أخبار عاجلة

تساخفات محمد على عبد الجليل فى مقاله: “أخطاء القرآن اللغوية والإنشائية- قراءة تفكيكية” 10 من 12

أ.د. إبراهيم عوض

كاتب ومفكر مصري.
عرض مقالات الكاتب

فقد يشيرُ هذا الخطأُ وغيرُه من الأخطاء إلى عدة أمورٍ، منها:
1- عند تدوين القرآن لم يكنْ هدفُ النُّسَّاخِ، ومِن ورائِهم السلطةُ التى أمرَتْ بجمع القرآن، التفاصيلَ الدقيقةَ فى النص القرآنى. المهمُّ ألا يَـحْرِفوا المعنى إلى ضدِّه. وهذه الفكرة يؤكِّدها حديثٌ وردَ عن محمد يقول: “يا عُمَرُ، إنَّ القرآنَ كُلَّهُ صَوابٌ ما لم يُجْعَلْ عَذابٌ مَغفِرةً أو مَغْفِرةٌ عَذابًا”. أى أنَّ القرآنَ لم يكنْ يُمَثِّل لهم قانونًا دقيقًا واضحًا، ولم يكن فى الأساس الهدفُ من وضْعِه وجَـمْعِه إيصالَ المعانى المتغيرة التى يمكن أنْ يشيرَ إليها إلى الآخر المختلف، بل إيصال رسالة غير مباشرة إلى هذا الآخر المختلف (وخاصةً أتباع اليهودية والنصرانية) مفادُها أنَّ العربَ الأمييين (الوثنيين الذين لا كِتابَ “مقدَّسًا” لهم) يمكن أنْ يكونَ لهم كِتابٌ يُعَبّر عن هويتهم. فالقرآنُ يشبه صرخةَ هُويةٍ، صرخةَ وجود، هو ردٌّ من الوثنيين على تعـيير اليهود لهم- محمد عبد الجليل).
(لو كان الأمر على ما يدعى هذا الرجل المفكك العقل لكان عندنا قرآنات لا تنتهى ما دام المعنى محفوظا، وهذا إن ظل المعنى محفوظا بعد النسيان والاستبدال أو التغيير المتعمد. كذلك لم كان الحرص على أن يكون القرآن مسجوعا ما دام المهم هو المعنى؟ كذلك فالأفاق يزعم أيضا أن القرآن إنما جاء للرد على أهل الكتاب بأن عند العرب أيضا كتابا مثل كتابهم. فهل كان فى مكة يهود أو نصارى يمثلون مجتمعا ذا بال يستحق أن يتحداه محمد بهذا التحدى؟ بالعكس لقد كان المشركون الوثنيون هم من وقفوا فى وجهه واعترضوا عليه وناصبوه العداء يا متخلف وآذَوْه وشتموه وطاردوه وقذفوه بالحجارة واتهموه بالجنون والسحر والكذب والكهانة.
ثم إذا كان الأمر كذلك فلم قال القرآن إن الإسلام سوف ينتصر على الدين كله، وهو ما حصل كما تنبأ وأكد؟ لقد كانت الغاية أن يقول محمد لأهل الكتاب، حسب تساخفك المقيت، إن لنا نحن أيضا كتابا مثلكم. فلماذا يا ترى الطموح إلى الانتصار على اليهودية والنصرانية ذاتيهما؟ ولماذا اتهام كتابيهما بوقوع العبث والتحريف فيهما؟ ولماذا دعوته أهليهما إلى اعتناق الإسلام؟ ثم لو كان الأمر كذلك فلِمَ تحدى القرآن العرب أن يأتوا بمثله أو حتى بعشر سور منه أو بسورة واحدة؟ لقد كان ينبغى أن يوجه هذا التحدى إلى أهل الكتاب لا إلى أهل الأوثان. أليس كذلك؟
وبالنسبة إلى قول المؤلف إن القرآنَ لم يكنْ يُمثِّــل للمسلمين قانونًا دقيقًا واضحًا فهو كذب صراح، إذ القرآن مفعم بالأحكام والمبادئ والتشريعات التى لابد للمسلم من الالتزام بها ككلامه عن معاملة اليتيم والفقير والمسكين، والزواج والطلاق، والربا والبيع والشراء، والسرقة والحرب والخمر والزنا والقمار والزكاة والتذكية والعبادات، إلى جانب العقيدة. أمعقول أنه لا يعرف ذلك؟ طبعا هو يعرفه، لكنه يكذب. يريد أن يُقِرّ فى نفوس المسلمين أن كتابهم لا يمثل أية أهمية فى الحياة. إنه كتاب هوية، والعرب عرب لا جدال فى ذلك. فما حاجتهم بعد هذا إليه؟ أما المسلمون من غير العرب فهم أكثر استغناء عن القرآن من العرب، إذ هو كتاب عربى للعرب لا لهم، ومن ثم ينبغى أن يطرحوه بعيدا عنهم ويتخلصوا منه ولا تعود لهم أية علاقة به.
وإذا كان القرآن كتاب هوية أراد محمد أن يثبت لأهل الكتاب به أن العرب لا يقلون عنهم شأنا، إذ ها هم أولاء قد صار لهم كتاب كما لهم هم كتاب، فلماذا عَنَّى نفسه بتحريم الزنا مثلا رغم أن من أنبياء العهد القديم من مارسه أو تساهل فيه بكل أريحية دون خالجة من ندم أو أسف: ألم يقدِّم إبراهيم زوجته مقابل بعض المواشى لأبيمالك، الذى كان يريدها لنفسه، ولولا أن رأى فى المنام أنها زوجة إبراهيم لا أخته كما أخبره إبراهيم لكان ما كان مما لا داعى لذكره؟ ألم ينم لوط مع بنتيه وحملتا منه؟ ألم يمارس يهوذا بن يعقوب الزنا مع زوجة ابنه؟ ألم يزن داود بامرأة جاره وقائد جنده الوفى المخلص له، وزاد على ذلك فوضع خطة لقتله وتخلَّص منه كى يخلو له وجه امرأته، التى هى بالمناسبة أم سليمان؟ ألم يتزوج سليمان بالوثنيات محادَّةً لأوامر كتابه فى هذا الصدد، وساعدهن على عبادة الأوثان فى قصره؟ ألم يعتد أمنون بن داود على عرض أخته فى غرفة نومه بحيلة شيطانية مجرمة؟ ألم يقل المسيح عليه السلام ما معناه أنه ما من واحد من الجمهور الذى أتى ليشهد رجم الزانية إلا وارتكب الخطيئة مثلها، ولهذا لا داعى لرجمها؟ نعم، ما الذى أدخل محمدا فى هذا المأزق دون أدنى داع ما دام القرآن مجرد كتاب هوية للعرب كما يزعم هذا الشيطان الكذوب؟
وإذا كان القرآن كتاب هوية أراد محمد أن يثبت لأهل الكتاب به أن العرب لا يقلون عنهم شأنا، فلماذا عَنَّى نفسه بشرح ما كان موجزا من القرآن لأتباعه من خلال أحاديثه الشريفة واستكمال ما تركه القرآن لسبب أو لآخر بالحديث الشريف؟ ولماذا ترك القرآن ينزل على مدار ثلاثة وعشرين عاما، وكان يستطيع أن ينتهى من أمره دفعة واحدة دون انتظار الأسئلة التى يطرحها أتباعه يريدون الإجابة عنها، أو الحوادث التى تقع وتحتاج إلى تعليق عليها؟
وإذا كان القرآن مجرد كتاب هوية فلم تكرر فيه الإشادة بمعجزات أنبياء الكتاب المقدس فى حين أن محمدا كلما طلب منه قومه فى مكة معجزة كان رده: “سبحان ربى! هل كنت إلا بشرا رسولا؟”؟ إن هذا معناه أن هوية أهل الكتاب ستكون لها الكفة الراجحة واليد العليا إزاء هوية العرب. يا ميت خسارة على الذى أراد الهوية فلم ينلها كما ينبغى! لقد كان الأحرى والأحجى بمحمد أن يغلق باب الحديث عن معجزات الكتاب المقدس حتى لا ينكشف عوار الهوية العربية التى لا توجد لها معجزات. وقد كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن ينكر وقوع أية معجزة لأى نبى من قبله حتى لا يطالبه أحد بمعجزة فيكشف عجزه ومن ثم تضعف الهوية التى أراد كتابه تعضيدها، وعلى المتضرر اللجوء إلى الإثبات، وأنى له ذلك بعدما مضت المعجزات فى الزمان الأول ولم يعد لاسترجاعها أو مشاهدتها من سبيل؟ ولا يقل أحد إنه ما كان يجرؤ على تكذيب الكتاب المقدس، الذى كان يراه مثالا أعلى يعمل على تقليده حتى تكون لقومه هوية مثل أهل الكتاب. ذلك أن القرآن قد اتهم الكتاب المقدس بأنه قد تم تحريفه والعبث به، فماذا يكون إنكار ما فيه من معجزات بالنسبة إلى ذلك الاتهام، وبخاصة أنه ما من أحد فى العالم يستطيع أن يثبت صحة تلك المعجزات؟
كذلك إذا كان القرآن مجرد كتاب هوية بما يعنى أن كل كتاب إنما يعكس هوية أمته ولا يصلح لأية أمة أخرى فلم كفَّر محمد أهلَ الكتاب لأنهم لم يؤمنوا به وبكتاب هوية أمته؟ لقد كان كل همه، كما يدعى كاتبنا المدلس، تقليد كتاب القوم وإثبات أن العرب لهم كتاب هوية كما لهم هم كتاب، فكيف خرج على خطته والغاية التى يتغياها وتخطى الحدود والسدود والقيود وانتقدهم هم وكتابهم ووضعه على مائدة الاتهام قائلا إن زمانه قد ولى، وإن القرآن هو كتاب كل الأمم فى كل أرجاء المعمورة لهذا الزمان وكل زمان؟ إنه كتاب الهوية العربية طبقا لما يقوله هذا الشيطان، فلم تجاهل محمد ذلك وطار كل ذلك المطير؟ وقبل ذلك كله لم يا ترى يثق صاحبنا دائما بكلام القرآن والنبى حين يظن أن هذا الكلام يخدم فكرته، ناسيا أنه شكك فى مصداقية النصوص التى كان يقرؤها النبى على المسلمين تشكيكا مطلقا؟- إبراهيم عوض).
2- كان هدفُ واضعى القرآن متركِّـزًا على الفاصلة (السجع فى نهاية الآية) لاستخدامِه فى الترتيل الطقسى. (بحسب كريستوف لوكسنبرغ فإنَّ كلمة “القرآن” مشتقة من السريانية “قريانا” qeryana ويعنى “كتاب الفصول” lectionnaire، وهو القراءات الكتابية الثابتة المستعملة فى إقامة رتبة القداس الإلهى على مدار السَّــنَـة. [انظر: دراسة فى لغة القرآن، روبرت ر. فينيكس الابن وكورنيليا ب. هورن، معابر، http://www.maaber.org/issue_august03/books6a.htm])- محمد عبد الجليل).
(الشيطان يتحدث عن واضعى القرآن وليس عن واضع القرآن، الذى يزعم أعداء الإسلام أنه هو محمد. والشيطان الصغير حين يفعل ذلك يفعله كأنه أمر بديهى لا يحتاج إلى دليل. وهو كلام تافه وضعه على لسانه من يقفون خلفه ويأمرونه أمرا أن يذهب فيردده فى كل ما يكتب كأنه مسلمة من المسلمات معتمدين على أن الزَّنَّ على الآذان أمرّ من السحر وأن التكرار يعلم الحمار من أمثاله. والتاريخ أمامنا، سواء التاريخ الذى كتبه المسلمون أو غير المسلمين، وليس فبه إلا الكلام عن محمد والقرآن الذى أتى به محمد بغض النظر عن إيمان المؤمن به أو كفر الكافر. فمن أين لهذا الأحمق هذا السخف؟ إنه كريستوف لوكسنبرج المجهول الهوية، والذى قرأت مع ذلك أنه سورىٌّ متخفٍّ تحت هذا الاسم. وقد سبق أن رددنا على هذه النقطة فى موضع سابق من هذه الدراسة، لكننا نود هنا أن نتناول الدعوى القائلة بأن كلمة “القرآن” إنما هى كلمة “القريانة” السريانية.
وسوف أصدق مؤقتا لوكسنبرج، الذى يتبع المؤلف خطاه كما يتبع القرد مدربه، فى أن الكلمتين شىء واحد. لكن السؤال الذى يطرح نفسه هنا هو: لم يا ترى ينبغى أن نقول باستعارة العربية لها من السريانية؟ بل لم لا نقول إن السريانية هى التى استعارت مادتها (مادة “ق ر أ”) من لغة الضاد، وبخاصة فى ضوء ما يقوله بعض المتخصصين فى اللغات السامية من أن العربية هى اللغة الأم التى انبثقت منها الآرامية والسريانية والعبرية وغيرها من اللغات السامية؟ فإذا ما تبين لنا أن كلمة “القرآن” مشتقة من “ق ر أ”، وكانت مادة “قرأ” موجودة فى العربية على نطاق واسع، وكان وزن “فُعْلان” منتشرا فيها انتشارا كبيرا كـ”برهان، وفرقان، وتكلان، وحسبان، وعمران، وبنيان، وجردان، وفقدان…”، إضافة إلى أنها ليست بنفس النطق والمعنى فى السريانية، كان لنا أن نقول إن لوكسنبرج يتساخف فى كلامه. وإذا كان محمد قد استعار تلك اللفظة رغم ذلك من السريانية محولا إياها خطأً من “قريانة” إلى “قرآن”، وهم يقولون إن محمدا كان يستعين بسريان فى تأليف قرآنه، فكيف يا ترى نعلل ذاك الخطأ فى الوقت الذى كان حوله سريان أصلاء؟ ترى لماذا لم يصلحوه له؟ بل لماذا يقع ذلك الخطأ أصلا، وهم موجودون؟
والمعروف أن الرسول عليه السلام كان حريصا على إبعاد أى تأثير يهودى أو نصرانى عن دينه حتى إنه، حين فكر مثلا فى طريقة لدعوة المسلمين إلى الصلاة، واقترح عليه بعضهم النفخ فى الشبور كما يفعل اليهود، أو قَرْع الجرس على النحو الذى يصنع النصارى، رفض هذا وذاك، واستقر الأمر على الاستفادة من الصوت الإنسانى الجميل الرقراق. كما أنه قد أمر أتباعه أن تكون لحاهم مخالفة للحى غيرهم حسبما هو معروف. وهناك حديث يحض على الصلاة فى النعال، وصيام تاسع المحرم مع عاشره جميعا مخالفةً لليهود. وكان اليهود إذا حاضَتِ المرأةُ فيهم لم يُؤَاكِلُوهَا ولم يُجَامِعُوها فى البيوتِ، فسأل أصحابُ النبى صلى الله عليه وسلم النبى، فأنزلَ اللهُ تعالى: “ويسألونك عن المحيض. قل: هو أذى. فاعتزلِوا النساء فى المحيض”… إلى آخر الآية. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اصْنَعُوا كلَّ شىء إلا النكاحَ. فبَلَغَ ذلك اليهودَ، فقالوا: ما يريد هذا الرجلُ أَنْ يَدَعَ من أمرِنَا شيئًا إلا خالفَنا فيه. وفى المدينة نزل الوحى بتغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة بعدما كان المسلمون فى مكة يستقبلون الكعبة وبيت المقدس معا فى ذات الوقت قائمين إلى الجنوب من الكعبة بحيث تكون بينهم وبين بيت المقدس فى الصلاة، فيستقبلون الاثنين جميعا، وبعدما صَلَّوْا بعض الوقت إلى الشمال حين لم يعد ممكنا الصلاة إلى الكعبة وبيت المقدس فى نفس الوقت، أتى الوحى بالتحول فى الصلاة إلى جهة الجنوب نحو مكة حيث يقوم البنيان الذى شاده من قديمٍ أبوهم إبراهيم.
وفوق هذا فإن القرآن ينتقد النصارى انتقادا شديدا ويتهمهم بالتلاعب بكتابهم ونسيان حظ مما ذُكِّروا به ويهاجمهم لإشراكهم السيد المسيح فى الألوهية، فكيف يقال إن الرسول قد أخذ “القرآن” من “قِرْيانة” السريانية النصرانية؟ وهذا إن كان، ولا يمكن أن يكون، هناك سريان فى مكة، فضلا عن أنه لم يكن حوله سريان فى أى مكان أو زمان ولا كان يعرف سريانا فى يوم من الأيام ولا استعان بأحد من السريان فى صياغة قرآنه، ببساطة لأن القرآن كتاب سماوى جاء من عند رب العالمين. وهذا ما يحاول المستشرقون والمبشرون إثارة الضجيج حوله بهذه البهلوانيات المضحكة التى مكانها الوحيد المناسب هو السيرك. ثم لماذا السريانية بالذات؟ هل فيها سرٌّ باتعٌ جعلت لوكسنبرج يختارها هى بالذات دون غيرها من اللغات ساميّة كانت أو حاميّة؟ إن لوكسنبرج مدربَ قردنا السورى يقول بوجود السريانية آنذاك فى الشام والعراق فقط، ومن ثم كان سؤالنا المشروع: إذا كان موطن السريانية على هذا البعد الشاسع من مكة حيث ظهر محمد والقرآن فكيف يا ترى يفسر تأثر القرآن بها؟ وأين الدليل على ذلك التأثر؟ ومتى تم؟ ومن كان الوسيط أو الوسطاء الذين أخذ محمد السريانية عنهم وأدخلها قرآنه؟ وفى أية ظروف كان ذلك؟ ولماذا سكت معلموه أو معاونوه عن ذكر دورهم، وقبعوا فى الظلام والخفاء ونسجت عليهم العنكبوت بيتها ونسيهم العالم أجمع؟ بل لماذا خرس سائر سريان الشام كلهم طوال تلك القرون فلم يحاولوا فضح هذه اللعبة المحمدية؟
والعجيب أن لفظى “السريانية” و”السريان” لا وجود لهما لا فى الشعر الجاهلى ولا فى شعر المخضرمين ولا فى شعر صدر الإسلام بما فى ذلك شعر أمية بن أبى الصلت المتصل بكتب أهل الكتاب ولا فى القرآن ولا فى السيرة. ويؤكد البروفسير دانيال كينج، أستاذ اللغة السريانية- الآرامية بجامعة كارديف، فى بحثه: “A Christian Qur’an?” أن فى كلام لوكسنبرج عن الألفاظ السريانية المزعومة فى القرآن ما يدل على اضطراب علمه بتلك اللغة، وعلى تسرعه وتعسفه فى استنتاج نتائجه. بل لقد لاحظ أن بعض تلك الألفاظ لا وجود لها أساسا فى لغة السريان.
ثم إن القرآن يكرر فى كل المناسبات أنه قرآن عربى نزل بلسان عربى: “وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه ليبيِّن لهم”، “بلسانٍ عربى مُبِينٍ”، “قرآنًا عربيًّا غيرَ ذى عِوَج”، “ولو جعلناه قرآنا أعجميًّا لقالوا: لولا فُصِّلَتْ آياتُه؟ أأعجمىٌّ وعربىٌّ؟”. فلو كان القرآن سريانيا لهب أهل مكة والعرب جميعا، وعلى رأسهم اليهود والنصارى، يصرخون فى وجه النبى عليه السلام متهميه بالكذب الصراح قائلين: كيف تجرؤ على أن تنكر الحقائق الساطعة سطوع الشمس فى وضح النهار وتقول إن القرآن الذى أتيتنا به قرآن عربى فى حين أنه سريانىٌّ؟ هل تظن أننا نائمون على صماخ آذاننا فلا نعرف أن فلانا وفلانا وفلانا من السريان يعينونك فى تأليف قرآنك؟ الحق أنى لا أدرى كيف تواتى بعضَ الناس الوقاحةُ فيتهموا القرآن الكريم بأنه يمتح من المعجم السريانى، ويجرى على قواعد النحو السريانى، بينما هو يتبع نحو العرب ومعجم العرب وتعابير العرب وصور العرب وتراكيب العرب.
ونعود إلى مناقشة دعوى سريانية كلمة “قرآن” فنقول إن “قرآن” مصدر مشتق من مادة “ق ر أ”، وألفاظ هذه المادة كثيرة فى القرآن الكريم، ومعظمها مرتبط بقراءة القرآن: “وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ” (الأعراف/ 204)، “فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ” (النحل/ 98)، “وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا” (الإسراء/ 13- 14)، “وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا” (الإسراء/ 45)، “وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا” (الإسراء/ 106)، “وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ” (الشعراء/ 198- 199)، “إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَى اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” (المزمل/ 20)، “لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ” (القيامة/ 16- 18)، “وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ” (الانشقاق/ 21).
ومن شواهد شعر تلك الفترة فى هذا المجال البيتان التاليان لشاعرين أحدهما لم يسلم قط، وهو أمية بن أبى الصلت، والثانى لم يكن أسلم بعد، وهو كعب بن زهير. يقول أمية:
كِتابًا مِنَ الله نَقْرَا بِهِ – فَمَنْ يَعْتَرِيهِ فَقِدْمًا أَثِمْ
ويقول كعب:
يَسْقِينَ طُلْسًا خَفِيّاتٍ تَراطُنُها – كَما تَراطَنُ عُجْمٌ تَقرَأُ الصُّحُفا
ومن استعمال العرب آنذاك لكلمة “قرآن” بمعنى الكلام المقروء، وهو المعنى اللغوى لا الاصطلاحى، ما جاء فى “اتفاق المبانى وافتراق المعانى” للدقيقى من أن أبا بكر سأل عن “قرآن” مسيلمة، أى الكلام الذى كان يزعم أنه ينزل عليه من السماء ويقرؤه على أتباعه. وفى “البداية والنهاية” لابن كثير خبر آخر عن هذا الموضوع وردت فيه لفظة “قرآن” بنفس المعنى. وفى “المثل السائر” لابن الأثير وصف لكتاب “الشاهنامة” بأنه “قرآن القوم”. وبهذا يظهر لكل من له عينان حماقة محمد عبد الجليل- إبراهيم عوض).
(3- تشير بعضُ الأخطاء إلى نقص الإمكانيات المادية والفكرية آنذاك. فنسخُ كِتابٍ لا خطأَ فيه لم يكنْ وَقْتَئذٍ بالأمر السهل. بالإضافة إلى أنَّ قواعدَ الإملاء لم تكنْ قد نضجَتْ بعدُ (“فكانَ الخطُّ العربى لأول الإسلام غيْرَ بالغٍ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والاجادة” [تاريخ ابن خلدون، ج1، ص 419]). كما أنَّ جَـــهْـــلَ النُّسَّاخِ بكثيرٍ من سياقات النص القرآنى يزيد من احتمال وقوع الأخطاء.
4- إنْ كان استخدامُ عبارة “يوم عقيم” مقصودًا (وبالتالى لا يُــعَــدُّ خطأ) فعندئذٍ يشير على الأرجح إلى أنَّ العبارةَ مترجمةٌ من لغة أخرى إلى العربية لأنَّ هذا الاستخدامَ غيرُ مألوف فى العربية. وفى حالِ توفُّرِ مَصْدرِ العبارة يمكننا أنْ نفهمَ مقصدَها فهمًا أفضل. إلا أنه مِن المرجَّحِ وجودُ خطأٍ إملائى غيرِ مقصودٍ فيها- محمد عبد الجليل).
(من شواهد استعمالات كلمة “عقيم” مجازيا فى الأدب العربى قول هوبر الحارثى:
تزوَّدَ منا بين أذناه ضربةً دعته إلى هابِى التراب عقيمِ.
وقول أبى تمام:
وَلِلكَذَجاتِ كُنْتَ لِغَيْرِ بُخْلٍ عَقيمَ الوَعْدِ مِنْتاجَ الوَعيدِ
وقول إبراهيم بن العباس الصولى:
إذا السَّنَة الشَّهباء مَدّت سَماءَها مَدَدْتَ سَماءً دونها فَتَجَلّتِ
وَعادَت بِكَ الرِّيحُ العَقيمُ لَدى القِرَى لِقاحا فَدرّت عَن نداك وَطَلّتِ
* * *
لَيْسَ يَأْتِى بِمِثْلِهِ الدَّهْرُ فَضْلا هُوَ عَنْ ذَاكَ غَيْرَ شَكٍّ عَقِيمُ
وقول السرىّ الرفاء:
وقد كنتُ أُدْعَى: شاعرا بك مُفلِقا فعُدْتُ عقيمَ الفِكرِ بعدَك مُفحَما
وقول ابن الرومى:
فتقولون: من يرومُ ركوب الـــــــــــــــــــبحْرِ لا سيَّما مَهَبَّ العقيم؟
* * *
فجادتْ سماءُ اللّه جُودا غدتْ له عَقِيمُ بِقاع الأرضِ مثلَ وَلُودِها
وقول ابن نباتة السعدى:
ولم أعلمْ بأنّ الرزقَ خصمى وأنّى صاحبُ الجَدِّ العَقيمِ
وقول الشريف الرضى:
تَنْظُرُ فى أَثناءِ أَوطانِنا لِقاحَ جُودٍ للرجاءِ العَقيمْ
وقول مهيار الديلمى:
فقمتُ على ظلٍّ من الأنس باردٍ ومن هيبةِ المُلْك العقيم على الجمرِ
* * *
فما أَشِروا مع القَدَرِ المُوَالى ولا بَطِروا على المُلْك العقيمِ
* * *
لك حبّى حُزْتَه أكرمتُه عن عقيم اليدِ مولود العِلَلْ
وقول ابن حيوس:
يُفْضِى إِلى الشمسِ العقيمِ كُسُوفُها وَنَراكَ شمسا أُفْقُها لَم يُظْلِمِ
وقول صردر بن صربعر:
وما الناسُ إلا كالبحور: فبعضُها عقيمٌ، وبعضٌ معدنٌ للجواهرِ
وقول النعمان بن المنذر: “الملك عقيم”، أى لا أرحام بين الملوك وبين أحد، وقول أبى منصور الثعالبى فى “لباب الآداب”: “خط سقيم، وخاطر عقيم”، وقوله فى “تحسين القبيح وتقبيح الحَسَن”: “مالٌ عقيمٌ خيرٌ من أدبٍ وَلُودٍ”، وقول ابن رشيق فى “العمدة”: “هذا الشعر عندهم عقيم”، وقول ابن الجوزى فى “المدهش”: “ضمانك عقيم، ووعدك عاقر”، وقول السرىّ الرفاء فى “المحب والمحبوب”: “وألقحا الطبع العقيم بنتاج الأدب”، “العقل العقيم”، وقول المرزوقى فى “شرح ديوان الحماسة”: “رجل عقيم”، أى لا شبيه له، وفى “محاضرات الأدباء” للراغب الأصفهانى: “الهمة تُلْقِح الجَدَّ العقيم”… وغير ذاك كثير. وقبل هذا كله يقول القرآن المجيد فى سورة “الأحقاف” عن العقاب الذى أخذ الله به قبيلة عاد: “وفى عادٍ إذْ أرسلنا عليهم الريحَ العقيم * ما تَذَرُ من شىءٍ أَتَتْ عليه إلا جعلتْه كالرميم”. وعن ابن عباس “أخذَتْهُم (أي المشركينَ) يومَ بدرٍ ريحٌ عقيمٌ”.
وفى “أساس البلاغة” للزمخشرى: “تقول: فلانٌ شرّه مقيم، وهو من الخير عقيم. ويقال: امرأة عقيم ومعقومة، وقد عُقِمَتْ وعَقِمَتْ وعقُمتْ. ومن المستعار: ريح عقيم. والدنيا عقيم لا ترد على صاحبها خيرا. وعقل عقيم: لا ينفع صاحبه. وفي الحديث المرفوع: “العقل عقلان: فأما عقل صاحب الدنيا فعقيم، وأما عقل صاحب الآخرة فمثمر”. و”الملك عقيم”: لا ينفع فيه نسب. وداء عُقَام: لا يرجى البرء منه، وتقول: بلاه بالسقام، ورماء بالداء العقام. وحرب عُقَام: لا يلوى فيها أحد على أحد. ورجل عقام الخلق أي ضيِّقه. وسئل هذليّ عن حرفٍ من الغريب، فقال: هذا كلام عقميٌّ، أي عويص لا يعرف وجهه. وكلمات عقم. وقال زهير:
هم جدّدوا أحكام كلّ مضلةٍ من العقم لا يُلْقَى لأمثالها فَصْلُ
وعاقمه: خاصمه وشادّه. ويقال للفرس: إنه لشديد المعاقم إذا كان شديد معاقد الأرساغ”- إبراهيم عوض).
(5- ليس مِن المستغرَبِ وجودُ أخطاءٍ فى نصٍّ كالقرآن، بل مِن المستغرَبِ عدمُ وجودِ نقدٍ لأخطائه. فعدمُ وصول أى نقد لأخطاء القرآن من خصوم محمد إلينا (إلا النزر اليسير مما نقلَه القرآنُ وفقهاء المسلمين) يدلُّ على حجم العنف والدكتاتورية فى فرضِ النص القرآنى. فالتاريخ نقلَ لنا أنَّ محمدًا لم يتهاون مع منتقدى القرآن إذْ عفا عن أسرى المشركين وأصرَّ على قتل النضر بن الحارث صبرًا (بحرمانه من الشرب والأكل) لأنه انتقدَ القرآن وفضحَ مصادرَه- محمد عبد الجليل).
(هذا رجل يتنفس الكذب تنفسا، ولا يستطيع أن يعيش دون أن يكذب، فمثله كمثل السمكة والماء: إن غادرتْه ماتت. ويتلخص كذبه فى دعواه بأن النضر بن الحارث قد انتقد القرآن وفضح مصادره. إن شيئا من ذاك لم يحدث، إذ كل ما عمله هو أنه كان يتتبع النبى بمكة، فكلما تلا الرسول على الناس شيئا من الوحى جلس النضر مكانه وفتح كتابا معه يشتمل على بعض الحكايات الفارسية من أخبار ملوك الفرس وقوادهم، وقرأ منه زاعما أن حديثه أفضل من قرآن محمد. تقول سيرة ابن هشام: “كان النضر بن الحارث من شياطين قريش وممن كان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة. وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم وإسبنديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا فذكَّر فيه بالله وحذَّر قومه ما أصاب مَنْ قبلهم مِنَ الأمم مِنْ نقمة الله خَلَفَه فى مجلسه إذا قام ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلمَّ إلى، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه. ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وإسبنديار ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا منى؟ قال بن هشام: وهو الذى قال فيما بلغنى: “سأنزل مثل ما أنزل الله”. قال ابن إسحاق: وكان ابن عباس رضى الله عنهما يقول فيما بلغنى: نزل فيه ثمانى آيات من القرآن: قول الله عز وجل “إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين”. وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن”. فأين الفضح الذى فضح به النضر مصادر القرآن؟ ألا يعلم هذا الأفاك الأفاق لا يتضمن أى شىء من تاريخ الفرس أو من الحديث عن ملوكهم وزعمائهم وقوادهم وأنبيائهم؟ بلى هو يعلم ذلك، ولكنه يوجه الاتهامات إلى النبى الكريم كذبا وزورا. ثم أين الانتقاد الذى وجهه النضر إلى القرآن؟ هل حلل شيئا من آياته أو سوره وبين ما فيها من مآخذ ومعايب ووضح كيف كان يمكن أن تكون أفضل؟ أبدا. إذن فكلام الكاتب كلام فارغ.
ولقد ظل النضر على عداوته للإسلام، وكان أحد كبار المشركين القرشيين المنظِّمين لمقاطعة بنى هاشم فى شِعْب أبى طالب والمشرفين على تنفيذها ومعاقبة كل من يفكر فى الخروج عليها بتوفير الطعام للمساكين المحاصَرين فى الشعب عطفا ورحمة، إلى أن مات عقب غزوة بدر، التى كان أحد من تَوَلَّوْا كِبْرَها من القرشيين وممن تم أَسْرُهم، وكان يتصل هو وأمثاله من مشركى مكة باليهود ويشترك معهم فى التآمر على الرسول ودينه وأصحابه. وبالمناسبة فقد أسلم ابنه النضير وانحاز إلى الصدق والعقل هاجرا الأصنام، وترك مكة إلى المدينة. كما أسلمت ابنته (أو أخته) قتيلة يوم الفتح. هذا ما يقوله التاريخ لا الذى يلفقه محمد على عبد الجليل من أحقاده وأوهامه- إبراهيم عوض).
(6- لقد وظَّفَ المفسِّرون بعضَ الأخطاء لإظهار إعجاز القرآن أو لزرع أفكار تهدف إلى السيطرة على المجتمع أو للإشارة إلى تفوُّق سياسى أو عسكرى. فقد وظَّفوا الخطأَ المحتمَل (“يوم عقيم”) لرفع درجة الخوف لدى المجتمع الإسلامى من يوم القيامة إنْ لم يستسلِموا للهِ، أى للسلطانِ “ظِلِّ اللهِ فى أرضه”، فقالوا بأنَّ “اليوم العقيم” هو الذى لا ليلَ فيه أو الذى لا خيرَ فيه أبدًا. وربما أرادوا أنْ يبثُّوا الرعبَ فى الخصم فأشاروا من خلال تفسيرهم لهذا الخطأ اللغوى إلى يوم بدر يومِ انتصار “المسلمين” على “المشركين”- محمد عبد الجليل).
(إذن فتعبير “يوم عقيم” له معنى، ويبعث الرعب فى القلوب يا كذاب. ألم تقل قبلا إنه تعبير ليس له معنى، وإن أصله “يوم عظيم” لكن حدث خطأ نسخى؟ و مع هذا فهل تعبير “يوم عظيم” أو “يوم أليم” يبعث على البهجة والانشراح ويلقى الطمأنينة فى قلوب المسلمين بالنسبة لليوم الآخر فلا يرتعبون منه؟ ثم ماذا يفعل تعبيرٌ لم يستعمل سوى مرة واحدة إزاء آخر استعمل مرات ومرات؟ وما علاقة الحاكم بقوله تعالى: “وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59)” حتى يزعم الكذاب القرارى أنه قد أريد به إرعاب المسلمين من معارضة السلطان، الذى هو ظل الله فى الأرض؟ وكيف يمكن أن يفهم المسلمون ذلك من هذا النص القرآنى الكريم، والقرآن هو الذى يقول عن محمد ذاته إنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا يعلم الغيب وإنه مجرد بشر وعبد لله كبقية عباد الله، وسوف يحاسَب مثلهم، وإنه ليس بجبار على أحد، وإن استشارته للناس من حوله واجب لا يمكنه الفكاك منه؟ واضح أن الكاتب لا يجد ما يقوله فيلجأ إلى هذه الأفكار الطفولية يحشو بها ثغرات كلامه – إبراهيم عوض)
(7- تشير الأخطاءُ فى القرآن إلى تقديس أتباع محمَّد للرسم القرآنى العثمانى (طريقة كتابة القرآن فى مصحف عثمان)، إضافةً إلى تقديسهم للنص القرآنى نفسِه. ولذلك لم يُــغيِّروا الأخطاءَ الواردةَ فيه، بل أعطَوها معنى. وهو ما أشار إليه ابنُ خلدونَ بقوله: وانظُـرْ ما وقَعَ […] فى رسْمِهِمُ المُصْحفَ حيثُ رسَمَه الصحابةُ بخطوطهم، وكانت غيرَ مستحكِمةٍ فى الإجادة، فخالَفَ الكثيرُ من رسومهم ما اقتضَتْه أقْيِسةُ رسومِ صناعةِ الخط عند أهلها. ثم اقـتـفى التابعون مِن السلف رسْمَهم فيها تبرُّكًا بما رسَمَه أصحابُ الرسول […] المتَلقُّون لِـــوَحْــيِه مِن كِتاب الله وكلامِه كما يُقْتَـفى لهذا العهد خطُّ ولى أو عالِمٍ تبرُّكًا ويُتَّبَعُ رسْمُه خطاً أو صوابًا. وأين نسبةُ ذلك من الصحابة فيما كتبوه، فاتُّـبِــعَ ذلك وأُثبِتَ رسمًا، ونَبَّهَ العلماءُ بالرسم على مواضعه؟ ولا تَلْتَفِتَنَّ فى ذلك إلى ما يزعمُه بعضُ المغفَّلين مِن أنهم كانوا محكِمين لصناعة الخط وأنَّ ما يُتَخيَّلُ من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يُـتَخَيَّل بل لكلِّها وجهٌ. يقولون فى مِثْلِ زيادة الألف فى “لأَاْذبَــحَنَّهُ” [سورة النمل، 21] إنه تنبيهٌ على أنَّ الذبح لم يَقعْ، وفى زيادة الياء فى “بِأَيـيْدٍ” [الذاريات، 47] إنه تنبيهٌ على كمال القدرة الربانية، وأمثال ذلك مما لا أصلَ له إلا التحكُّم المحض. وما حمَلَهم على ذلك إلا اعتقادُهم أنَّ فى ذلك تنزيهًا للصحابة عن توهُّمِ النقصِ فى قلَّة إجادة الخط. وحسِبوا أنَّ الخطَّ كمالٌ فنزَّهوهم عن نقصِه ونسبوا إليهم الكمالَ بإجادته وطلبوا تعليلَ ما خالفَ الإجادةَ مِن رسْمِه، وذلك ليس بصحيح. واعلمْ أنَّ الخطَّ ليس بكمالٍ فى حقهم إذِ الخطُّ مِن جملة الصنائع المدنية المعاشية […]. والكمالُ فى الصنائع إضافى، وليس بكمالٍ مطلق، إذْ لا يعودُ نقصُه على الذات فى الدين ولا فى الخِلال، وإنما يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه لأجل دلالته على ما فى النفوس[1].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مَن وراء صعود و “سقوط الرَّبيع العربي”؟ 9 من 9

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. ويقول المقال ذاته الَّذي …