسفة أن يتصدروا تيار اليمين المحافظ ويتحكموا بأجندته منذ إنتخابات 1993 الكارثية.  

 إذا كان هناك من درس تعلمناه  من  الديمقراطية الليبرالية الغربية فهو أن  كل شيء ممكن الحدوث في صناديق الإقتراع،  وأكبر مثال على ذلك، إنتخاب دونالد ترامب رئيسا لأمريكا عام 2016  عكس كل التوقعات. المعادل لظاهرة دونالد ترامب في أمريكا حدثت في كندا في إنتخابات سنة 1993 بإنتخاب حزب الإصلاح Reform)) ليمثل اليمين بدلا من حزب المحافظين التقدميين، نتيجة لإرهاصات سياسية معينة و خطأ قاتل لا يغتفر سآتي على ذكره بالتفصيل لاحقا.

المحافظين التقدميين تحت زعامة بريان مولروني 1983-1993

في سنة 1983 وبعد فوزه برئاسة حزب المحافظين إستطاع السياسي المخضرم إبن مقاطعة كوبيك، ذو الأصول الإيرلندية، السيد بريان مولروني أن يوحد الأجنحة االمتصارعة داخل الحزب The Progressive Conservative Party of Canada, (PC) وأن يشكل تحالفا يمينيا واسعا ضم القوميين الفرنسيين في كوبيك والمحافظين التقليدين المعتدلين في أونتاريو بالإضافة للمسيحيين المحافظين من  الغرب الكندي ليخوض الإنتخابات اللاحقة في سيبتمبر 1984 ويفوز بأكبر حكومة أغلبية في تاريخ كندا، وينهي بذلك حوالي 20 سنة من حكم حزب الأحرار وليعاود الكرة في إنتخابات 1988 ويحقق بذلك سابقة أخرى ويصبح أول رئيس وزراء محافظ في القرن العشرين يفوز بحكومتي أغلبية متتاليتين.

نجح السيد مولروني ببناء  تحالفا وطنيا معتدلا من مختلف الأطياف وجعل من حزب المحافظين التقدميين  “خيمة كبرى” لقطاع عريض من النشطاء السياسيين من مختلف الإثنيات العرقية التي تشكل المجتمع الكندي، سمي بالتحالف الأزرق العظيم  ( The grand blue Coalition) وقد تماهى حزب المحافظين مع حزب الأحرار بمواقفه من  القضايا الوطنية الرئيسية كالتعددية العرقية وثنائية اللغة والوحدة الوطنية ، وفي كثير من القضايا الأخرى كان موقف  الحزب أقرب إلى الوسط في الطيف السياسي منه إلى اليمين، ولم يختلف كثيرا عن  الحزب الليبرالي في توجهاته العريضة بشأن هذه القضايا. ويمكننا القول بأن السيد بريان مولروني كان البراجماتي الأكبربلا منازع في التاريخ الكندي، وإليه يعود الفضل في كسب ود القوميين الفرنسيين في كوبيك وإقناعهم بالتخلي عن السعي نحو الإنفصال مقابل وعد بإجراء تعديلات دستورية تبدد مخاوفهم على مستقبل اللغة الفرنسية  والفرنسيين في كندا، ونجح في ذلك نجاحا باهرا خلال فترة حكمه الأولى 1984-1988.

  أدرك السيد مولروني متأخرا أن إرضاء كل الناس كل الوقت غاية لا تدرك، خاصة عندما بدأ تحالفه “التحالف الأزرق العظيم” بالتصدع في العام 1988، حيث لم ترق تعديلاته الدستورية المقترحة لحلفاءه من القوميين الفرنسيين الذين شعروا  أنها غير كافية،  فأنسحب ( إنشق) خمسة أعضاء برلمان من المحافظين التقدميين بقيادة وزير البيئة آنذاك لوسيان بوشار Lucien Bouchard وإنضم إليهم عضوين آخرين من الحزب الليبرالي وشكلوا كتلة برلمانية سميت Bloc Quebecois كان الهدف المعلن منها الترويج لإنفصال كوبيك  من داخل البرلمان، وأعلنوا أنهم سيشكلون حزبا بنفس الإسم ليخوض الإنتخابات الفدرالية القادمة في دوائر مقاطعة كوبيك فقط، وأن الحزب سيبقى في البرلمان الفيدرالي لحين تحقيق تلك الغاية ( أي إنفصال كوبيك).

وفي الجهة المقابلة، شعر المحافظون المسيحيون في الغرب بالخيبة من بعض السياسات التي إنتهجها  السيد مولروني فيما يتعلق بالتعديلات الدستورية التي إقترحها لكوبيك ورأوا فيها تنازلات كبيرة على حسابهم وحساب المكون الإنجلوساكسوني البروتستانتي بشكل عام، بالإضافة لعدم تلبية  الحكومات المتعاقبة مطالباتهم المزمنة في إجراء إصلاحات على مجلس العموم الكندي لإعطاء الغرب تمثيل أكبر في أوتاوة ( مثل مجلس أعيان منتخب)  و إستياءهم من سلسة من السياسات الضريبية لحكومة مولروني وعدة قضايا أخرى لا مجال لذكرها .  ومن هنا نشات بذور حركة إحتجاجية في الغرب الكندي قادها شخصيات محافظة يمينية  ديماغوجية عزفت على وتر العنصرية والشوفينية والأصولية الدينية والفرانكوفوبيا ، ورفعت شعار ” الغرب يريد المشاركة” “The West wants in”

وبما أن توزيع المقاعد في البرلمان الكندي يتبع عدد السكان، فإن مقاطعتي  أونتاريو وكوبيك، ما يسمى ( سنترال كندا) وحدهما تشكلان ثلثي عدد سكان كندا تقريبا فهما مركز الثقل، وإذا أضفنا اليهما مقاطعات الأطلسي الأربع في شرق كندا، فهذا يجعل من  المقاطعات الغربية بلا وزن إنتخابي حقيقي مؤثر، وهذة النقطة بالتحديد كانت مصدر الإزعاج الأساسي لدعاة الإصلاح و إحدى شكاوي الغربيين المزمنة ضد النظام الفدرالي القائم في أتاوة،  فهم من جهة يرون أنفسهم مقاطعات غنية بالنفط والثروات الطبيعية التي تدعم إقتصاد كل  كندا وتساهم في رفع مستوى المعيشة للجميع  ولكن تمثيلهم السياسي لا يتناسب مع حجم “مساهماتهم الإقتصادية” في كندا، وأن مركز القرار هو في سنترال كندا منذ الأزل وسيبقى،  أو هكذا يظنون.

أن حركات الإحتجاج هذة  عادة ما تشكل إزعاج للأحزاب الرئيسية والدولة العميقة ، على مبدأ العيار اللي ما يصيب يدوش، ولكنها لا تشكل خطرا داهما لأنها عادة ما تنحصر في أقلية، وتكون عبارة عن ظاهرة مؤقتة أو فقاعات سياسية لا تلبث أن تتلاشى، والأهم من ذلك أن العملية الديمقراطية والنظام الإنتخابي الحر بما يحويه من شفافية و آليات تلقائية يتكفل بتحجيمها في نهاية المطاف…  لم يكن حزب الإصلاح الكندي  (The Reform Party ) الذي خرج من رحم اليمين المحافظ ليشذ عن هذة القاعدة، فهو من المفروض أنه لا يعدو كونه فقاعة سياسية أو سحابة صيف تظهر ثم تتلاشى ويتجاوزها الزمن كما تجاوز غيرها من الحركات الشعبوية ( Populists movements) ، سواءا في كندا أو في دول ديمقراطية  غربية أخرى.   

حزب الإصلاح  The Reform Party

تأسس هذا الحزب في العام 1987 في الغرب الكندي كحركة إحتجاج على ما رأوه إستئثار سنترال كندا ( كوبيك و أونتاريو) بالقرار السياسي على حساب الغرب وتهميش المقاطعات الغربية الغنية بالنفط والثروات الطبيعية ( ألبرتا وساسكاتشوان وبريتش كولومبيا)،  وأيضا نتيجة للإستياء من قيام حكومة مولروني بفرض ضريبة البضائع والخدمات ال Goods & Services Tax ( GST) وسلسلة من السياسات التي التي فرضتها الحكومات المتعاقبة التي  أضرت جدا بإقتصاد الغرب، لا سيما مقاطعة ألبرتا النفطية،  ونشأ هناك شعور متنامي لدى اليمين المحافظ في غرب كندا أن حكومة مولروني قد تخلت عنهم إرضاءا لأونتاريو وللفرنسيين في  كوبيك، وأن هذة الحكومة المحافظة ليست بأفضل من سابقاتها من الحكومات الليبرالية.  

تشكل حزب الإصلاح  بشكل رئيسي من أعضاء ونشطاء المحافظين الإجتماعيين (  Social Conservatives)  واليمين المسيحي البروتستانتي بزعامة الرئيس الشعبوي برستون ماننج Preston Manning  وخاض الحزب إنتخابات 1988  ولم يفوز بأي مقعد، ولكنه بالرغم من ذلك ، سجل ظاهرة إنتخابية مثيرة للإهتمام إذ جاء ترتيبه الثاني بعد المحافظين التقدميين في معظم الدوائر التي خاضها في الغرب، وحصل على 2.5% من مجمل الصوت الشعبي، أي أنه كان  البديل الطبيعي والخيار الثاني  للمحافظين في الغرب.

في العام 1993 إستقال السيد بريان مولروني وخلفه في رئاسة الحزب ورئاسة الوزراء  وزيرة الدفاع آنذاك السيدة كيم كامبل، التي وضعت فريقا جديدا لإدارة حملتها الإنتخابية تبين لاحقا -بعد فوات الأوان- أن هذا الفريق مكون من صبيان وهواة في السياسة ، عديمي الخبرة في إدارة الحملات الإنتخابية والتنظيم،  مجموعة ولدًة (بكسر اللام وتشديد الدال).  لم يكن هذا الفريق على قدر المسؤولية أو مدركا لحجم المهام والجهود التي يجب بذلها لإقناع الناخبين بالتصويت لحكومة محافظة للمرة الثالثة على التوالي وأن يضعوا برنامج إنتخابي وأجندة مميزة،  خاصة وأن بريان مولروني خرج من السلطة بعد فترتين من الحكم إستنفذ فيهما كل النوايا الحسنة لدى الناخبين تجاهه وتجاه حزبه وقد خسر شعبيته بشكل كبير.  

إنتخابات 1993 الطامة الكبرى

شكلت الإنتخابات العامة التشريعية 1993 نقطة تحول تاريخية ومفصلية هامة في الحياة السياسية الكندية كان لها مابعدها،  حيث مني حزب “المحافظين التقدميين” بقيادة رئيسة الوزراء كيم كامبل بهزيمة ساحقة ماحقة  أعتبرت أسوأ هزيمة يتعرض لها حزب حاكم في العالم الغربي على الإطلاق، حيث خسر الحزب كل مقاعده في البرلمان ( أغلبية 151 مقعد)  بإستثناء مقعدين، وتم شطبه تماما من الخارطة السياسية. ( أنظر الإنتخابات الفيدرالية الكندية 1993).  فقد كانت الهزيمة بمثابة مجزرة سياسية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. أقرب تشبيه لما حدث هو التالي : أقلعت طائرة المحافظين التقدميين بقيادة الكابتن كيم كامبل وعلى متنها 151 راكبا في ظروف جوية عادية وحلقت في الجو بأمان الله وأثناء التحليق وقبل نهاية الرحلة بقليل أصاب الطائرة خلل فني خطير فسقطت الطائرة وتحطمت وقتل كل ركابها ولم ينجو منهم سوى إثنان.  

ماحدث لم يكن متوقعا في أسوأ أحلام المحافظين التقدميين ، فعند الدعوة للإنتخابات في 8 سيبتمبر 1993 كانت حكومة المحافظين تحت قيادة رئيسة الوزراء الجديدة تتمتع بشهر عسل مع الناخبين وإستطلاعات الرأي تشير إلى تقدم المحافظين على الأحرار بقيادة رئيس المعارضة الليبرالية آنذاك السيد جان كريتشيان Jean Chretien أما حزب الإصلاح فقد كانت إستطلاعات الرأي تشير إلى تمتعه بنسبة دعم لا تتجاوز 6%-7% وكان أكثر المراقبين تفاؤلا يتوقعون له الفوز بثلاث مقاعد فقط.  وكانت التوقعات تشير إلى أن  التكتل الإنفصالي  Bloc Quebecois الذي إنشق عن المحافظين التقدميين ويخوض الإنتخابات لأول مرة كحزب إنفصالي في دوائر مقاطعة كوبيك  الإنتخابية فقط (عددها 75 دائرة) ، قد يرفع عدد مقاعده  السبعة، ربما لعشرين أو ثلاثين مقعدا مستفيدا بذلك من أصوات الإنفصاليين والقوميين الفرنسيين. 

إنتهت الإنتخابات بفوز حزب الأحرار بقيادة جان كريتشيان بأغلبية ساحقة  177 مقعدا، وإنهيار المحافظين التقدميين وإحتفاظهم بمقعدين فقط ، ومفاجئتين  من العيار الثقيل،   المفاجئة الأولى،  هي فوز تكتل الكوبيكواه الإنفصالي  ال Bloc Quebecois  ب 55 مقعدا، فيصبح بذلك  ثاني حزب في البرلمان بعد الحكومة وبالتالي يشكل المعارضة الرسمية ويصبح السيد لوسيان بوشاررسميا هو  رئيس المعارضة . أما المفاجئة الثانية فهو فوز حزب الإصلاح اليميني الشعبوي ب 52 مقعدا برلمانيا ، وخروج حزب المحافظين التقدميين من الساحة السياسية كليا .

خسر حزب المحافظين التقدميين وضعيته كحزب وطني رسمي،  فحسب القانون يجب أن يحصل أي حزب على حد أدنى 12 مقعدا لكي يصنف حزبا رسميا معترفا به في البرلمان ، و يصبح له الحق  بالحصول على الدعم والتمويل ومخصصات مالية للأبحاث وما شابه ذلك من الأموال العامة، ولكن الخسارة الكبرى لم تكن فقط بالمقاعد البرلمانية والتمويل بل  خسارة  التغطية الإعلامية اليومية التي تتمتع بها الأحزاب في البرلمان ، وتحول إلى أثر بعد عين، (تحول الحزب إلى لاشئ). لم تعلن الوفاة للحزب لسبب بسيط،  أنه كان لا يزال هناك أجنحة محلية شبه مستقلة  في كل  مقاطعة على حدى، وله ماكينات إنتخابية على المستوى المحلي، وهي التي حملت راية حزب المحافظين التقدميين لحين إستيعاب الصدمة والهزيمة النكراء للحزب الأم، والتحضير للإنتخابات القادمة.

ماذا حدث في الساعات الأخيرة لإنتخابات 1993 ليقلب الأمور رأسا على عقب

بدأت بوادر الهزيمة لحكومة السيدة  كامبل تظهر في منتصف الحملة الإنتخابية في أكتوبر 1993 وبدأت إستطلاعات الرأي تشير إلى إمكانية فوز حزب الأحرار بقيادة جان كرتشيان بحكومة أقلية بعد سلسة من التصريحات غير الموفقة من رئيسة الوزراء كيم كامبل بخصوص البطالة والأزمة الإقتصادية إلى آخره…ونتيجة لقلقهم من الهزيمة  تفتقت عبقرية المنظمين المشرفين على حملة المحافظين  الإنتخابية على أسلوب دعائي جديد،  بث سلسلة  فيديوهات دعائية تظهر خصمهم الليبرالي جان كريتشيان وهو يتحدث من طرف فمه نتيجة لعاهة أصيب بها في الصغر، سببت له إلتواء في الفم،  والمذيع في الخلفية يسأل بسخرية ، هل هذا منظر رئيس وزراء؟  جاء المنظمون المحافظون يكحلوها عموها. أثار هذا الفيديو موجة إمتعاض وسخط عارم من كل أطياف الشعب الكندي. إذ كيف يجرؤ أحد على السخرية من آخر بسبب عاهة خلقية، لقد كانت هذة الفيديوهات بمنتهى الوضاعة والخسة، مستفزة ومنفرة وغبية، إضطر المنظمون على سحبها من التداول ووقف بثها بعد أقل من 24 ساعة، بعد رد الفعل العنيف من الشعب وحتى من أعضاء في الحكومة المحافظة وبرلمانيين محافظين. لم يعتذرعن ذلك أحد، وإنما أكتفت رئيسة الوزراء كيم كامبل بالقول بأنها لم توافق أو تجيز الفيديوهات وأنها بثت دون علمها وأنها أمرت بوقفها فورا.  أحدثت الفيديوهات ضررا بالغا لم يكن بالإمكان إصلاحة في آخر أيام الإنتخابات فقد حصل نفور عند الناخبين من هذا الأسلوب الفج والرخيص و دفع حزب المحافظين التقدميين  ثمنا باهظا له ما زالت آثاره ماثلة الى اليوم.  

بدخول البرلمان لمجموعة من الشعبويين و العنصريين البيض قليلي الخبرة والثقافة كان بعضهم لا يحمل شهادة الثانوية ، بالإضافة إلى دخول 55 عضو من  القوميين الفرنسيين ( الكُح) غالبيتهم لا يتحدثون اللغة الإنجليزية ، فلا هذول بحكو إنجليزي  ولا هذول بحكو فرنسي (وإلتم المتعوس على خايب الرجا) ،  والنتيجة تحول البرلمان الكندي إلى سيرك حقيقي بكل معنى الكلمة وإشتغلت الصحافة الكندية كل يوم بتصريح عنصري من هنا  وتصريح عنصري من هناك وصارت أتاوة طعة وقايمة.

ودخل اليمين الكندي مرحلة من تفتت والتيه وضياع البوصلة  والإنقسام الداخلي وإنعدام الوزن إستمرت لثلاثة عشر سنة عجاف حتى عودة المحافظين إلى السطة بحكومة أقلية عام 2006 بزعامة السيد ستيفن هاربر، ولكن ليس قبل أن يتم شطب كلمة ” التقدميين” من مسمى الحزب، ولنا مع هذا وقفة ثانية.

دبي 12-09-2019

يتبع

شاهد أيضاً

ختامي بيان أستانا 14.. عشر نقاط ليس للعدل والحرية وحقوق الإنسان فيها نصيب..

زهير سالم مدير مركز الشرق العربي انعقد في 10 -11 الجاري لقاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.