أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الناقلة “غريس 1”.. لعبة التخفّي

الناقلة “غريس 1”.. لعبة التخفّي

ياسر الحسيني

كاتب وإعلامي سوري
عرض مقالات الكاتب

برزت مسألة التحايل على العقوبات الدولية ، الذي تتقنه إيران ، بشكل جليّ من خلال قضية ناقلة النفط الإيرانية العملاقة ” غريس 1 “. فما قصتها التي شغلت وكالات الأنباء ، منذ مطلع شهر يوليو/تموز الماضي وحتى اليوم ؟

لم يكن في متناولنا معرفة مصير النفط الإيراني ، وكيف يتم تسويقه ، في ظلّ العقوبات الدولية المفروضة على إيران من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي ، لولا قيام حكومة جبل طارق باحتجاز الناقلة “غريس 1 “.

 غريس 1 : هي ناقلة نفط عملاقة، يبلغ طولها 330  متراً وتصل حمولتها من النفط الخام 2.1 مليون برميل مسجلّة لدى السلطات البحرية في بنما وترفع علمها .

غادرت الناقلة الموانئ الإيرانية محمّلة بالنفط الخام، لتأخذ مسارها باتجاه مضيق جبل طارق عن طريق رأس الرجاء الصالح، متجنّبة المرور من قناة السويس عبر البحر الأحمر، فاختارت الطريق الأطول للتمويه، إلا أن سلطات جبل طارق قامت باحتجاز الناقلة بمساعدة وحدات خاصة من البحرية الملكية البريطانية بتاريخ4/7/2019  ،حيث أعلن رئيس وزراء جبل طارق (فابيان بيكاردو) يومها، أن سبب الاحتجاز هو حصول حكومته على معلومات تؤكد أن الناقلة كانت متّجهة إلى ميناء بانياس السوري، لتفرغ حمولتها هناك، وهذا يعدّ انتهاكاً للعقوبات المطبّقة على سوريا من قبل الاتحاد الأوروبي منذ 2011.

وبعد احتجاز دام ستة أسابيع، أطلقت سلطات جبل طارق سراح الناقلة، بعد حصولها على تعهدات خطّية من إيران بعدم تفريغ حمولة النفط الخام في سوريا، ولكن وزارة الخارجية الإيرانية نفت أن تكون قد قدمت أيّة ضمانات.

والجدير ذكره أن الناقلة “غريس 1” قامت بتغيير اسمها إلى “أدريان داريا1 ” أثناء فترة حجزها، كما قامت برفع العلم الإيراني عوضاً عن علم بنما، بعد أن أعلنت سلطات الملاحة البحرية في بنما بأنها حذفت اسم الناقلة من سجلّاتها في شهر يوليو/تموز، إثر تلقّيها تحذيراً بأن الناقلة مرتبطة بأعمال تمويل للإرهاب.

ومنذ إطلاق سراحها باسمها وعلمها الجديدين، ظلّت “أدريان داريا 1” تجوب مياه البحر المتوسط تتابعها وكالات الأنباء العالمية لمعرفة وجهتها النهائية، خاصّة بعد رفض اليونان لرسوّها في ميناء (كالاماتا)، مما اضطرها لتغيير مسارها نحو ميناء مرسين التركية ، لكنها لم تلق تعاوناً ، فعادت أدراجها باتجاه الشواطئ السورية، وقد ذكر موقع “فيسيل فايندر” لرصد الناقلات بأن “أدريان داريا 1” كانت قد أبطئت من سرعتها وهي على بعد 90 كيلومتراً من ميناء طرطوس السوري، ثم عمدت الناقلة إلى إطفاء جهاز الـ GPS (نظام تحديد المواقع) مساء الإثنين 2/9/2019 ، وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد حذّرت دول البحر المتوسط من مغبّة التعاون مع الناقلة وأن أي تعاون معها يعدّ دعماً للإرهاب.

اختفت الناقلة ولكن أخبارها ظلّت حاضرة، فقد ذكرت صحيفة “الفايننشل تايمز” الأمريكية أن مسؤول ملف إيران في الخارجية الأمريكية (براين هوك)، كان قد عرض على قبطان الناقلة “رشوة” بملايين الدولارات في حال أبحر بالسفينة إلى بلد يمكن فيه احتجاز الناقلة، إلا أن القبطان الهندي الأصل (أخيليش كومار) البالغ من العمر 43 عاماً رفض العرض، ممّا دفع وزارة الخزانة الأمريكية لفرض عقوبات على كلّ من الناقلة وقبطانها، وقد علّق وزير الخارجية الإيراني (جواد ظريف) على ذلك: ” أن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول مصادرة الناقلة بالرشوة، بعد أن فشلت بالقرصنة”.

 إن كل ماجرى مع الناقلة “غريس 1” يكشف طبيعة النظام الإيراني المراوغ، ومحاولاته التملّص من العقوبات المفروضة عليه من قبل أوروبا وأمريكا، التي جاءت بعد فشل الاتفاق النووي وقيام إيران بخرق ذلك الاتفاق، وتجاوز الحد المسموح به لتخصيب اليورانيوم، لذلك نجد أن إيران لا زالت تحاول بيع نفطها بشتّى الوسائل، متحدّية العقوبات المفروضة عليها، كما أنها مصرّة على على دعم النظام السوري الذي أشرف على الإفلاس، بعد أن تدهورت الليرة السورية إلى أدنى مستوى لها، وخلو البنك المركزي السوري من العملات الصعبة أو يكاد.

وفي المقابل فإن إيران المتورطة في حربي اليمن وسوريا وفي لبنان والعراق، هي أيضاً تعاني من الضائقة الاقتصادية وبشكل خانق، يدفعها ذلك إلى بيع نفطها في السوق السوداء وبأسعار منخفضة، ممّا يزيد من استنزافها،وهذا ما عبّر عنه (ريتشارد هاس)رئيس مجلس العلاقات الدولية بأمريكا ، في مقابلة حصرية لـ (CNN ) شهر مايو الماضي، حين قال: “ان إدارة ترامب تريد طحن إيران ، ودفعها لإجراء تغيير جذري في سياستها تصل إلى تغيير النظام “.

فهل ما حصل مع الناقلة هو جزء من عملية الطحن، على الرغم من ورود أنباء غير مؤكدة، تفيد بأن الناقلة قد أفرغت حمولتها أخيراً في سوريا ( ميدل ايست آي)؟ و أنّ إيران مقبلة على أزمات حادّة ( داخلياً وخارجياً ) قد تطيح بنظامها ؟.

شاهد أيضاً

لا للمزايدة والضحالة – ذكريات برلمانية

ممدوح إسماعيل محام وسياسي مصري. هذا مقال أرسله لنا ا. ممدوح إسماعيل، ردا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.