أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / حقيقة علاقة إيران بأمريكا وإسرائيل: قراءة في كتاب “التحالف الغادر” لتيريتا بارسي 2 من 5

حقيقة علاقة إيران بأمريكا وإسرائيل: قراءة في كتاب “التحالف الغادر” لتيريتا بارسي 2 من 5

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

توتُّر علاقة إيران بالعراق يشتدُّ

أصبحت العراق العدو الإقليمي الأشرس لإيران، بعد انقشاع ‘‘كابوس’’ العروبة، المرتبط بالحقبة النَّاصريَّة، وصبَّت إيران تركيزها على التخطيط للقضاء على النظام الحاكم في العراق، بعد أن ازداد توتُّر العلاقة بظهور عدوٍّ جديد، وإن لم يكن في قوَّة عبد النَّاصر، وهو صدَّام حسين، نائب الرئيس العراقي والحاكم الفعلي للعراق. وكان إيواء العراق رموز المعارضة الإيرانيَّة، وعلى رأسهم الخميني، ودعمهم ماليًّا، والتعاون معهم استخباراتيًّا، كما كشف موسى الموسوي في كتاب الثَّورة البائسة، من أهم أسباب تفاقُم العداء، إلى جانب توقيع العراق اتفاقيَّة تعاوُن عسكري مع الاتحاد السوفييتي في 9 أبريل من عام 1972، يمتدُّ 15 عامًا؛ فازداد رُعب إيران، خاصَّة وأنَّ أمريكا كانت تتردَّد حينها في منحها السِّلاح. وشاركت إسرائيلُ إيرانَ في ذلك الخوف من تنامي قوَّة العراق، خاصَّة إذا ما حدث تعاوُن عراقي مع الدول العربيَّة المحتلَّة من قِبل إسرائيل؛ لأنَّ قوَّة العراق كانت ستجعل ميزان القوَّة في صالح العرب، وكان ذلك تهديدًا للجبهة الشرقيَّة للكيان الصهيوني، إذا ما تجاوزت العراقُ الأردنَ. مع ذلك، آثر الشَّاه تدعيم قوَّته الإقليميَّة في الخليج العربي، بعد انسحاب الأسطول البريطاني، وانصبَّ تركيزه حينها على تعظيم النمو الاقتصادي وإحكام السيطرة على الخليج، بما طغى على علاقته بإسرائيل قتها. أراد الشَّاه استعادة الدور الريادي للإمبراطوريَّة الفارسيَّة، التي كانت قوَّة عظمي أمدًا طويلًا قبل الميلاد، امتدَّت من ليبيا غربًا وإثيوبيا جنوبًا، إلى الهند شرقًا وبلغاريا شمالًا وكان لذلك سلبيَّات، تمامًا كما له إيجابيات.

قال الشَّاه محمَّد رضا بهلوي، في مذكِّراته التي كتبها على فراش الموت بعنوان Answer to History، أو رد على التَّاريخ، “إيران الدولة الوحيدة التي يمكنها الحفاظ على السَّلام والاستقرار في الشَّرق الأوسط”، كما يورد بارسي (ص39). لذلك، أراد الشَّاه تحسين الأوضاع الاقتصاديَّة أكثر فأكثر؛ ليضمن الزَّعامة في المنطقة، ويحيي الإمبراطوريَّة العظمى، وكان الاهتمام بالتسليح من أولويَّاته. لتحقيق تلك الزَّعامة، كان الشَّاه يحتاج إلى ثقل إقليمي يمنحه موقع اتخاذ القرار في التعامل مع كيانات، مثل الأوبك-منظَّمة البلدان المصدرة للنفط-وفي إجراء الترتيبات الأمنيَّة في المنطقة، وما كان بهلوي ليصل إلى ذلك مع استمرار توتُّر علاقته بالجيران العرب. وكان الشَّاه يغضب عند اتِّخاذ الدول المجاورة قرارات حاسمة دون استشارته، ولم يكن ذلك يتناسب مع دولة إقليميَّة عظمى. المفارقة أنَّ أمريكا باركت هذا المسعى لشاه إيران، برغم أنَّ طموحه التوسُّعي كان على حساب مصالحها في الشَّرق الأوسط. وبالطبع، كان من الصَّعب جدًّا حينها أن يبقي الشَّاه على علاقته بإسرائيل كما كانت، وهو يعمل على تحسين علاقته بالعرب؛ فرجحت كفَّة العرب في ميزان المصلحة. غير أنَّ استمالة العرب إلى الشَّاه لم يكن سهلًا، في ظلِّ شكوكهم ومقاومتهم، ولم يجد الشَّاه سوى الإغراء المالي حلًّا. قدَّمت إيران في صورة ديون، إلى مصر 850 مليون دولار، وإلى الأردن 7.4 مليون، وإلى المغرب 150 مليونًا، وإلى سوريا الموالية للاتحاد السوفييتي 30 مليونًا. غير أنَّ ذلك لم يفلح كثيرًا، في ظلِّ الدَّعم الخليجي للدول العربيَّة الأخرى.

خلال حرب يوم كيبور، أو 6 أكتوبر، زوَّدت إيرانُ الدولَ العربيَّةَ بإمدادات طبيَّة، كما زوَّدت السَّعوديَّة بطيَّارين إيرانيين وطائرات لحل مشكلات لوجستيَّة خلال دعم المملكة سوريا في الحرب. ولمَّا سُئل الشَّاه عن مبرر ذلك الموقف، لعب على وتر الاشتراك مع السَّعوديَّة الانتماء إلى الإسلام، وكان لذلك تأثيره في دفع العراق والسُّودان إلى تطبيع العلاقات مع إيران. ووصل الأمر إلى حدِّ منْع الشَّاه متطوِّعين أستراليين يهود من التوجُّه إلى إسرائيل عبر طهران، بل وإلى التقدُّم إلى السوفييت بطلب لتقديم الدَّعم إلى العرب. غير أنَّ الشَّاه امتنع عن المشاركة في حظر بيع النفط لإسرائيل في زمن الحرب، على عكس الدول العربيَّة. شعر الإسرائيليُّون بطعنة غدر من جهة الشَّاه بهلوي، وعبثًا حاولوا كسبه من جديد إلى صفِّهم، كما يخبر بارسي.

إيران وإسرائيل وأزمة الأكراد

الأكراد هم سلالة الميديين، الذين عاشوا منذ قرون طويلة على جبال زاكروس، وبين العراق وإيران وتركيا، وإن كانت صلتهم بإيران هي الأقوى؛ لاشتراكهم من الفرس في العديد من النواحي العرقيَّة، والثقافيَّة، واللغويَّة. غير أنَّ القواسم المشتركة بينهم وبين الشعوب المحيطة لم تثنِ الأكراد عن محاولة الاستقلال في بلد يجمعهم، وبخاصَّة عن العراق وتركيا، حيث مرُّروا بأشدَّ أنواع السخط، كما ينقل بارسي. حاول الملَّا مصطفى برزاني، وهو زعيم كردي لفرقة مسلَّحة، الحصول على دعم عسكري من إسرائيل للاستقلال عن العراق، خلال ستِّينات القرن الماضي، لكنَّ إسرائيل، التي تخشى العدوان العراقي أو تعاوُن العراق مع جارات إسرائيل في الشَّام ضدَّها، أيقنت ألَّا سبيل إلى تقديم الدعم لأكراد العراق إلَّا من خلال تدخُّل إيراني. رفض الشَّاه ذلك؛ لشكوك لديه تجاه برزاني، الذي قضى في روسيا 12 عامًا لاجئًا سياسيًّا، واعتقد بهلوي أنَّ لديه ميولًا شيوعيَّة. في حوار أجري معه في 16 أكتوبر 2004، أخبر أليعازر تسافرير، رئيس عمليَّات الموساد في كردستان العراق، أنَّه قال لمصطفى برزاني أنَّ إسرائيل كانت على استعداد لتقديم الدَّعم غير المشروط لقضيَّة الأكراد، سلمًا وحربًا؛ لأنَّ إسرائيل وجدت في نشأة دولة غير عربيَّة في الشَّرق الأوسط ما يخدم مصالحها (ص53). وشارك الشَّاه رضا بهلوي في المباحثات مع ممثلي كردستان العراق وإسرائيل، لكنَّه أراد ألَّا يُعلن عن مشاركته. وأقنع بهلوي الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، ووزير خارجيَّته هنري كيسنجر، خلال زيارتهما طهران في مايو 1972، للمشاركة فيما يعتبره بارسي العمليَّة الإيرانيَّة-الإسرائيليَّة لتفكيك العراق.

وجد نظام الشَّاه وإسرائيل كلاهما في تقسيم العراق إمكانيَّة لإلهاء الجيش العراقي عن الدولتين غير العربيتين في المنطقة، المنتظر تلقِّيهما دعمًا جديدًا بنشأة دولة غير عربيَّة أخرى، نظامها يعادي العراق. ونجح بهلوي في إقناع الرئيس الأمريكي بدعم الأكراد، وانهالت المساعدات الماليَّة الأمريكيَّة على قوَّات البشمرجة الكرديَّة. واعترف الصحافي العراقي اليهودي ياكوف نمرودي، في حوار أجراه معه التلفزيون الإسرائيلي في 19 أكتوبر 2004، بأنَّ إسرائيل دعَّمت كردستان العراق بفصائل مسلَّحة، وقدَّمت للبشمرجة تدريبًا، ووجَّهتهم في المعارك، دون مشاركة في القتال؛ وقال أليعازر تسافرير، في الحوار المتلفز المشار إليه آنفًا، أنَّ الدعم العسكري الإيراني كان أقوى (ص54). غير أنَّ الشَّاه اضطر إلى تغيير سياسته تجاه الأكراد بدءً من مارس 1975، بعد أن أراد إنهاء الخلافات مع العراق خلال مشاركته في مؤتمر الأوبك في الجزائر، الذي كان صدَّام حسين، حاكم العراق فعليًّا حينها، سيشارك فيه. وقَّع الشَّاه وصدَّام حسين اتفاق تفاهُم، نصَّت على عدم تدخُّل كلِّ دولة في شئون الأخرى، وهكذا ضمنت إيران تحقُّق مساعيها في فرض زعامتها على الشَّرق الأوسط. نقلًا عن أليعازر تسافرير، يقول بارسي أنَّ تلك الاتفاق أذهلت أمريكا وإسرائيل؛ لأنَّ بهلوي لم يستشر أيٍّ منهما بشأنها، كما لم يشر إلى أنَّ تعاوُنه مع الأكراد تضرَّر. لم يكن بإمكان إسرائيل الرد على الشَّاه، برغم الضرر الكبير الذي واجهته بعد تحالُف بهلوي مع العراق، ضدَّ مصالحها. المفارقة هي أنَّ اتفاقيَّة بهلوي مع صدَّام حسين لم تنهِ شكوك العرب حياله، أو تضمن له النجاح في مساعي فرض زعامته.

مرَّ مؤتمر أمن الخليج العربي في عمان، عام 1978، بسلام، بلا نزاع عراق-إيراني، أو عربي-فارسي، بفضل اتفاق الجزائر لعام 1975، ولكن ثبُت لاحقًا لبهلوي أنَّ الاتفاق كان خطوة غير استراتيجيَّة؛ لأنَّها منحت العراق الفرصة لتوفير الموارد المهدرة في مواجهة تمرُّد الأكراد، واستغلالها في التسلُّح؛ فتجاوَز إنفاقها على الأسلحة السوفييتيَّة خلال الفترة ما بين 1975 و1980 الضعف. استجمعت العراق قواها في مواجهة التهديد الإيراني، مع ازدياد احتماليَّة المواجهة العسكريَّة بين البلدين. واعترف قوّات السافاك الإيراني للموساد الإسرائيلي، بأنَّ اتفاق الجزائر رفع عن العراق حملًا ثقيلًا، بأن منحها فرصة تقوية إمكاناتها القتاليَّة (ص60). يضيف بارسي أنَّ اتفاق الجزائر لم يقطع العلاقات الإيرانيَّة-الإسرائيليَّة، التي استمرَّت بسبب المصالح الجغرافيَّة-الاستراتيجيَّة المشتركة؛ كما لم تنتهِ مشاركة إيران في دعم عمليَّات الأكراد الانفصاليَّة، وإن كانت قد ضعفت. كانت علاقة إيران بإسرائيل عائقًا عن تحقيق الزَّعامة في المنطقة، كما لم يأتِ اتفاق العراق بما تمنَّاه الشَّاه؛ أضف إلى ذلك مشاعر الاستياء الشعبي من علاقة الشَّاه بإسرائيل، والتي كان للدوائر الدينيَّة أكبر التأثير في انتشارها، وصارت تلك العلاقة من بين الانتقادات المعبِّرة عن الاستياء من حُكم الشَّاه. ولم تقتصر تلك المشاعر على الرأي العام، بل وصلت إلى الحكومة ذاتها، واعتبر وزير الخارجيَّة حينها أنَّ العرب متحالفون ضدَّ إسرائيل، وليس من المفترض مخالفة ذلك النهج (ص62). غير أنَّ الشَّاه اعتمد على جماعة الضغط الصهيونيَّة في أمريكا في تبييض وجهه، بعد أن ساءت صورته في الإعلام الأمريكي طوال فترة السبعينات.

تجدُّد حُلم التوسُّع لدى الشَّاه

لم يخفِ الشَّاه رغبته في التوسُّع في دول المحيط الهندي في لقائه مع نيلسون روكفيلر، نائب الرئيس الأمريكي، في 24 مارس من عام 1976، معبرًا عن عدم ممانعته مشاركة أمريكا في ذلك. حرص الشَّاه في تلك الفترة على إبراز قدرات بلاده، مرسلًا أسطوله إلى شتَّى أنحاء المنطقة، وكأنَّما كان يقول للجميع أنا سيِّد الموقف والقوَّة العظمى في الشَّرق الأوسط. وكانت أمريكا تراقب الموقف بحذر، خشية أن يروح الشَّاه ضحيةً لطموحه. أصيب الشَّاه بنوع من جنون العظمة، أعماه عن السَّخط الشعبي، ودفعه إلى الانفراد باتِّخاذ القرارات، ولم تنكشف الحقائق أمامه إلَّا بعد فوات الأوان.

صعود اليمين الإسرائيلي وتصدُّر بيغن المشهد

بعد عقود من سيطرة حزب العمَّال الإسرائيلي على الحُكم، فاز حزب الليكود في 21 يونيو من عام 1977 بأغلبيَّة عضويَّة الكنيست، وبفرعه التنفيذي، بقيادة مناحيم بيغن. ويبدو أن اتِّجاه إسرائيل إلى اليمين في السياسة كان مصدرًا للخلاف مع إيران. وتعريفًا ببيغن، فقد وُلد عام 1913 في بولندا، وتتلمذ على يد زئيف جابوتينسكي، القيادة في الحركة الصهيونيَّة، ورائد حركة الصهيونيَّة التصحيحيَّة، التي يعرِّفها عبد الكريم الحسني في كتابه الصهيونيَّة: الغرب والمقدس والسياسة (2009)، بأنَّها مشروعٌ استعماريٌّ استهدف تنفيذ الأهداف الاستيطانيَّة على الأرض المقدَّسة بأقصى سرعة، بغضِّ النَّظر عن أيَّة انتقادات من بريطانيا، المنتدب البريطاني على فلسطين. عُرف عن جابوتينسكي، معلِّم بيغن، تطرُّفه الشديد، وجهره بالدَّعوة إلى استخدام أقسى أنواع العُنف ضدَّ العرب، دون التقيُّد بأيَّة اعتبارات، وقد أعلن، كما قال الحسني، أنَّ “العالم ساحة لصراع الجميع ضدَّ الجميع”، وطالب أن “يتعلَّم اليهود ذبح الأغيار”، وكان يأمل “دمج اليهود في العالم الغربي الاستعماري لكي يتعلَّموا منهم كيف يسيطرون على الآخرين” (ص391-392). وكان جابوتينسكي من أشدِّ معارضي اقتراح لجنة بيل عام 1937 لحلِّ النزاع العربي الإسرائيلي، في أوج اندلاع الثورة العربيَّة في فلسطين، بين عامي 1936 و1939، إنشاء ثلاث دويلات تحت الانتداب البريطاني. طالب الصهيوني المتطرِّف بحركته التوسُّعيَّة الغاشمة، بتأسيس إسرائيل على الأرض المقدَّسة والأردن وصحراء سوريا، لكنَّ وفاته عام 1940 حالت دون تحقُّق حلمه.

انتقل بيغن إلى الأرض المقدَّسة بعد اندلاع الحرب العالميَّة الثانية، ووفاة معلِّمه، محمَّلًا بما أخذه عنه من أفكار تدميريَّة تجاه العرب، وتولَّى قيادة المنظَّمة العسكريَّة الوطنيَّة، وهي منظَّمة يهوديَّة مسلَّحة قامت بأعمال تفجير متعدِّدة خلال الأربعينات من القرن الماضي، خارج نطاق القانون، مما أثار حفيظة المنتدب البريطاني، الذي رصد مكافأة قدرها 10 جنيه إسترليني مقابل القبض عليه، لكنَّه أفلت من العقاب. خالف بيغن رأي معلِّمه في ضرورة أن يفهم العالم طبيعة العلم الصهيوني ويدعم تنفيذه، لكنَّهم اتَّفقوا معه في رأيه بأنَّ هناك صراعًا دمويًّا حتميًّا بين العرب واليهود في سبيل تحقيق ذاك الحُلم. شارك بيغن في تأسيس حزب حيروت، أي الحريَّة، بعد عام 1948 ميلاديًّا، ليكون امتدادًا لمنظَّمة الأرجون الإرهابيَّة، التي نفَّذت عمليَّات موسَّعة لإخلاء أهل المقدَّسة من أهلها. ارتبط حزب حيروت أيديولوجيًّا بعقيدة ארץ ישראל-إرتس يسرائيل-أي أرض إسرائيل، أو הארץ המובטחת، أي أرض الميعاد. وفق موسوعة ويكيبيديا الرقميَّة، تعود أصول عقيدة أرض الميعاد إلى أسفار العهد القديم، حيث ذُكرت في سفر هوشع “أَرْض الرَّبِّ” (إصحاح 9: عدد 3)، وهي التي وعد بها الربُّ بني إسرائيل في سفر التثنية، فهي “الْمَكَانُ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ لِيُحِلَّ اسْمَهُ فِيهِ، تَحْمِلُونَ إِلَيْهِ كُلَّ مَا أَنَا أُوصِيكُمْ بِهِ: مُحْرَقَاتِكُمْ وَذَبَائِحَكُمْ وَعُشُورَكُمْ وَرَفَائِعَ أَيْدِيكُمْ وَكُلَّ خِيَارِ نُذُورِكُمُ الَّتِي تَنْذُرُونَهَا لِلرَّبِّ” (إصحاح 12: عدد 11)، وهي التي جعلها الربُّ سيِّدة الأمم وملَّك بني إسرائيل عليها، في سفر زكريَّا “ها أَنَا ذَا أَجْعَلُ أُورُشَلِيمَ كَأْسَ تَرَنُّحٍ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ حَوْلَهَا” (إصحاح 12: عدد 2)، وهي كذلك “الأَرْضُ الْبَهِيَّةِ” (سفر دانيال: إصحاح 11، عدد 16). اعتقد أعضاء حزب حيروت أنَّ تمسُّك اليهود بالأصل التاريخي لدولة إسرائيل في الضفَّة الغربيَّة، التي يصرُّون على تسميتها يهودا والسَّامرة، هو السبيل لإثبات الهويَّة اليهوديَّة للأرض، كما اعتقدوا أنَّ قوَّة الصهيونيَّة تكمن في حيازة أكبر مساحة ممكنة من الأراضي؛ لأنَّ قبول المساومة على شبر من الأراضي التَّاريخيَّة لإسرائيل يعني قبول المساومة على الاعتقاد في الصهيونيَّة. خالف الليكود بزعامة بيغن بذلك رأي حزب العمَّال، الذي كان يرى أنَّ توسيع مساحة إسرائيل مع محدوديَّة عدد سكَّانها من اليهود كان بمثابة كارثة على المدى البعيد؛ لأنَّ عدد الفلسطينيين يفوق عدد اليهود بكثير، ناهيك عن ارتفاع معدَّل المواليد لديهم. وبرغم صحَّة سياسة حزب العمَّال الاستيطانيَّة، استغلَّ بيغن السخط الشعبي تجاهه بعد هزيمة إسرائيل في حرب يوم كيبور، أو 6 أكتوبر من عام 1973، في حملته الانتخابيَّة.

كان بيغن أوَّل رئيس وزراء إسرائيلي يشير إلى الضَّفَّة الغربيَّة باسم يهودا والسَّامرة، وبادر بزيارة مستوطنة آلون موريهن الواقعة شرق مدينة نابلس على أراضي المواطنين الفلسطينيين، واعتبرها جزءًا من فلسطين المحررة. وبرغم إصدار المحكمة الإسرائيليَّة العليا في أكتوبر 1979، قرارًا يقضي بأنَّ آلون موريهن مستوطنة غير شرعيَّة، وبضرورة إخلائها، أعلن أرييل شارون، وزير الزراعة في حكومة بيغن، خطَّته لاستيطان مليون يهودي في الضَّفَّة الغربيَّة على مدار السنوات العشرين اللاحقة، ضاربًا بقرار مجلس الأمن رقم 242 عرض الحائط. استحدث بيغن نهجًا جديدًا في السياسة الإسرائيليَّة، وهو فرض الهيمنة على المنطقة في توازُن جديد للقوَّة لصالح إسرائيل. لم تعد إسرائيل تسعى إلى التحالف بعد بلدان غير عربيَّة لإضعاف الدولة العربيَّة المحيطة وإقناعها بمزايا السلام مع إسرائيل، إنَّما لاستحالة الوصول إلى سلام مع جاراتها من الدول العربيَّة. وبرغم نظرة التقدير الإسرائيليَّة تجاه إيران، التي تعتبرها صاحبة تاريخ عظيم وحضارة ثريَّة في نفس مستوى ما لليهود من تاريخ وحضارة، اعتبر الشَّاه رضا بهلوي أنَّ صعود الليكود إلى موقع السُّلطة في إسرائيل ثاني ضربة تلقَّاها من صندوق الاقتراع في الخارج، بعد فوز الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، بالرئاسة في نوفمبر من عام 1976؛ والسبب هو انتماؤه إلى الحزب الديموقراطي، الذي كان للشَّاه تجربة سلبيَّة في التعامل معه، في عهد الرئيس المغتال جون كيندي مطلع الستِّينات. خشي الشَّاه من استغلال انتهاكاته حقوق الإنسان في إيران كسبب آخر لتشويه صورته، يُضاف إلى تعاونه مع بيغن، صاحب السياسة العدوانيَّة والتاريخ الإجرامي في حق المسلمين.

أعرب الشَّاه في حوار مع مجلَّة يو إس نيوز آند وورلد ريبورت الأمريكيَّة عام 1976، عن أمله أن تستجيب إسرائيل لقراري مجلس الأمن، 242 و338، بالانسحاب من الأراضي المحتلَّة والاعتراف بدولة فلسطين، وقد عبَّر وزير خارجيَّة إيران عن ذلك في جولة عربيَّة له مطلع عام 1977، وقبل فوز مناحيم بيغن في الانتخابات، كما كرَّر الشَّاه ذلك في بيان مشترك مع مصر، لكنَّ فوز بيغن جاء ليعطِّل مساعي السَّلام، كما اعتقد بهلوي، الذي خشي من أن يسفر عدوان بيغن على الضَّفَّة الغربيَّة عن مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة. وكان بيغن يعي مخاوف الشَّاه جيِّدًا؛ فحرص على طمأنته إلى رغبته في إحلال السَّلام في المنطقة، دون قيد أو شرط، في رسالة شفويَّة أرسلها مع وزير خارجيَّته، موشيه ديان، وهو ذاته وزير الدِّفاع في حكومة جولدا مائير، في 18 يوليو من عام 1977. ويبدو أنَّ الشَّاه لعب دورًا في إقناع الرئيس المصري وقتها، أنور السَّادات، بحُسن نيَّة إسرائيل، لكنَّه كان عليه أن يقدِّم مبادرة للسَّلام، والإعلان عن نيَّته التحاور مع الكنيست ذاته بشأن حلِّ الصراع وتحرير سيناء المحتلَّة، وفعل السَّادات ذلك في 9/11 من عام 1977. ساند الشَّاه موقف السَّادات حينها، وكان حليفه الأهم في المنطقة، بعد مقاطعة الدول العربيَّة له، ولم يعد لمصر من الحلفاء الإقليميين سوى الدولة الفارسيَّة، لتلحق بها الدولة العبريَّة. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنَّ السَّادات تعرَّض لمحاولة الاغتيال على يد القوَّات الجويَّة السوريَّة، خلال عودته من زيارة الرئيس السُّوري السَّابق النُّصيري، حافظ الأسد، ليعرض عليه التفاوض مع إسرائيل لاستعادة الجولان المحتلَّة، وفق ما نشره موقع التحرير نيوز، نقلًا عن تصريح للواء طه زكي، مدير مكتب السَّادات ومرافقه في تلك الرحلة إلى سوريا.

وتشير هذه القصَّة إلى مدى حرص إسرائيل على إتمام اتفاقيَّة السَّلام مع السَّادات، بعد كسب ثقته، ومضاعفة الفجوة بينه وبين الدول العربيَّة ‘‘الشَّقيقة’’، وكأنَّما الرسالة للسَّادات كانت ألَّا يثق إلَّا في الدولتين الفارسيَّة والعبريَّة. وبرغم إقدام إسرائيل على حماية السَّادات من الاغتيال، فقد بدأت عمليَّة من المراوغة والتحايُل، وصلت إلى حدِّ تصريح بيغن رسميًّا بعد مبادرة السَّادات وزيارته إسرائيل، بأنَّ مطالبة إسرائيل بالتنازُل عن سيناء كان بمثابة مطالبة مصر بالتنازُل عن القاهرة، مما وضع السَّادات في مأزق، بعد أن أعلن تصديقه اليهود في نيَّتهم إنهاء الصراع الدامي على ساحة القتال. ما كان من الشَّاه، عرَّاب اتفاقيَّة السَّلام، إلَّا أن وبَّخ إسرائيل على مراوغتها، مطالبًا إيَّاها بمراعاة موقف الرئيس المصري الحرج، بعد زيارته أحاديَّة الجانب إلى إسرائيل على مستوى العام العربي، وموضحًا في ذات الوقت أنَّه لا يصطفُّ بالكامل إلى جانب العرب، ويبرر فارسي ذلك بضعف مركز إيران تدريجيًّا وقتها، تزامنًا مع اشتداد قوَّة العراق، مما استدعى استعانة إيران بإسرائيل. يريد الكاتب الفارسي أن يقول أنَّ إيران كانت تريد أن تساند انسحاب إسرائيل من الأراضي المصريَّة المحتلَّة، وتبدِّيها على إسرائيل، لكنَّ احتياجها إلى الأخيرة في التسليح دفعها إلى اتِّخاذ موقف محايد بعض الشيء. لم يكن بمقدور الشَّاه، لتقل إيران، الاستغناء عن إسرائيل بسبب مخاوفها من الاعتداءات العراقيَّة. وكما يقول الكاتب الفارسي بهروز سوراسرافيل، في كتابه Khomeini and Israelالخميني وإسرائيل (1988)، أيَّمَّا كان اسم إيران-فارس أو إيلام أو ميديا-وأيَّمَّا كان اسم العراق-بابل أو أشور أو أكَّاد أو سومر-طالما كان بين الإمبراطوريَّتين صراعٌ، ومن هنا لزم التحالف الفارسي اليهودي. يرى سوراسرافيل أنَّ الملك كورش الكبير، لمعرفته بأنَّ استقامة الأمور في مملكته مرتبط بالأوضاع في الأرض المقدَّسة، فقد دعَّم إعادة بناء الهيكل في أورشليم، بعد إعادته بني إسرائيل إلى الأرض المقدَّسة، عام 539 قبل الميلاد تقريبًا، وتثبت العقيدة التي حرص كورش الكبير على نشرها على يد عامليه، عزرا ونحميا، أنَّ إفساد الرسالة السماويَّة المنزَّلة على أنبياء الله ورُسُله كان شرطًا لازدهار مملكة المجوس.

الثَّورة الخمينيَّة وتحوُّل فارق في السياسة الإيرانيَّة-الإسرائيليَّة

 لم تفلح محاولات الشَّاه محمَّد رضا بهلوي لإنقاذ الموقف في بلاده، كما لم تُفلح مساعي القوَّات الأمنيَّة في إخماد الغضب الجماهيري؛ فاضطر الشَّاه إلى الهروب إلى خارج إيران، وحلَّ نظام ملالي الشِّيعة مكانه، وتحديدًا في 11 فبراير من عام 1979. كما يقول تريتا بارسي، تحوُّل النظام الديكتاتوري الموالي لأمريكا إلى أوَّل نظام ثيوقراطي-أي يقوم على السُّلطة الدينيَّة-في العالم الحديث. كان السقوط السريع للشاه مفاجأة للغرب، وتألَّمت إسرائيل لذلك، لكنَّها لم تتفاجأ، بفضل إلمامها بحقيقة الأوضاع في إيران من خلال مصادرها الاستخباراتيَّة، وفق ما قال بارسي (ص79). سارعت إسرائيل بإجلاء رعاياها، حيث أرسلت طائراتها إلى طهران لنقل من تبقُّوا فيها من الإسرائيليين، يومًا واحدًا قبل استقالة آخر حكومة في عهد بهلوي. وبما أنَّ الخميني كان يشير إلى الشَّاه بأنَّه ‘‘عدو الله’’ بسبب تعاوُنه مع إسرائيل، هاجمت الجماهير مقر البعثة الإسرائيليَّة في طهران، لتسرقها وتشعل النيران فيها.

أعلن نظام الخميني منذ البداية اختلافه الكامل في سياساته عن سياسات الشَّاه، التي اعتبرها كلَّها خاطئة، وبالذَّات سياساته تجاه إسرائيل. انتشرت مشاعر معادية لإسرائيل بين كافَّة الفصائل الثَّوريَّة، حتَّى اليسار في إيران كان يعارض إسرائيل بسبب علاقتها بأمريكا؛ في حين رأت القوى الدينيَّة أنَّ إسرائيل مغتصبٌ احتلَّ بلاد المسلمين بالقوَّة، ومن ثمَّ فهي دولة فاقدة الشرعيَّة. ويذكر ديفيد مناشهري في كتابه Post-Revolutionary Politics in Iran-سياسات إيران بعد الثَّورة (2001) أنَّ فصيل الحاكم، أي الخميني وزمرته، روَّجوا لأنَّ إسرائيل كانت بطبيعتها معادية للإسلام والقرآن الكريم، ومن ثمَّ فإنَّ من واجب كلِّ مسلم مواجهتها. وساد الاعتقاد وقتها بأنَّ نشأة إسرائيل تعود في المقام الأوَّل إلى انتشار العلمانيَّة والابتعاد عن الدِّين، وصار لزامًا على الدولة الدِّينيَّة الجديدة أن تحمل مسؤوليَّة قضايا الأمَّة وتدافع عنها. ينقد بارسي خطاب الخميني بشأن قضيَّة الأرض المقدَّسة، مشيرًا إلى تركيز الخميني في المقال الأوَّل على ذم إسرائيل، باعتبارها ‘‘سرطانًا سيقضي على الأمَّة’’، بلا إشارة إلى معاناة المسلمين هناك. اعتبر الخميني أنَّ الإسلام دينٌ عالميٌّ، جاء لنشر العدالة في أرجاء الأرض، وأنَّ النظام الدولي هو صُنع البشر، أي يعتريه الضَّعف. بالطَّبع، أثَّرت هذه النظرة إلى الإسلام والنظام الدولي على سياسات إيران الخارجيَّة، وبالذَّات تجاه أمريكا، التي كانت تُعد العدو الأكبر وقتها.

علاقة نظام الخميني بمنظَّمة التحرير الفلسطينيَّة

ارتبطت منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة بالمعارضة الإيرانيَّة منذ أمد طويل قبل الثَّورة الخمينيَّة، وقد تلقَّى العديد من رموزها تدريبًا على يد المنظَّمة. من هنا، سارع ياسر عرفات، رئيس المنظَّمة حينها، بزيارة إيران بعد أيام أسبوع واحد من الإطاحة بنظام بهلوي، تحديدًا في 18 فبراير من عام 1979، ولكن دون إخطار مسبق. تجوَّل عرفات في أنحاء إيران، وافتتح للمنظَّمة مكاتب في أكثر من مدينة، كما أنَّه ترك بعض مرافقيه هناك لإشغال تلك المكاتب. ويذكر إبراهيم يزدي، أوَّل وزير خارجيَّة في حكومة الثَّورة، أنَّ الخميني طلب من عرفات إعادة تعريف القضيَّة الفلسطينيَّة لمنحها طابعًا دينيًّا؛ كي تجد إيران وسيلة لفرض زعامتها في الدِّفاع عن الفلسطينيين؛ لأنَّ هذا ما كان ليحدث إذا استمرَّ طابعها العربي. أدرك الفلسطينيُّون عدم جديَّة الخميني في دفاعه عن قضيَّتهم، وأن دفاعه لن يتجاوز الكلام، وما أثبت ذلك أنَّه لم يمنح سوريا طائرات حربيَّة F-14 لتقوية دفاعها ضدَّ إسرائيل في حربها مع لبنان. ومع إعلان 17 أغسطس يومًا للقُدس، لم يثبت الخميني هذا الدفاع عن فلسطين بدعم ملموس. وساءت علاقة إيران الخميني بمنظَّمة التحرير الفلسطينيَّة، مع اتِّهام الخميني الدول العربيَّة بالانفلات الديني، وتردِّي علاقة إيران بالخليج العربي، إلى جانب رغبة نظام الخميني في إعادة تشكيل الشَّرق الأوسط وإحلال نظام جديد محلَّ النِّظام السَّائد، مما أدخلها في مزيد من التحديات مع العرب.

تأثير التحوُّل الأيديولوجي الإيراني على أمريكا وإسرائيل والعالم العربي

برغم تأكيد سياسة الخميني على عدم موالاة الشرق أو الغرب، كانت أمريكا تخشى كثيرًا من سقوط إيران في يد الاتحاد السوفييتي خلال فترة الحرب الباردة. لذلك، حرصت واشنطن على استمرار التعاون مع طهران، ولو اقتصر الأمر على تصدير النفط؛ كي لا يكون الانفصال في صالح موسكو. أمَّا بالنسبة إلى إسرائيل، فقد كانت تخشى انقطاع صلة مع إيران امتدَّت لأكثر من ربع قرن، شهدت تبادلًا تجاريًّا موسَّعًا، خاصَّة في مجال التسليح، وتخللها تعاوُن في مجال الحماية الأمنيَّة. وبالطبع، كانت خسارة إيران انتكاسة استراتيجيَّة ما كانت إسرائيل لتسمح بها؛ فحرصت على فتح آفاق للتعاون مع نظام الخميني بأيِّ ثمن (ص90). كانت إسرائيل تخشى كذلك على الجالية اليهوديَّة، التي قُدِّرت حينها بمائة ألف يهودي. وبرغم ثقة المخابرات الإسرائيليَّة بأنَّ سقوط نظام الشَّاه كان يعني انقطاع علاقة إسرائيل بإيران، انقسمت الآراء حينها إلى رأيين مختلفين. فكما يشير بارسي، رأى فريق تزَّعمه آرييل شارون، ضرورة ضرب إيران لإنقاذ حُكم الشَّاه، بينما رأى فريق آخر أنَّ النظام الجديد سيسقط لا محالة، ومن ثمَّ لا حاجة إلى حملة عسكريَّة.

كما سبقت الإشارة، كان النهج الذي سنَّه ديفيد بن غوريون في التعامل مع العرب هو إضعافهم، وإغرائهم بالمنافع التي ستعود عليهم من السَّلام مع إسرائيل، لكنَّ مناحيم بيغن رأى أنَّ لغة القوَّة وحدها هي التي يمكنها إجبار العرب على السَّلام مع الكيان الصهيوني (ص91-92). لم تعد إسرائيل النظر في تلك السياسة، واعتبرت أنَّ توتُّر علاقتها بإيران خسارة كبيرة تعني مزيدًا من التهديد من الجانب الشَّرقي، أي من جهة العراق، التي كانت قوَّتها محل التهديد الأكبر لأمن إسرائيل، ولأمن إيران في آن واحد. من هنا، صار للبلدين عامل مشترك يقرِّب بينهما، وهو مواجهة التهديد العراقي. مع ذلك، كان من الصعب على نظام الخميني الدخول في علاقة مع إسرائيل، ولو في السر، كمثل نظام الشَّاه؛ هكذا يقول الكاتب. يُذكر أنَّ الخميني رفض تودُّد السَّادات إليه لإعادة العلاقات، بعد رحيل رضا بهلوي ودفنه في مصر عام 1980، والسبب هو مشاركة الدول العربيَّة موقفه تجاه مصر، بعد اتفاقيَّة كامب ديفيد المبرمة أواخر عام 1978 مع إسرائيل. غير أنَّ ذلك الموقف لم يمنح إيران الفرصة للتقرُّب إلى الدول المجاورة؛ بسبب الخلاف المذهبي والعداء التاريخي للشِّيعة تجاه أهل السُّنَّة، خاصَّة مع استخفاف الخميني بالعقيدة الإسلاميَّة السَّائدة في دول الجوار، ناعتًا إيَّاها بـ ‘‘الإسلام الأمريكي’’. أضف إلى ذلك، كان الحكَّام العرب يخشون من شعار تصدير الثَّورة، الذي رفعه نظام الخميني. في النهاية، لم يجد الخميني مفرًّا من التعاون مع إسرائيل التي ترتبط بلاده بها بسبب مصالح مشتركة، وهي مواجهة التهديد العربي. قبِل الخميني أن ترسل إسرائيل دبَّابات أمريكيَّة الصُّنع، كان الشَّاه قد تعاقد عليها قبل سقوطه، لكنَّه رفض أيَّ علاقة علنيَّة بإسرائيل قد تضرُّ بمصلحته في تزعُّم القضيَّة الفلسطينيَّة، مما يعني أنَّ التعامل مع إسرائيل لم يكن محظورًا بالكامل، إنَّما مرتبطًا بمدى حاجة إيران إليها. بمعنى آخر، كان التعامل مع إسرائيل مشروطًا بغياب بديل لدى غيرها (ص94).

يؤكِّد بارسي أنَّ خطاب إيران المعادي لإسرائيل لم يتَّفق أبدًا مع نهجها الحقيقي في التعامل معها، ملفتًا النَّظر إلى حقيقة أنَّ التعاون العسكري بدأ بعد أشهر قليلة من قيام نظام الخميني، حيث زار أحمد الكاشاني، نجل المرجع الشِّيعي الرَّاحل، أبو القاسم الكاشاني، إسرائيل مطلع عام 1980، لمناقشة صفقات السلاح والتعاون العسكري لمواجهة المشروع النووي العراقي. استجاب بيغن بالطبع لطلب الكاشاني إمداد إيران بعجلات لطائرات الفانتوم، وأسلحة للجيش الإيراني، على غير رغبة أمريكا حينها، بسبب أزمة احتجاز 52 أمريكيًّا في إيران، سفارة بلادهم هناك، لما يزيد على عام وشهرين، من 4 نوفمبر 1979 وحتَّى 20 يناير 1981 (ص95). وينقل بارسي ما روي عن تغاضي الخميني عن مسألة التعاون غير المعلن مع إسرائيل، وعدم اكتراثه باللجوء إليها، طالما لا يوجد سبيل آخر لأداء الغرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مواقف ‘‘الديانات الإبراهيميَّة’’ من متاع الدنيا (الحداثة) وحساب الآخرة: أين يكمن الخطأ؟ 2 من 3

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. نبأ موسى وفرعون: صدام …