أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / براءة الإنترنت من دمار القيم

براءة الإنترنت من دمار القيم

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

كان لي بفضل الله فضل السبق في استكناه مستقبل تأثير الثورة الإلكترونية في تدمير العقول والنفوس والقلوب في بحث مطول صدر في دمشق بكتاب عام 2005م، ومنشور أساسه في مجلة المعرفة السورية قبل ذٰلك بنحو عامين أو أكثر، وهو الثورة التقانية/ التنكولوجية والتغير القيمي. وكان هٰذا الكتب من الكتب السباقة على الصعيد العالمي في التحذير من مخاطر انتشار الإنترنت والتطور والأجهزة الإلكترونية الكمبيوترية وانتشارها.

لم يكن أيٌّ مما يسمى وسائل التواصل الاجتماعي موجوداً، ولذلك لم يكن الاصطلاح ذاته موجوداً، ولٰكنَّ الكتاب استنطق الواقع بالمستقبل وقدم تنبؤات خطيرة عن مستقبل البشر مع تطور انتشار الأجهزة الكمبيوترية وما سيفعله ذٰلك من تدمير لقدرات العقل البشري وتعطيل لإمكاناته وكيف من ثَمَّ سيأكل قيمه وأخلاقه وذوقه… وها نحن اليوم نعيش تلك التوقعات بأسوأ مفاصلها وتفاصيلها.

هوس الإنترنت يهيمن على النفوس والقلوب والعقول والأخلاق والقيم بمجملها حَتَّىٰ يمكن التخمين بأن الإنسان آخذ بالتلاشي شيئاً فشيئاً، بل إنه فعلاً آخذ بالتلاشي ليتحول كما قلت قبل أكثر من خمسة عاماً إِلىٰ كائن رقمي يمكن التحكم به من غرفة تحكم مركزية لا ندري أين ستكون ومن يكون فيها ولا ماذا يريد ولا ماذا سيفعل!

لم أنكر أهمية هذا التطور ولا ضرورته ولا أنه سياق طبيعي للتطور العلمي، ولٰكنَّ هٰذا التطور الذي يفترض أنه من أجل الإنسان أخضع الإنسان لعبودية أخطر بمليون مرة عبودية الإنسان للإنسان. حسبك أن تعلم أنَّ انقطاع الإنترنت في منطقة يجعل أهلها في حالة هيجان يوصلهم إِلىٰ درجة الغليان..

هٰذه ليست مبالغة أبداً، وكل من يرى في ذٰلك مبالغة فإنه منفصل عن الواقع. لا أبتعد في الشواهد كثيراً. ابحث في الإنترنت ذاته عن ردود الفعل في أرجاء العالم عَلىٰ توقف الفيس بوك لمدة ربع ساعة؟ بل خمس دقائق؟ وماذا يحدث إثر ذٰلك من تبريرات وإجراءات واحترازات. ليس الفيس بوك وحده بل أي تطبيق تواصل اجتماعي مثل تويتر أو أنستغرام أو غيرها… يحدث هيجان عالمي يفوق التصور.

لا عجب أن يحدث ذٰلك فهوس الإنترنت شيء فوق الخبال. حقيقة فوق الخيال، ليس في دولة معينة ولا قارة معينة بل في أرجاء العالم. تجده في كل بيت، في كل مؤسسة، في الباص، في القطار، في الطائرة، في التكسي… في التواليت أيضاً.

هٰذه حقائق يعيشها الناس جميعاً، ويدركها الناس جميعاً، ولذلك من العبث الإتيان بأمثلة دالة، فمن أشد المعضلات توضيح الواضحات، الصور ورسوم الكاريكاتير وحَتَّىٰ المشاهد المصورة المعبرة أو الناصحة أو الناقدة موجودة في كل هاتف يتندر بها الغارقون في هوس الإنترنت أنفسهم… يرسلونها لبعضهم وهم يضحكون عليها وهم أبطالها!!

أرأيت إِلىٰ مدى المصيبة؟!

أورأيت إِلىٰ ذٰلك كله؟ لا اعتراض لي عليه من جهة المبدأ والشكل لو كان لهوا وهدر وقت وحسب. ما عالجته في كتابي الآنف لم يتعرض لهدر الوقت واللهو وإنما تعرضت لما ينجم عن ذٰلك من تدمير العقل والقيم وتحويل الإنسان إِلىٰ آلة، وثم العبودية التي لها حكاية أخرى من أخطر الحكايات عَلىٰ الإطلاق فيما لو تم ما يدور في أذهان سدنة الدولة العالمية ويعملون عليه عَلىٰ قدم وساق.

عَلىٰ أي حال، أعود إِلىٰ قلب المشكلة وأساسها: هل الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي هي المسؤول عن تدمير العقل والأخلاق؟

الطريف أنَّنا أمام إجماع أو شبه إجماع عَلىٰ تحميل الإنترنت ومنها وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولية دمار الأخلاق والقيم والعادات والتقاليد والتراث والتفكك الاجتماعي، والواقع يشهد بذلك ويعززه كثيراً جدًّا. كتب أحدهم منذ سنتين تقريباً: «لقد انقطعت الكهرباء عندنا نحو نصف ساعة، فاضطررت أن أجلس مع أهلي… لقد اكتشفت أنهم أناس جيدون».

تلك صورة معبرة تماماً عن الواقع وليس فيها أي مبالغة بحال من الأحوال، والاستثناء موجود، ولٰكنَّهُ مع الأسف هو الصواب، الاستثناء هو الصواب أو في حكمه!

ستدخل مضطراً إِلىٰ مؤسسة للمراجعة في أمر ما وستجد العاملين كلهم تقريباً يمسك هاتفه وتتواثب أصابعه عَلىٰ الأزرار ولا تعرف ماذا يفعل، وبعضهم تعرف أَنَّهُ يتحدث كتابة مع آخر، وبعضهم تعرف أَنَّهُ يشاهد شيئاً ما… وهٰكَذا… وإذا ما وقفت أمامه أحس بأنَّ غراب البين لا يعرف ماذا يفعل معك وقد نغَّصت عليه عيشته فيقضي مع عملك أقل من نصف دقيقة ومع هاتفه دقيقة، ويتناوب الانشغال بَيْنَكما…

هل الجميع كذٰلك؟

الاستثناء موجود. ولٰكنَّ الاستثناء هو من يقوم بالواجب بشكل صحيح أو شبه صحيح.

وهنا تنهض ذريعة من يتهمون الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بتدمير العقل والأخلاق والقيم قالين لولا الإنترنت كانت الناس تتلاقي وتتقابل وتتجالس وتتسامر ولا تلجأ إِلىٰ وسائط التواصل الاجتماعي للسلام والمعايدة والعزاء وهلم جرًّا… كانت الناس ستضطر إِلىٰ القيام بذلك شخصيًّا.

هل هٰذا الكلام صحيح؟

يعني مثلاً لو كان الإنترنت موجوداً في السبعينيات بهٰذا الشكل هل كانت ستظل العلاقات الاجتماعية كما كانت فعلاً؟!

قطعاً لا. المشكلة ليست في الأداة المشكلة في الإنسان ذاته. لو كانت الإنترنت ومنتجاته في السبعينات لكان ما يكون اليوم بالتأكيد.

لنعد إِلىٰ مشهد الموظف وننظر فيه من جديد من دون وجود وسائل التواصل الاجتماعي. كيف كان الموظفون قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي؟

قبل هٰذه المرحلة كانت مرحلة نشر الكمبيوترات في المكاتب. ارجع قليلاً بذاكرتك إِلىٰ الوراء ستجد أن أرتال المراجعين أمام الموظف والموظف يلعب الشدة عَلىٰ الكمبيوتر أو لعبة أُخرىٰ سخيفة مثلها. بطبيعة الحال لا أتحدث عن الاستثناءات الإدارية في بعض الدول أو القطاعات الخاصة… أصلاً المراجعون لا علاقة لهم بالقطاعات الخاصة إلا استثناءً أيضاً.

فما الفرق بَيْنَ هٰذا الحال والحال اليوم؟

لا فرق إلا في الشكل والأداة.

وإذا عدنا إِلىٰ مشهد الموظف ذاته قبل انتشار الكمبيوتر كله فماذا كان؟ أيضاً ارجع بذاكرتك قليلاً، وأخاطب هنا من عاش التَّجربة، كيف كان الحال؟ كنت إذا ذهبت إليه قبل العاشرة تجده لم يأت بعد، وإذا ذهبت إليه بَيْنَ الحادية عشرة والثانية عشرة وجدته تناول الإفطار، وإذا ذهبت إليه بعد الثانية عشره تجده قد غادر!! ومن خالف ذٰلك لا تستطيع أن تتكلم معه حَتَّىٰ ينهي طق الحنك مع الموظف أو الموظفة الأُخرىٰ. ومرة أُخرىٰ أكرر: لا أتحدث عن الاستثناء.

فما الذي تغير إذن؟

لا شيء. العقل هو ذاته، وإدارة الحدث ذاتها بالطريقة ذاتها مع اختلاف الأداة فقط.

الأمر ليس متعلقاً بمشهد الموظف وحده فقط، يمكن التعميم عَلىٰ مختلف مشاهد الحياة بمختلف موضوعاتها وميادينها.

كانت الناس تتجالس وتتآنس لأنها لا بديل لديها عن ذٰلك. وليس لأنها تحب بعضها بعضاً أبداً، وليس لأن الإنترنت ليس موجوداً أبداً. الضرورة هي التي كانت تحكم ذٰلك ومعها الحاجة. وما كان الإنترنت سوى صندوق بندورة الذي انفتح ووجد كل إنسان فيه بئراً يتسع لكل عقده وأمراضه النفسية؛ يقول الشعر تارة، وتارة الخواطر، وأُخرىٰ يقص فيها الحكايات، وتارة يتفلسف في السياسة، في الأخلاق، في  الطب، في الدين… يفعل كل شيء من دون حسيب أو رقيب، يقص من هنا وهناك ويسرق من هنا وهناك ولا أحد يستطيع أن يحاسب أو يعرف… وهذا ما لم يكن متاحاً من قبل، من قبل كان الصغير ملزما بالإصغاء في حضرة الكبير، اليوم لا أحد يعرف الكبير من الصغير…

قيماً قالوا: «ليس هناك أكذب من شاب إذا تغرب، وامرأة مات زوجها، وعجوز مات أبناء جيله». فكر قليلاً في هٰذا القول أليس ينطبق تقريباً عَلىٰ كل كائن فيسبوكي ـ إنترنتي؟

الثلاثة المحصورون في المثل هم ، في حقيقة الأمر، كل إنسان تتاح له فرصة رفع الغطاء عن لسانه. الإنسان في مجتمعه محكوم بمعرفة الناس له ولذلك لا يستطيع الواحد منهم أن يشطح في الحديث أبعد من حدوده الحقيقية التقريبية، إِنَّهُ محكوم بالضوابط الاجتماعية عَلىٰ الرَّغْمِ منه، لأَنَّهُ متى شطح وجد من ينظر إليه ويقول له إيماءً عَلىٰ الأقل: «حارتنا ضيقة». وهذا المثل أصلاً من أشهر الأمثال في الثقافات الشعبية لدى مختلف الشعوب تقربياً. ومنها المثل الشائع لشخص علاً شأنه وأبوه وضيع: «قال: يا أبي شرِّفني. فقال الأب: حَتَّىٰ يموت كل من يعرفني». في مجتمع الإنترنت يستطيع أيُّ واحد أن يصنع مجتمعه عَلىٰ مزاجه ويستعرض عَلىٰ مزاجه ويعيش أوهامه عَلىٰ مزاجه…

إذن ما تغير شيء في الحقيقة سوى أنَّ الأداة تغيرت. العقل والإدارة هي ذاتها والأهداف هي ذاتها. الإنترنت ومنه وسائل  التواصل الاجتماعي لم تغير شيئاً في طبع الإنسان، الإنسان هٰكَذا كان وهٰكَذا بقي. وإِلىٰ جانب ما سبق يوجد المئات إن لم تكن الآلاف من الأدلة والقرائن الدالة عَلىٰ ذٰلك.

خذ عَلىٰ سبيل المثال: هل الإنترنت وانتشار الكتاب الإلكتروني هو السبب في انحسار القراءة؟

هٰذا ما يعتقده الجميع من دون مجادلة. وهذا محض وهم. ومتى كانت كل الناس تقرأ؟

في كل ما سبق من الأجيال كانت المهتمون بالقراءة أقلية دائماً. بالكاد كنت في تجد صاحب مكتبة شخصية في أي قرية أو مدينة صغيرة أيام ازدهار انتشار الكتاب، فكيف بالأمر أيام المخطوطات؟!

المسألة ليست مسألة عصر سرعة ومعلومة سريعة أبداً. هٰذه ذرائع واهية للهروب مثل ما كانت الأجيال السابقة تخترع من الذرائع ما تخترع للهروب من القراءة والدراسة والثقافة.

نعم، لولا وجود الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لبقيت الأمور عَلىٰ ما كانت عليه من حميمية واجتماعية، ولٰكنَّ السؤال الجدير بالطرح هنا: هل كانت النفوس مختلفة عما هي عليه اليوم؟

في المبدأ هي ذاتها. وما فعلته الإنترنت هو أنها كشفت الغطاء فقط. في الفيس بوك مثلاً كل خيارات الأمانة العلمية موجودة ومع ذٰلك الكل، تقريبا، يقص ويلصق ويزعم أَنَّهُ الشاعر أو المحلل أو السياسي أو الطبيب…يزعم أَنَّهُ مصدر المعلومة. الفيسبوك لا يعني أن تسرق، ولا يعني أن تكذب…

قديما كان الإنسان محكوما بمعرفة الناس به وقدراته ولذلك ما كان يتجرأ عَلىٰ الشطح إلا إذا أتيح الظرف المناسب، والإنترنت أتاح الظرف المناسب للجميع. هٰذه هي الحكاية باختصار.

شاهد أيضاً

رد من وجهة نظر اقتصادية

د. ياسين الحمد أكاديمي سوري الأخ الدكتور أحمد برقاويوالأخ الدكتور أسامة القاضي، اطلعت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *