أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الحلقة الثالثة: سفر الحوالي .. من المرابع للسجون

الحلقة الثالثة: سفر الحوالي .. من المرابع للسجون

سلطان العبدلي

محام ٍ وباحث.
عرض مقالات الكاتب

(مواجهة مع السلطتين :الدينية والسياسية)

تأتي الأحداث فتبرز معادن الرجال وتُبين مواقد اليفاعة ومراجل العلماء وهكذا دوماً وأبداً في كل عصر ومصر وتتوالى الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية ولكن في عالم العلم وأهله وأداء الواجب المنوط بهم والميثاق الذي أخذه الله عليهم(لتبيننه للناس)وأن عاقبة الصمت فقط(أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)والتأريخ مليئٌ بخونة المشايخ  وقلَّ أنْ تجد منهم قائماً لله بأمره إذْ الموضوع شاق ومكلف على المستوى النفسي فالله قسم الشجاعة والإقدام والمتنبي هو من قال:

لولا المشقة ساد الناس كلهمُ

               الجود يفقر والإقدام قتَّالُ

ولما كان قول الحق شاقاً ومرهقاً تنبه له قلة من العلماء واستعدوا له بالتنسك والزهد في الدنيا إذْ لطالما نكَّس هامَ أقوامٍ حبهم الدنيا وتعلقهم بها وابن القيم يقول:” يامخنث العزم ، الطريق شاق طويل ناح لأجله نوح واغتيل يحيى وسجن يوسف وجلدت ظهور الأئمة ورُمي في النار إبراهيم وضُرِّج عمر بدمه في المحراب وقاسى أنواع الأذى محمد صلى الله عليه وآله وسلم” الفوائد

فالعلم بذل إذا الدين مُسَّتْ حرماته وانتهكت محارمه وتسوَّر حماه كل دعيٍّ

        فالعلم ليس كتيباً       يزهو بمتن أو حواشْ

         العلم تضحية إذ      ا شُغِل المداهن بالمعاشْ

هنا وفي حديثنا عن الشيخ الشجاع المفكر سفر بن عبدالرحمن الحوالي فقد وقع في أحداث سنة 1411هــــ/1990م اقتحمت القوات التابعة لنظام صدام حسين الكويت وهرع حينها الملك فهد أبو رغال الجزيرة في القرن العشرين للأمريكان فجلب  500 ألف جندي أمريكي في احتلال صريح عجيب فالعادة أنْ يحتل المحتل بلداً كما فعلتْ أمريكا في العراق 2003م ولكن أنْ يطلب ملك البلاد من المحتل بل يستجديه ، فهنا مكمن العجب ومعقد الغرابة ،  عند أول إعلان اقتحام الكويت ويوم خميس لاينساه أحد تكلم الشيخ سفر في درسه الأسبوعي بجدة بحي الجامعة في فقرة إجابة الأسئلة والتي عُنْوِنَتْ فيما بعد “أسئلة اللقاء الأسبوعي” والدرس “درس الطحاوية الشهير” سئل الشيخ عن الحدث وكان طازجا حيَّاً وعادة هذا العلم الباذخ أنه صاحب تؤدة وهدوء وتأنٍ سمي الكاسيت فيما بعد”فستذكرون ماأقول لكم” انتشر هذا الكاسيت انتشار النار في الهشيم والسلطات السعودية جُنَّ جنونُها وسفر الحوالي كأبرد مايكون في وثاقة جأش ورباطة همة منقطعة النظير وهنا يجب أنْ نستصحب حال  تلك الفترة التي ضرب حبس لأنفاس بجرانه في البلاد حيث لاصوت يجوب خلال الديار غير صوت سفر الحوالي وهنا يناسب أنْ نقول إن سفر الحوالي وهو نسيج وحده شجاع  ولايورط أحدا،ً رجل كغاية ماتكون الرجولة يقف الموقف وحده ويتحمل تبعاته وحده ولايجرجر معه طلابه ومحبيه بمعنى آخر لايضحي بهم ويرتقي على أكتافهم ، عجب ما الذي جرى الكل يتناقل كاسيت الشيخ سفر ومقولاته في ذلك الكاسيت المدوي ومما أذكر منها جيداً قوله :

“هل أزلنا المنكرات؟

هل أغلقنا بنوك الربا ؟

هل أرجعنا للهيئات دورها؟

هل أزلنا كل مايغضب الله؟

انتظرنا تكف وسائل الإعلام عن غيها ؟

هل صار شي من هذا؟ ماصا رشي..

 انتظرنا هل سنراجع الأنظمة؟

 وبعض المعاملات  هل صار شي من هذا ؟ ماصار شي..

ثم ذكر آيات الأعراف : ولو أن آهل القرى..” ثم عقب بقوله: “القوات تحركت والأساطيل والقضية لن تنتهي في أسبوع أو أسبوعين  عالأقل 7آشهر”.

الحكومة صمتت رعبا وذلا وأمراء المناطق يحاولون جاهدين إخراس الخطباء بل منع وزير الداخلية نايف الحديث حتى عن صدام وحزب البعث!!

 حتى قال الأمير عبدالمجيد أمير المدينة المنورة :نحن متورطون ولأول مرة يمر بنا مثل هذا الظرف حتى الأمير نايف لايعرف ماذايصنع؟

 الشاهد أن الوحيد الذي اجترأ على الكلام هو سفر الحوالي، ثم تقاطر الناس في الكلام في جدة والرياض والقصيم والباحة وأبها والمدينة لم يكتف الشيخ سفر بكلامه الخالد بل ألقى بها بين أظهرهم في محاضرة في عاصمة آل سعود عاصمة مسيلمة اليمامة وعنوانها “ففروا إلى الله” في جامع الكلباني وبجوار الديوان الملكي وفصّل شرعاً في الأزمة وليست قضيته استعانة بالكفار يجوز أو لايجوز القضية عنده أكبر من ذلك ألا وهي احتلال أميركي لمنابع النفط وذكر كيف أن الصحف الأميركية تتحدث عن وشوك حرب  ثانية في الخليج قبلها بسنوات وأن الجيش الأميركي يجري تدريبات وعمليات إنزال مظلي في صحراء نيفادا التي سئل عنها أحد القادة الأميركان فقال: إن ظروفها تشابه صحراء الجزيرة العربية  ومع هذا فقد رد على فتوى بن باز وهيئة علماء النظام السعودي بالنصوص ثم كتب كتب كتابه الشهير والذي سُمِّيَ بأسماء عدة منها “وعد كيسنجر” و” كشف الغمة عن علماء الأمة” وهاج وماج القوم من الجامية الخلوف ومشايخ السلطة والملك فهد نفسه بعدها بسنتين في آخر مرة وطئت قدماه المدينة المنورة لم يكن له هاجس إلا الكاسيت حتى كتب الدكتور المدخلي ربيع بن هادي المدخلي كتيباً سماه”صد عدوان الملحدين بجواز الإستعانة بغير المسلمين” ولم يقل الكافرين !!

ورد عليه رجل المخابرات الشهير”محمد أمان علي الجامي” وعضو الحزب الشيوعي بهرر ببلاد الحبشة قبل أن يكذب على ابن باز ويستغفله أنه جاء لطلب التوحيد !!

رد على الشيخ سفر وظل يرد حتى هلك وارتاح منه البلاد والشجر والدواب وكثير ممن خلق ربي.

وكان ممن عبَّر تعبيراً لطيفاً عن وصف ماقام به الشيخ الحوالي هو الدكتور محمد الشنقيطي: أن الشيخ سفر هو أول من ثقب جدار الوعي في بلاد الحرمين.

ظل الشيخ في درسه ومواجهة سيل من الأسئلة والناس كأنها كانت مغيبة والشيخ كل أحد يبث وعياً جدياً وشيئاً مختلفاً وفكراً وقاداً، غير ما اعتاد الناس سماعه  من الأحاديث الكئيبة حتى النصوص كانت تقدم باهتة ومن هنا جاء الغضب على الصحوة الإسلامية لأنها قدمتْ طرحاً عود بنا للمنهج النبوي الراشدي وإلا لو سلك سفر الحوالي ومن معه من علماء الصحوة مسلك من قال فيهم أبوبلال:

                    وتحفيظٌ لقرانٍ

                              وويل للذي فسَّرْ

               وإدغامٌ وإخفاءٌ

                     وويلٌ للذي أظهرْ

لما نقمت عليهم السلطة ولكن كما قيل “فرحةٌ لم تتمْ”

في الحلقة القادمة الرابعة

                 “سفر الحوالي العالم العالمي”

شاهد أيضاً

هل أصبح الدين سلعة سياسية؟

خالد محفوظ كاتب وإعلامي عراقي ينتقد البعض ويهاجم البعض الأخر تجربة أحزاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *