أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / السلفية والسياسة

السلفية والسياسة

بشير بن حسن

مفكر إسلامي.
عرض مقالات الكاتب

مازلت أعرض هذا الفكر السلفي المعاصر برؤية نقدية علمية ، رغم أن مشايخ وأبناء هذه المدرسة في الغالب يكبُر عليهم النقد ، و يرفضون التعرّض لهم بالتّصحيح والتصويب ،
لأنهم يعتقدون عصمة منهجهم من الأخطاء، وأن النجاة فيه وحده ، و أنّ الهلاك في غيره !
وها أنا أعرض لكم في هذا المقال أصولهم المتعلقة بالسياسة،
والتي ضلّوا فيها ضلالاً مبينا ، تاويلا وتنزيلا ، بل لا أبالغ إذا قلت إن هذا التيار الإسلامي هو أكثر التيارات تخبّطا و تذبذبا وتناقضا في باب السياسة ، كما سيتبين للقارئ باذن الله تعالى
أولاً يجب التذكير بأن السلفية أطياف ثلاثة مهما ادعوا أنهم طيف واحد ، ومهما تبرّأ بعضهم من بعض، ومهما ضلّل بعضهم بعضا ،فإنّ هذه الفرق الثلاثة ( العلمية و المدخلية والمتوحشة(الدواعش و ومشتقاتها ) يتفقون في أكثر الأصول والقناعات والأفكار، ويختلفون في أخرى، وأكثر ما يختلفون فيه هو السياسة، بقضاياها الشائكة المعقدة ، فبالرّغم من اتفاقهم على أن الإسلام دين ودولة ، وعقيدة وشريعة ، وأنه مستوعب لكل مجالات الحياة، وهذا حق لا مرية فيه نوافقهم عليه تمامًا، إلاّ أنّ هذا الأصل يتعامل معه السلفيون بطرق و مواقف متباينة، كلّ على حسب هواه ، وكلّ بحسب مشربه ، و أبدأ بنقد الطائفة الأولى :

1- السلفية العلمية :

أ– اعتبارهم أن السياسة أمر ثانوي، فلا يهتمون بها كثيرًا ، بل هي مضيعة للجهد والوقت، وربما كانت عندهم صورة من صور الانشغال بما لا يعني !! في الوقت الذي يشهدون فيه للاسلام بأنه دين ودولة! وأنه صالح لكل زمان ومكان ! و غفلوا عن أن السياسة من الدين ، وأن العلمانية التي يكفرون بها، ويكفّرون من تبنّاها ، قد وقعوا فيها دون أن يشعروا ، وذلك بانفصالهم عن الشأن السياسي، والابتعاد عن الخوض فيه ، والتحذير من ذلك ! والحق أنّ هؤلاء قد رفضوا العلمانية شكلاً ، ووقعوا فيها مضمونًا ، بل يمكن أن أقول إن السلفية العلمية “علمانية “بحتة في باب السياسة ! وذلك على مستوى مواقفهم أو تنظيرهم وسلوكهم ، والأدهى من ذلك أنهم نعتوا الأنبياء عليهم السلام بهذا التوجه، بكل جهل ، فيقولون : الأنبياء دعوا إلى الله، و لم ينشغلوا بالسياسة !
ولا أدري بأي عقول يقرأ هؤلاء القرآن؟ ألم يقرؤوا قول الله تعالى( يا داود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) وقوله تعالى عن يوسف عليه السلام( و لما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما ) بل جميعهم آتاهم الله حكما وعلما ، حتى ولو كان صغير السن كما هو شأن يحيى عليه السلام حيث قال تعالى عنه ( واتيناه الحكم صبيّا) وقال عن موسى عليه السلام( ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ) وأمره ربه بقوله( اذهب إلى فرعون إنه طغى ) .
ولا أدري هل فهم هؤلاء طبيعة دعوة الرسل أم لم يفهموا ؟
أليس الخليل إبراهيم قد واجه النمرود ؟ كما قال سبحانه : ( ألم تر الى الذي حاجّ إبراهيم في ربه أن أتاه الله الملك ….) أو ليس الذي يتصدى لدعوة الرسل دائما هم الزعماء والكبراء ؟؟ كما في قول الله تعالى المتكرّر عن كل المرسلين ( قال الملأ الذين كفروا من قومه..) ومن هم الملأ ؟؟ إنهم السادة والأشراف وأصحاب النفوذ ، الذين تتعارض دعوة الرسل مع مصالحهم الشخصية والسياسية!!
هؤلاء يجهلون هذه العداوة بين النبيين وبين الساسة الفاسدين، الذين هم أول من يقف حجر عثرة في طريق الإصلاح ،
كما يلزم على رأيهم السطحي : أن دعوة الرسل إنما هي مجموعة مسائل من الروحانيات ، و اقناع الناس بوجوب عبادة الله وحده ، مختزلين معنى العبادة في الركوع والسجود والدعاء والاستغاثة ونحوها، دون الحكم والتحكيم ، مع أنه أيضا من صميم العبادة والتوحيد ، أي توحيد الألوهية ، لقول الله عز وجل ( إن الحكم الا لله أمر أن لا تعبدوا الا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ، وقد سبق التنبيه على خطئهم في التفريق بين الربوبية والألوهية في مقام الحاكمية، و أنهم فرّقوا بين لفظ ( الرب) و(الإله ) مما اوقعهم في هذا النوع من التساهل في هذه المسألة العقائدية الخطيرة !
وكما أنهم يشنعون على من أشرك بالله في نوع من أنواع العبادات الخاصة فليشنعوا أيضا بنفس المقدار على من أشرك بالله في الحكم، لأنه تعالى يقول( ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا ) والنهي هنا بصيغة الخبر فهو أبلغ من النهي الصريح!

ب– ومن مطبّات هذا التيار ، خطأهم في تأويل النصوص التي تتضمن المسائل السياسية في الغالب ، وإخراجها عن سياقاتها ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم( عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي رأسه كأنه زبيبة …) فهنا تأوّلوا الحديث على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمّم وجوب طاعة الحكام كلهم حتى ولو لم يكونوا أهلا للحكم !
وهذا تحريف خطير ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرر ذلك في سياق معين وهو التأسيس لمبدأ الطاعة عند العرب ،الذين كانت حياتهم فوضى، ولا يعترفون بأي نوع من أنواع السلطة ، ولم يكونوا يخضعون للملوك في غالبهم ، و كانوا يرون أنفسهم أنهم أشرف الناس وأكرمهم ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم وجوب طاعة الحاكم ولو لم يكن عربيا! فأين هذا من ذاك الذي ذهبوا إليه في كلامهم ؟!
ومما هو أشنع تعمدهم البتر والقطع لتلك الزيادات الصحيحة التي قيد فيها طاعة الحاكم ( ما أقام فيكم كتاب الله ) !
وازداد انحرافهم رغم هذا التأويل الفاسد أن أخطأوا في التنزيل حيث نزّلوا النصوص الآمرة بطاعة الحكام ، في كل من هبّ ودبّ منهم ، حتى ولو نالوا السلطة بغير طريق شرعي فضلا عن أنهم لا يطبّقون الشريعة، بل كثير منهم يعادونها !
ويا ليتهم قيدوا الطاعة بقدر الضرورة على الأقل، وأنها في المعروف مثلاً ، بل توسعوا حتى صاروا يدعون الناس إلى الطاعة المطلقة للحكام بقصد أو بدون قصد !! بدعوى تطبيق نصوص الكتاب والسنة على وفق منهج السلف الصالح ؟!
ومما يجدر التنبيه عليه، أن مشايخ هذه الطائفة كثيرا ما يقصدون بكلامهم حكام بلاد الحرمين الشريفين، ولكن لمّا كان ما يقولونه يروّج وينتشر في الآفاق انتشار النار في الهشيم اليابس ، تكون النتيجة هي تلقّف الشباب في أرجاء العالم و المغرّر بهم ، و الانطلاق بكلام مشايخهم ، في أي بلد كانوا ، ولو كان حاكمها من أفجر عباد الله !
ولا داعي أن يقول أحد إنّ هؤلاء هم المداخلة لا السلفية العلمية لأن الواقع أن المداخلة انطلقوا من هذا الفهم السقيم للنصوص ، وهذا الانحراف في تاويلها وتنزيلها ، ثم توسعوا أكثر وأكثر وها أنا أبين الآن انحرافهم الأشنع .

2–السلفية المدخلية:

هؤلاء جاوزوا الفريق الأول، تنظيرا وتطبيقا ، و صاروا بعقيدتهم ومنهجهم وسلوكهم ، دروعا للطغاة ، و أبواقا لكل الأنظمة السياسية الفاسدة في عالمنا العربي والإسلامي، بل أصبحوا أدوات للمخابرات و وشاة لهم ، و أعوانا للظلمة والمستبدين ، يشرعنون لهم جبروتهم ، و يبيّضون جرائمهم ، ويسترون عليهم ، وفي الوقت نفسه، هم حرب على العلماء والمصلحين ، بدعوى التصدي لأهل البدع زعموا ، و ما موقفهم في مصر بتأييدهم للسفاح السيسي الا بعض الأدلة على ما اقول ، وهاهم في ليبيا يرفعون مع مجرم الحرب خليفة حفتر السلاح في وجوه المسلمين من اخوانهم بدعوى أنهم يقاتلون الخوارج!! الى هذا الحد انحرفت مفاهيمهم ، وكما قال سفيان بن عيينة رحمه الله( ما وقع قوم في بدعة الا استحلوا بعدها رفع السيف )
وهؤلاء المداخلة هم سليلو الطائفة الأولى لأنهم يستدلون بنفس الأدلة، غير أنهم أشجع في موقفهم منهم ! ولهذا أنا أعتبر السلفية العلمية من هذه الزاوية قد نظّرت، والمدخلية قد طبّقت !
ولن تكون سلفيا اليوم عند هؤلاء الا أن تؤمن بسياسة خادم الحرمين الشريفين ووليّ عهده ! وتكفر بقطر وتركيا ، و تبغض قناة الجزيرة وجماعة الإخوان المسلمين، وتخوّن المقاومة الفلسطينية وتقول عنها : هم حمير الرافضة !
و تتبرأ من الربيع العربي و تلعنه وتلعن من يثني عليه ، ( مع أنهم باركوه في بداية الثورات وطاف مشايخهم في كل تلك البلاد و هللوا وكبّروا ) أمأّ الآن فقد تغيرت المواقف بتغيير سياسة (بلاد التوحيد !)
وهاتان الطائفتان عند التأمل والمتابعة والتمحيص ، نجد أنهم يتلونون بلون سياسة حكومتهم، فالفتاوى يمكن أن تتغير من الحرام إلى الحلال ، بمجرد أن يقررّ وليّ أمرهم المُفدّى !
كمسالة قيادة المرأة للسيارة ، و تجويز زيارة مدائن صالح للسياحة بعد ان كانت حراما ، وإقامة حفلات الغناء والموسيقى المختلطة، و هلمّ جرّا .
ثم يتجرّأون على وصف غيرهم بعد ذلك بالتلوّن ؟ ولا أدري من أحق بهذا الوصف، أهو الذي يغير رأيه الفقهي عن قناعة و بحث و تحقيق علمي، أم الذي هو رهن إشارة ايفانكا وأبيها ووكلائهم ؟!
إن تديّنا ومنهجا يصبح تحت رهن الأمريكان وأعداء للأمة لهو تديّن مغشوش لا خير فيه ، وهو الى زوال باذن الله، وأقولها وبكل جرأة : لقد أفلست الدعوة السلفية في عقر دارها كما أفلست الشيوعية في عقر دارها ، وهي إلى انحسار إن شاء الله، والأحداث التي تمر بها الأمة أسهمت في التمييز بين الغثّ والسمين ، والحقيقة والزيف ، و سقطت ورقة التوت عن الجميع والحمد لله رب العالمين.

3– السلفية المتوحشة ( القاعدة و داعش وكل مشتقاتهما ) :
هؤلاء على عكس الفريقين الاولين ، لا يرون صلاحًا ولا إصلاحًا إلا بخلع هذه الحكومات العربية بلا استثناء ، لأنهم يكفرونهم عن بكرة أبيهم، ويصفونهم بوصف ( الطاغوت ) هكذا باطلاق وبلا قيود ، بل تعدوا إلى كل من يعمل في أي سلك حكومي ، وغلاة غلاتهم يكفرون حتى الشعوب ، لأنهم في نظرهم رضوا بحكم الكفر ، ومن لم يكفر من كفره الله ورسوله فهو اذن كافر مثلهم !
ولا يقولنّ لي أحد يا اخي انت تخلط بين هؤلاء وبين السلفيين هذا ظلم ؟ والجواب على هذا التنصل : بماذا يستدل الدواعش ؟ ما هي كتبهم ؟ ما هي مراجعهم ؟؟ أكثرها هي نفس الكتب السلفية غير أنهم في الحقيقة أسوأ فهما وأكثر طيشا منهم ، وهم في الواقع الابن العاق للسلفية ، ويكفي انهم انطلقوا من تكفير تارك الصلاة ، التي هي فتوى مشايخ السلفية العلمية ، والتي ترتب عليها كل سائر المواقف والتصرفات ، ناهيك عن الأخذ بأشد الأقوال في مذهب الحنابلة ، و زادوا على ذلك غلوًا وتطرّفا .
وهؤلاء جميعا بأطايفهم الثلاثة لا يؤمنون بالديموقراطية لأنها كفر باعتبار أن الديموقراطية حكم الشعب والحكم يجب أن يكون لله ، وهذه كلمة حق أريد بها باطل ، فالديموقراطية فيها الصواب وفيها الخطأ، و فيها الحسن وفيها القبيح ، ويجب الإنصاف في الحكم على الأشياء، فكوننا نقول أن الحكم لله هذا لا اشكال عندنا فيه أبدًا، لكن قد يكون الحكم للشعب لان الله تعالى فوّض للناس الحكم في أشياء كثيرة، كقوله تعالى في جزاء الصيد ( يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة ) وقال في مقام الإصلاح بين الزوجين ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من اهله وحكما من أهلها ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) وهذا حكم الكل ، فالاجماع حكم الناس وليس حكم الله ،ولكن شرع الله يصادق عليه !! فاذن يجب التمييز والإنصاف.
كما أن اغلبهم لا يرى مشروعية تكوين الأحزاب الإسلامية لان التحزب يتصادم مع قول الله تعالى ( وان هذه امتكم أمة واحدة ) وكأننا اليوم كذلك ؟ في ظل هذا التعدد والتنوع في الأفكار والمناهج ؟ الذي لا خيار لنا فيه !!
وبعضهم يرى أن الانتخابات بدعة و ضلالة، وقد رددت عليهم بمقالين سابقين ، وهكذا ، هذه الطائفة السلفية من أضل الطوائف المعاصرة في المجال السياسي ، بل والله في مؤسساتهم العلمية تجد أن أقل المواد العلمية تقريرًا واهتماما ودراسة وتدريسًا هي مادة السياسة الشرعية ! وهذا مقصود من حكومات تلك الدولة !
و أكثر هؤلاء اذا تكلموا في السياسة لا يخرج كلامهم عن أسلوب الإجمال الذي يحسنه كل أحد، اما التفصيل والتنزيل والتطبيق ، وآليات ذلك فلا دراية لهم البتة !

هذه نبذة عن مواقف السلفية من السياسة عموما ، ولم آت على كل شيء .

والله من وراء القصد .

ملحوظة: الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع، وحق الرد مكفول.

شاهد أيضاً

الحلقة الأولى (1) : أهم الأحداث التي سبقت مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم

من سلسلة السيرة النبوية – عرض وقائع وتحليل أحداث د. علي محمّد الصلابيّ عرض مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.