أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / حقيقة علاقة إيران بأمريكا وإسرائيل: قراءة في كتاب “التحالف الغادر” لتيريتا بارسي 1 من 5

حقيقة علاقة إيران بأمريكا وإسرائيل: قراءة في كتاب “التحالف الغادر” لتيريتا بارسي 1 من 5

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

تعريفًا بمؤلِّف كتاب Treacherous alliance: The secret dealings of Israel, Iran, and the United States- التحالف الغادر: التعاملات السريَّة بين إيران وأمريكا وإسرائيل (2007)، فهو تيريتا بارسي، باحث إيراني الأصل سويدي الجنسيَّة، أسَّس المجلس الوطني الإيراني-الأمريكي. يُعتبر بارسي من أشهر الخبراء السياسيين في مجال العلاقات الأمريكيَّة الإيرانيَّة، بفضل عمله بالقرب من العديد من صنَّاع القرار في كلٍّ من أمريكا وإيران. فاز الكتاب قيد الحديث بالميدالية الفضيَّة لجائزة آرثر روس للكتاب من مجلس العلاقات الخارجيَّة بواشنطن؛ ومع ذلك، تعرَّض بارسي إلى الاتِّهام بتشكيل جبهة ضغط إيرانيَّة من خلال المجلس الوطني الإيراني-الأمريكي الذي يترأَّسه، لا تختلف في تأثيرها عن لجنة الشؤون العامة الأمريكيَّة الإسرائيليَّة اليهوديَّة، أيباك. ما يدعم هذا الاتِّهام أنَّ أموالًا مجهولة المصدر دخلت إلى حسابه المصرفي في السويد، وقد نفى بارسي ذلك، مؤكِّدًا عمله للتوفيق بين أمريكا وإيران.

يستهل بارسي تحليله للعلاقة بين إيران وإسرائيل، ربيبة ‘‘الشَّيطان الأكبر’’، أمريكا كما يُطلق عليها نظام ملالي إيران، بالإشارة إلى أنَّ تلك العلاقة ستظلُّ لغزًا يستعصي حلُّه، برغم التأثير الكبير لتوتُّر العلاقة بين البلدين على منطقة الشَّرق الأوسط، وعلى أمن الولايات المتَّحدة. وبرغم أنَّ انتهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي هو أهم مقوِّمات إحلال السلام في المنطقة، لم يعبأ المحللون بتناوُل العلاقة الجيوسياسيَّة بين البلدين. يعتقد بارسي أنَّ السبب الأساسي في العداء بين البلدين هو تغيُّر ميزان القوَّة في المنطقة بعد الحرب الباردة، وهزيمة العراق في حربها مع إيران في الثمانينات من القرن الماضي، وإن كان للثورة الإسلاميَّة تأثيرٌ قويٌّ في انزعاج إسرائيل من ناحية إيران. ويعترف بارسي بأنَّ الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة قد اعتبرت نفسها المدافع الأوَّل عن القضيَّة الفلسطينيَّة، بلا أيِّ خطوات جديَّة لنصرتها. تفاقَم الصراع بين إيران وإسرائيل بعد حرب الخليج الأولى عام 1991 ميلاديًّا، بعد أن قررت أمريكا وإسرائيل إعادة ترتيب النظام السَّائد في الشرق الأوسط، على أساس عمليَّة السلام الفلسطينيَّة-الإسرائيليَّة، وعزلة إيران الطويلة. تجتهد كلٌّ من إيران وإسرائيل منذ ذلك الحين في تقويض أيِّ مبادرة أمريكيَّة تخدم منافستها.

يحرص بارسي في المقدِّمة على الإشارة إلى حُسن نيَّة النظام الإسرائيلي تجاه إيران، ورغبته في تكوين علاقة صداقة معها، مشيرًا إلى تصريح أدلى به رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز آنذاك، للرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان عام 1986، عن ضرورة تكوين أمريكا وإسرائيل علاقة استراتيجيَّة أوسع نطاقًا مع إيران. يتضارب هذا التصريح مع ما قاله نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، شمعون بيريز، عن الرئيس الإيراني السابق محمود أحمد نجاد، بعد تولِّي الأخير منصبه في 2005، لمَّا وصفه بـ ‘‘الإصدار الفارسي من هتلر’’، في إشارة إلى معاداته اليهود. حرصت إسرائيل منذ نشأة الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة على تصويرها أمام الرأي العام الأمريكي بأنَّها نظامٌ رجعي متشدِّد يجدر التخلُّص منه، مثل نظام صدَّام حسين. وكانت حيلة إسرائيل في ذلك إبراز حقيقة أنَّ النظام الحاكم في إيران نظامٌ ثيوقراطيٌّ، لا يستند إلى الديموقراطيَّة إلَّا في الظَّاهر، على عكس النظام في إسرائيل. لم يختلف نظام ولاية الفقيه عن النظام الإمبراطوري قبل الثَّورة الخمينيَّة عام 1979؛ فبينما سعى الإمبراطور محمَّد رضا بهلوي إلى زعامة الخليج العربي، يسعى نظام الملالي إلى السيطرة على العالم الإسلامي. لا يجد بارسي حرجًا في الاعتراف بأنَّ الجمهوريَّة الإسلاميَّة استخدمت الدفاع عن القضيَّة الفلسطينيَّة ساترًا لإخفاء أسباب صراعها مع إسرائيل، وعلى رأسها التنافس على السيطرة على الشرق الأوسط.

مواطن التشابه بين إيران وإسرائيل

يعتقد بارسي أنَّ التصادم بين إيران وإسرائيل في الظَّاهر يخفي تقاربًا شديدًا بين البلدين لعدَّة أسباب، أهمَّها الرَّغبة في السيطرة على العالم العربي، وهي رغبة نابعة من الشعور بالعظمة والتفوُّق. يستتبع هذا الشعور نظرة دونيَّة تجاه العرب، الذين يصفهم الطرفان بالانحدار الثقافي والدنو الفكري، مما يستوجب الارتقاء بهم وتحسين أوضاعهم. تشترك البلدان كذلك في العداء مع الدول المحيطة، والشعور بعدم الأمان، خشية أن تستفيق تلك الدول يومًا فتنقض عليهما. وينتج عن هذا العداء عزلة ثقافيَّة تزيد من الفجوة بين الكيانين الشِّيعي واليهودي من ناحية، والمسلمين من الناحية الأخرى. ويعتزُّ كلٌّ من الشِّيعة واليهود بتاريخ كلٍّ منهما قبل ظهور الإسلام، وهذا من أهم مسببات الحقد والكراهية في قلوب هؤلاء على الإسلام وأهله.

تحتفظ إيران بالإرث الزرادشتي من خلال الاحتفال بعيد النيروز، أو اليوم الجديد، كلَّ عام، ولو تزامَن مع عاشوراء، وهو ذاته يوم الزِّينة الوارد في الآية 59 من سورة طه، الذي كان يحتفل به قدماء المصريين، ويُعرف اليوم بشم النسيم، وأخذه اليهود عنهم. اختارت إيران، وريثة الإمبراطوريَّة الفارسيَّة، لنفسها ملَّة تنفرد بها عن محيطها المسلم، فآثرت المذهب الشِّيعي، المستمدِّ من الصوفيَّة السائدة في آسيا الوسطى، ومن المعروف أنَّ المتصوِّفين هو الذين نشروا المذهب الشِّيعي، المؤمن بالسمو الروحاني لآل البيت، بإيعاز من إسماعيل الصَّفوي. تسبب اختلاف العقيدة للشِّيعة في العديد من الملاحقات والاضطهادات، وكذلك الحال مع اليهود. ويقرر بارسي بذلك أنَّ الشِّيعة الإيرانيين واليهود الإسرائيليين ليسوا بغرباء عن بعض، خاصَّة مع الترابط الثقافي والتاريخي والديني بين أسلاف الطائفتين، الذي يعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد. لا ينسى اليهود أنَّ كورش، ملك الفرس، هو الذي خلَّصهم من السبي البابلي، كما أنَّ الملكة أستير الإسرائيليَّة، زوجة أحشويروش، ملك الفرس، خلَّصت قومها من مجزرة دبَّرها لهم هامان، وزير الملك، ويحتفل اليهود بذكرى الخلاص إلى اليوم في عيد الفور، أو الفوريم، في 14 من الشهر الثاني عشر في التقويم العبري (سفر أستير: إصحاح 3: 1؛ إصحاح 9: 32)؛ وهناك اعتقاد بأنَّ قبر النبي دانيال في جنوب غرب إيران. ويعترف اليهود بفضل كورش في تخليصهم من السبي البابلي وتدعيمهم في إعادة بناء الهيكل (سفر عزرا، إصحاح1: 1-7). من المثير للاهتمام أنَّ كثيرين من بني إسرائيل ممَّن سُبوا إلى بابل، لم يعودوا إلى الأرض المقدَّسة، وآثروا البقاء في بلاد فارس، وهم أجداد اليهود الباقين في إيران إلى اليوم، مع اختلاف الأنظمة السياسيَّة الحاكمة، وحتَّى في ظلِّ الجمهوريَّة الإسلاميَّة. هذا، وتصف أسفار أستير وعزرا ونحميا ودانيال التقارب والود بين بني إسرائيل وبلاط ملك الفرس، خلال سنوات السبي البابلي.

لا يمكن إنكار التأثيرات التي تركتها الزرادشتيَّة على عقيدة بني إسرائيل الدينيَّة، ويستشهد بارسي في ذلك برأي نورمان كوهين في كتابه Cosmos, Chaos, and the World to Come-الكون والفوضى والعالم الآتي (2001)، بأنَّ بني إسرائيل أخذوا عن الزرادشتيَّة مفاهيم الزَّمن الخطِّي، وعلوم آخر الزَّمان، والإيمان بالملائكة والشياطين والجنَّة والجحيم، وقد تأثَّرت المسيحيَّة والإسلام بتلك المفاهيم لاحقًا، على حدِّ قوله. ويفترض بارسي كذلك أنَّ الزرادشتيَّة صاحبة الفضل في تحويل اليهوديَّة إلى ديانة توحيديَّة، ونبذ فكرة أنَّ الربَّ يهوه كان إله بني إسرائيل وحدهم، على أساس أنَّ لكلِّ قوم إلهها الخاص، وليس أنَّ للكون إله واحد. ويشير بارسي إلى حقيقة أنَّ حوالي مائتي ألف يهودي إيراني الأصل يعيشون في إسرائيل، من بينهم مَن وصلوا إلى أرفع المناصب، كما سبقت الإشارة، ومن بينهم الرئيس الثامن للكيان الصهيوني، موشيه كتساف. ويُفرد الكاتب جانبًا من طرحه للحديث عن كتساف، مشيرًا إلى أنَّه حرص طوال فترة عمله لدى الأمم المتَّحدة على منح الدبلوماسيين الإيرانيين معاملة وديَّة خاصَّة، والتحدُّث معهم بالفارسيَّة على انفراد. مع ذلك، لم ينفِ داني حالوتس، رئيس هيئة الأركان العامة لجيش الدفاع الإسرائيلي إيراني المولد، إمكانيَّة ضرب مفاعل إيران النووي. ويلقي بارسي الضوء على أنَّ يهود إيران ينبغي عليهم، من أجل تجنُّب الصدام مع النظام الإسلامي، التصريح بمعاداة إسرائيل والصهيونيَّة، وإلَّا تعرَّضوا لمضايقات شديدة. ولم يأبه يهود إيران بتهديدات نجاد بمحو الكيان الصهيوني، كما لم يشعروا بتضييق بعد تولِّيه السُّلطة، وإن كان قد عاشوا عهدًا سعيدًا في ظلِّ حُكم سابقه، محمَّد خاتمي، الذي كان يحرص على سلامة اليهود بصورة شخصيَّة، لدرجة أنَّه قال “لا بدَّ أن نصرِّح علنًا إذا مات، ولو يهوديٌّ واحد”، كما ينقل بارسي (ص9).

لم يقرر يهود إيران الهجرة إلى إسرائيل لأسباب سياسيَّة أو دينيَّة، إنَّما لأسباب اقتصاديَّة، معتقدين أنَّ إسرائيل مملكة الجنَّة، حيث سيجدون حياة أسهل. غير أنَّ التجارب التي ينقلها بارسي عن لسان هؤلاء تشير إلى مرورهم بصدمة عند معرفة حقيقة الحياة في إسرائيل. يُوعد المهاجرون بمنزل وبفرص للربح، لكنَّ الواقع كان مريرًا لدرجة حنين بعضهم إلى إيران وحياتهم السَّابقة فيها. يتعامل المهاجرون الإيرانيُّون القدامى إلى إسرائيل مع المهاجرين الجدد بنوع من الحذر، خشية أن يكون لديهم ولاءً للحكومة الإيرانيَّة. وكمثل المهاجرين الرُّوس الذين استوطنوا إسرائيل بعد سقوط جدار برلين، يحتفظ اليهود من أصل إيراني بلغتهم وثقافتهم، ويفضِّلونها على السَّائد من لغات في إسرائيل. ويعترف بارسي بوجود صدامات بين الفرق اليهوديَّة المنتمية إلى مختلف أقطار الأرض، حيث يجد يهود المشرق صعوبة في التعامل مع الأوروبيين؛ لأنَّ كلَّ فريق يحتفظ بهويَّته الثقافيَّة ولغته، وهذا لا يوفِّر آفاقًا للاندماج الثَّقافي.

 يورد بارسي رأيًا لخبير سياسي إسرائيلي عن طبيعة أعداء إسرائيل، واعتبر هذا الخبير أنَّ الإيرانيين هم الأشدُّ دهاءً، واصفًا إيَّاهم بـ “أساتذة الخداع”؛ ومن ثمَّ، يصعب تشخيصهم. أمَّا العرب، فهم سُذَّج وضيِّقو الأفق ومعاندون، وقد ظلَّوا هكذا على مدار الأزمنة. ويشير بعض الإسرائيليين إلى قصَّة الملكة أستير، التي بهرت الملك أحشويروش بجمالها، وأجبرته على نُصرة بني إسرائيل، بأن كشفت له مخططًا لوزيره لتقتيلهم. تصرَّفت أستير بذكاء شديد، كما يخبر السفر المسمَّى باسمها في العهد القديم، بأن أخبرت أحشويروش بتدبير وزيره هامان ضدَّ بني إسرائيل في الوقت المناسب، بحيث لم تعطِ الملك وقتًا للتحقيق في الأمر، أو تثبُّت الحقيقة. أعدَّت أستير للملك ووزيره وليمة، ثم استعطفت الملكَ أن يبقيها على قيد الحياة، ولمَّا سأل عن السبب “أَجَابَتْ أستير الْمَلِكَةُ وَقَالَتْ: «إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، وَإِذَا حَسُنَ عِنْدَ الْمَلِكِ، فَلْتُعْطَ لِي نَفْسِي بِسُؤْلِي، وَشَعْبِي بِطِلْبَتِي. لأَنَّنَا قَدْ بِعْنَا أَنَا وَشَعْبِي لِلْهَلاَكِ وَالْقَتْلِ وَالإِبَادَةِ. وَلَوْ بِعْنَا عَبِيدًا وَإِمَاءً لَكُنْتُ سَكَتُّ، مَعَ أَنَّ الْعَدُوَّ لاَ يُعَوِّضُ عَنْ خَسَارَةِ الْمَلِكِ». فَتَكَلمَ الْمَلِكُ أَحَشْوِيرُوشُ وَقَالَ لأستير الْمَلِكَةِ: «مَنْ هُوَ؟ وَأَيْنَ هُوَ هذَا الَّذِي يَتَجَاسَرُ بِقَلْبِهِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ هكَذَا؟» فَقَالَتْ أستير: «هُوَ رَجُلٌ خَصْمٌ وَعَدُوٌّ، هذَا هَامَانُ الرَّدِيءُ». فَارْتَاعَ هَامَانُ أَمَامَ الْمَلِكِ وَالْمَلِكَةِ” (سفر أستير: إصحاح 7، عدد 3-6). بمنتهى الدهاء، استطاعت أستير بحديثها المعسول استمالة الملك إلى جانبها، ولم تعطه الفرصة للتحقيق مع هامان ومعرفة سبب مؤامرته على اليهود، وعلى رأسهم مردخاي، عمِّ أستير ومربِّيها. استشاط الملك غضبًا، وأمر فورًا بإعدام هامان “فَصَلَبُوا هَامَانَ عَلَى الْخَشَبَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِمُرْدَخَايَ. ثُمَّ سَكَنَ غَضَبُ الْمَلِكِ” (سفر أستير: إصحاح 7، عدد 10). ويعلِّق شمويل بار، المتخصص في الدراسات الإسلاميَّة لدى مركز هرتسليا متعدد التخصصات للبحوث، على تصرُّف أستير، قائلًا عن أستير “هي تخدع، وتُخفي نواياها، وتتلاعب، وتُقنع الأطراف الأقوى لخوض معاركها”، داعيًا الإسرائيليين اليوم لتعلُّم تلك الحيل عن أستير، والتي تعلَّمتها بدورها خلال فترة حياتها في إيران، على حدِّ قوله، في حوار أُجري معه في تل أبيب في 18 أكتوبر من عام 2004 ميلاديًّا. وينقل بارسي عن خبير إسرائيلي آخر ضجره ممَّا يثار عن أنَّ اليهود هم أساتذة المكر والخديعة، معتبرًا أنَّ الفرس هم أولى من اليهود بهذا اللقب.

على الصعيد الآخر، يرفض الإيرانيُّون التعبير عن إعجابهم بمهارات اليهود، ويجتهدون في إخفاء مشاعر القلق والخوف تجاه تهديدهم، ويترفَّعون عن الاعتراف بأنَّ إسرائيل تشكِّل قوَّة منافسة لها في منطقة الشَّرق الأوسط، ويعتبرونها دولة عديمة الشَّرعيَّة، قامت على أراضٍ محتلَّة، ويجب محوها. وينقل بارسي عن أحد المحللين السياسيين الإيرانيين قوله أنَّ السكوت عن الاحتلال الإسرائيلي للأرض المقدَّسة لن يستمرَّ، خاصَّة مع عدم مشروعيَّة الاحتلال ومحدوديَّة عدد المستوطنين. ويشكك بارسي في تصريح المحلل الإيراني، ملفتًا النَّظر إلى أنَّ إيران تخشى بالفعل تأثير إسرائيل على نفوذها في المنطقة، وتعتبر أنَّ هويَّتها الإسلاميَّة سبيلها للاندماج مع المسلمين العرب من أهل السُّنَّة، ما تفتقر إليه دولة اليهود.

حرب تمُّوز 2006 بين حزب الله اللبناني وإسرائيل

في 12 من يوليو 2006 ميلاديًّا، اندلعت الحرب بين إسرائيل وحزب الله اللبناني، الذي يعرِّف بارسي بأنَّه جماعة مسلَّحة غير رسميَّة وحزب سياسي يدين بملَّة الشِّيعة. حدث ذلك اليوم أن تجاوَزت فرقة من حزب الله الحدود مع إسرائيل، واختطفت جنديَّين إسرائيليَّين، وقتلت ثلاثة آخرين، مما دفع إسرائيل إلى شنِّ حملة إنقاذ، لم تفشل فقط، إنَّما أسفرت عن موت خمسة جنود آخرين. لم يكن الأمر يمثِّل لحزب الله في البداية أكثر من مناوشة تختطف من خلالها جنودًا تقايِض بهم لاحقًا على جنود تابعين لها في سجون الاحتلال، بينما اعتبرت إسرائيل أنَّ ذلك كان بمثابة إعلان حرب عليها، ليس من حزب الله اللبناني، إنَّما من داعمته وممولته، إيران. ردَّت إسرائيل فورًا بغارات جويَّة استهدفت معاقل حزب الله وقاذفات الصواريخ الخاصة به، بالإضافة إلى البنية التحتيَّة للمدنيين اللبنانيين. تعالت الأصوات في أمريكا لتطالب الرئيس جورج بوش الابن، الرئيس الأمريكي آنذاك، بالتدخُّل لتوسيع نطاق الحرب، أملًا في يكون ذلك بداية إسقاط النظامين المعاديين لأمريكا في الشرق الأوسط، إيران وسوريا. دعا بوش الابن علنًا، في تصريح نقلته وكالة سي إن إن الإخباريَّة، إلى انتهاز الفرصة الاستراتيجيَّة التي أتاحتها تلك الحرب، آملًا أن يثمر فتك إسرائيل المتوقَّع بحزب الله اللبناني، عن إضعاف شوكة إيران. خلَّفت تلك الحرب ألف وخمسمائة قتيل من لبنان، وثلاثمائة من إسرائيل، وتهجير تسعمائة ألف أسرة لبنانيَّة، وثلاثمائة ألف أسرة إسرائيليَّة، بالإضافة إلى إحداث تدمير واسع في لبنان، وعرقلة الحياة الطبيعيَّة فيها، وفي شمال إسرائيل.

أخبر إفرايم سنيه، نائب وزير الدِّفاع الإسرائيلي حينها، بارسي في مؤتمر عُقد في 28 يوليو من عام 2006، أنَّ الحرب الخاطفة بين بلاده وحزب الله مقدِّمة لحرب أوسع نطاقًا مع إيران، وهي حرب يتوقَّع بارسي أنَّها ستكون طاحنةً، وستنزلق فيها أقدام دولٍ أخرى وأطراف غير معنيَّة، و”ستكون حرب أمريكا هي الأخرى”؛ لأنَّ “على عكس العراق، بإمكان إيران أن تُلحق بالولايات المتَّحدة أضرارًا جسيمة؛ بفضل تفوُّقها العسكري بإمكانات تتوزَّع في شتَّى أنحاء الإقليم” (ص15).

العلاقات الإيرانيَّة-الإسرائيليَّة قبل سقوط نظام الشَّاه

احتفظت الإمبراطوريَّة الإيرانيَّة زمن الشَّاه محمَّد رضا بهلوي، بعلاقات قويَّة مع إسرائيل في مهدها، حيث ساند نظام الشَّاه تأسيس دولة الكيان الصهيوني عام 1948، وحرص على التعاون معها لمواجهة تهديدات الاتحاد السوفييتي والدولة العربيَّة المتحالفة معه، وعلى رأسها مصر تحت حُكم جمال عبد النَّاصر. غير أنَّ الشَّاه أحاط ذلك التعاون بشيء من السريَّة؛ خشية تأثُّر علاقته بالبلدان العربيَّة المجاورة بذلك، فأسند مهمَّة التواصل معها إلى السافاك، وهي منظمة المخابرات والأمن القومي التابعة له، والتي بدأت التواصل مع الموساد الإسرائيلي عام 1957. وقد بدأ بالفعل تعاوُنٌ عسكريٌّ بين إيران وإسرائيل، حيث درَّبت الأخيرة أربعمائة من الطيَّارين وجنود المظلَّات ورجال المدفعيَّة الإيرانيين، بالإضافة إلى تدريب عملاء السافاك على وسائل التعذيب والتحقيق الحديثة وقتها. وظلَّت العلاقات سريَّة، حتَّى أنَّ أول زيارة لرئيس وزراء إسرائيلي، وهو ديفيد بن غوريون، عام 1961، لم يُعلن عنها، ولم تخرج زيارات رؤساء الوزراء التالين عن هذا النهج، برغم سعي إسرائيل إلى إعلان إيران عن تعاونها معها أمام العالم. غير أنَّ إيران كانت تُحجم عن التصريح بتعاونها مع إسرائيل؛ لأنَّ ذلك كان سيستلزم الاعتراف بالكيان الصهيوني، وهذا لم يكن ممكنًا وقتها. لم يستجب الشَّاه لضغوط مارستها جولدا مائير، رئيس الوزراء الأسبق لدولة إسرائيل، على الغرب لتأثير عليه لكي يتعرف بإسرائيل رسميًّا، لكنَّه سمح للوفد الإسرائيلي بالعمل في بلاده، مثل أي وفد دبلوماسي لأيِّ دولة في العالم، والفرق الوحيد هو عدم وضع علم إسرائيل في المناسبات الرسميَّة.

توتُّر علاقة إيران بمصر الناصريَّة

يشير روح الله رمضاني في كتابهIran’s Foreign Policy 1941–1973-سياسية إيران الخارجيَّة 1941-1973 (1975)، إلى أنَّ الشَّاه بهلوي أجاب على سؤال طرحه عليه صحافي أجنبي في يوليو من عام 1960، وهو إذا كان يخطط للاعتراف بإسرائيل رسميًّا، بقوله أنَّه اعترف بها فعليًّا عام 1951. أثار ذلك التصريح حفيظة النظام الحاكم في مصر، زمن جمال عبد النَّاصر، شديد العداء تجاه إسرائيل، والمتوعِّد بمحوها من الوجود، تمامًا مثلما صرَّح النظام الإيراني في عهد أحمدي نجاد. لم يكن عبد النَّاصر مهتمًّا بالعلاقات السريَّة بين الكيان الصهيوني ودول الشِّيعة، لكنَّه استغلَّ تلك الفرصة في عرقلة سيطرة إيران على الخليج العربي، وتهديدها للدول العربيَّة المحيطة. كان على الشَّاه تجنُّب المواجهة العسكريَّة مع مصر، خاصةً مع انشغالها بصراعها مع جارتها، العراق، الذي قد يمنح الأخيرة الفرصة للتفرُّغ لإسرائيل. واستمرَّت إيران وتركيا وإسرائيل في التجسس على تفاصيل التعاون العسكري بين مصر والعراق والاتحاد السوفييتي، وقد سمحت مواقع الدول الثلاث غير العربيَّة لها بمتابعة الشحنات المتبادلة بين السوفييت والعرب، ولا شكَّ في أنَّ ذلك كان له دوره في هزيمة الجيوش العربيَّة في حرب الأيَّام الستَّة.

صعود إسرائيل…صعود إيران

لم يكن تعاوُن إسرائيل وإيران خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، تحالفًا عسكريًّا أعجميًّا في مواجهة العرب، إنَّما تقارُبًا برَّرته المصالح المشتركة، وحاجة كل دولة للأخرى في مواجهة تهديد الجيران العرب. تحَّكم في علاقة إسرائيل وإيران نسبة عداء كلٍّ منهما مع العرب، فكلَّما ازداد العداء، كما في حالة إسرائيل، ازداد اعتمادها على حليفتها. غير أنَّ الأوضاع تبدَّلت بعد أن انتصرت إسرائيل على العرب في يونيو/حزيران من عام 1967 انتصارًا مؤزَّرًا، وتخلَّت مصر عن تحالُفها مع الاتحاد السوفييتي مطلع السبعينات لصالح الولايات المتَّحدة بعد حرب يوم كيبور، كما تضاعفت سطوة الشَّاه في الخليج العربي، بعد انسحاب الأسطول البريطاني وتعاظُم نموِّ الاقتصاد الإيراني. وشكَّلت هذه التغيُّرات التي طرأت على الخارطة الجيوسياسيَّة للمنطقة تحديًا أمام استمرار العلاقات الإسرائيليَّة-الإيرانيَّة على النحو السابق.

تأثير حرب الأيَّام الستَّة على العلاقات الإسرائيليَّة-الإيرانيَّة

تمثِّل حرب الأيَّام الستَّة، أو حرب 5 يونيو/حزيران من عام 1967 ميلاديًّا، تحوُّلًا كبيرًا في التصوُّر الخاص بإسرائيل لدى إيران، أجبر إيران على إعادة تقدير علاقتها بالكيان الصهيوني، الذي سحق الجيوش العربيَّة، واحتلَّ مساحات واسعة من أراضيها ضاعفت من مساحة أرضه في أيام معدودات. لم تكن إيران، كما يقول بارسي، تريد إسرائيل أن تكون ضعيفة، كما لم تردها قويَّة إلى درجة أن تحتلَّ أراضٍ تابعة للأرض المقدَّسة ومصر والشَّام. ولم يساور إيران حينها شكٌّ في أنَّ إسرائيل قد تنقلب عليها يومًا ما وتحتلَّ أراضيها، كما فعلت بجيرانها، ولكنَّ الحذر صار واجبًا. يعني ضعف إسرائيل أن يتجاوزها العرب ويتفرَّغ إلى إيران، “وقد استفادت إيران بلا شكٍّ من إضعاف الدول العربيَّة، ولكن مع صعود إسرائيل في القوَّة، ازدادت شكوك إيران حيال التوسُّع الإسرائيلي” (ص30).

ورأى الشَّاه بهلوي حينها أنَّ إسرائيل قد تحوَّلت من وضع النضال للحفاظ على كيانها، إلى وضع العدوان على جيرانها للتوسُّع في المساحة. وبدلًا من أن يسعد بهلوي بنجاح إسرائيل في تدمير جيش عبد النَّاصر، فيعترف رسميًّا بإسرائيل، استخدم الشَّاه لهجة حادَّة في التعامل معها، وجمَّد كافَّة المشروعات المشتركة بين البلدين. أيَّدت إيران، أسوةً بالولايات المتَّحدة والمملكة المتَّحدة، قرار مجلس الأمن التَّابع للأمم المتَّحدة رقم 242، الصَّادر في 22/11/ 1967، الذي نصَّ على “انسحاب القوَّات الإسرائيليَّة من أراضٍ احتُلَّت في النزاع الأخير”، مشدِّدًا على “مبدأ عدم مقبولية حيازة الأراضي عن طريق الحرب”. تجدر الإشارة هنا إلى اللعب بالألفاظ في عبارة “territories occupied”، التي تُرجمت إلى “أراضٍ احتُلَّت“، حيث اعتقد البعض وقتها أنَّ المقصود هو انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي التي احتَّلتها، بينما ينصُّ قرار مجلس الأمن على الانسحاب من “أراضٍ” لم تُحدَّد مساحتها ولا البلدان التي هي جزء منها. واعتقدت النظام الحاكم في إيران أنَّ استمرار إسرائيل في احتلال أراضي الدول المحيطة يعني استمرار الصراع الدموي، ما لم تقبله الإمبراطوريَّة الشِّيعيَّة حينها، برغم عدائها التاريخي مع العرب، بل إنَّ الشَّاه كان يدعو أمريكا لاتِّخاذ موقف حيادي تجاه إسرائيل.

أسهم ذلك الموقف للشَّاه في تحسين علاقته بالدول العربيَّة، وبخاصَّة مصر، بعد رحيل عبد النَّاصر؛ فنشأت علاقة صداقة قويَّة بين الرئيس أنور السَّادات والشَّاه رضا بهلوي حتَّى وفاة الأخير، الذي لجأ إلى مصر بعد خلعه، ولم يزل مدفونًا فيها، في المقبرة الخاصَّة بأسرة محمَّد عليٍّ، التي صاهرها، بزواجه من شقيقة الملك فاروق الأوَّل مطلع الأربعينات. وما ضاعف من فرص الصداقة تحوُّل النظام الحاكم في مصر إلى التعاون السياسي مع أمريكا، والاستغناء عن الاتحاد السوفييتي في التسليح، وبالتَّالي صار لمصر وإيران حليفٌ غربي واحد، مناوئ شرقي واحد أيضًا. وقد بدأت المباحثات المصريَّة-الإيرانيَّة عام 1969، بواسطة كويتيَّة، وأصرَّت إيران على أن ترسل مصر اعتذارًا عن إساءاتها السَّابقة تجاه نظام الشَّاه، وأن تبدأ مصر بالتودُّد إلى إيران؛ فقبل عبد النَّاصر في آخر سنين حُكمه، بما ألمَّ به حينها من ضعف خلَّفته هزيمة يونيو 1967. من جانبه، اتَّخذ الشَّاه خطوات، لإرضاء العرب، كان من شأنها إضعاف علاقته بإسرائيل، منها عدم حضور الاحتفال بمرور 22 عامًا على تأسيس إسرائيل في مايو من عام 1971، وكذلك رفض دعوة رئيس إسرائيل إلى الاحتفال بمرور 2500 عام على نشأة الإمبراطوريَّة الفارسيَّة (المجوسيَّة) في أكتوبر من العام ذاته. واعتبر الشَّاه أنَّ التغطية الإعلاميَّة الأمريكيَّة السلبيَّة للاحتفالات المبالغ فيها كانت بفعل سيطرة اليهود على الإعلام الغربي، لمعاقبته على تجاهل دعوة رئيس إسرائيل.

يزعم بارسي أنَّ دفء العلاقات المصريَّة-الإيرانيَّة بلور مدى ضعف العلاقات الإيرانيَّة-الإسرائيليَّة، ومرحليَّة احتياج إيران إلى إسرائيل، حيث لم تعد تحتاج إليها مثل السَّابق، بعد ارتفاع عائدات النفط، في وقت رأت فيه أنَّ تحسين علاقتها بالعرب كان أهم، خاصَّة وأنَّ النظام المصري لم يعد يحرِّض العرب ضدَّ إيران. من ثمَّ، لم يعد مفهوم العروبة يهدِّد إيران، كما ظلَّ يهدِّد إسرائيل. وما زاد العلاقات الإيرانيَّة-الإسرائيليَّة تعقيدًا الانتصارات المصريَّة في حرب يوم كيبور، أو حرب 6 من أكتوبر/تشرين الأول من عام 1973، التي ساند فيها الشَّاه بهلوي الجانب المصري وأمدَّه بالنفط؛ فصارت مصر مصدرًا أكبر للقلق الإسرائيلي. وكانت جولدا مائير قد زارت طهران لأوَّل مرَّة بوصفها رئيس وزراء إسرائيل، قبل إقدام السَّادات على طرد عشرة آلاف خبير عسكري روسي من مصر، في يوليو من عام 1972، في خطوة جريئة في التقرُّب إلى المعسكر الغربي. ويروي بارسي أنَّ مائير غادرت طهران في ذهول، وينقل عنها قولها “بعد تجديد العلاقات مع مصر، لم يعد الشَّاه ما كان عليه” (ص55).

شاهد أيضاً

حقائق غائبة حول استشهاد الحسين وأحداث كربلاء (4)

د. علي محمّد الصلابيّ وبالنظر إلى أقوال الصحابة – رضوان الله عليهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *