أخبار عاجلة

بدعة استحالة الحسم العسكري وغاياتها

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

ما إن بدأت تتزايد ملامح تقدم الثورة السورية مع منتصف عام 2012م حَتَّىٰ بدأت أمريكا ذاتها ومع دول أوروبية بتكرار عبارة مستنسخة: «استحالة الحسم العسكري… ضرورة التفاوض».

فكروا الآن بعد سبع سنوات من هٰذا الكلام وحاولوا استكناه الخبث الغربي وكيف وصلت الأمور بالتدريج إِلى ما أراده الغرب خطوة خطوة. لا شكَّ في أن القيادات الثورية السورية جملة وتفصيلاً تمتعت بما يكفي من الغباء والبلاهة للانجرار وراء هٰذا المخطط ببلاهة يستحقون عليها جائرة نوبل لو كان هناك جائزة نوبل للبلاهة.

بعد ذٰلك بقليل صارت أكثر من ثلاثة أرباع سوريا بيد الثورة، وعَلىٰ مدار الأعوام التالية لم يتوقف الغرب عن تكرار استحالة الحسم العسكرية وضرورة الجلوس للتَّفاوض… الجزرة قرارات الأمم المتحدة… وقيادات الثورة تركض وراء الجزرة!!

لا أريد أن أطيل في هٰذا الموضوع فليس هو ذاته قصدي. أود الإضارة هنا إِلىٰ نقطة مهمة وخطيرة تتصل بمجمل الموضوع وهي أطراف مشتركة في الصراع لعبت اللعبة الغربية ذاتها، صحيح أنَّ أمريكا وإسرائيل والدول الغربية ومعها دول عربية انفلقت وهي تمرر في تصريحاتها عبارة استحالة الحسم العسكري في سوريا فإنَّ النظام السوري ذاته سار معهم في هٰذا الترويج من خلال إعلامه والمدافعين راحوا يكرِّرون الفكرة ذاتها؛ شريف شحادة، طالب إبراهيم وغيرهم من اللبنانيين. بل إنَّ نائب رئيس الوزراء، حينها، قدري جميل قال في مقابلة مع صحيفة ذي جارديان البريطانية واصفاً الثورة بأنها حرب أهليَّة: إنَّ الحرب الأهليَّة في سوريا وصلت إلىٰ طريقٍ مسدودٍ ولا يوجد لدى أيٍّ من الطرفين القوة الكافية لهزيمة الآخر. وروسيا ذاتها كررت ذٰلك مراراً قبل اشتراكها الفعلي عَلىٰ أرض الواقع في الصراع وبعد اشتراكها… ومع ذٰلك مضى النظام وروسيا بالحسم العسكري إِلىٰ آخر لحظة… الأغبياء فقط يقعون في الحفرة مرتين وأكثر… فالحمير ذاتها لا تقع في الحفرة مرتين.

الكلُّ كان يقول ذٰلك وهو غير مؤمن به إلا قيادات الثورة لم تقبل بذلك ولٰكنَّهَا عملت عَلىٰ أساسه… وسارت وراءه. فعلت ذٰلك عَلىٰ الرَّغْمِ من كل التحذيرات.

من ها هنا تتضح فلسفة استحالة الحسم العسكري. إنَّهَا عبارة خبيثة جدًّا وحدهم الأغبياء يقعون في أفخاخها.

لنترك سوريا جانباً ولننظر في (التَّجليَّات الإبداعيَّة) لاصطلاح استحالة الحسم العسكري في مواطن أُخرىٰ. عندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية ارتفع مثل هٰذا الصوت مراراً بعد سنوات من الصراع، عندما تآكل الطرفان، ولم يكن القصد إنهاء الصراع بقدر ما كان استفزازاً للطرفين للمضي في الصراع.

ارتفع الصوت ذاته بالفكرة ذاتها فكرة استحال الحسم العسكري بعد سنتين من من عاصفة الحزم. ارتفع هٰذا الصوت لوضع قدم الحوثيين في السلطة بقوة وإشاركهم في السلطة رسميًّا عَلىٰ الرَّغْمِ من أنَّ الحرب اندلعت لإسقاطهم وإخراجهم من المعادلة السياسية.

وها هي الفكرة ذاتها تتصاعد في الحالة الليبية كلما تقدمت السلطة الشرعية في المعارك. الطريف أنها لا ترتفع هٰذه الأصوات المنادية باستحالة الحسم العسكري إلا مع تقدم السلطة الشرعية، السلطة الشرعية، خلاف سوريا عَلىٰ سبيل المثال فلم تكن هٰذه الفكرة تتصاعد في التصريحات إلا مع تقدم الثورة عَلىٰ الجبهات ضد النظام.

ثَمَّةَ أوركسترا موحدة تعزف سيمفونية استحالة الحسم العسكري في أوقات محددة وأهداف محددة. إذا كانت الأوركسترا ذاتها هي التي تنعق بهذه السميفونية ففي هٰذا دلالة واضحة صريحة منطقيَّة عَلىٰ أنَّ الأطراف المراد نصرتها أو تمرير الوقت لصالحها هي الأطراف التي تعمل لصالح هٰذه السيمفونية أو تخدم مصالحها، بل المأجورة لها بالتعبير الدقيق. ففي الممارسة السياسية لا توجد رهانات عَلىٰ احتمالات. أعني إنَّ عمل الأطراف التي تناصرها هٰذه الأوركسترا لصالح هٰذه الأوركسترا أمر غير وارد لأَنَّهُ يمكن التعامل مع الأطراف الأُخرىٰ والتفاوض معها، ولٰكنَّ المؤكد المحقق أنَّ الأطراف التي تنعق لها هٰذه الأوركسترا مضمونة أكثر مما يمكن يتخيله المحللون السياسيون.

لا أعرف من أبدأ فكرة استحالة الحسم العسكري. ولا أريد أن أتوغَّل في التاريخ كثيراً ولا حَتَّىٰ قليلاً لأعرف متى كان أول استخدام لها، ولٰكنِّي عَلىٰ يقين بأنه لا وجود لهٰذه الأطروحة قبل القرن العشرين وقبل الحرب العالمية الثانية عَلىٰ أبعد تقدير. عَلىٰ الأقل بهٰذا الخبث الذي تطرح به هٰذه الأيام.

وبعد متابعة عابرة غير دقيقة التتبع لم أجد لها الكثير من الاستخدام في وسائل الإعلام مع انعدام وجودها، فلا بُدَّ أنها قد وردت في بعض أو أبعاض من أدبيات التفاوض أو الوساطة هنا أو هناك قبل الحرب العالمية الثانية أو ما بعدها إن شئت.

التتبع قد يفيدنا في مزيد من التحديد ومزيد من فهم المسألة، ولٰكنَّ الأدبيات السياسية عبر التاريخ لم تذكر فكرة طرح استحالة الحسم العسكري في أي صراع من قبل أي طرف خارجي في أقلِّ تقدير، ولا من قبل المتصارعين أنفسهم. ومع ذٰلك لا نجزم بأنَّ هٰذه الفكرة أو الطرح لم توجد من قبل لٰكنَّ المحقق المؤكد أنها لم تطرح بهذا  الخبث إلا مؤخرًّا ولأغراض محددة واحدة في الاستخدامات جميعها تقريباً، بما يقطع بأنَّهَا ليست مصادفة وإنما إنتاج فريق تخصصي إن لم يكن بالحقيقة فبالمجاز. وإن لم يكن هٰذا الفريق التخصصي موجوداً فعلاً فإنَّ هٰذه الفكرة نتاج عقلية مشتركة في إدارة الحدث والصِّراع… عقلية اجتماعية نفسية تربوية سياسية في التعامل الغربي مع مشكلات العالم الإسلامي.

لماذا نقول ذٰلك؟

الطَّريف أنَّ الجواب ليس مرتبطاً بهذه الفكرة وحدها فكرة استحالة الحسم العسكريِّ. حَتَّىٰ ولو ولم تكن هٰذه الفكرة موجودة؛ فكرة استحالة الحسم العسكري، ومستخدمة بقذارة في الصِّراعات العربيَّة والإسلاميَّة فإنَّ فكرة العقل الجمعي التي تدير التَّفكير الغربيَّ في التَّعامل مع القضايا العربيَّة والإسلاميَّة أمر لا جدال فيه بحالٍ من الأحوال ولا ينكرها إلا أحمق، ومن دون اعتذار من تبيان حقيقة هٰذا الأحمق أو التَّصريح بها.

من البلاهة بمكان الانجرار وراء هٰذه الفكرة ناهيك عن الاقتناع بها الذي سيكون بلاهة ممهورة بالشمع الأحمر. ولنبين لك من زاويتين:

أمَّا من ناحية الثورات فلا توجد ثورةٌ لا تنتهي بغير الحسم العسكري؛ إمَّا لصالحها (هٰذا حال الثَّوارت عامَّةً؛ الثورة الفرنسية، الثورة البريطانية، ثورات الدول الأوروبية عَلىٰ النظام الاشتراكي) أو لصالح النِّظام الذي ثارت عليه (سوريا 1980م، الجزائر 1990م، إيران 2006م، الثَّورة المصرية 2012م بثورة مضادة). والثَّورة التي تنتهي بمصالحة تكون المصالحة مفتاح حرب أهليَّة في أغلب الأحيان، وإن لم تتطور إِلى حرب أهلية وآلت الأمور إِلى الاستقرار فهي حتماً انتصار كاذب لطرف غالباً ما يكون  الشعب أو الثورة وانتصار حقيقي للسلطة. وفيما تبقى من احتمال لن يكون هناك استقرار ولا بنية دولة حَتَّى إشعار آخر (اليمن أنموذج واضح من حالات قليلة لهٰذا الاحتمال في المصالحة التي فرضتها السعودية عَلى اليمنيين وانتهت بهيمنة الحوثيين عَلىٰ السلطة واندلاع حرب جديدة يريدون لها أن تنتهي بمصالحة أيضاً).

إذا في الثورات لا توجد حلول وسطى بحال من الأحوال إمَّا الهزيمة أو الانتصار.

حسناً، فهل يمكن تعميم هٰذا الحكم عَلىٰ الصراعات العسكرية التي ليست بالثورات، كالصراع بَيْنَ الدول والحروب الأهلية؟

الحروب الأهلية لا تختلف عن الثورات بطبيعة الحال، فالمبدأ واحد، والصورة مختلفة. الصورة صورة صراع بَيْنَ طرفين يشبه الصراع بَيْنَ الدول، ولذلك، وكي يمرر الغرب الخبيث لعبة استحالة الحسم العسكري في سوريا مثلاً فقد أسقطوا من التَّدوال، منذ عام 2013 م، صفة الثورة عما يحدث في سوريا وبدأوا يستخدمون وصف الحرب الأهليَّة رويداً رويدا حَتَّىٰ صار هٰذا اسم ما يحدث في سوريا منذ عام 2016 م تقريباً، ثُمَّ عَلىٰ لسان كير من قواد الثورة السورية أنفسهم. ومثل ذٰلك في اليمن عَلىٰ الرَّغْمِ من وضوح صورة الانقلاب عَلىٰ الشرعية بتمويل من عدو للدَّولة وحَتَّىٰ الشَّعب، وكذٰلكَ في ليبيا…

حسناً، ومع ذٰلك فإنَّ الحروب الأهليَّة التي لا تنتهي بحسم عسكري لا تنتهي بالمصالحات إلا إذا كانت المصالحة منصفة لا لأطراف الصراع وإنما لبنية المجتمع الحقيقية.

وأمَّا الصِّراعات العسكريَّة بَيْنَ الدُّول فحكمها نسبي مرتهن بوضع الدولتين المتصارعتين وطبيعة الصرع وأسبابه وأهدافه وغاياته… ومع ذٰلكَ فإنَّ هٰذه الصِّراعات إن لم تنتهي بالحسم العسكري فإن الصلح التي تنتهي إليه مرتهن بالقوَّة التي يملكها طرفا الصِّراع/ التَّفاوض عَلىٰ أرض الواقع. بما يعني أَنَّهُ وإن لم تنتهي شكليًّا بالحسم العسكري فإن الحسم العسكري الضامن عَلىٰ طاولة المفاوضات وهو المفاوض الحقيقي. والمر لا يحتاج إِلىٰ عناء في التفكير يحتاج إِلىٰ عناء في التدبير؛ انظر في تاريخ الصراعات الدولية ونتائجها…هل تجد خلاف هٰذه الحقائق بل الحقيقة؟

إن وجدت فانتظر قبل أن تحسب أنك المنتصر. احسب نسبة النشاز هٰذا وهل يجوز تعميمه؟ وهل يجوز أن تدحض الحقيقة به؟!

المسألة ليست مسألة رأي. كلمة الرأي في العلم لا وجود لها إلا من باب أن تكون نظرية تفرض ذاتها بقوة حضورها مقابل رأي آخر أي نظرية أُخرىٰ معادلة لها بالقوة مع عدم إمكانية القطع بَيْنَهما. وهٰذا شأن خرافة استحالة الحسم العسكري. عبارة استحالة الحسم العسكري خرافة يراد بها التضليل لتمرير الوقت لصالح فريق يراد له أن ينتصر في الصِّراع، والتضليل عَلىٰ الفريق المنتصر إذا كان عدوًّا للغرب أو حَتَّىٰ ليس مع الغرب ولو ما باب الاحتمال. ولتتأكدوا من هٰذه الحقيقة الأخيرة انظروا في أيمن الصراعات التي يضخ الغرب حولها فكرة استحالة حسم الصراع عسكريًّا ومتى تستخدم هٰذه العبارة. أعود هنا إِلىٰ سوريا مثلاً: منذ متى غابت فكرة استحال الحسم العسكري عن التداول لدى التعامل مع الشأن السوري؟

ألا ترون أنها غابت تماماً منذ أكثر من سنتين؟!

وفي المقابل تماماً لنظر في الحروب العدوانية التي شنها الغرب عَلىٰ دولة إسلامية. متى استخدمت عبارة استحال الحسم العسكريِّ؟

الحرب الأمريكية وحلفاؤها ضد أفغانستان من أكبر الحروب ضد بلد كبير بمساحات شاسعة تضيع فيها أكبر الجيوش، وانتهت بما يشبه الهزيمة للفريق الأمريكي في الأونة الأخيرة ومع ذٰلك لم تستخدم أمريكا ولا الغرب فكرة استحالة الحسم العسكري ولا مرة منذ بدء هٰذه الحرب العدوانية التدميرية ضد أفغانستان. لا بديل لهم عن الحسم العسكري ولو استخدموا الأسلحة النووية وقد استخدموا ما أعتى منها من الأسلحة غير النووية.

فرنسا تحارب الإسلاميين في إفريقيا وخاصة في مالي ولا مرة استخدمت فكرة استحالة الحسم العسكري. الحسم العسكري لا بديل عنها ولو باستخدام القنابل النووية.

حسناً دعك من ذٰلك. لنذهب إِلىٰ الصين وحربها الوحشية عَلىٰ مسلمي الإيغور. هل استخدم أحد فكرة استحالة الحسم العسكري ضد مسلمي الإيغور الذي تحتل الصين بلدهم؟؟؟

أبدا، لم يستخدم أحد هٰذه الفكرة ولا بأي تصريح لأنَّ الكل يريد الإسهام في إبادة الإسلام والمسلمين. وهٰذه حقيقة لا دال فيها، من يجادل فيها فهو أحمق أرعن.

دعك من الصين، الصين دولة عظمى. لنذهب إِلىٰ مسلمي الروهينغيا الذين تتم إبادتهم من قبل البوذيين في مينمار. لن أسأل ماذا فعل المجتمع الدولي تجاه هٰذه الإبادة الجماعية، أسأل فقط: هل قال لهم أحد ولو تلميحاً إن الحسم العسكري أمر مستحيل؟ أبداً لم يقل لهم أحد شيئاً من ذٰلك. الكل صامت صمت المشارك في هٰذه المجازر الكبرى.

منذ بدأ ترويج هٰذه الفكرة الخطيرة حذرنا مراراً من الانخداع بها، هٰذه الفكرة التي هي باطل يراد به نصرة الباطل ولم يقتنع أحد ممن يجب أن يقتنع. وهٰذه هي المعضلة الكبرى.

متى يفيق المستهدفون من هٰذه التصريحات ولا ينجروا مثل البهائم وراءها؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الكيانات المتساندة ووهم الصراع !

أحمد الهواس رئيس التحرير حتى آذار/ مارس 1924 كان ثمة وحدةٌ شعورية …