أخبار عاجلة

السلفية والعقيدة

بشير بن حسن

مفكر إسلامي
عرض مقالات الكاتب

لا يخفى على كل متبصر بتاريخ المدارس الإصلاحية المعاصرة، أنها تأسست وقامت على عدة أنواع من التنظيرات، والمناهج والأولويات، التي كان يراها مشايخ تلك المدارس، ومعلوم أن (السلفية المعاصرة) بألوانها الثلاثة (العلمية والمدخلية والمتوحشة)، قامت بالأساس على تصحيح المعتقد، في ظل ما انتشر في جزيرة العرب وكثير من بلاد المسلمين من مظاهر الشرك والبدع والمحدثات، و تقرر عند علماء هذه المدرسة تعليم التوحيد والاهتمام به غاية للاهتمام، وهذا في حد ذاته لا إشكال فيه بل هو أمر محمود ومطلوب لأن العقيدة هي أساس الدين، وقاعدة الملة، ولأن أول ما بدأ الرسل الكرام به في دعوتهم، هو تصحيح عقائد الناس، غير أن النية الصالحة شيء، و المادة العقدية التي يقدمها الشخص للناس شيء آخر، والأصل في استمداد مادة العقيدة هو الكتاب والسنة، إذ أن مسائلها في الأصل توقيفية وسمعية، يُتوقف في ثبوت أصولها أو تفاصيلها النصوص الصحيحة، لأنها في الغالب من مسائل الغيب، وأي عقل بشري يدرك الغيب؟؟
و العقيدة في الفكر السلفي، لا تخلو من ملاحظات وانتقادات ، وهذا أقوله بعد دراسة أكثر كتب هذه المدرسة ومقرراتها، و سبرها لمدة سنوات من عمري ، وإليكم هذه المؤاخذات :

1- كون التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات هذا لا إشكال فيه على الصحيح لأنه من باب تقريب العلم ، لكن الإشكال في التفريق بين الربوبية والألوهية في بعض المقامات ، أي التفريق بين كلمة(رب ) و (إله) وهاتان الكلمتان اذا اجتمعتا تفرقتا، واذا تفرفتا اجتمعتا ، فإذا جاءت كلمة( رب ) وحدها أفادت معنى (الإله ) المعبود ، ودليل ذلك قوله تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا الا ليعبدوا إله واحدا ) !! فكلمة أربابا هنا تعني آلهة، ولذا لما أشكل على عدي بن حاتم رضي الله عنه هذا المعنى قال للنبي صلى الله عليه وسلم( يا رسول الله إنهم لم يعبدوهم فقال : أليسوا كانوا اذا أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال أطاعوهم؟ قال : بلى قال فتلك عبادتهم إياهم ) رواه البخاري ومسلم.
و الدليل أيضا أن سؤال منكر ونكير للميت في قبره حينما يقولان له ( من ربك ) لم يسألاه عن خالقه الذي أقرّ بوجوده في الدنيا كما قال تعالى عنهم( ولئن سالتهم من خلقهم ليقولنّ الله ) وانما سألاه عن إلهه ومعبوده في الدنيا ، فإذا كان موحدا قال ربي الله ، واذا كان مشركا أو منافقا قال : هاه هاه لا ادري !!
فهذا المقام عند السلفيين لم يتحرر بشكل واضح ووقع فيه الخلط ، ولذا يعتبر المتأخرون من مشايخهم أنّ مسألة الحاكمية هي من ربوبية الله تعالى ، والحق أنها من ألوهية الله، لدلالة النصوص على ذلك دلالة صريحة ، كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام( ان الحكم الا لله أمر أن لا تعبدوا الا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) !!
وهذا أوقع الكثير منهم في شرك القصور ، رغم تنزهه وتشديده على شرك القبور الذي نوافقه تماما على ذلك ، غير أنه لا يفرق بين شرك القبور وشرم القصور ، بدليل أن الشرك بالله هو صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله، والعبادة بتعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: اسم جامع لكل ما يحبه لله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة !!
ومن عبادة الله تحكيم شرعه ، ولذا التشريع من دون الله فيما خالف النص والإجماع ، شرك ، كما قال تعالى ( مالكم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا ) فيوجد اذن شرك في الذبح والاستغاثة والاستعانة والاستعاذة كما يوجد شرك في الحكم !! وانا بصدد تقرير مسائل علمية ،على سبيل التأصيل والتقعيد لا على سبيل التنزيل !! فانتبه !!
كما أن من العبادة الطاعة المطلقة التي لا تجوز الا للخالق جل وعلا ، وهذا تساهلوا فيه، في باب الحاكمية ، حيث أن القرآن صرّح تصريحا لا يحتمل التأويل ، أن طاعة المخلوق طاعة تامة في معصية الله أو التشريع شرك أيضا ، قال تعالى( ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه وانه لفسق وان الشيطاين ليوحون إلى أولياءهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم انكم لمشركون ) ، وقال تعالى عن قوم فرعون حينما استكبروا عن الإيمان بموسى وهارون عليهما السلام( فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ) ومعلوم أن بني إسرائيل لم يعبدوا فرعون بالركوع والسجود وإنما بالطاعة المطلقة له !!
ولذا انقسموا الى طوائف ثلاثة : سلفية علمية قلّ من فرّق منهم بين هذه المتشابهات ، أو تساهل فيها جدا ، وطائفة المداخلة الذين وقعوا في الطاعة والولاء المطلق للحكام سواء كانوا شرعيين أم غير شرعيين ، وسواء طبّقوا الشريعة أم بدلوها و استبدلوها !! وقابل هؤلاء طائفة السلفية المتوحشة وهي داعش ومشتقاتها بالضد تماما، دون استصحاب القواعد الشرعية ، من توفر الشروط وانتفاء الموانع في من وقع فيما هو كفر أو شرك !! فكفّروا الحاكم والمحكوم!! .
هذه أول المؤاخذات فيقال لهم اذا أنكرتم شرك القبور فأنكروا بنفس المقدار شرك القصور !!

2 – المؤاخذة الثانية : ما يتعلق بصفات الله المسماة بالخبرية ، فنحن نقرأ آيات وأحاديث ، جاء فيها صفات للرب تبارك وتعالى، قد توهم بالتشبيه والتجسيم ، كصفة اليدين والوجه و الأصابع والعين وغير ذلك ، ويجب أن نعلم أن أهل السنة والجماعة لهم ثلاثة مواقف من هذه النصوص :

أ- موقف أهل الحديث : الذين قالوا نثبتها بلا كيف ، دون تعطيل ولا تأويل ، ولا تشبيه ولا تمثيل ، مستدلين بقوله تعالى(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ). واشتهرت عبارتهم التي فيها ما فيها من الإجمال بل والاحتمال ( أمرّوها كما جاءت بلا كيف ) هذا مذهب أهل الحديث عامة و كثير من الحنابلة ،وهذا قول له وجوهه المعتبرة ، وأكثرَ من الانتصار له شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه بن القيم في كتبهما.

ب– موقف أهل التأويل: أي الذين فسروا هذه النصوص تفسيرا لغويا وقالوا أن ذلك على سبيل المجاز، كتفسير اليد بالقدرة والنعمة وهذا له ما يدل عليه في القرآن والسنة وكلام العرب ، ونيتهم في ذلك أن القرآن عربي والعربية فيها الحقيقة والمجاز ، وهذا هو الأسلم للانسان حتى لا يقع فيما يوهم التشبيه أو يمكن أن يوقع في التجسيم وهذا قول الاشاعرة والماتريدية، وبعض الحنابلة كابن الجوزي وابن عقيل وقول ابن حجر و النووي والقرطبي والبيهقي وغيرهم من جمهور علماء السلف والخلف ، وما أرادوا بذلك الا تعظيم الباري جل في علاه وهؤلاء من أهل السنة والجماعة بلا شك عند من كان منصفا لا متعصبا.

ج- مذهب أهل التفويض الذين قالوا نترك علم هذه النصوص الى الله ولا نتعرض لها بالتفسير وهذا اختيار ظهر عند بعض السلف أيضا لان كلامهم يوحي بذلك وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية لم يقبله !!

لكن الاشكال في سلفية اليوم أنهم تمسكوا بالرأي الاول بل تعصّبوا له بشكل عجيب، و جعلوا منه معيارا يحكمون به على الشخص فمن وافقهم عليه فهو سلفي ومن أهل السنة ومن خالفهم فهو مبتدع ضال مضل!! مع أن هذه المسألة من مسائل الخلاف في العقيدة ،لأن النصوص فيها لها وجوه ،والناس يختلفون في المفاهيم و كيفية التعامل مع النصوص!! ولذا لقنونا سنوات طويلة أن الأشاعرة والماتريدية ليسوا من أهل السنة والجماعة بل من أهل البدع وهذا خطأ منهم ومنا غفر الله لنا جميعا ، لأن الأشاعرة والماتريدية منهم سلف صالحون ، واستدلالاتهم أيضا بالكتاب والسنة وكلام علماء الأمة الكبار الأمناء!!

3 — ومن المؤاخذات عليهم أيضا في باب العقيدة ، أنهم يختلقون معارك وهمية في مسائل لا حاجة لإثارتها اصلا في هذا الزمان الاغبر ،الذي أصيب فيه المسلمون بالفرقة والتمزق والتشرذم ، مما زادتهم هذه المعارك والتصنيفات تمزيقا وتفريقا !!
مثلا معركة مدلول قوله تعالى ( الرحمان على العرش استوى ) التي أثارها رجل في عهد الإمام مالك حيث قال له كيف استوى ؟ فقال مالك : الاستواء معلوم أي معناه في لغة العرب ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة !!
وهذا هو الميزان في باب الأسماء والصفات ، و لا ادري هل هذا الاكثار من الكلام عن هذه الآيات، مطلوب شرعا ؟ و هل هو من أولويات الأمة؟
إن الأولى أن يشغلوا أنفسهم بشروط وكيفية استواء ملوكهم و حُكّامهم على العروش ،عروش السلطة، هل هو شرعي أم غير شرعي ؟ وهل هو استواء بحق أم بباطل؟ وهكذا ….ان العقيدة التي صاغتها المدرسة السلفية، فيها من المبالغات والدخول في الجزئيات التي هي ظنية وليست قطعية ما حوّلتها الى ( تعقيدة ) وليست عقيدة سهلة ميسرة ، كما عرضها القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم!! ولذا خرج جماهير هؤلاء مخبولا يُبدّع بعضهم بعضا ويفسق بعضهم بعضا بل ويكفر بعضهم بعضا !!
ان كثيرا من هؤلاء السلفيين لا يعرفون حدودهم في التفكير والتنظير، ويفقد الأدب مع الله عز وجل حيث يبالغ في عرض المسائل التي لها علاقة بذات الله تعالى وصفاته ، وإنما كل ذلك من نحت العقول المحدودة، ومن وضع الشيء في غير موضعه ، ولذا يقول محمد الغزالي رحمه الله، في كتابه( كيف نفهم الاسلام ) في فصل العقيدة : قال إن تفكير الانسان جعل الله له وجهتين ، الايجابي والسلبي ، فالايجابي ما يجوز له أن يعمل بعقله فيه ، ويتفكر و يتأمل بلا حدود وهي مخلوقات الله سبحانه كما قال ( ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ) وهذا قد قصّر فيه علماءهم جدا و أتباعهم و المسلمون الا من رحم الله ، و اما الاتجاه السلبي فهو التفكر في الخالق!! وأنىّ للعقول القاصرة ان تدرك كُنه خالقها، أو تجزم جزما مؤكدا بأن هذا صفة خبرية له ؟؟؟ يبقى ذلك من الغيب المطلق ، الذي يجاوز القدرات العقلية عند الإنسان، ويكفيه الإيمان ، و يجب عليه التأدب مع ربه وان يستحضر قوله تعالى ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك!!

4 –المؤاخذة الرابعة عليهم ، أنهم لا يولون اهتماما لأثر العقيدة التي يدرسونها ،على مستوى التعبد لله أو السلوك أوالأخلاق، فمثلا يقررون أن الإيمان يزيد وينقص وهذا صحيح لكن كيف هي معاملتهم مع من يتعرض لضعف الإيمان؟؟
كذلك يتغنون بالتوحيد و يدعون انهم حققوه اكثر من غيرهم، بل يسمون السعودية بلد التوحيد ، وكأن سائر بلاد المسلمين بلاد شرك وكفر؟؟ سيقولون فيها زوايا وقباب واعمال شركية ؟ والجواب وهل هذا عام في كل المسلمين ،؟؟ أم حالات قليلة وشاذة؟
ولا أدري هذا التوحيد الذي يدّعونه هل يبيح لهم إدخال أعداء الإسلام إلى بلاد الحرمين الشريفين ، أرض الرسالة والنبوة؟؟
وهل هذا التوحيد يبيح لهم التآمر على الموحدين في مصر والجزائر وليبيا ؟؟ ودعم الطغاة ضد الموحدين من إخوانهم ؟؟
وهل هذا التوحيد يبيح لهم قتل جيرانهم الموحدين اليمنيين ،بلا ذنب ولا جريرة ؟؟ بدعوى التصدي للحوثيين الذين هم قلة في اليمن الجريح!
وهل هذا التوحيد يبيح لهم محاصرة جيرانهم وأصهارهم وارحامهم القطريين الموحدين ؟؟ بل وحرمانهم من الحج والعمرة !!!
أين هذا التوحيد الذي يتغنون به ليل نهارا ؟؟
ناهيكم عن موالاة أعداء الأمة وفتح خزائن أموالهم لهم ، ولا يقل لي قائل لا تُحمّل المشايخ وزر الساسة !! والجواب بلى لأنهم يُشرعنون لتلك الأفعال و يفتونهم بما يتماشى مع أهوائهم كشأن علماء السلطان في كل زمان ومكان.

هذه مؤاخذاتي على السلفية في باب العقيدة التي كنت من الطّيف الاول منها أعني العلمية ، ولا اقول ذلك عن تشف أو تحامل او تصفية حسابات معاذ الله ولكنها النصيحة لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، ومن قرأ عرف !

والله من وراء القصدالسلفية والعقيدة :

لا يخفى على كل متبصر بتاريخ المدارس الإصلاحية المعاصرة ، أنها تأسست وقامت على عدة أنواع من التنظيرات، والمناهج و الأولويات ، التي كان يراها مشايخ تلك المدارس ، ومعلوم أن (السلفية المعاصرة ) بألوانها الثلاثة( العلمية و والمدخلية والمتوحشة ) ، قامت بالأساس على تصحيح المعتقد ، في ظل ما انتشر في جزيرة العرب وكثير من بلاد المسلمين من مظاهر الشرك والبدع والمحدثات ، و تقرر عند علماء هذه المدرسة تعليم التوحيد والاهتمام به غاية للاهتمام ، وهذا في حد ذاته لا إشكال فيه بل هو أمر محمود ومطلوب لأن العقيدة هي أساس الدين ، وقاعدة الملة ، ولأن أول ما بدأ الرسل الكرام به في دعوتهم ، هو تصحيح عقائد الناس ، غير أن النية الصالحة شيء ، و المادة العقدية التي يقدمها الشخص للناس شيء آخر، و الأصل في استمداد مادة العقيدة هو الكتاب والسنة، إذ أن مسائلها في الأصل توقيفية وسمعية، يُتوقف في ثبوت أصولها أو تفاصيلها النصوص الصحيحة، لأنها في الغالب من مسائل الغيب، وأي عقل بشري يدرك الغيب ؟؟ .
و العقيدة في الفكر السلفي، لا تخلو من ملاحظات وانتقادات ، وهذا أقوله بعد دراسة أكثر كتب هذه المدرسة ومقرراتها، و سبرها لمدة سنوات من عمري ، وإليكم هذه المؤاخذات :

1- كون التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات هذا لا إشكال فيه على الصحيح لأنه من باب تقريب العلم ، لكن الإشكال في التفريق بين الربوبية والألوهية في بعض المقامات ، أي التفريق بين كلمة(رب ) و (إله) وهاتان الكلمتان اذا اجتمعتا تفرقتا، واذا تفرفتا اجتمعتا ، فإذا جاءت كلمة( رب ) وحدها أفادت معنى (الإله ) المعبود ، ودليل ذلك قوله تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا الا ليعبدوا إله واحدا ) !! فكلمة أربابا هنا تعني آلهة، ولذا لما أشكل على عدي بن حاتم رضي الله عنه هذا المعنى قال للنبي صلى الله عليه وسلم( يا رسول الله إنهم لم يعبدوهم فقال : أليسوا كانوا اذا أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال أطاعوهم؟ قال : بلى قال فتلك عبادتهم إياهم ) رواه البخاري ومسلم.
و الدليل أيضا أن سؤال منكر ونكير للميت في قبره حينما يقولان له ( من ربك ) لم يسألاه عن خالقه الذي أقرّ بوجوده في الدنيا كما قال تعالى عنهم( ولئن سالتهم من خلقهم ليقولنّ الله ) وانما سألاه عن إلهه ومعبوده في الدنيا ، فإذا كان موحدا قال ربي الله ، واذا كان مشركا أو منافقا قال : هاه هاه لا ادري !!
فهذا المقام عند السلفيين لم يتحرر بشكل واضح ووقع فيه الخلط ، ولذا يعتبر المتأخرون من مشايخهم أنّ مسألة الحاكمية هي من ربوبية الله تعالى ، والحق أنها من ألوهية الله، لدلالة النصوص على ذلك دلالة صريحة ، كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام( ان الحكم الا لله أمر أن لا تعبدوا الا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) !!
وهذا أوقع الكثير منهم في شرك القصور ، رغم تنزهه وتشديده على شرك القبور الذي نوافقه تماما على ذلك ، غير أنه لا يفرق بين شرك القبور وشرم القصور ، بدليل أن الشرك بالله هو صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله، والعبادة بتعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: اسم جامع لكل ما يحبه لله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة !!
ومن عبادة الله تحكيم شرعه ، ولذا التشريع من دون الله فيما خالف النص والإجماع ، شرك ، كما قال تعالى ( مالكم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا ) فيوجد اذن شرك في الذبح والاستغاثة والاستعانة والاستعاذة كما يوجد شرك في الحكم !! وانا بصدد تقرير مسائل علمية ،على سبيل التأصيل والتقعيد لا على سبيل التنزيل !! فانتبه !!
كما أن من العبادة الطاعة المطلقة التي لا تجوز الا للخالق جل وعلا ، وهذا تساهلوا فيه، في باب الحاكمية ، حيث أن القرآن صرّح تصريحا لا يحتمل التأويل ، أن طاعة المخلوق طاعة تامة في معصية الله أو التشريع شرك أيضا ، قال تعالى( ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه وانه لفسق وان الشيطاين ليوحون إلى أولياءهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم انكم لمشركون ) ، وقال تعالى عن قوم فرعون حينما استكبروا عن الإيمان بموسى وهارون عليهما السلام( فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ) ومعلوم أن بني إسرائيل لم يعبدوا فرعون بالركوع والسجود وإنما بالطاعة المطلقة له !!
ولذا انقسموا الى طوائف ثلاثة : سلفية علمية قلّ من فرّق منهم بين هذه المتشابهات ، أو تساهل فيها جدا ، وطائفة المداخلة الذين وقعوا في الطاعة والولاء المطلق للحكام سواء كانوا شرعيين أم غير شرعيين ، وسواء طبّقوا الشريعة أم بدلوها و استبدلوها !! وقابل هؤلاء طائفة السلفية المتوحشة وهي داعش ومشتقاتها بالضد تماما، دون استصحاب القواعد الشرعية ، من توفر الشروط وانتفاء الموانع في من وقع فيما هو كفر أو شرك !! فكفّروا الحاكم والمحكوم!! .
هذه أول المؤاخذات فيقال لهم اذا أنكرتم شرك القبور فأنكروا بنفس المقدار شرك القصور !!

2 – المؤاخذة الثانية : ما يتعلق بصفات الله المسماة بالخبرية ، فنحن نقرأ آيات وأحاديث ، جاء فيها صفات للرب تبارك وتعالى، قد توهم بالتشبيه والتجسيم ، كصفة اليدين والوجه و الأصابع والعين وغير ذلك ، ويجب أن نعلم أن أهل السنة والجماعة لهم ثلاثة مواقف من هذه النصوص :

أ- موقف أهل الحديث : الذين قالوا نثبتها بلا كيف ، دون تعطيل ولا تأويل ، ولا تشبيه ولا تمثيل ، مستدلين بقوله تعالى(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ). واشتهرت عبارتهم التي فيها ما فيها من الإجمال بل والاحتمال ( أمرّوها كما جاءت بلا كيف ) هذا مذهب أهل الحديث عامة و كثير من الحنابلة ،وهذا قول له وجوهه المعتبرة ، وأكثرَ من الانتصار له شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه بن القيم في كتبهما.

ب– موقف أهل التأويل: أي الذين فسروا هذه النصوص تفسيرا لغويا وقالوا أن ذلك على سبيل المجاز، كتفسير اليد بالقدرة والنعمة وهذا له ما يدل عليه في القرآن والسنة وكلام العرب ، ونيتهم في ذلك أن القرآن عربي والعربية فيها الحقيقة والمجاز ، وهذا هو الأسلم للانسان حتى لا يقع فيما يوهم التشبيه أو يمكن أن يوقع في التجسيم وهذا قول الاشاعرة والماتريدية، وبعض الحنابلة كابن الجوزي وابن عقيل وقول ابن حجر و النووي والقرطبي والبيهقي وغيرهم من جمهور علماء السلف والخلف ، وما أرادوا بذلك الا تعظيم الباري جل في علاه وهؤلاء من أهل السنة والجماعة بلا شك عند من كان منصفا لا متعصبا.

ج- مذهب أهل التفويض الذين قالوا نترك علم هذه النصوص الى الله ولا نتعرض لها بالتفسير وهذا اختيار ظهر عند بعض السلف أيضا لان كلامهم يوحي بذلك وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية لم يقبله !!

لكن الاشكال في سلفية اليوم أنهم تمسكوا بالرأي الاول بل تعصّبوا له بشكل عجيب، و جعلوا منه معيارا يحكمون به على الشخص فمن وافقهم عليه فهو سلفي ومن أهل السنة ومن خالفهم فهو مبتدع ضال مضل!! مع أن هذه المسألة من مسائل الخلاف في العقيدة ،لأن النصوص فيها لها وجوه ،والناس يختلفون في المفاهيم و كيفية التعامل مع النصوص!! ولذا لقنونا سنوات طويلة أن الأشاعرة والماتريدية ليسوا من أهل السنة والجماعة بل من أهل البدع وهذا خطأ منهم ومنا غفر الله لنا جميعا ، لأن الأشاعرة والماتريدية منهم سلف صالحون ، واستدلالاتهم أيضا بالكتاب والسنة وكلام علماء الأمة الكبار الأمناء!!

3 — ومن المؤاخذات عليهم أيضا في باب العقيدة ، أنهم يختلقون معارك وهمية في مسائل لا حاجة لإثارتها اصلا في هذا الزمان الاغبر ،الذي أصيب فيه المسلمون بالفرقة والتمزق والتشرذم ، مما زادتهم هذه المعارك والتصنيفات تمزيقا وتفريقا !!
مثلا معركة مدلول قوله تعالى ( الرحمان على العرش استوى ) التي أثارها رجل في عهد الإمام مالك حيث قال له كيف استوى ؟ فقال مالك : الاستواء معلوم أي معناه في لغة العرب ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة !!
وهذا هو الميزان في باب الأسماء والصفات ، و لا ادري هل هذا الاكثار من الكلام عن هذه الآيات، مطلوب شرعا ؟ و هل هو من أولويات الأمة؟
إن الأولى أن يشغلوا أنفسهم بشروط وكيفية استواء ملوكهم و حُكّامهم على العروش ،عروش السلطة، هل هو شرعي أم غير شرعي ؟ وهل هو استواء بحق أم بباطل؟ وهكذا ….ان العقيدة التي صاغتها المدرسة السلفية، فيها من المبالغات والدخول في الجزئيات التي هي ظنية وليست قطعية ما حوّلتها الى ( تعقيدة ) وليست عقيدة سهلة ميسرة ، كما عرضها القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم!! ولذا خرج جماهير هؤلاء مخبولا يُبدّع بعضهم بعضا ويفسق بعضهم بعضا بل ويكفر بعضهم بعضا !!
ان كثيرا من هؤلاء السلفيين لا يعرفون حدودهم في التفكير والتنظير، ويفقد الأدب مع الله عز وجل حيث يبالغ في عرض المسائل التي لها علاقة بذات الله تعالى وصفاته ، وإنما كل ذلك من نحت العقول المحدودة، ومن وضع الشيء في غير موضعه ، ولذا يقول محمد الغزالي رحمه الله، في كتابه( كيف نفهم الاسلام ) في فصل العقيدة : قال إن تفكير الانسان جعل الله له وجهتين ، الايجابي والسلبي ، فالايجابي ما يجوز له أن يعمل بعقله فيه ، ويتفكر و يتأمل بلا حدود وهي مخلوقات الله سبحانه كما قال ( ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ) وهذا قد قصّر فيه علماءهم جدا و أتباعهم و المسلمون الا من رحم الله ، و اما الاتجاه السلبي فهو التفكر في الخالق!! وأنىّ للعقول القاصرة ان تدرك كُنه خالقها، أو تجزم جزما مؤكدا بأن هذا صفة خبرية له ؟؟؟ يبقى ذلك من الغيب المطلق ، الذي يجاوز القدرات العقلية عند الإنسان، ويكفيه الإيمان ، و يجب عليه التأدب مع ربه وان يستحضر قوله تعالى ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك!!

4 –المؤاخذة الرابعة عليهم ، أنهم لا يولون اهتماما لأثر العقيدة التي يدرسونها ،على مستوى التعبد لله أو السلوك أوالأخلاق، فمثلا يقررون أن الإيمان يزيد وينقص وهذا صحيح لكن كيف هي معاملتهم مع من يتعرض لضعف الإيمان؟؟
كذلك يتغنون بالتوحيد و يدعون انهم حققوه اكثر من غيرهم، بل يسمون السعودية بلد التوحيد ، وكأن سائر بلاد المسلمين بلاد شرك وكفر؟؟ سيقولون فيها زوايا وقباب واعمال شركية ؟ والجواب وهل هذا عام في كل المسلمين ،؟؟ أم حالات قليلة وشاذة؟
ولا أدري هذا التوحيد الذي يدّعونه هل يبيح لهم إدخال أعداء الإسلام إلى بلاد الحرمين الشريفين ، أرض الرسالة والنبوة؟؟
وهل هذا التوحيد يبيح لهم التآمر على الموحدين في مصر والجزائر وليبيا ؟؟ ودعم الطغاة ضد الموحدين من إخوانهم ؟؟
وهل هذا التوحيد يبيح لهم قتل جيرانهم الموحدين اليمنيين ،بلا ذنب ولا جريرة ؟؟ بدعوى التصدي للحوثيين الذين هم قلة في اليمن الجريح!
وهل هذا التوحيد يبيح لهم محاصرة جيرانهم وأصهارهم وارحامهم القطريين الموحدين ؟؟ بل وحرمانهم من الحج والعمرة !!!
أين هذا التوحيد الذي يتغنون به ليل نهارا ؟؟
ناهيكم عن موالاة أعداء الأمة وفتح خزائن أموالهم لهم ، ولا يقل لي قائل لا تُحمّل المشايخ وزر الساسة !! والجواب بلى لأنهم يُشرعنون لتلك الأفعال و يفتونهم بما يتماشى مع أهوائهم كشأن علماء السلطان في كل زمان ومكان.

هذه مؤاخذاتي على السلفية في باب العقيدة التي كنت من الطّيف الاول منها أعني العلمية ، ولا اقول ذلك عن تشف أو تحامل او تصفية حسابات معاذ الله ولكنها النصيحة لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، ومن قرأ عرف !

والله من وراء القصد
ملحوظة :
الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع ، وحق الرد مكفول .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

هل يحق للزوجة أن تمتنع عن خدمة بيت زوجها وهل لها أن ترفض تحضير الطعام لأهله وضيوفه؟

د. هاني السباعي مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن. سأل سائل فاضل سؤالاً …