أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / عقيدة المسيَّا المخلِّص بين القرآن والسنُّة وبين الكتاب المقدَّس 8 من 10

عقيدة المسيَّا المخلِّص بين القرآن والسنُّة وبين الكتاب المقدَّس 8 من 10

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

يتضح مما سبق أنَّ الخطوة الأولى في إشعال فتنة الدجَّال بدأت بادِّعاء أنَّ لله تعالى ابن، وهي فريَّة كفر بها المؤمنون من الجن والإنس. أمَّا الخطوة الثانيَّة، فتوضحها الآيات من 85 إلى 98 من سورة طه:

قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا ولكنا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فكذلك أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87)فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هذا إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى (91) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إلى إلهك الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إلهكم اللَّهُ الَّذِي لَا إله إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98).

أمَّا الروايَّة التوراتيَّة في سفر الخروج:

وَلَمَّا رَأَى الشَّعْبُ أَنَّ مُوسَى أَبْطَأَ فِي النُّزُولِ مِنَ الْجَبَلِ، اجْتَمَعَ الشَّعْبُ عَلَى هَارُونَ وَقَالُوا لَهُ: «قُمِ اصْنَعْ لَنَا آلِهَةً تَسِيرُ أَمَامَنَا، لأَنَّ هذَا مُوسَى الرَّجُلَ الَّذِي أَصْعَدَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لاَ نَعْلَمُ مَاذَا أَصَابَهُ». فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ: «انْزِعُوا أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِ نِسَائِكُمْ وَبَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ وَاتُونِي بِهَا». فَنَزَعَ كُلُّ الشَّعْبِ أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِهِمْ وَأَتَوْا بِهَا إِلَى هَارُونَ. فَأَخَذَ ذلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَصَوَّرَهُ بِالإِزْمِيلِ، وَصَنَعَهُ عِجْلاً مَسْبُوكًا. فَقَالُوا: «هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ». فَلَمَّا نَظَرَ هَارُونُ بَنَى مَذْبَحًا أَمَامَهُ، وَنَادَى هَارُونُ وَقَالَ: «غَدًا عِيدٌ لِلرَّبِّ». فَبَكَّرُوا فِي الْغَدِ وَأَصْعَدُوا مُحْرَقَاتٍ وَقَدَّمُوا ذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ. وَجَلَسَ الشَّعْبُ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ ثُمَّ قَامُوا لِلَّعِبِ. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اذْهَبِ انْزِلْ. لأَنَّهُ قَدْ فَسَدَ شَعْبُكَ الَّذِي أَصْعَدْتَهُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. زَاغُوا سَرِيعًا عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أَوْصَيْتُهُمْ بِهِ. صَنَعُوا لَهُمْ عِجْلاً مَسْبُوكًا، وَسَجَدُوا لَهُ وَذَبَحُوا لَهُ وَقَالُوا: هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ»” (إصحاح 32: آيات 1-8).

تطمس الروايَّة التوراتيَّة لقصَّة صناعة العجل أي أثر للسامري، الذي كشفت الآيات آنفة الذكر في سورة طه هويته وأثبتت ضلوعه بتلك الخدعة الشيطانيَّة، بل وتُلصقها بنبي من أنبياء الله تعالى، هو هارون أخ موسى ووزيره، وكأنَّ هذا النبي أباح الأمر وباركه. وبالتطرق إلى طبيعة تلك الخدعة التي استهدف تحريف بني إسرائيل عن عقيدة العبادة التي نصَّت عليها شريعة الله، فقد اعتمدت على خطوتين: الخطوة الأولى هي إلقاء بني إسرائيل الحلي التي أخذوها معهم يوم الزينة-يوم غلب موسى سحرة فرعون-وجاءت الخطوة الثانيَّة من السامري، الذي ألقى شيئًا مثلهم “فَقَذَفْنَاهَا فكذلك أَلْقَى السَّامِرِيُّ.” أمَّا عن طبيعة ذلك الشيء، فالسامري هو مَن يوضحها في الآيَّة 96 من سورة طه “بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي؛” أي أنَّه-كما توضح الآيَّة-يتمتَّع بقدرات ذهنيَّة لا يشاركه فيها بنو إسرائيل فقد “بَصُرَ،” أي فطن إلى ما لم يفطن إليه غيره-لأنَّ بصُر تعني الرؤيَّة العلميَّة، بينما أبصر تعني الرؤيَّة الحسيَّة، وفق تفسير الشيخ الشعراوي-فلاحظ أنَّ الأرض تخضرُّ كلَّما ضرب فرس جبريل بحافرة، فأدرك حينها أنَّ الحياة تدبُّ في كلِّ بقعة لمسها، وهنا “سوَّلت له نفسه” الفكرة. عرف السامري، الذي عاش في مصر الفرعونيَّة، والتي عبد أهلُها حاكمَهم باعتباره تجسيد الإله-تحديدًا إله الشمس الذي حُدِّدت طبيعته من قبل-أنَّ المادي يصير حيَّا بفعل الروح القُدُس، أو الكلمة. بعد أن اجتمع العنصران-الذهب المادي والروح القُدُس متمثلة في قبضة التراب-ألقى بنو إسرائيل ما لديهم وألقى السامري، فصار الجماد حيًّا. وهذا بالضبط ما حدث في مواجهة موسى للسحرة. فكما ورد في الآيَّة 44 من سورة الشعراء “فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ”، وتكمل الآيَّة 66 من سورة طه ما حدث “فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى،” وتوضح الآيَّة 116 من سورة الأعراف تأثير ذلك على الحاضرين “سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ واسترهبوهم وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ.” صنع السحرة خدعة بصريَّة بتأثير الكلمة، وكانت تعويذتهم التي استحضروا بها الشياطين أنَّهم “قَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ،” كما تقول الآيَّة 44 من سورة الأعراف.

يرى العديد من الباحثين منذ زمن أنَّ السامري هو الدجَّال، ولعلَّ من أحدث ما نُشر في هذا المجال مقال للباحث الأردني أحمد بن عبد الكريم الجوهري تحت عنوان “السامري هو الدجال (لوحة النقش العجيب)،” يتحدَّث فيه عن فكِّه لرموز لوحة عجيبة اكتُشفت حديثًا، ادَّعى أنَّها لنبي الله موسى، مستندًا إلى عادة نُسبت إلى زمن نبي الله سليمان تتعلق بنقش صور للأنبياء أثبتها رواة الحديث، الذين قالوا أنَّ الصحابة قد وجدوا لدى هرقل-حاكم الشام-صورًا للأنبياء. ومن أعجب سملت ذلك النقش إمكانيَّة رؤيَّة أكثر من منظر مع تغيير زاويَّة الرؤيَّة. فمن ناحيَّة، يمكن رؤيَّة وجهٍ باكٍ، يزعم الباحث أنَّه لموسى (عليه السلام)؛ وعند تدوير النقش 180 درجة، يمكن رؤيَّة وجه ذي العين الواحدة، وهو الدجَّال. بغضِّ النظر عن صحَّة هذه المسألة أو خطأها، فالثابت أنَّ صنيع السامري ما هو إلا من صنيع الأمم الوثنيَّة، والتي اختلط هو بإحداها-الفرعونيَّة-حيث أنَّ تقسيم الوجود إلى ثلاثة عناصر لم يكن إلَّا نتاج فِكر العقليَّة الوثنيَّة. استخدم السامري “أثر الرسول” في بثِّ الحياة في الجماد، ولا يفرق هذا مطلقًا عمَّا سيفعله الدجَّال من معجزات تعتمد على الحيل البصريَّة فيسحر “أعين الناس” ويسترهبهم كي يتَّبعوه.

1.6-نقش صورة الدجَّال

كانت الروح القُدُس هي المسبب في صناعة عجل “له خوار” آمن بنو إسرائيل بصدق ألوهيته، ولو قليلًا، وكانت هي مصدر القدرة التي صنع بها السامري صنيعه. وسبقت الإشارة إلى أنَّ المسيَّا، الذي بشَّر به اشعياء ودانيال، يمتاز بأنَّ الروح القُدُس جزء من تكوينه. فقد قال عنه اشعياء في سفره، الآيَّة 1 في الإصحاح 61 على لسانه “روحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ“، وقال عنه دانيال في سفره، الإصحاح 9، الآيَّة 24 أنَّه جاء بـ “مسح قدُّوس القدوسين،” بحلول الوح القُدُس فيه. وقد جاء ذلك على لسان المسيح نفسه في إنجيل لوقا: “رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي” (إصحاح 4: آية 8). يتمتَّع المسيح بذلك بصفات إلهيَّة يستمدَّها من الروح القُدُس، الذي مُسح به، وهل سيُثبت الدجَّال ألوهيته إلا من خلال ادِّعاء قدرته على إحياء الموتى أمام أعين الناس؟ فقد ورد في صحيح البخاري (ج2/ص665): (حدَّثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل عن بن شهاب، قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: “حدَّثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حديثًا طويلًا عن الدجال فكان فيما حدثنا به أن قال يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة ينزل بعض السباخ التي بالمدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حديثه فيقول الدجال أرأيت إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر، فيقولون لا، فيقتله ثم يحييه.“). والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو، من أين يأتي الدجَّال بهذه القدرة؟ أخبرتنا سورة طه في الآيَّة 96 من سورة طه أنَّ “قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ” كانت كفيلة ببثِّ الحياة في العجَّل الذي صوَّره السامري، فمن أين يأتي الدجَّال بهذا “الأثر”؟

وفق ما ذكره الشيخ خالد المغربي-المدرِّس المتطوِّع في المسجد الأقصى المبارك في تفسير القرآن الكريم-فقد نجح بعض حاخامات اليهود ممن زاروا غار حراء-حيث نزل جبريل على رسولنا الكريم لأوَّل مرة-في الفترة الماضيَّة سرًّا ومسحوا أركانه بنسيج به مادة معيَّنة للحصول على أثر من الرسول جبريل، وقد أثبتت التجربة قدرة الأثر الذي حصلوا عليه في بثِّ الحياة، وقد جاءه ذلك في رؤى يحسبها ظنِّيَّة. إن صحَّت هذه الرؤى، فليس من المستبعد أبدًا أن يكون تعقُّب آثار جبريل في الأماكن التي تنزَّل فيها على أنبياء الله-ومنها مكَّة المكرَّمة، المدينة المنوَّرة، سيناء، البحر الأحمر (من حيث أخذ السامري قبضته)، وأرض بيت المقدس-وسيلة منتظري المسيَّا، الذي سيُريهم المعجزات، في إمداد إلههم بالطاقة. وكما أمهل الله تعالى السامري حتى أنجز صنيعه ليختبر بني إسرائيل، كما قال في الآيَّة 85 من سورة طه “فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِي،” سيُمهل الدجَّال حتى يضل ضِعاف الإيمان ليميز الخبيث من الطيِّب.

 وكما أبطل رسول الله موسى ما صنع السامري، سيكون مقتل الدجَّال على يد رسول الله عيسى بن مريم، فقد روى الإمام أحمد برقم 14920 والترمذي برقم 2170 عن مجمع بن جاريَّة الأنصاري رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدٍّ،” كما روى مسلم برقم 5233 عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: ” يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ…” فذكر الحديث، وفيه: “فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ،” هذا إلى جانب العديد من الأحاديث الصحيحة لأشهر جامعي الأحاديث التي تؤكد أنَّ هلاك الدجَّال-الذي سيدَّعي امتلاكه قدرات إلهيَّة لحلول روح الإله فيه-على يد عيسى بن مريم، عبد الله ورسوله. والسؤال الهام في هذه النقطة، مَن لن يميِّز من الناس بين عيسى بن مريم والدجَّال لعدم قدرته على تبيُّن الفرق بين عبادة الله الواحد الأحد وعبادة الله المتجسِّد في إنسان بواسطة الروح القُدُس، كيف له أن يتيقَّن أنَّ الذي أمامه هو الدجَّال؟

لم يترك رسولنا الكريم لأتباعه شبهةً فيما يتعلَّق بالدجَّال إلا ودرأها، وقد أوضحت الأحاديث الصحيحة المرويَّة عنه الكثير من صفاته، ولعلَّ هذين الحديثين يلخِّصان كلَّ ما يهم بشأن الدجَّال “حديث أنس رضي الله عنه : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ أَلا إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ ،” رواه البخاري برقم 6598، وفي روايَّة : “وَمَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر ” مسلم برقم 5219، وفي روايَّة عن حذيفة : ” يقرأه كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ،” مسلم برقم 5223. ادِّعاء الألوهيَّة سبق تحليله، والعور علامة مميَّزة في الوجه يسهل التعرُّف عليها، وإن كان من الممكن طمسها؛ ولكن ماذا عن كلمة “كافر” أو “ك ف ر”؟ كيف يقرأها كلُّ مؤمن “كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ”؟ هل هي إشارة؟

1.7-إشارة قرني الشيطان

تشير الحركة التي يقوم بها الرئيس الأمريكي السابق أوباما-وهي من أشهر رموز الماسونيَّة-إلى قرني الشيطان، كما تشير إلى رقم 11، وهو رقم مقدَّس في الماسونيَّة يدلُّ على الدجَّال، كون الرقم 10 هو رقم الإله للإيحاء بأنَّ الدجَّال سيفوق الإله قدرةً، وفق ما يقول موقع Cutting Edge، المتخصص في الدراسات اللاهوتيَّة، والذي يخصص قسمًا من دراساته من أجل الدراسات الماسونيَّة. إذا دقَّقنا قليلًا النظر فيها، لوجدنا أنَّ بهذه الإشارة، يرسم الخنصر مع العقلة السفلى للسبَّابة حرف “ك “، ويرسم جانب السبَّابة مع الإبهام حرف “ر”، بينما يعلو العقلة السفلى للسبَّابة حرف “ف”، كما يُكتب في وسط الكلمة؛ أي لو قطَّعنا كلمة “كفر”، لكُتبت على هذا النحو. ينقلنا هذا الرأي إلى مسألة قد تكون في غايَّة الأهميَّة، وقد تكشف كثيرًا من الغموض بالإجابة على هذا السؤال: ما هو علاقة الماسونيَّة العالميَّة بالعقيدة الدينيَّة المنزَّلة على عيسى بن مريم رسول الله/يسوع الناصري/يسوع ابن الربِّ؟ وهل هي التي تمهِّد لظهور المسيَّا المخلِّص؟

10.دور الماسونيَّة العالميَّة في تحضير العالم لظهور المسيَّا

لا تحتاج الماسونيَّة إلى أي تعريف، فاسمها وحده يكشف عن هدف أتباعها من البنَّائين الأحرار، وهو تأسيس هيكل لعبادة إله النور الذي حرَّر الإنسان الأوَّل من قيود العبوديَّة لأدوناي، إله الشرِّ في عقيدتهم، وإله النور هذا حُدِّدت هويته من قبل: هو ذاته حامل الضوء الذي أرشد آدم إلى حقيقة خوف الإله من أكله وزوجه من شجرة الحياة! أمَّا عن موقع الهيكل، فهو “أرض المُريا” التي اكتسب قدسيَّة بعد حادثة سعي إبراهيم إلى ذبح “ابنه الوحيد الذي يحبُّه” بأمر الإله! والابن الذي أمر الإله بذبحه هو إسحق، هو ذاته الذي كان قد عهد إليه في السابق أن يرث-هو ونسله من بعهده-مُلك أبيه إبراهيم على الأرض من نهر النيل إلى النهر الكبير، نهر الفرات!

يشير الكاتبان محمد أسعد السقَّا وسعدي أبو جيب في كتابهما الماسونيَّة (1982) إلى أنَّ اليهودي حيرام أبيود هو مؤسس الماسونيَّة بالاشتراك مع مجموعة من حكماء بني صهيون، وبدفع من هيرودوس الثاني-الحاكم الروماني على القُدس-بهدف تدمير رسالة نبي الله عيسى (عليه وعلى رسولنا أزكى الصلاة والسلام)، وكانت باسم “القوة الخفيَّة“، وقامت على السريَّة-كان أول اجتماع للحركة في 10 أغسطس من عام 43م، وأطلقت الحركة على هيكلها كوكب الشرق الأعظم.  وجيمس أندرسون، وهو كاهن إنجليزي يهودي الأصل، هو أول من استخدم مصطلح “ماسونيَّة”، وذلك في أول محفل علني أُنشئ باسم The United Grand Lodge عام 1717. أكثر ما يستحق الإشارة في هذا السياق هو الدور المنسوب إلى شاؤول الطرسوسي-قبل أن يصير بولس الرسول-في حركة “القوة الخفيَّة“، فقد ادَّعى البعض انتماءه إلى تلك الحركة التي كانت تستهدف محاربة شريعة عيسى وإلباس الحقِّ بالباطل. لو صحَّ انتماء بولس إلى تلك الحركة، فعلى مَن ينطبق الوصف الذي جاء في رسالته إلى أهل روميَّة “الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ، وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ” (إصحاح 1: آية 25)؟

ما يُعني في هذا السياق في ذكر الماسونيَّة هو دعوتها إلى دين عالمي موحَّد، وتُنسب إلى القبَّاليَّة الروسيَّة هيلينا بلافاتسكي فكرة تكوين عقيدة عالميَّة تربط كافة ديانات العالم وتوحِّد بينها، وأسست من أجل تلك الغايَّة جمعيَّة أطلقت عليها “الجمعيَّة الثيوصوفيَّة” في العام 1875، والثيوصوفيَّة تعني الحكمة الإلهيَّة. تجمع هذه الجمعيَّة في عقيدتها بين القبالة اليهوديَّة والحركة الباطنيَّة الهندوس-الفيدانتا-لوجود تشابهات عقائديَّة بين الاثنين. سبقت الإشارة في السابق في هذه الدراسة إلى مفهوم الحكمة في الكتاب المقدَّس، وإلى اعتبارها الرابط بين الإله والخَلق، كونها نتيجة مباشرة لنزول الفيوض النورانيَّة من الإله على الإنسان. أصدرت بلافاتسكي كتابًا للتعريف بالعقيدة التي تدعو إلى تعميمها، واسم الكتاب ينبئ عن طبيعة تلك العقيدة، وهو “العقيدة السريَّة“. تقول بلافاتسكي في الصفحة 245 من الجزء الأول للكتاب: “الشيطان-أو لوسيفر-هو الحياة والنشاط؛ أو هو الطاقة الدافعة لكلِّ شيء في الكون؛ لوسيفر هو النار والضوء والحياة والكفاح والفكر والحضارة والحريَّة والاستقلال؛ لوسيفر هو إله كوكبناإلهه الوحيد،” والفضل يرجع إلى جهود الباحث المصري الدكتور بهاء الأمير-المتخصص في الدراسات اليهوديَّة-في تسليط الضوء على هذه الحقائق في مؤلفَّاته وفي سلسلة الحلقات التي نشرها عبر موقع يوتيوب تحت عنوان “في عالم السرِّ والخفاء”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الاستراتيجي والتكتيكي في الموقف الأمريكي من الثورة السورية!

د. ياسين الحمد أكاديمي سوري مقدمة : علينا أن نعي ونعلم أن الدول …