أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / قسم الصدقات أو مصارف الزكاة (2)

قسم الصدقات أو مصارف الزكاة (2)

محمد عبد الحي عوينة

كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا.
عرض مقالات الكاتب

لقد نبه العلماء والإقتصاديون، وعلماء الإجتماع على أنه ليس المهم جباية الأموال وتحصيلها، فقد تستطيع الحكومات بوسائل شتى الحصول على ضرائب مباشرة وغير مباشرة، وقد يكون ذلك مع رعاية العدل والنصفة.
لكن الأهم من ذلك هو: أين تصرف هذه الأموال بعد تحصيلها، فهنا قد تميل الأهواء، ويأخذ المال من لا يستحقه، وقد يحرم منه من يستحقه.
ولذا فقد اهتم الشرع بهذا الأمر ولم يدعه مجملاً، بل ذكره الله في القرآن الكريم مفصلاً.
لقد عَرِفَت البشرية عبر تاريخها المالي ألواناً كثيرة من الضرائب، وقد كانت الضرائب فبل الإسلام تجبى من طوائف الشعب المختلفة طوعاً وكرهاً، ثم تجمع في خزانات الأباطرة والملوك، لتنفق على أشخاصهم، وذويهم وأقاربهم، وأعوانهم، ضاربين عرض الحائط بكل ما تحتاجه فئات الشعب من الفقراء والمحتاجين.
فلما جاء الإسلام وجه عنايته الأولى إلى تلك الفئات المحتاجة، وجعل لهم النصيب الأوفر في أموال الزكاة خاصة، وفي موارد الدولة عامة، ويعد هذا الإتجاه الإجتماعي الرشيد سبقاًبعيداً في عالم المالية والضرائب والإنفاق الحكومي، لم تعرفه الإنسانية إلا بعد قرونٍ طويلة. (فقه الزكاة2/543)
وقد حدد الله تعالى مصارف أموال الزكاة في قوله تعالى:
{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة 60]
فهذه الآية حددت مصارف الزكاة، وحصرتها في ثمانية أصناف، وبذلك فقد قطعت المطامع.
وهذه الأصناف هي:
1- الفقراء
2- المساكين
3- العاملين عليها
4- المؤلفة قلوبهم
5- في الرقاب
6- الغارمين
7- في سبيل الله
8- ابن السبيل
فقد أثبت الله تعالى لهذه الأصناف الحق في الأخذ من الزكاة، فبدأ الآية بقوله: إنما التي تفيد الحصر والإثبات، فهي تثبت للمذكورين الحق، وتنفي ما عداهم (الشرح الصغير1/664، المغني2/527).
لذلك صرح بعض العلماء أن أموال الزكاة لا يحل صرفها لغير هذه الأصناف، كبناء سور، أو سفن لغير الجهاد، أو شراء كتب، أو دار أو ضيعة لتوقف على الفقراء، ولا بناء المساجد والقناطر والسقايات، وإصلاح الطرق، وتكفين الموتى وأشباه ذلك (الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية صـ 179)
وسنذكرهذه الأصناف بشيء من التفصيل

1،2 الفقراء والمساكين
الفقراء والمساكين صنفان من الأصناف المنصوص عليها في الآية، وإنما ذكرناهم معاً، لأن بعض أهل العلم يعتبرهم صنفا واحداً (تفسير القرطبي8/170 وهو قول أصحاب مالك والشافعي وبه قال أبو يوسف).
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْفَقْرَ وَالْمَسْكَنَةَ اسْمَانِ يَشْتَرِكَانِ مِنْ وَجْهٍ وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ، فَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي يَشْتَرِكَانِ فِيهِ فَهُوَ الضَّعْفُ، وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ شَارَكَهُ الْآخَرُ فِيهِ حَتَّى لَوْ وَصَّى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ شَارَكَهُمُ الْمَسَاكِينُ وَلَوْ وَصَّى بِهِ لِلْمَسَاكِينِ شَارَكَهُمُ الْفُقَرَاءُ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي يَفْتَرِقَانِ فِيهِ فَهُوَ أَنَّهُ إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَمَيَّزَا ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي تَمَيُّزِهِمَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ هَلْ يَكُونُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا بِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْحَاجَةِ أَوْ بِاخْتِلَافِهِمَا فِي الصِّفَةِ (الحاوي الكبير 8/ 487)

ولما كانت تجمعهما الحاجة، فقد حاول العلماء الإجابة على سؤال يطرح نفسه، أيهما أسوء حالاً من الآخر؟
يرى بعض أهل العلم أن المسكين أسوأ حالاً من الفقير، وأشد حاجة منه، فالمسكين لا شيء له، والفقير يملك شيء وإن قلَّ. وهذا مرويٌ عن أبي حنيفة (رد المحتار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين2/58، فتح القدير 2/202،جواهر الإكليل1/138).
وقيل أن الفقير هو المحتاج المتعفف، والمسكين هو السائل. وهذا مرويٌ عن مالك (تفسير القرطبي1/171) واختاره ابن جرير الطبري وغير واحد(تفسير ابن كثير2/378)
وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم هم فقراء المهاجرين، والمساكين: الأعراب (تفسير ابن كثير2/378، تفسير القرطبي 8/171)
وقيل أن الفقراء أحوج من المساكين، وحاجتهم أشد (تفسير ابن كثير 2/378، تفسير القرطبي8/169)
ورجح الماوردي أن الفقير أسوأ حالاً فقال:
دَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] فَبَدَأَ بِذَوِي الْحَاجَاتِ بِالْفُقَرَاءِ وَالْبِدَايَةُ تَكُونُ بِالْأَهَمِّ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْفَقْرُ أَسْوَأَ حَالًا، وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} [فاطر: 51] وَلَمْ يَقُلِ الْمَسَاكِينُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ أَمَسُّ حَاجَةً وَأَسْوَأُ حَالًا من المسكين، وقال تعالى: {وأما السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 79] فَسَمَّاهُمْ مَسَاكِينَ وَلَهُمْ سَفِينَةٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ المسكين أحسن حالا.
وروى أبوهريرة عن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين المتعفف أقراءوا إن شئتم ” لا يسألون الناس إلحافا ” (متفق عليه) فَكَانَ هَذَا نَصًّا فِي أَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْسَنُ حَالًا.
وَرَوَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم – قَالَ: كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، وَكَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ الْقَدَرَ،(شعب الإيمان، مسند الشهاب، الدعاء للطبراني) فَكَانَ هَذَا نَصًّا على أن الفقير أسوأ حالا.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم – أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ،(رواه الترمذي والبيهقي في الكبرى، والحاكم في المستدرك) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْسَنُ حَالًا.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم -: أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْفَقْرِ اللَّازِبِ يَعْنِي اللَّازِمَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ أَسْوَأُ حَالًا. (الحاوي الكبير 8/ 489)
وعلى أية حال سواء كان الفقير أشد احتياجاً من المسكين، أو كان العكس، وسواء من جعلهم صنفاً واحداً أو من جعلهم صنفين، فالذي يجمع بينهما أنهما من أهل الحاجة والعوز، أي من لا دخل له، أو من له دخل لكنه لا يسد حاجته ولا يكفيه، وعند الحنفية: ألا يملك نصاباً نامياً زائداً عن حاجته (حاشية ابن عابدين2/58)
حد الفقر:
قلنا أن الفقراء والمساكين هم أهل العوز والحاجة، فما هو الحد الذي معه يستحقون الأخذ من أموال الزكاة؟
يقول النووي: (المجموع شرح المهذب 6/190)
الفقير الذي يستحق سهماً في الزكاة هو الذي لا يقدر على ما يقع موقعاً من كفايته، لا بمال، ولا بكسب، ولو كان له دارٌ يسكنه، وثوباً يلبسه متجملاً به، لا يمنع ذلك فقره لضرورته له، فإن كان له عقار ينقص دخله عن كفايته فهو فقير أو مسكين.
وعند المالكية: الفقير من لا يملك قوت عامه، ولو ملك نصاباً، فيجوز له الأخذ من مال الزكاىة وإن وجبت عليه (الشرح الصغير1/657)
فلا عبرة عند المالكية بالنصاب، ولكن الحد عندهم ملك قوت عام.
أما الحنفية (رد المحتار2/58): فالعبرة عندهم بالنصاب كما نقلنا من رد المحتاروذكره النووي (المجموع 197)، لكن إذا كان النصاب مستغرقاً في الحاجة، كدارٍ للسكنى، وعبيد الخدمة، وثياب البذلة،وآلات الحرفة، وكتب العلم للمحتاج إليها تدريساً ودراسةً وحفظاً، فلا عبرة للنصاب عنئذ، وله الأخذ من مال الزكاة.
وأيضاً لا عبرة بالتمكن من العمل، فلو كان صحيحاً مكتسباً، لكن لا يكفيه ما يكسبه، فله الأخذ، فلا يشترط في الفقير الزمانة (مراقي الفلاح صـ143، المجموع 6/191)
وعند الحنابلة (المغني2/522): يُعدُّ فقيراً ويحل له الأخذ من الزكاة من لا يجد ما تحصل به الكفاية على الدوام من كسبٍأو تجارة أو عقار أو نحو ذلك.
ولو ملك من العروض، أو الحبوب، أو السائمة، أو العقار ما لا تحصل به الكفاية؛ لم يكن غنياً، وإن ملك نصاباً.
هذا هو الراجح في مذهب الحنابلة، وهو قول الثوري، والنخعي، وابن المبارك، وإسحق.
ويمنع فقر الشخص ومسكنته كفايته بنفقة قريب أو زوج أو سيد لأنه غير محتاج.

مقدار ما يعطون من الزكاة:
يعطى الفقير والمسكين ما يخرجهما عن الحاجة إلى الغنى(المجموع 6/193) أي ما تزول به حاجتهما، وتحصل به كفايتهما، ويختلف ذلك باختلاف الناس والبلاد، فالمحترف الذي لا يجد آلة حرفته، يعطى ما يشتريها به، قَلَّت قيمتها أو كَثُرَت، والتاجر يعطى رأس مال ليشتري به ما يحسن التجارة فيه، ويكون قدره ما يفي ربحه بكفايته غالباً (روضة الطالبين2/186، المجموع 6/194)
ومن لا يحسن الكسب بحرفة أو تجارة؛ يُعطى كفايته (روضة الطالبين2/187، تفسير القرطبي8/190)
ومن كان له دخل ينقص عن كفايته يعطى تمام كفايته (المجموع 6/192،جواهر الإكليل 1/138)
وهذه الكفاية عند الشافعية هي كفاية العمر، وقيل كفاية سنة، والأول أصح عند الشافعية (روضة الطالبين2/187) والثاني هو قول المالكية (جواهر الإكليل 1/138)
فإذا كانت حاجته أكثر من نصاب؛ فهل يهطى نصاباً فأكثر؟؟
فيه خلاف بين الفقهاء، فالذي يراه ابن العربي المالكي: يعطى نصاباً، وكره أبو حنيفة إعطاءه نصاباً مع القول بجوازه، كما أجازه أبو يوسف صاحب أبي حنيفة (تفسير القرطبي 8/190)
فالمالكية يجوزون إعطاء الفقير والمسكين أكثر من نصاب بحيث لا يزيد عن كفاية سنة (جواهر الإكليل 1/138)

وكتبه أبو معاذ محمد عبد الحي عوينة

شاهد أيضاً

السلفية والسياسة

بشير بن حسن مفكر إسلامي. مازلت أعرض هذا الفكر السلفي المعاصر برؤية نقدية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *