أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / مُؤامرة سقيفة بَني ساعدَة

مُؤامرة سقيفة بَني ساعدَة

محمود الجاف

كاتب وصحفي عراقي
عرض مقالات الكاتب

حذر الله سبحانهُ وتعالى المُسلمين من الانقلاب والارتداد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقال ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) آل عمران : 145 . واكد نبينا صلى الله عليه وسلم مرارا أن كثيرا من الناس سيتَغيرونَ بعدهُ ويأخذون بسُنَن اليهود والنصارى ويُحرفونَ الدين فقال صلى الله عليه وسلم ( لتتبعنّ سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم! قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن“ ؟! )

تقع السقيفة في الجهة الشمالية الغربية من المسجد النبوي . بين مساكن قبيلة بني ساعدة الخزرجية . داخل مزرعة تتخللها بيوت مُتفرقة في البساتين وأمامها رحبة واسعة بقربها بئر …

في الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة اجتمع الأوس والخزرج لاختيار خليفة للمُسلمين في السقيفة. وهؤلاء طائفة من البشر مرَّت بمراحل تربوية أنتجت جيلاً من المُستحيل أن يتكرر في التاريخ. كانوا نسمة حانية هبَّت على دولة الإسلام وفاضت بركتها وخيرها على الأمة . قَدّموا وقَدّموا وكلما جاءت الفرصة ليأخذوا يجعل الله أمرًا آخر فيخرجون بلا شيء . راضين بلا سخط وكأن الله أراد أن يدخر لهم الأجر . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الأَنْصَارُ لا يُحِبُّهُمْ إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَلا يَبْغَضُهُمْ إِلاَّ مُنَافِقٌ فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّه ) وهذا التكريم لم يأت من فراغ وإنما لنوايا صادقة وأخلاق حسنة ولو نظرت إلى حالهُم لوجدت صفة أساسية تُمثل ركيزة في بناء شخصيتهم تلك هي الإيثار ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) الحشر : 9 . وهذا وصف الله سبحانه وتعالى الذي يعلمُ سرهُم ونجواهُم . أثبت لهُم الإيمان وسلامة الصدر والوقاية من شُح النفس وفي النهاية أثبتَ لهُم الفلاح …

أيّ فضل! وأيّ قدر! وأيّ مكانة!

اما المُهاجرون فهُم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأفضل الخلق بعد الأنبياء والرُسل ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) امتلأت قلوبهُم بمَحبة الله تعالى ورسوله والإيمان به وتصديقه والدفاع عنه . وهُم الذين أسلموا قبل فتح مكة وهاجروا إلى المدينة وتركوا ديارهُم وأهلهُم وأموالهُم لذلك عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم حبّهم من الإيمان وكرههم من النفاق واستحقّوا أن يمدحهُم الله في كثيرٍ من الآيات ومنها قولهُ ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ أُولَـئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) صفات قريبة من الملائكة ليس في حدث أو حدثين . بل هذا دينهُم طيلة حياتهم . لقد كانوا مُنشغلين بالمُصاب الفادح في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحولهُ . أين يُدفن صلى الله عليه وسلم؟ في البقيع؟ أم مع شهداء أحد؟ أم في مكة بلده؟ أم في مكان خاص به؟ حتى جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنهُ وقال يُدفن حيث مات كما أخبرهُ بذلك صلى الله عليه وسلم من قبل .

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال (قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر فقام خطيب الأنصار فقال : أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المُهاجرين وخليفتهُ منهُم ونحنُ أنصار خليفته كما كنا أنصاره . قال : فقام عمر بن الخطاب فقال : صدق قائلكُم . أما لو قلتُم غير هذا لم نبايعكُم وأخذ بيد أبي بكر وقال : هذا صاحبكُم فبايعوهُ فبايعهُ عُمر ثم المُهاجرون والأنصار . قال : فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير قال : فدعا بالزبير فجاء فقال : قلت ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه أردت أن تشق عصا المُسلمين فقال : لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير علياً فدعا بعلي بن أبي طالب فجاء فقال : قلت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المُسلمين قال : لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعه) قال ابن كثير ( مبايعة علي بن أبي طالب إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة وهذا حق فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفهُ . وخرج معهُ إلى ذي القصة لما خرج شاهراً سيفهُ يريد قتال أهل الردة)

لقد شهدت كُتب التاريخ والسيَّر أنهُم رضي الله عنهُم ورضوا عنهُ وعاشوا مع النفس الأمارة بالسوء فألجموها بلجام التقوى . مع الدنيا وزخارفها فلم تبهرهُم الأضواء ولم تفتنهُم الشهوات . فانتصروا على أعدائهم في أقصر وقت وأقلَّ التكاليف .

فَمَا العِزُّ لِلإِسْلاَمِ إِلاَّ بِظِلِّهِمْ … وَمَا المَجْدُ إِلاَّ مَا بَنَوْهُ فَشَيَّدُوا

لو فكرنا قليلاً … ترى لو انتظروا يومًا أو يومين أو أسبوعًا أو أسبوعين حتى تهدأ عواطف الحزن وتعود الحياة إلى طبيعتها ماذا ستكون النتيجة؟ ماذا لو هجم الفرس أو الروم ؟ من يُجهز الجيوش ويُعدُ العدة ؟ ماذا لو هجم مُسيلمة الكذاب بجحافله المُرتدة على المدينة؟ ماذا لو نقض اليهود عهدهم؟ ثم ماذا يحدث لو أخرج المُنافقون رجلاً منهُم وبايعوهُ على الخلافة وبايعتهُ قبائل أخرى؟ ماذا لو اختارت كل قبيلة زعيمًا لها وتفرق المُسلمون أحزابًا وشيعًا؟ من يجمع ومن يُوحد؟ بالتفكير السليم نجد أن إسراعهم إلى اختيار الخليفة هو فضيلة تُحسب لهُم وليس نقصًا أو عيبًا . والله تعالى لا يحابي أحدًا من خلقه ولكنهُم توفرت فيهم الاخلاق والايمان الحقيقي وحُب الاخرة والعمل من اجلها ومثال ذلك روى البزار أن أبا الدحداح رضي الله عنهُ كان عند النبي عليه الصلاة والسلام يوماً فنزل قوله تعالى ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ) البقرة : 245 فقال : يا رسول الله! الله يريد منا القرض؟ قال : نعم قال : عندي حائط في المدينة فيه ستمائة نخلة . والبضاعة الرائجة في زمانهم هي التمر . مالي عند ربي إن أقرضته حائطي هذا؟ قال : لك الجنة قال : فإني أشهدك أنني أقرضت حائطي هذا ربي وخرج من المجلس وذهب إلى البُستان وكان في داخلها زوجتهُ وأولادهُ فوقف على الباب وقال : يا أم الدحداح اخرجي بأولادك فإني أقرضتُ حائطي هذا ربي فقالت المرأة : ربح البيع يا أبا الدحداح ) انظر إلى استعلاء المرأة بالإيمان . ما قالت له : أنت ضيَّعتنا او لو كنت تبرعت بثلاثمائة نخلة فقط وأبقيت لنا ثلاثمائة ؟

اذا كانت ام الدحداح قالت ربح البيع . هل يُعقل ان فاطمة بنتُ محمد صلى الله عليه وسلم وعلي ابن ابي طالب رضي الله عنه يبحثان عن دُنيا ومال وجاهٌ ومُلك ؟

ماجرى في السقيفة تناقله الكثير من الكُتَّاب وعرَّضتهُ الاديان الاخرى الى دراسات واطلع عليه كبار عُلمائهم ومُفكريهم كان من نتائجها الانقسام الخطير الذي نراهُ الان وكثرة وانتشار عُلماء الضلالة الذين خرَجوا من اقبية البؤس والانحراف والشرك فوجهوا اقسى ضربة لدين الله الاسلام . لكنها لن تؤذيه . بل زادت مُعتنقيه ايمانا ويقينا وابعدت الذين يحملون ارصدة رخوة عن الحق فتاهوا وعاثوا في الارض الفساد والافساد . لان كل من فكر بتلك الحادثة وتخيل ما جرى فيها كانت افكارهُ ورؤاهُ تنبُع مما يحمل عقلهُ من رغبات وشهوات وحُب المال والجاه والسلطة على وفق مقاييسه الزمكانية . وظن انهُم يُفكرون مثله . لكنهُم كان هدفهم الجنة وعملوا لها فحصلوا على حُب الناس في الدنيا ونالوا البشارات الكثيرة التي تُؤكد حسن العقبى .

كان اعدائنا يتكاثرون ويربون اطفالهُم على الحقد وعُقدة الثأر والانتقام ويَتخفون بأسماء ووجوه لا نكشفها إلا عند دخول المُحتل . ويعملون وفقَ مُخطط جَندوا لهُ فئات وطوائف ويَختبئون خلفَ قانون التُقية حَتى تأتيهم الفُرصة ويُكَرروا ما فعلوهُ كل مرة . ونحنُ نربيهم على التسامح والتآخي ولهذا لم ترَ الامة عامة والعراق خاصة الأمن والراحة إلا بعد أن حَررهُ سعد بن أبي وقاص في القادسية . ومع هذا إعتبرهُم الفُرس مُحتلين وقاوموهُم . وقتلوا الفاروق ثُم عُثمان . وقادوا المُؤامرة التي شملت قادة الأمة (علي ومعاوية وعمرو) في يوم واحد انطلقت من الكوفة يقودها الفارسي شيرويه . وأسسوا فرقة الحشاشين الإنتحارية في قلعة الموت . أسقطوا الخلافة الأموية ثم جاءوا بالمغول وتعاونوا مع الصليبيين الذين شجعوهُم فقد بعث البابا رُسلاً إلى هُولاكو يحُثّه على ذلك ولهذا أمَّنوا سُكَّان بغداد المسيحيين واليهود على حياتهم ومن التجأ إلى دار الخائن ابن العُلقُمي . ثم دخل الصفويون بخيانة محمد كمونة ( نقيب النجف ) الذي كان يُمَنّي أهلَ بغداد بعدالة الشاه وينصحهُم بعدم القتال كما فعل السستاني بالضبط . ثم تآمرهم في تدمير الخلافة العُثمانية . وبعدها الخُميني صاحب الفكر الدموي الأشد في التاريخ . ساهموا وساعدوا الأمريكان في غزو أفغانستان والعراق وحموا قواتهُم والآن عصرهم الذهبي الذي يسبق خُروجهم مع الأعور الدجال .

نعم كانت حادثة السقيفة فتنة ومُؤامرة. لكن من قام بها ليس ابو بكر وعمر والصحابة. بل اليهود والفُرس ومواليهم من القبائل العربية وكان الضغط على الجزيرة ودولة الاسلام الناشئة كبيرا كما هو الحال اليوم . والعجيب ان دينهم تتغير افكارهُ وفتاويه وتعليماته وحتى عباداته حسب المصلحة والحاجة التي تتطلبها سياسة ومصلحة اسيادهم في قم . نراهم يكذبون الان في كل شيء ويُحرفونَ الحقائق رغم اننا مازلنا احياء وشهود على جرائمهم فكيف نُصدق ما تناقلوهُ قبل مئات السنين ؟

ناهيك عن الوقائع التي عشناها والتي تُؤكد صحة كل ما نقلهُ التاريخ عنهُم من تواطئ ضد امتنا ونبش القبور وقتل المُسلمين وانتهاك اعراضهُم وسرقة ثرواتهم . فكروا قليلا يامن خُدعتُم فان الله سبحانهُ وتعالى تحدث عن النملة والغراب والعاهرة والسارق والكذاب والحمار والنصاب . ذكرهُم في آية ولم يذكر قصة الولاية ؟ وقال في مُحكم كتابه العزيز ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) المائدة : 3 … ولكن مع هذا كثيرون نَصَبوا أبنائهُم خَدما أو دَفَعوا دمائهم ثَمَنَ جَهلِهِم وَأوهامِهم أو نُقود حتى يَكبُر قَصرَ البَعض وَتكثُر ثَروتَه عَساه يَشبَع وَيُطفئ شَهوتَه أو تَلمَع العِمامَة المُرصَعَة بِالحُليِ وَالجَواهِر التي حَوَلت الحَقير إلى أمير وَالثَمَن يَزدادُ فَقرا الفَقير وَيكبُر الشَرُ كَثيرا كَثير . تَبِعوا مُحتالين ظَلوا وَأظَلوا وَكانوا عَونا لهُم في نَشرِ الأكاذيب وَفاقَ جَهلهُم وَكُفرهُم المَغول الذي صَورَهُم تاريخنا المَهول إنهُم أرذلُ الناس وَأكثرهُم إجراما وَسفكا للدِماء رَغمَ إنَ قانونهُم ( الياسا ) يَحكُم بِالقتلِ على الزاني وَالكَذاب وَهُؤلاء أكرموه . والان علَيهِم مُواجهَة الواقع المَرير الذي يُؤكِد إنهُم وَمُنذُ مِئات السنين استَطعَموا السُمَ الزُعاف الذي دَسهُ لهُم دهاقنَة الاحتيال ومُؤلفي قِصَص الخَيال المَجوس أهلَ الحِقد في النُفوس .

القَليل مِنَ الذَكاء وَالتَفكير وَالتَدبُر . مَعَ حُبهُم للمال بَنوا صُروحا كَبيرَة كَالجِبال . ادعَوا إنها لأولياء لِيُصبِحوا سادَة وَالكلُ لهُم عَبيد . كَالمَلِك يَأمُرُ بِما يُريد . والان كَبُرَت الأكذوبَة وَالصَنَم وَتَبِعَهم الكَثيرُ مِنَ الرِمَم . وَالمُشكلة حَتى هُم صَدقوه وَبالقَداسَةِ غَلفوه وَلَم يَعُد مُمكنا أن يُكَذبوه . ولا احَد يَجرؤ لِلبَحثِ في القُبور لِيَكشفَ المَستور . لأنه لَن يَرى النور . وَهكَذا يَستمرُ الحال عَلى ما هو عَليه حتى يأتي أمرُ الله وَيظهَر الحَقُ وَيَعود الفَرح وَالسُرور . وَتنَتهي قِصةُ الوَليِ الخَيالي المَقبور .

شاهد أيضاً

حقيقة علاقة إيران بأمريكا وإسرائيل: قراءة في كتاب “التحالف الغادر” لتيريتا بارسي 4 من 5

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. آمال واهية على إدارة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *