أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / مذكّرات.. جرح الماضي ينزف من جديد

مذكّرات.. جرح الماضي ينزف من جديد

عزيزة جلود

الحلقة التاسعة

كان يا ما كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان لما كان …
تقول شهرزاد :
في أحد الليالي كنت مستلقية على الفراش وبجانبي طفلي الصغير الذي أتمّ الثالثة من عمره وكان يداعبني ويضحك قائلا” إن السجان سيذهب إلى أهله (إن السجان سينهي خدمة العلم وهو من مدينة حمص وكان يعامل طفلي بحنان وعناية كبيرة )قلت له:وهل هذا أمر مضحك قال: سيتزوج قلت له:ماذا يعني الزواج ردّ: سيعيش مع إمرأة(للعلم لا يعرف طفلي أن الآباء والأمهات يعيشون مع بعضهم ولكن السجانين شرحوا له ذلك )قلت وفيما ذلك اقترب مني أكثر وهمس في أذني كلمات صدمني سماعها سألته ومن قال لك ذلك ، أجابني : العناصر ففزعت لسماع تلك المعلومات التي لقنوها له وقررت إرساله إلى أهلي مع العلم كنت سابقا ” أرفض ذلك لأخفف عن أمي مسؤولية تربية طفلين طفلة في الخامسة وطفل في الرابعة .لقد كان قرارا” قاسيا وصغيري كل دنياي التي لم يبق منها إلا هو فزوجي استشهد وهدّم بيتي ومفارقة لأطفالي وأنا سجينة ، كانت كل عاطفة الأمومة تصب عنده فقد أرضعته سنتين وثلاثة أشهر فكيف سأفارقه الآن ؟؟؟ولكن مصلحته فوق كل اعتبار وهيأت نفسي لهذا القرار ورتبت أشياءه وألعابه وبدات أنتظر زيارة أهلي لإرساله معهم كان الحزن يخيم على جو غرفتنا لأن جميع الأخوات كنّ مولعات بمحبته وكنّ يشعرنّ أنهنّ يفارقنّ أولادهنّ وجاء يوم الزيارات لحسن حظي لم تأتي والدتي وأولادي ذلك اليوم بل جاء لزيارتي أحد إخوتي قلت له:سأرسل صغيري معك ، أطرق رأسه واغرورقت عيناه بالدموع لعلمه كم أنا مولعة بصغيري . خيم الصمت والوجوم على وجوه كل عناصر المفرزة وكأن الله ألقى محبة هذا الصغير في قلوب الجميع من السجناء والسجانين . حاولت بكل رباطة جأش أن أتمالك نفسي لئلا أجهش بالبكاء ونادى أحد العناصر لصغيري قائلا له تعال لنرى القطة “محاولا استدراجه لئلا يرفض الذهاب مع أخي “وحمل أخي أشياءه وودعني وهو يشدّ من أزري وذهب طفلي إلى عالم مجهول لا يعرف عنه شيئا فهو لا يعرف كيف يعيش البشر ولا يعرف معنى وجود الأخوة والجدّ والجدّة لقد خرج إلى الدنيا كيوم ولدته وعدّت أدراجي إلى سجني وانا أجرّ ذيول الخيبة والأسى فأنا فوق كل ما أعانيه الآن أنا أم ثكلى فقدت طفلها .استقبلتني الأخوات وهنّ يكفكفنّ دموعهنّ لئلا أراها لم يكنّ يعلمنّ أن قلبي وعيني وكل جارحة بجسدي تبكي ولكني أتماسك وأعلل لنفسي أن خروجه لمصلحته . جلست فوق فراشي وبدأت أنسج خيوط الصوف التي أبللها بدموعي بصمت قاهر . لقد عجزت كل الكلمات أن تصف حالي الذي كنت عليه فالله هو العليم بها . وخيّم ظلام الليل واستلقيت على فراشي وأنا أراقب السماء من خلال نافذة سجني واهمس في نفسي ألا يوجد مكان في هذا العالم يسعني أنا وأطفالي ؟؟؟داعية الله ان يرزقني النوم لأنسى ما أنا فيه فاستجاب الله لدعائي فغفوت لبرهة رأيت طفلي بالحلم وهو يبكي ويمدّ يديه إليّ قائلا ماما أريد ان أعود إليك ،ارتعش جسدي واستيقظت من غفوتي وانا أبكي حتى تبللت وسادتي .نظرت حولي فرأيت الأخوات استيقظنّ من نومهنّ على صوت بكائي وجلسنّ جلسة عزاء بصمت رهيب حزين ماذا سيقولون لي وبماذا سيعزونني فالمصيبة أكبر من كل عزاء ، وبقيت لساعات االفجر الأولى وأنا على ذلك الحال ثمّ توضات وصليت الفجر ودعوت الله أن يحرم الظالمين أولادهم وأن يحرمهم جنة النعيم وشعرت أن الحياة لا تساوي عند الله جناح بعوضة وان الآخرة هي خير وأبقى .هدأت روحي وألقى الله الصبر في قلبي وقلب الأخوات وغفونا حالمين بانتقام الله لنا ولكل المستضعفين في الأرض . وأشرقت شمس صباح جديد وفتحت عيني وتلفت يمينا ويسارا” وجلت بنظري في جميع أنحاء الغرفة ،اين أنت يا صغيري ؟؟
أين ألعابك ؟أين ملابسك ؟من سيناديني بعد اليوم ماما؟أريد هذا وأريد ذاك؟من سيعانقني مودعا” عندما يخرج من الغرفة؟ اغرورقت عيناي بالدموع وخفق قلبي وتسارعت نبضاته وهو يقول:ماذا حلّ بك ياضغيري ؟هل تعرفت على إخوتك وأحببتهم ؟هل تعرفت على جدتك وجدك وأخوالك؟هل تشعر بالوحدة والغربة ؟يا الله ماذا فعلت بك!!
لقد أرسلتك إلى عالم ومستقبل مجهول وما زلت على هذه الحال وأنا أكلم نفسي ويكاد قلبي ينفطر اجتمعت الأخوات حولي وهنّ يكفكفنّ دموعهنّ ويحاولنّ تصبيري ولكن ألمهنّ كان يوازي ألمي فصغيري كلّ صباح يتنقل من فراش أخت إلى أخرى يداعبهنّ ويوقظهنّ فتملأ ضحكاته البريئة التي ملؤها الأمل والتفاؤل جميع أركان غرفتنا ومن ثم يلبس ثيابه مسرعا” ويطرق باب السجن الحديدي ليأتي أحد السجانين مسرعا” ويفتح الباب ويخرجه باسما” لقد كانت مداعبته تغسل كل القلوب المتسخة من أدران الدنيا التي نعيشها ومن ثم يقوم صغيري بالتجوّل امام باقي غرف السجناء والكل يضحك لأجوبته البريئة فيضج الجناح بالضحك والمرح .صباح هذا اليوم يخيم سكون رهيب الكل في حزن السجانون والسجناء حتى جدران السجن هكذا كنت أراها حزينة مثل قلبي المكلوم كان الكل يسأل إحدى الأخوات بتكتم كيف حال أمه بسرية تامة ظانين أني لا أعرف ما يدور حولي من حزن الآخرين لفراق صغيري الجميل الذّكي وبقيت بين شوق وحزن وبكاء وضحك لما كان يقول ويفعل ثلاثة أسابيع وأنا أشعر بالضياع حتى جاء لزيارتي ونام شهريار السجان وسكتت شهرزاد عن الكلام .

شاهد أيضاً

صور مسرّبة من هاتف عنصر من مجرمي جيش النظام

حصل موقع رسالة بوست على مجموعة من الصور من هاتف محمول لأحد جنود النظام المجرم، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *