أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / أكراد سورية.. السياسات والمرجعيات القومية

أكراد سورية.. السياسات والمرجعيات القومية

مهند الكاطع

كاتب وباحث سوري
عرض مقالات الكاتب

النيروز (كردياً)

تقودني الذاكرة إلى حقبة التسعينات تحديداً إلى ذكريات الربيع و “عيد النيروز” في مسقط رأسي “القامشلي” الواقعة في الشمال الشرقي من سورية ضمن محافظة الجزيرة و التي أعاد الزعيم فوزي سلو تسميتها لتصبح محافظة الحسكة بمرسوم تشريعي حمل الرقم 179 صدر في 22-12-1952م وهو ذات المرسوم الذي أعاد تسمية محافظة حوران لتصبح درعا، ومحافظة الفرات لتصبح دير الزور، وأيضاً قضاء “جبل الأكراد” ليصبح قضاء عفرين ، وكانت الفكرة  توحيد منهج لتسمية المحافظات والأقضية بأسماء مراكزها  كحال معظم المحافظات والاقضية آنذاك.  

يحتفل الأكراد في سورية في 21 آذار من كل عام بعيد الربيع المُسمى “عيد النيروز”،  وتاريخياً يعتبر هذا العيد من التقاليد الفارسية القديمة المشهورة، التي انتقلت منهم إلى العراق وبلدان إسلامية أخرى،  يذكره الجاحظ في كتابه المحاسن والأضداد قائلاً: “إنَّ أول من ابتكر النيروز هو الملك الفارسي (كيا خسرو بن أبرويز)”، وقد تحدثت كتب التراث بإسهاب عن النيروز في العصر العباسي، كما أن الأقباط القدماء كانوا كذلك يحتفلون بعيد الربيع،  ويسمونه عيد “شم النسيم”. تم اعتبار النيروز عيداً قومياً للأكراد ابتداءً عام 1919م في إطار الجهود التي قادها الأخوان بدرخان لرسم هوية مستقلة للقومية الكردية. وفي النيروز تخرجُ العوائل في محافظة الحسكة منذُ ساعات الصباح الباكر وتتجمهر في أمكنة  معلومة وتنصبُ خيامَها الصغيرة، ولا تسمع وسط الجموع الغفيرة إلا أصوات الموسيقى والأغاني الشعبية الكردية التي كان النظام يغض الطرف عنها وخاصة منذ نهاية الثمانينات. والعوائل العربية والسريانية كانت كذلك تشارك بهذه الاحتفالات من باب التجمهر بيوم ربيعي، دون أن يكون لذلك أدنى اعتبارات سياسية لديهم.

العلاقات بين القوى الكردية والنظام كانت جيدة للغاية، فالنظام كان يحتضن و يدعم آنذاك الأبوجية (العمال الكردستاني) ضد تركيا، ويحتضن باقي الأكراد (جماعة الطالباني والبرزاني) ضد نظام بغداد،  واستقبل في فترات متلاحقة جميع الزعماء الأكراد في سورية  ( آوجلان ، طالباني، وكذلك مسعود البرزاني) وساعد النظام  تسهيل نشاط الأحزاب الكردية في سورية مع تحفظه على أي نشاط للعرب الذين كان يتم تصنيفهم على أنهم (صداميين)، ويشكلون خطراً على أمن الدولة. وجراء تلك السياسات، لا يزال هناك آلاف المغيبين منذ الثمانينات في سجون النظام تحت تهمة يميني صدامي أو إخوان مسلمين.

يبدو أن العلاقات العربية- الكردية في منطقة الجزيرة أخذت منعطفاً جديداً بعد أحداث 2004 في القامشلي وباتت تتجه إلى عدم الثقة وخاصة بالموقف الكردي، فأحداث 2004 في القامشلي التي بدت كما لو أنها أحداث شغب في ملعب لكرة القدم، اتخذت أبعاداً أكبر بكثير، ساهمت في زيادة النظرة السلبية اتجاه الأكراد، فقد تخلل الأحداث رفع شعارات قومية وعنصرية اصطدم بها كل من العرب والسريان، مثل : (لا عرب ولا سريان هذه دولة كردستان)، ويبدو أن عنصر الصدمة كان يكمن في نشاط كردي قومي استفاد من التسهيلات التي قدمها نظام حافظ الأسد، لكنها بقيت محصورة ضمن البيئة الكردية المغلقة، حيث لم يكن من المسموح تداول أفكار سياسية بين مكونات المجتمع، بل سعى النظام أيضاً لزرع الشكل بين المكونات فيما بينها، وساهم الموقف الكردي المتشنج، الذي أعقب الاحتلال الأمريكي للعراق، بما حمله أيضاً من استياء من مساهمة الأكراد والشيعة في الجنوب، في عملية احتلال العراق، من النظرة السلبية اتجاه الأكراد، فقد تفائل أكراد سوريا آنذاك أيضاً، بوجود القوات الأمريكية في العراق، وحلفهم مع أكراد العراق، وبدا لهم أن أمريكا ستتدخل في سورية لصالحهم بمجرد قيامهم بحركة واسعة ورفع العلم الأمريكي والإسرائيلي، أو شعارات تحيي بوش الذي تم تسميته (بافي أزاد) أي ( أبو الحرية) في الحراك الكردي آنذاك. هذا الحراك الذي انتهى بقمعه من قبل النظام، كذلك لم يخلوا الأمر من اعتداءات برعاية النظام على بعض المحال التجارية الكردية، كرسالة أراد توجيهها النظام بأن الأكراد سيخسرون مادياً ومعنوياً إذا لم يتوقفوا عن حراكهم القومي، وبالفعل حدث أن توقف الحراك مع خذلان الأمريكان آنذاك للأكراد، و القوة العسكرية التي استقدمها النظام للمنطقة.

الأحزاب الكردية والثورة السورية

يمثل كل من (البرزاني، أوجلان، الطالباني) زعامات ومرجعيات كردية لأكراد سورية، والأكراد السوريين لم يشكلوا حالة سياسية خاصة بهم وبما يلائم وضعهم في سورية، خارج إطار هذه المرجعيات، فلا تزال الأحزاب الكردية تابعة للأطراف الكردية خارج سورية وفشلت بتأسيس مرجعية مستقلة عنها، منذ بدء نشاط أول حزب كردي في سورية سنة 1957، و بقيت الأحزاب الكردية عرضة للانقسام والتشرذم حتى ضمن المرجعية الواحدة، وقد كشفت الثورة السورية اللثام عن مزيد من هذا التشرذم خاصة عندما قررت بعض الأحزاب الكردية المشاركة بالثورة السورية بعد تردد دام أكثر من ستة أشهر على انطلاقتها، ومع دخول الأحزاب كان وهج الثورة في الشارع الكردي يخف ويتخذ منحى مختلف، حيث بدأت صور الزعامات الكردية الغير سورية وشعاراتها القومية تطغى على المشهد، وبدأت عمليات الاغتيال والإقصاء خاصة مع بدء تحالف بين النظام وميليشيات ب ي د ( فرع العمال الكردستاني في سورية)، فساهمت كل هذه العوامل إلى ظهور بوادر شق الصف الثوري، حيث بدأت المظاهرات في القامشلي مثلاً، منقسمة إلى تجمعين، تجمع يضم الأحزاب الكردية، وتجمع يضم العرب والتنسيقيات الكردية الشبابية ومن ضمنهم تيار المستقبل.

الحالة التنظيمية للأكراد في سورية تبقى أفضل من حالة الأغلبية العربية التي كانت محرومة من أي عمل خارج إطار الجبهة الوطنية التقدمية التي تعكس فقط سلطة البعث منذ وصول حافظ أسد إلى السلطة، وبالتالي كانت استفادة القوى الكردية، من الهامش الممنوح لها من قبل النظام ( ضمن سقف معين مسموح به بحيث لا يتجاوز المطالب في تركيا والعراق) كبيرة جداً، وكان المسؤول عن ملف الأحزاب الكردية  العميد محمد منصورة رئيس فرع الأمن العسكري السابق في القامشلي الذي كان يجتمع بقادة الأحزاب الكردية في زيارات يقومون بها لمكتبه بشكل دوري، ويجري التنسيق على كثير من الأمور والخطط تحت بنت (المصالح الوطنية المشتركة)، ولا شك أن للنظام أيضاً مصلحة كبيرة في إحداث المزيد من الانشقاقات في صفوف هذه الأحزاب، حتى جعل منها أكثر من 12 حزب في فترة حافظ الأسد، ليصل الرقم إلى نحو 70 بعد الثورة، لكن الفاعلة فيها لا تتجاوز 15 حزب.

أكراد سورية بين معسكر البرزاني و صالح مسلم!

ينقسم أكراد سورية بين معسكرين أساسيين، المعسكر الأول (البارزاني) ويمثله مجموعة أحزاب المجلس الوطني الكردي الحالي، التي تعتبر مسعود البرزاني المرجعية الأولى لهم، ولا يستطيعون تجاوز مسعود البرازني في اتخاذ أي سياسات، أما المعسكر الثاني فهو (الأبوجي أو الأوجلاني) وهؤلاء يتبعون لعبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني، وهم فرع منه، وهم أكثر خبرة وتنظيماً، وخاصة في المجال العسكري، وقد استفادوا من الدعم المادي والعسكري واللوجستي الذي قدمه لهم نظام الأسد منذ عام 1982، ويسيطرون حالياً على منطقة شرق الفرات في سورية، ويتفردون بالسيطرة العسكرية مدعومين بالتحالف الدولي وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية، التي تقوم باستخدامهم حالياً كأداة ضغط ضدّ تركيا، وكذلك لتحقيق مصالحها ومصالح إسرائيل في سورية على المدى البعيد.  وقام هؤلاء في فترة 2011-2016 بإقصاء ونفي وتهجير كل المخالفين لهم بما في ذلك الأحزاب الكردية (البارزانية)، مع علاقة عادت لمجاريرها مع الطالبانيين الذين يمثلهم (عبد الحميد درويش)، هذا ناهيك عن قيام هذه القوات باتباع سياسة الترهيب ضدّ العرب، وارتكاب أفظع المجازر بحقهم، وتهجيرهم بشكل ممنهج ومنظم، تحت ذرائع مختلفة أبرزها “الحرب على داعش”.

يبدو أن القاعدة الشعبية الكردية، حتى تلك التابعة للبرزانية، وبما فيها النخبة، باتت على رغم خلافها الحزبي مع حزب الاتحاد الديمقراطي PYD ، بأن هذه القوات تحقق مكاسب للحركة الكردية بالنهاية على الأرض، مما يفسر صمتهم عن الانتهاكات والمجازر ضدّ العرب، مقابل هيجان كبير وحملة تنديدات ضدّهم إذا كان الضحايا من الأكراد أو من جماعة البرزاني، فكلا الطرفان متفقان من حيث المبدأ، على أن المناطق التي يتواجد فيها الأكراد في سورية هي مناطق كردية أو كردستانية، بات يسميها جماعة العمال الكردستاني ( روجافا، غرب كردستان)، ويسميها جماعة البرزاني اليوم ( كردستان سورية).

وربما إذا أردنا تلخيص مشكلة الأحزاب الكردية في سورية، ف فأننا نستطيع القول بأنها تعتمد على مرجعيات غير سورية، وسقف خطاب يتجاوز البعد السوري الوطني، وأنها تعتبر بأن مسألة الأكراد قضية لها خصوصية تختلف عن قضية الشعب السوري، فهي تربط نفسها بخطاب المرجعيات الكردية من خارج سورية، وتقلد خطابها، وتحاول إسقاطها بشكل لا واعي على حالة الأكراد في سورية، وبالتالي تصطدم بالواقع الكردي السوري المختلف عن واقع أكراد العراق أو تركيا. 

على خُطى البرزاني

 المتتبع للشأن الكردي في سورية والعراق سيلحظُ على الفور مدى التطابق بين خطاب الأحزاب الكردية في سورية المتمثلة اليوم بالمجلس الوطني الكردي ” البرزانية”، وبين الخطاب السياسي لأكراد شمال العراق، فالدعاية الإعلامية التي تبالغ في المظلومية ذاتها واستخدام التهم الجاهزة ذاتها، لكل من يرفض المشروع القومي الكردي الأحادي، فتنطلق التهم لكل مخالف بأنه شوفيني، وبعثي، إخواني، أردوغاني، وأحيانًا داعشي.. إلخ ، وكل فترة تكون التهم وفق النموذج السيء الذي يتم إلصاقه عنوة بمن يرفض هذه المشاريع القومية التي تهدد التعايش المشترك بين أبناء الشعب الواحد.

ويعتبر الهوس الديموغرافي الكردي، من أكثر المسائل التي بات الأكراد يركزون عليها لتبرير مطالبهم القومية، وباتت ظاهرة المبالغة في الأعداد سمة مشتركة للأحزاب والقوى الكردية وكذلك القوميين المستقلين، فالحديث دائماً عن ( مناطق ذات غالبية كردية، مناطق كردية، مناطق كردستانية)، ثم الحديث عن النسب المئوية ( الأكراد 10%، بل 15%، 18%، 50%) وهكذا يبدأ السقف مفتوحاً لمسألة الأعداد، ويتم وفق هذه المزاعم، تبرير مطالب الاعتراف بالأكراد كقومية ثانية بالبلاد! وكأن ذلك حتى لو صح، فأنه يجعل لهم وضعاً يميزهم عن باقي أبناء الشعب السوري، أو يبرر مطالب المحاصصات القومية والطائفية في سورية.

مسألة أخرى يمكن ملاحظتها لدى الأحزاب الكردية، التي تقلد خطاب أكراد العراق أيضاً، وهي المصطلحات المُحدثة، و ذات المدلول السياسي المتجاوز للسقف الوطني، و يمكن ملاحظة ذلك في بيانات وخطابات وبرامج القوى الكردية، ومن ذلك (الشعب الكردي شعب أصيل يعيش على أرضه التاريخية، الفيدرالية مطلبنا، الحقوق القومية الكردية، الحكم الذاتي للأكراد، كردستان الغربية، كردستان سورية، كردستان الكبرى …الخ).  ثم  تتكرر الأسطوانة التي مفادها أن وجود الأكراد في سورية هو نتيجة تقسيم كردستان بين أربع دول في اتفاقيات سايكس بيكو وسيفر، دون أن يكون هناك وجود لكردستان ككياس سياسي قبل سايكس بيكو وسيفر، ودون أن تتضمن أي من الاتفاقيتين الإشارة لأي أرض كردية في خارطة سورية السياسية الحالية. لا ننسى أيضاً إلى التنويه بأن مفردات المظلوميّة، التي يبالغ بها الناشطين الأكراد في تصويرها، يتم عادة اتهام العرب (كل العرب) بها، وهي في الواقع من الناحية التاريخية مزاعم غير صادقة، ولا أساس لها، فالعرب مقارنة بباقي الدول التي يتوزع فيها الأكراد، كانوا الأكثر دعماً، ونال الأكراد في ظل العرب ما لم يستطيعوا الحصول عليه في باقي المناطق (كتركيا، وإيران)، مع الإقرار بوجود استبداد عربي، لكنه كان ضدّ العرب قبل غيرهم. لذلك من المبالغات وعدم الدقة تناول مصطلحات مثل ( اضطهاد الأكراد، محاربة العرب للأكراد، إبادة العرب للأكراد)، فهذه مسائل غير موجودة البتة، ولا يمكن الركون لحادثة مثل ( حريق سينما عامودا)، في الستينات، والتي ذهب ضحيته أطفال مدارس عرب وأكراد سريان، بأنه (محرقة ضدّ الأكراد)، فهذا التوظيف الذي يستعير مصطلحات “المحرقة اليهودية” هو غير واقعي وغير صحيح، والحوادث الغير مقصودة والتي يذهب ضحيتها أفراد من مختلف المكونات، لا يمكن استغلالها باتجاهات قومية لتغذية التحريض القومي.

ماذا يريد البرزاني ؟

مسعود البرزاني رجلٌ يمتلك كاريزمة مميزة ويحملُ أسماً كبيراً لدى الأكراد وهو أسم والده “ملا مصطفى البرزاني”، وقد نشأ مسعود في حُجر والده الملا مصطفى، وتنقَّل معهُ في الجبال أثناءَ حربه مع صدام حسين، وزار تل أبيب برفقة والده في الستينات، حين تأسست أول نواة للعلاقة الكردية – الإسرائيلية، بالاستفادة من الصراع العربي – الإسرائيلي، وقاعدة العداء المشترك آنذاك لنظام بغداد.

بذل البرزاني الأبن جهوداً كبيرة لإكمال ما ابتدأهُ والده من مسيرة النضال القومي، ولم يدّخر  أي جهد أو وسيلة في سبيل بلوغ تلك الغاية، انطلق بعلاقات نحو الشرق والغرب، وربطته علاقات بالنظام السوري قُبيّلَ غزو العراق، حيث قام بزيارة سورية عدة مرات، و توسعَ في علاقاته مع المحيط الإقليمي سواء مع تركيا أو مع إيران، وعزز صداقته مع إسرائيل بُعيد الغزو، حيث اصدرت إسرائيل مجلة حملت أسم كرد اسرائيل باللغتين الإنكليزية والكردية واشادت المجلة في بعض اعدادها للعلاقة الإسرائيلية الكردية منذ ايام الملا البرزاني ونشرت تحقيقات ومعلومات ارشيفية في هذا الإطار على اعدادها ، وكل ذلك في إطار توطيد العلاقات وتعويد الشعب الكردي على تقبل اسم و علم اسرائيل إلى جانب العلم الكردي، والترويج إلى أن إسرائيل تقف مع الأكراد، على عكس العرب الذين يحاربون الطموح القومي الكردية، المشهد الذي تكرر في السنوات الأخيرة في الكثير من المواقف، كالمظاهرات المشتركة في أوربا لمجموعة من الشباب الأكراد مع الإسرائيليين ضدّ حماس في الحرب الأخيرة على غزة ، أو رفع أعلام كردية في مظاهرات إسرائيلية تحت شعار معارك ضد داعش، وقد قام أيدي كوهين أحد الناشطين الإسرائيليين المتحدثين بالعربي، توجيه كلمة عبر الهاتف أمام حشود قومية كردية في أوربا عبر مكبرات الصوت، تحدث فيها عن أن إسرائيل هي صديقة الأكراد، وعليهم أن لا يثقوا بالعرب والأتراك والإيرانيين.

البرزاني في الحرب على “الإرهاب” :

خلال حواره مع الصحفي غسان شربل عبر صحيفة الحياة  ضمن حلقتين تم نشر تفاصيلهما في 7-8 فبراير 2015، تحدث مسعود البرزاني بإسهاب عن مشاركة قواته “البيشمركة” ضدّ الإرهاب على حد وصفه، تحدث عن الدعم الدولي لقواته و الذي تمثل بمساندة جوية من التحالف الدولي و وصول ذخائر من عدد من الدول الأوربية على رأسها ” فرنسا، ألمانيا، إنكلترا”، فضلاً عن ذخائر أمداد عسكري تصل بصورة متقطعة على حد تعبيره من إيران، التي أرسلت طائرتين بداية الحرب على داعش، وقد بات عنوان الحرب على الإرهاب، والذي يتخذ صورة _جماعات راديكالية إسلامية حصراً_ هو ذريعة تستخدمها معظم دول العالم منذ عهد بوش الأبن الذي أطلق هذا الشعار بعد أحداث سبتمبر 2001، لتحقيق أهداف سياسية بحتة، على الصعيد الداخلي أو الخارجي. 

الأنظمة العربية أيضاً سارَت على نفس النهج في قمعها للشعوب بحجة مكافحة الإرهاب، وأنشأت لذلك الفروع الأمنية المختلفة التي حملت أسم مكافحة الإرهاب، التي عملت على تصفية المعارضين السياسيين على أرض الواقع، كما أن ثورات الربيع العربي تم قمعها كذلك تحت شعار مكافحة الإرهاب، حتى انقلاب السيسي على الحكومة المنتخبة بعد الثورة الشعبية في مصر، بات يحمل شعار محاربة الإرهاب، بعد وضع أركان النظام الشرعي في النظام ومحاكمته بتهم الإرهاب، أما النظام السوري الذي ارتكب كافة أشكال الإجرام والقتل والإرهاب ضدّ الشعب السوري، فهو أيضاً يستخدم شعار الإرهاب بدعم دولي لترويج هذا المصطلح، ولصقه بجميع الجماعات السورية المسلحة التي تقف ضدّ النظام، سواء أكانت لا تحمل أي توجه راديكالي، أو جماعات مشبوهة النشأة كداعش وغيرها. بينما يبقى النظام وحلفاءه من حزب الله والحرس الثوري والميليشيات الطائفية العراقية وحزب العمال الكردستاني، بعيدين عن تهمة الإرهاب، رغم كل دلائل ممارستها في سوية منذ عام 2011 وحتى يومنا هذا.

البرزاني لم يشُذ عن تلك القاعدة، فالحرب  على داعش أيضاً ستتيح له المضي بمشروع توسعي  ضمن المناطق المتنازع عليها، وسيتيح لهُ ربما ضمها لمنطقة الحكم الذاتي الكردية وهو مالم يكن يحلم  البرزاني بإمكانية تحقيقه قبل عام مثلاً أو قبل هجمات داعش الأخيرة.

البرزاني عبر حواره مع صحيفة الحياة علق على تموضع قوات البيشمركة في المناطق المتنازع عليها هناك قائلاً  إن البيشمركة بمواقعها الحالية  ” قد وصلت لحدود كردستان” وبهذا تتضح المعالم أكثر  للاستراتيجية التي يفكّر البرزاني من خلالها ، فالمناطق ذات الاهتمام المشترك التي نصَّ عليها الدستور العراقي في المادة 140 ومنها سهل نينوى وسنجار وكركوك باتت بنظر قيادة اقليم كردستان العراق ضمن حدود إقليم كردستان على حد تعبير البرزاني، ويعيد هذا لذاكرتنا تصريحه في 27 يونيو حزيران الفائت عندما قال: ” المادة 140 طُبِّقَتْ ولنْ نعودَ للحديثِ عنها مجدداً” وذلك على أثر تمركز قواته المناطق التي انسحب منها الجيش العراقي في كركوك ويبدو أن إرجاء الاستفتاء الذي كان من المقرر إجراءه في تموز الماضي كان بنصيحة “قانونية” حذرت البرزاني بأن إعلان الاستفتاء قبل حسم مسألة المناطق المتنازع عليها  سيحرم الإقليم مستقبلاً من أي مطالبات بها، فجاءت مسألة محاربة داعش لتضرب كما يقال “عصفورين بحجر” وتتيح تحت وابل التغطية الجوية لقوات البيشمركة التوسع خارج حدود اقليمها .

البيشمركة تحتل المناطق المتنازع عليها !

محاولة تغيير التركيبة الديموغرافية هي من المسائل التي يجب الوقوف عندها ، فقد اُستهدفت قرى “عربية” في سهل نينوى في ناحية زمار وربيعة والموصل منذ بدء معركة البيشمركة ضد داعش، انتهاكات شملت اكثر من 30 قرية في سهل نينوى منها (15 قرية في ناحية زمّار، 10 قرى في ناحيتي العياضية وربيعة، 5 قرى شمال الموصل)، كما اُتهمت قوات البيشمركة باستهداف أو تسهيل استهداف 13 قرية عربية على أيدي اليزيدين، بحجة الرد على مجازر داعش، هذا تبرير غير مباشر للانتهاكات التي حدثت بحق القرى العربية والتي تضمنت قتل وحرق منازل ونهب وسبي نساء وعد إقليم كردستان العراق بالتحقيق فيها بعد اتهام ميليشيات يزيدية بارتكابها. وقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، ضمن عدة تقارير تلك الانتهاكات، ولا يزال العرب حتى يومناً هذا يمنعون من العودة لمنازلهم وقراهم.

داعش ومبادئ التهمة الجاهزة !

البرزاني كشفَ لصحيفة الحياة في حواره مع غسان شربل و “بدون رتوش” عن اتهاماته المبطنة للعناصر الغير كردية في المناطق المتنازع عليها تحديداً ، وذلك عندما تم سؤاله عن الجهة التي نفذت العمليات ضد اليزيدين وهوية عناصرها فقال البرزاني :

“كانت من صنع المسلحين الوافدين ومسلحين محليين ممن لعبوا على الأقل دور الأدلاء. فرّ هؤلاء من مسرح الجريمة لكننا نعرفهم……..  مستحيل أن نسامح أحداً شارك في سبي النساء وعمليات الاغتصاب.”

 يستمر البرزاني بتوجيه الاتهامات على اسس قومية وتصوير الضحية في الإطار القومي ، فالمجرم هو  “شوفيني” و الضحية ” كردي” وهكذا يتضح وجود عناصر غير داعش في قفص اتهام البرزاني وهم من ابناء المناطق المتنازع عليها ممن يرفضون سيادة البرزاني على المناطق المتنازع عليها فيصفهم البرزاني بالقول :

 “هناك كثير من الشوفينيين استقووا بـ «داعش» ضد الأكراد وتوهّموا أن التنظيم سيطر على الأكراد ويرغمهم على العودة إلى الجبال، وبذلك تنتهي قصة المادة 140 التي تتحدّث عن آليّة حلّ «المناطق المتنازع عليها» وفق التسمية الرائجة”

يُبقيّ البرزاني إذن البابَ مفتوحاً أمامَ تُهَم عديدة وأخطرها  “تهمة الإرهاب” ومساندته، و هذه التهم ستكون الخيَّار الأمثل للجم أفواه جميع الأشخاص المعارضين لسياسة احتلال مناطق خارج إقليم كردستان، و ربما سيكون هؤلاء أول المستهدفين في المستقبل القريب، وهي نوايا  لا يخفيها رئيس إقليم كردستان العراق حيث يقول:

 “هناك بالتأكيد خلايا نائمة في كركوك التي كانت شهدت عمليات تعريب قسرية. للأسف هناك من ابتهجوا بانتصارات «داعش» في البداية وتناسَوا أنهم حلوا ضيوفاً في إقليم كردستان وينعمون بالأمن والخدمات”

إذن الحديث بدء عن خلايا نائمة في كركوك المعربة بحسب البرزاني، وهم من المعارضين حكماً لمسألة ضم كركوك لكردستان العراق، فهم من التركمان والعرب، وهي “أي مناطق كركوك” من صميم إقليم كردستان التي حلوا “العرب والتركمان” ضيوفاً عليها بعد التعريب كما يزعم، وبالفعل جرت بعد تلك التصريحات عمليات تهجير جديدة للعرب من كركوك وهدم منزلهم، مماثلة لعمليات التهجير التي حدثت سنة 2004 عقب احتلال العراق.

أيضًا الفكرة المثيرة للجدل في تصريح البرزاني هي التأكيد المستمر له على ربط تطرف داعش الديني بالبعد القومي “الغير كردي” والمعادي بالضرورة للأكراد حيث عرَّفَ البرزاني في رده على أحد الأسئلة داعش بالتالي:   

”  «داعش» تنظيم متطرف اجتمع فيه التعصب الديني والتعصب القومي. إنه لقاء بين الفكر الجهادي التكفيري وشوفينية بعض العرب ”

ينطلق البرزاني في هذا التصريح من بعد قومي لا أساس علمي أو منطقي له، بعد يعتمد على اتهام مسبق للآخر المختلف، يتناسى من خلاله جميع التقارير التي تتحدث عن الجنسيات والقوميات المختلفة في داعش باعتراف جميع دول العالم، وباعتراف اجهزة أمن البرزاني نفسها، شركة الاستخبارات الأمريكية “صوفان” التي تتخذ من نيويورك مقراً لها نشرت ايضاً تقريراً نقلته الشرق الأوسط في 31 اغسطس 2014 قدرت بموجبه انتماء عناصر داعش لنحو 81 جنسية، ولا ننسى بأن ضمنهم مئات العناصر الكردية الذين شاركوا في قيادة معارك لداعش بما فيها معارك عين العرب ، وبعضهم ظهر في مقاطع فيديو يقوم بعمليات قتل لأسرى من البيشمركة، فلماذا يختزل البرزاني المشهد ويساهم في تضليل الرأي العام وتصوير داعش  على أنها تطرف ديني و قومي “ضد الأكراد” ليذكرنا بالأسطوانة التي تشيع مراراً وتكراراً مقولة  اضطهاد “العرب” للأكراد، في الوقت الذي تثبتُ الوقائع بأن أكثر من  95% من ضحايا داعش حتى الآن من العرب السنة.   

البرزاني أكثر من غيره يعلم بأنَّ العرب هم في طليعة من دعم الأكراد  خاصة  بعد الوعي القومي منذ نهايات القرن التاسع عشر، ويكفي أن نعلم  بأن أول جريدة كردية تحمل أسم “كردستان” في العالم طبعت في القاهرة سنة 1889،  و أول مساحة إعلامية أتيحت للأكراد كانت عبر إذاعة صوت العرب في عهد عبد الناصر، وقد احتجت تركيا رسمياً آنذاك على تلك الخطوة. كما أن أول حكم ذاتي للأكراد في العالم قام باتفاق وقعه نظام عربي ” نظام صدام حسين” وهو نظام يوصف (بالقومي أيضاً)،  في الوقت الذي لا يتم الاعتراف بالسواد الأعظم من الأكراد حتى اليوم و المتواجدين في تركيا وايران والذين يشكلون أكثر من 8 أضعاف أكراد العراق !

” كوباني ” أم عين العرب ؟!

في حوار البرزاني مع غسان شربل على صحيفة الحياة بتاريخ 8-2-2015  و عن الوضع المعقد لمدينة عين العرب قال البرزاني وسأقتبس :

” كوباني مدينة كردية تماماً. غيّروا اسمها وجعلوه عين العرب. يريدون إزالة الملامح الكردية. ما هذه الشوفينية؟ ” 

يبدو أن قيام قوات البيشمركة بمعارك في عين العرب بتنسيق دولي ضد داعش قد جعلت البرزاني ينسى بأن هذه المناطق هي جزء من سورية وليست تركة استعمارية حتى يتوهم بأنها  قد تكون جزء من دولة يمتد نفوذ البرزاني من خلالها.  ولا ادري من يسعى لإزالة ما أسماه السيد البرزاني الملامح الكردية وأين هي تلك الملامح من لفظة ” كوباني “، والكل يعلم بأنها لفظة محلية مأخوذة عن “كومباني” دلالة على الشركة الألمانية للسكك الحديدية التي كانت تعمل في المنطقة بداية القرن العشرين،  ناهيك عن أن منطقة عين العرب تشهد تنوعاً سكانياً فإلى جانب الأكراد هناك العرب بأعداد كبيرة في ناحيتي الشيوخ وصرين التابعة لعين العرب وهناك الأرمن الذين كانوا أول من قطن البلدة وأفتتح فيها المحال التجارية عند تأسيسها زمن الفرنسيين فضلاً عن أنهم زرعوا الأراضي و شكلوا أغلبية سكانها حتى الخمسينات، فهي ليست كردية كما صرح  السيد البرزاني، وموضوع أنهم جعلوها “عين العرب” ” بدلاً من كوباني فهذا فيه مغالطة تاريخية وزلة لسان ربما أو معلومة خاطئة تلقاها البرزاني من أفواه بعض من يدلس التاريخ في سورية لدوافع وأطماع قومية،  إذ ان المدينة زمن العثمانيين لم تكن سوى قرية تابعة لناحية سروج المرتبطة بقضاء أورفا والمرتبط بدوره بولاية حلب، و اسمها عرب بينار وهي التسمية التركية المأخوذ و تحولت لقضاء عين العرب سنة 1937م بقرار من حكومة هاشم الأتاسي وتمت تسميتها قضاء عين العرب وتم تحديد قرية “عرب بينار” مركزاً لهُ وأصبح دير الزور السيد منيب الحسيني سنة 1938 قائمقاماً لها، و لا تزال الحارة القديمة في البلدة تحمل ترجمة الاسم العثماني القديم بالكردية ايضاً ( كانيا عربان) بعد أن بدء الأكراد ينتقلون إليها من الارياف بما فيه ريف سروج التي اصبحت ضمن تركيا بعد سلخ الإقليم الشمالي عن سورية ضمن أتفاق فرنسي تركي، إذن  كوباني اسم تداوله سكان المنطقة دون أن يحملوه بعداً قومياً  لأن الاسم لا دلالة عربية له او كردية ، رغم الإيحاء من قبل بعض الساسة في الأحداث الأخيرة التي وقعت في عين العرب بأن للاسم لهُ دلالة قومية وأن عين العرب ما هو إلا سياسة “تعريب” قام بها نظام “البعث” !

هل هناك شيء أسمه كردستان في سورية  ؟

في إطار الحديث عن أكراد سورية ومناطقهم أدلى البرزاني بتصريح آخر مغاير للواقع وهو يؤكد لي مجدداً بأن الأحزاب الكردية تتعمد التحريف والتزييف على أعلى المستويات ، ويتم هذا وبكل أسف  بشكل فاضح لا يقيم وزناً للحقائق التاريخية والمنهج العلمي حتى لو كان ضمن نطاق التاريخ الحديث، يقول البرزاني :

  ” هناك منطقة القامشلي والحسكة، لكن التعريب الذي حدث عزل كوباني عنهما كما عزلها عن منطقة عفرين”

لا أدري ..  هل يحق للسيد مسعود برزاني أن يتحدث عن مناطق سورية وهي شأن سوري بحت؟

هل اصبح الوجود التاريخي منذ آلاف السنين للحواضر البشرية في القرى المنتشرة  في المناطق التي اشار إليها البرزاني بأنها تعربت بين الحسكة وعين العرب وعفرين هو عملية تعريب ؟

هل يدرك السيد البرزاني المساحة التي تنتشر بها آلاف القرى العربية في المناطق المومئ إليها كما هو مشار في الخارطة مثل  تل أبيض و جرابلس وعين عيسى والسخنة و صرين ومنبج والباب  ومئات النواحي والبلدات التي نشأت قبل  عين العرب أو عفرين بقرون  فهل  كل هذا نتيجة سياسة التعريب !!!

وهل فعلاً  جرت سياسات تعريب لفصل عين العرب عن الحسكة أو  عفرين علماً ان كل تلك المدن الحديثة بنيت أيام الفرنسيين ومن السهل معرفة هل فعلاً تم عزلها ؟ ومن سكانها ؟ واتباع كل تلك الادعاءات والتحقق منها بعيداً عن العواطف !

ثم كوني سوري أولاً وابن هذه الجزيرة الفراتية ثانياً فأنه يحق لي أن أتساءل، هل فعلاً الحسكة والقامشلي مدن كردية كما يزعم البرزاني في سياق حديثه؟ وما هي أسس التي اعتمدها في هذا التصنيف لمدن سورية واعتبرها كردية؟ هل هي أسطورة التقسيم التي ألحقت جزء من كردستان في سورية؟ علماً ان ادعاء هذا الجزء بحسب الأحزاب الكردية يمثل 18% من مساحة سورية الحالية.

 أم هل هذا التصنيف يأتي ضمن سياق الدعاية والكذبة التي أطلقها بعض القوميين وصدقها بعض الأخوة الأكراد من أن الأكراد يشكلون أغلبية وأنهم يعيشون على أرضهم التاريخية وأن الآخرين “غير الأكراد” طارئين وضيوف ومستوطنين كما يحلو للبعض تسميتهم قد جرت عليهم بالفعل وصدقوها دون أدنى دلائل!

كلنا يعلم جيداً وخاصة نحن أبناء الحسكة  بأن الأخوة الأكراد في محافظتنا هم أقليّة تربطنا بها أواصر قربة وجيرة واندماج ولا تتجاوز نسبتهم 28% في أحسن حالاتها، وكلنا يعلم بما لا يخفى على ذي عقل بأن تاريخ قدوم معظمهم ولا أقول كلهم، مرتبط بشكل أساسي بالقرن العشرين كما توثقه المصادر والوثائق التاريخية، وقد تحدث عنه وزير المعارف السوري العلامة المشهور محمد كرد علي (من أصول كردية) الذي زار الجزيرة سنة 1931، وأعد تقريراً عن الجزيرة آنذاك، عن حالة الحدود واللاجئين هناك، والذي قال بأنّ “جمهرتهم من الأكراد”، بل وأقترح أيضاً نقلهم من الحدود نحو داخل سورية.

إن ذكر هذه التفاصيل في معرض ردنا على خطاب قومي كردية، لا يقلل من إيماننا بأنَّ الأكراد السوريين جزء أساسي من مكونات الشعب السوري، لكن لا يوجد شيء في سورية أسمه مدن أو مقاطعات أو أقاليم كردية، والترويج الإعلامي لمناطق كردية يكذبه الواقع والحقائق التاريخية  سواء من الناحية التاريخية أو من الناحية الديموغرافية السكانية.

كل هذه المصطلحات المتعلقة بوضع الأخوة الأكراد في سورية بدأت تظهر بعد الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003 وازدادت بشكل ملحوظ إعلامياً منذ انطلاق الثورة السورية ، وبدء مصطلح “مناطق كردية” في إشارة إلى منطقة الجزيرة بشكل خاص إضافة إلى عفرين وعين العرب يأخذ طريقه للإعلام عبر ضخ إعلامي كبير مارسه الناشطين الأكراد الذين بدوا أنهم متشبثين بحلم قومي كردي وأنهم في نشوة الشعور القومي اليوم بخلاف الشباب العرب الذين يبدون بأنهم اقل حماساً للطرح القومي، ولم يسعوا بعد الثورة لتشكيل أي تنظيم سياسي أو عسكري على أسس قومية.  كما أن تاريخ الجزيرة السورية القديم و الحديث ينفي وجود مناطق كردستانية مزعومة فيها، ومعظم المدن والبلدات في الجزيرة لم تكن قائمة قبل العهد الفرنسي، وبقيت الجزيرة منذ العهد المغولي براري للعشائر والقبائل العربية الرحّل بشكل أساسي، وشهدت المنطقة في العهد العثماني وتحديداً نهاية القرن السابع عشر وفي بدايات القرن الثامن عشر إسكان عشائر رحّل تركمانية وكردية في مناطق البليخ والرقة.  

حديثنا عن ظروف تاريخية في حقبة معينة  ليس انتقاص من الأخوة الأكراد، خاصة بموضوع النسبة والعدد الذي أعلم أنهم يميلون إلى تضخيمه كحال جميع الأقليات في العالم، وبالنهاية أنا أنظر للموضوع على أنه شأن سوري بالدرجة الأولى، فأنا أؤمن بأنّ العدل والقضاء على الاستبداد والتسلط والظلم، كفيل بأن يتمتع الشعب السوري بحقوقه، ويجب أن تكون هذه الحقوق على أساس المشاركة لا المحاصصة، ويكون على قاعدة الالتزام بالحقوق والواجبات أيضاً اتجاه وحدة وسلامة أراضي سورية وشعبها.

مزاعم المؤامرة الدولية لتقسيم كردستان

الواقع بأن الوضع الكردي في سورية  مختلف تماما عن العراق أو تركيا ، وهو بعكس مزاعم  الساسة الكرد جملة وتفصيلاً ،  فلا وجود لشيء أسمه كردستان سورية  أو كردستان الغربية في سورية لا في الوثائق الأجنبية أو المحلية. والحال أن هذه التسميات كما أشرنا هي اقتباسات حديثة من تجارب أكراد العراق وتركيا. ونلاحظ أن أكراد سورية يلجؤون إلى تحميل اتفاقية سايكس بيكو أو سيفر سنة 1920، تقسيم كردستان كما يزعمون إلى أربعة أجزاء وأن جزء منها بات في سورية، و تكفي مراجعة نصوص تلك الاتفاقيات، لنتأكد كيف أن ادعاء بحجم وطن قومي كردي في سورية  أو كردستان سورية، هو مجرد “كذبة ” كبيرة يتم ترديدها بعد الثورة، بدون أدلة.

 في سياق متصل لما سبق تحدث البرزاني عن اتفاقية سيفر وقبلها سايكس- بيكو وتجليات الظلم الدولي للأكراد قائلاً: ”  في الحرب العالمية الأولى وبعدها. حين رسموا الخريطة وحرموا أمة كاملة من حقها. ألحقوا هذا بتركيا وذاك بإيران وثالث بسورية ورابع بالعراق. وزّعوا الأكراد من دون استشارتهم وقطّعوا أوصال أمتهم. هذا ظلم كبير. وعد الحلفاء الأكراد في معاهدة سيفر بإعطائهم حق تقرير المصير، لكنهم في معاهدة لوزان ألغوا هذا البند، وعلى أمل منحهم حقوقهم في البلدان التي سيعيشون فيها، لم يحصل الأكراد على حقوقهم في اي من هذه الدول” .

يصدر هذا مجدداً عن رأس هرم السياسة الكردية الحالية في العالم، معلومات تنسف كل الحقائق البديهية، إذ أنها مزاعم تستند من حيث الظاهر إلى اتفاقيات دولية معلنة معروفة، وسنناقش نصوصها المتعلقة بالحالة السورية لنظهر إلى أي مدى يتم ترويج مفاهيم لا أساس لها.

اتفاقية سيفر

اتفاقية سيفر الموقعة سنة 1920 بين الحلفاء وتركيا كانت أول اتفاقية تذكر صراحة “مستقبل الأكراد” ولم يتم التطرق قبل ذلك لهم في أي إتفاقية سابقة ،وقد أشار إلى البرزاني في تصريحه لصحيفة الحياة  وذكّر بأنه جاء في اتفاقية سيفر لكنه خلط بين ما نصت عليه اتفاقية سيفر في ذكر الأكراد ، وبين ما يدعيه الأكراد اليوم من حدود وحقوق لن تجدها إلا في نصوص أحزابهم القومية. سنستعرض البنود الثلاثة التي ذكرت كردستان في اتفاقية سيفر ونعرضها على القرّاء  بشيء من التفصيل ، لنقف على الحقائق بين الوثائق والادعاءات! ، وأنوه إلى أن سيفر ألغيت وحلّ محلها اتفاقية لوزان سنة 1923م .


نصوص المواد المتعلقة بالأكراد في اتفاقية سيفر

وردَت ثلاث مواد تتعلق في الأكراد وهي على مرتبة كالتالي :

المادة (62)

تتألف اللجنة المقيمة في القسطنطينية من ثلاثة أضاء ترشحهم رسمياً حكومات بريطانية وفرنسا وإيطاليا . وخلال الأشهر الستة الأولى التي تعقب توقيع هذه الاتفاقية تقدم اللجنة خطة للحكم الذاتي المحلي للمناطق التي تقطنها أغلبية كردية شرقي نهر الفرات وجنوب حدود الحدود الأرمنية التي يمكن تحديدها فيما بعد ، وشمال الحدود التركية السورية وما بين النهرين (العراق)  كما حددتها المادة 27 الفقرات (2) و (3) .  وإذا ما اخفقت اللجنة في الوصول إلى قرار إجماعي حول أي مسأئلة من المسائلة ، يقوم كل عضو من اعضاءها بطرح المسالة على حكومته ، وسوف يتضمن المشروع ضماناً تاماً لحماية الآشوريين والكلدانيين وغيرهما من الأقليات القومية أو العراقية في هذه المنطقة ، وتحقيقاً لهذا الغرض سيتقوم لجنة تشمل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإيران والأكراد بزيارة هذه المنطقة للتحري وإقرار إصلاحات إذا ما وجد شيء منها ، التي يمكن اتخاذها على الحدود التركية ، حسب شروط الاتفاقية المتعلقة بالحدود الفاصلة بين تركيا وإيران.

المادة (63) :

توافق الحكومة التركية على قبور وتنفيذ القرارات المتخذة من قبل اللجنتين المذكورتين في المادة (62)، وذلك في غضون ثلاثة أشهر من إبلاغ القرار للحكومات المذكورة.

المادة (64)

وإذا حدث خلال سنة من تصديق هذه الاتفاقية ، أن تقدم الأكراد القاطنون في المنطقة التي حددتها المادة (62) إلى عصبة الأمم ، قائلين إن غالية سكان هذه المنطقة ينشدون الاستقلال عن تركيا ، وفي حالة اعتراف عصبة الأمم أن هؤلاء السكان أكفاء للعيشة حياة مستقلة وتوصيتها بمنح هذا الاستقلال ، فإن تركيا تتعهد بقبول هذه التوصية وتتخلى عن كل حق في هذه المنطقة ، وستكون الاجراءات التفصيلية لتخلي تركيا عن هذه الحقوق موضوعاً لاتفاقية منفصلة تعقد بين كبار الحلفاء وتركيا ، وإذا ما تم تخلي تركيا عن هذه الحقوق فإن الحلفاء لن يثيروا أي اعتراض ضد قيام أكراد الموصل بالانضمام الاختياري لهذه الدولة الكردية.

انتهى

إذن نلاحظ أن الاتفاقية لم تتبنى نصاً واضحاً ، وكله كان مقترن بعدة عوامل ، منها طلب الأكراد الاستقلال في المنطقة المحددة في المادة(62) ، اعتراف عصبة الامم بجدارتهم للاستقلال ، تخلي تركيا عن حقوقها في هذه المناطق . وهذا ما لم يحدث منه شيء وأخيراً فضل الحلفاء مصالحهم مع تركيا واستبدلوا الاتفاقية بلوزان .

لكن في المادة (62) نجد بأن المناطق ذات الأغلبية الكردية هي شمال الحدود التركية السورية التي حددتها المادة (27) ، فأين تقع هذه المنطقة من سورية الحالية ؟

للإجابة على هذا السؤال تعالوا لنستكشف معاً المادة (27) بنصها الأصلي وفق الفقرات المشار إليها (2) و (3) لنجيب على هذه الأسئلة ونقف على حدود المنطقة التي كانت مرشحة للحكم الذاتي الكردي في حال تحققت الشروط كافة من طلب الاستقلال وموافقة عصبة الامم وتنازل تركيا.

تفاصيل الحدود في المادة 27 بين سورية وتركيا واضحة ، وهي باختصار شمال الخط الواصل بين عينتاب وبيرجك وأورفا التي هي ضمن الأراضي السورية ويضاف إليها جزيرة ابن عمر و ماردين و وكل ما يقع جنوبها ، وهذا ما يطلق عليه الولايات الشمالية في سورية التي تشمل كل منطقة كيليكية، علماً أن الإسكندريون بقي حتى عام 1939م تابعاً لسورية وتم ضمه لتركيا لاحقاً.

وعليه فقد أدرج الباحث الكردي هوكر طاهر توفيق في كتابه الكرد والمسألة الأرمنية الصادر عن دار آراس في أربيل عاصمة اقليم كردستان العراق حالياً توضيحا لخارطة المناطق التي كانت مرشحة كمنطقة حكم ذاتي كردية بحسب معاهدة سيفر ولم تضم أي من المناطق التي يطالب فيها الأكراد اليوم ، بما فيها أربيل وكركوك !!

وبإسقاط معطيات البنود في سيفر على الواقع الجغرافي الحالي نجد أن المنطقة ذات الأغلبية الكردية المشار إليها باتفاقية سيفر كالتالي:

فقد كانت تلك  الحدود  شمال الولايات السورية الشمالية التي تم سلخها لاحقاً من الوطن  السوري و ضمها لتركيا ، وقد

خارطة سيفر الأصلية

قائمة المصادر والمراجع:

  1. حوار البرزاني مع غسان شربل ، صحيفة الحياة 7-8 شباط فبراير 2015 محمد كرد علي، المذكرات
  2. نص اتفاقية سيفر
  3. الجريدة الرسمية السورية
  4. جوردي غورغاس، أكراد تركيا في المنفى
  5. هوكر طاهر توفيق في كتابه الكرد والمسألة الأرمنية
  6. الجاحظ، المحاسن والأضداد.
  7. هيومن رايتس ووتش
  8. مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ في اربيل – الجمعة 27-حزيران-2014
  9. مجلة كرد – إسرائيل  http://issuu.com/kurdisrael
  10. شبكة نوروز الإخبارية ، مهند الكاطع مادة منشورة بتاريخ: 27 حزيران 2014
  11. الدكتور شعبان مزيري مقال منشور في الصحيفة المركزية للاتحاد الوطني الكوردستاني
    http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=article&sid=97034
  12. البدرخانيون في جزيرة بوطان – ماليميسانز- وثائق جمعية العائلة البدرخانية

ملحوظة: الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد أيضاً

حقيقة علاقة إيران بأمريكا وإسرائيل: قراءة في كتاب “التحالف الغادر” لتيريتا بارسي 4 من 5

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. آمال واهية على إدارة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *