أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / المسألة الشرقية (2)

المسألة الشرقية (2)

عامر الحموي

كاتب وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

لقد خاضت الدولة العثمانية حرب طرابلس الغرب 1911 ضدّ الغزو الإيطالي لها، وخسرتها. ثمّ خاضت الحرب البلقانية الثانية1912- 1913(1)، مُكرَهة من دون أن تستعدّ لها، أو أن تأخذ أُهبَتها، و خصوصاً بعد سياسة الاتحاديين العثمانيين ضدّ العناصر الأخرى من الشعب، ونُضوب الخزينة، و فراغ الثكنات العسكرية، بالإضافة إلى عوامل أخرى أسهمت في انكسار الدولة و تَقدّم البلقانيّون حتى مشارف اسطنبول. هذا الانكسار حرّك الكوامن، و برزت مطامع الدول الأجنبية إلى العيان، فلأوّل مرّة يَسمَع السوريون خطاب وزير الخارجية الفرنسي (2) في 24 ديسمبر 1912(3) في مجلس الشيوخ يقول: “إنّ لنا في سوريا و لبنان مصالح تقليدية نريد أن نجعلها مُحتَرمة، و يسرّني أنّي أستطيع أن أُضيف إلى ذلك بأنّ الظّنّ بوجود خلاف على هذا الأمر بيننا و بين الحكومة البريطانية لا مبرّر له، فقد صرَّحت لنا بمنتهى الودّ أنّه ليس لها في تلك الأقطار غرض في عمل و لا مقاصد تنويها ولا أمانيّ سياسيّة ترغب فيها من أيّ نوعٍ كان” (4).
لم يكن لبريطانيا علاقات ثقافية في العراق مشابهة لعلاقات فرنسا بسوريا، بل كانت لديها مصالح في التجارة النهرية فقط، ولكن إضافة مساحة كبيرة من كردستان، وأيضاً جماعة الآشوريين المشردين، خلقتا أقليات، مثل الأقليات المسيحية في سوريا ولبنان، كانت أكثر من الأغلبية العربية تقرباً للبريطانيين بسبب قيامها بدور الحماية لها (5).
ثمّ أتى انتصار البلقانيين في الحرب (البلقانية) الثانية ليبعث المسألة الشرقية من رقادها، فأيقنت الدّول الغربية أنّ زمن اقتسام الرجل المريض قد أتى، و كانت تلك الدول هي “روسيا وبريطانيا و فرنسا و إيطاليا”. فدارت محادثات موسّعة بين وزراء خارجيتها لتقاسم المنطقة، وجاءت على الشكل الآتي: كان مطالب بريطانيا أن يكون العراق منطقة نفوذ لها، و مطالب فرنسا أن تكون سوريا الطبيعية منطقة نفوذ لها، و مطالب روسيا على أن تكون اسطنبول وولايات الأناضول الشرقي من نصيبها، ومطالب إيطاليا على أن تكون لها أزمير وشواطئ الأناضول الغربية (6).
تلك هي خصوصيّة المكان للمشرق العربي الذي ارتبط به استراتيجياً بالقوى الدولية في مصالحها في موقع يُمثِّل ميزان القوى لمن يسيطر عليه، حيث أَفرَغ سياسة خاصّة تجاه جغرافية المكان، فالجغرافيا ذات صلة قوّية مباشرة في إدراك مسيرة التاريخ، وتفسير أحداثه تفسيراً صحيحاً على جميع المحاور السياسية والاقتصادية والاستراتيجية و العسكرية كافّة، فالمشرق العربي و سوريا الطبيعية والعراق جزء منه بموقعهما “الجيو ستراتيجي”، قد رُسِمت خريطتهما و جغرافيِّةُ أقاليمهما من قِبَل السياسات و الأطماع الاستعمارية فيها (7).
لقد كان الجوّ يُنذر باشتعال نيران حرب عامّة، خصوصاً بعد أن اشتدّ التنافس الاستعماري بين البريطانيين و الفرنسيين من جهة و الألمان من الجهة الأخرى. بالإضافة إلى وجود خلافات روسية و نمساوية تجاه التنازع على مناطق استعمارية في شرق أوربا (بلغاريا و رومانيا و يوغسلافيا و المجر) (8).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سعيد، أمين: سيرتي و مذكّراتي السياسية، مصدر سابق، ص 31. في يوم (8 كتوبر 1912) أَعلنت دول البلقان الأربع (بلغاريا و اليونان و الصرب و الجبل الأسود) الحرب على الدولة العثمانية، و دخل العثمانيون الحرب دون استعداد لها، و انتصر البلقانيون فيها انتصاراً ساحقاً، حتى بلغوا ضواحي الأستانة و استولوا على سلانيك وحاصروا أدرنة، و عندها وقّعت الدولة العثمانية الهدنة في (3 ديسمبر 1912)، و عندما عاد أنور باشا من طرابلس الغرب جدّد الحرب ضد البلقانيين، و قد استفاد الأتراك من الخلاف بين دول البلقان، فاستردّوا أدرنة وبعض القلاع الأخرى، و قد برز في هذه الحرب (مصطفى كمال باشا). ) سعيد، أمين: سيرتي و مذكراتي السياسية المصدر السابق، الحاشية، ص 34.
(2) المسيو بوانكاريه . سعيد: الثورة العربية الكبرى، مكتبة مدبولي، القاهرة‘ ط 2، د ت، ج 1-3، مصدر سابق، ص 161.
(3) سلطان، علي: تاريخ سوريا / 1908- 1918، نهاية الحم العثماني، دار طلاس، دمشق، ط 1، 1987، ص 244.
(4) سعيد: المصدر السابق، ص 21.
(5) بينزو، أديث وائي أيف: العراق دراسة في علاقاته الخارجية وتطوراته الداخلية 1915- 1975، تر عبد المجيد حسيب القيسي، الدار العربية للموسوعات، بيروت، ط 1، ص 1989، ج 1، ص 21.
(6) سعيد، أمين: المصدر السابق، ص 21.
(7) السمك: مرجع سابق، ص 109- 110.
(8) سعيد، أمين: سيرتي و مذكراتي السياسية، مصدر سابق، ص 34- 35.
() في مايو سنة 1889 قام أربعة من طلاب كليّة الطب في العاصمة العثمانية بتشكيل جمعّية سرّية للعمل ضد الخلافة العثمانية حملت اسم الاتحاد والترقّي (اتحاديّ عثمانيّ)، و أقامت صلاتٍ مع المعارضة التركية النّاشطة في أوربّا وانخرطت معها تحت اسم جمعية الاتّحاد و الترقّي (المعروفة أكثر باسم لجنة الاتّحاد والترقّي) تحت رئاسة أحمد رضا الذي اتخذ من باريس مركزاً له و أصدر صحيفة (المشورت) الناطقة باسم الجمعية. و أقامت هذه الجمعية علاقات ودّية مع اللّجنة العثمانية – السورية التي ظهرت في باريس 1895 تحت رئاسة أمين أرسلان ثمّ اندمجت الأخيرة بجمعية الاتّحاد والترقّي في باريس 1896. و أقامت الجمعية علاقات مع جماعة المعارضة المقيمة في مصر للسلطان عبد الحميد. وضمّت هذه الجمعية عرباً إلى جانب أعضاء أتراك و أكراد وألبان و روس إلى جانب أعراق أخرى. و قامت الجمعية بحركة انقلابية على السلطان العثماني، أُعلِن على إثر نجاحها في اعلان الدستور في10 جون 1908. قايالي، حسن: الحركات القومية العربية بعيون عثمانية (1908- 1918)، ترجمة فاضل جكتر، دار قدمس، دمشق، ط 1، 2003، ص 78- 79، 83. () أحمد جمال باشا (1872- 1922): ، تخرّج من المدرسة الحربية، و انتمى إلى “حزب الاتحادّ و الترقّي”، و قام بدور فعّال في تهيئة الانقلاب الدستوري الثاني سنة 1908، فأصبح من أكثر رجال الحزب نفوذاً. عُيّن والياً عسكرياً في أضنة سنة 1909، و بغداد سنة 1911، و استانبول. ثمّ عُيّن وزيراً للبحرية، و لمّا نشبت الحرب العالمية الأولى، عُيّن قائداً للجيش الرابع، و والياً عسكرياً في سوريا، و في سوريا صبّ جام غضبه على الشعب بعد فشله في حملة السويس، فشكّل محاكم عرفية في دمشق و بيروت، و أعدم عدداً من الشهداء العرب في (6 مايو 1916)، متّهماً باتصالهم بالحلفاء، ثمّ عاد إلى تركيا، و لمّا انتهت الحرب بخسارة ألمانيا و تركيا، هرب على باخرة ألمانية (مع طلعت و أنور)، و في سنة (1922) قتله شخص أرمني في العاصمة الجورجية “تفليس”. صفوة، نجدت فتحي: الجزيرة في الوثائق البريطانية (1914- 1922)، دار الساقية، بيروت، ط 1، 1998، ص 99.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

معاهدات السلام العربية الإسرائيلية في ميزان الشريعة الإسلامية 2

د. عطية عدلان مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول الشروط التي اشترطها …