أخبار عاجلة

عقيدة المسيَّا المخلِّص بين القرآن والسنُّة وبين الكتاب المقدَّس 7 من 10

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

من هذه الآيات، وبعد تحديد ملامح المسيَّا الذي أخبر عنه الكتاب المقدَّس-بعهديه القديم والجديد-نُجزم أنَّ هذا المسيَّا يخالف ما ذكره الله تعالى عن نفسه-هو “لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوًا أحد” (سورة الإخلاص، الآيتان: 3 و4) -وعن رسوله عيسى بن مريم-“مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ” 0سورة المائدة: الآيَّة 75). ومن الواضح أنَّ القدِّيس يوحنَّا هو الذي رسم ملامح المسيَّا، مشيرًا إلى أنَّ أهم صفاته ادِّعاء أنَّه تجسيد الله تعالى، أليس في هذا ما يتوافق مع قول رسولنا الكريم في الدجَّال؟ فقد روى البخاري في صحيحه (برقم 3057) عن ابن عمر أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: (إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ وَلَكِنْ سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ). وقال عنه الحافظ بن حجر في كتابه “فتح الباري”: “يخرج أولا فيدعي الإيمان والصلاح، ثم يدَّعي النبوة، ثم يدَّعي الألوهيَّة.” وقال العلَّامة ابن عثيمين عنه: “أول ما يخرج يدعو إلى الإسلام ويقول: إنه مسلم، وينافح عن الإسلام، ثم بعد ذلك يدَّعي النبوة وأنه نبي، ثم بعد ذلك يدَّعي أنه إله.” بالطبع لن يدَّعي الدجَّال أنَّه الإله الذي في السماء، ولكن تجسيده؛ لأنَّ روح الإله حلَّت فيه، أو لأنَّه متحد به بفيض نوراني، ولا سبيل إلا ذلك إلا من خلال الإيمان أوَّلًا بعقائد الغنوصيَّة والفلسفة الغائيَّة ووَحدة الوجود.

لو تأمَّلنا ذِكر رسولنا الكريم لادِّعاء أنَّ الدجَّال هو الله، وقارنَّا بين ذلك وبين ما ذُكر عن ألوهيَّة المسيح-باعتباره تجسيدًا للإله-في الأناجيل، ولوجدنا أنَّ الأناجيل تتفق في ذلك مع التوراة، كما سبقت الإشارة-منذ نبوءة ناثان في سفر صموئيل الثاني وحتَّى بشارة اشعياء. لا شكّ في أنَّ انتشار عقائد الغنوصيَّة والفلسفة الغائيَّة ووَحدة الوجود خير ممهِّد للإيمان بهذه العقيدة-وهذه العقائد تقوم عليها الحركات الصوفيَّة والنصيريَّة والدرزيَّة والبابايَّة والبهائيَّة، وهي صُلب العديد من المذاهب الشيعيَّة، وعلى رأس المذهب الإسماعيلي-ولكن هذا لا يمنع وجود عامل آخر أسهم في نشر هذه العقيدة. قبل تحديد هذا العامل، من الأفضل تأمُّل الآيات (1-7) من سورة الجن:

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ  وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سفيهنا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7)

ربَّما اتضح الآن مصدر الفريَّة وأصلها، وهي أنَّ إبليس-“سفيه الجن“-قد افترى على الله الكذب، مدَّعيًا أنَّ الله-حاشاه-“اتخذ” لنفسه “وَلَدًا“، واتَّضح أنَّ الأمر في أصله هو “أنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ“، وكانت نتيجة استجابتهم إلى إغواء الشيطان “أنَّهُمْ ظَنُّوا“، كما ظنَّت الجنُّ، “أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا،” ومن الواضح أنَّهم صدَّقوا ادِّعاء سفر دانيال أنَّ المسيح كان مُرسلًا “لختم الرؤيا والنبوة” (إصحاح 9: آيَّة 24). ويحمل قول الله تعالى على لسان الجن في الآيَّة 30 من سورة الأحقاف ” قالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ” اعترافًا ضمنيًّا منهم باستنكارهم ما ذُكر في سفر دانيال عن ختم النبوَّة ببعثة المسيح، الذي أتمَّ شريعة موسى بكتابه المكمِّل لتوراة موسى الأصليَّة. 

اختلفت فرق اليهود-ليس بني إسرائيل-فيما بينها في الشرائع والعقائد، لكنَّها اجتمعت على أمر واحد، وهو انتظار المخلِّص الذي بُشِّر به في سفري اشعياء ودانيال، وخُلعت عليه صفات أشبه بصفات الأبطال الخارقين. انتظر اليهود المخلِّص لأداء ثلاث مهام أساسيَّة: 1.إحياء طقوسهم الدينيَّة من هيكل أورشليم بعد إعادة بنائه كما بناه سليمان الملك؛ 2.جمع شتات بني إسرائيل من بقاع الأرض وإعلاء شأنهم فوق الأمم بعد قرون من العذاب والهوان؛ و3.تأسيس دولة إسرائيل الكبرى للسيطرة منها على العالم كلِّه واستعادة مُلك سليمان. غير أنَّ يسوع لم يمتلك المواصفات الخارقة التي انتظرها اليهود؛ فدبَّ الخلاف بين الطرفين. ومن أهم أسباب الخلاف بين يسوع وفرقة الصدوقيِّين من اليهود رفضهم ما جاء به يسوع لعدم مطابقته لما جاء في أسفار موسى الخمسة. ويروي إنجيل متَّى عن الخلاف العقائدي بين يسوع هذه المنتمين إلى هذه الفرقة “الَّذِينَ يَقُولُونَ لَيْسَ قِيَامَةٌ“، التي رفضت تبشيره بالملكوت في الآخرة، في الوقت الذي لم يرد ذكر البعث بعد الموت في الأسفار الخمسة (إنجيل متَّى: إصحاح 22، آية 23). وردَّ يسوع على تكذيب الصدوقيِّين بالقيامة، قائلًا: “مِنْ جِهَةِ قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ، أَفَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ الْقَائِلِ: أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ؟ لَيْسَ اللهُ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ». فَلَمَّا سَمِعَ الْجُمُوعُ بُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ” (إنجيل متَّى: إصحاح 22، آيات 31-33).

يتعرَّض إنجيلا متَّى ومرقس إلى مسألة في غايَّة الأهميَّة فيما يتعلَّق بعقيدة بني إسرائيل في المخلِّص المنتظر. اعتقد بنو إسرائيل أنَّ نبيَّهم سيكون ملكًا على عرش أورشليم، عاصمة العالم. ولعلَّ هذا المفهوم ثبت لديهم مما ورد في سفر زكريا-لتفادي الالتباس، النبي زكريَّا صاحب السفر المسمَّى باسمه في العهد القديم هو أحد أنبياء بني إسرائيل، وُلد خلال سنوات السبي البابلي، وهو ليس زكريَّا والد نبي الله يحيى المذكورة نبوَّته في القرآن الكريم، وزكريَّا والد القدِّيس يوحنَّا في العهد الجديد هو مجرَّد كاهن من كهنة هيكل أورشليم. تقول الآية 9 في الإصحاح 9 في سفر زكريا، مبشِّرًا بقرب ظهور المخلِّص “اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ، اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَ ذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ“. وتصديقًا منه على نبوءة زكريا، يقول يسوع وهو على مشارف أورشليم، كما جاء في إنجيل متَّى: ” وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ وَجَاءُوا إِلَى بَيْتِ فَاجِي عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، حِينَئِذٍ أَرْسَلَ يَسُوعُ تِلْمِيذَيْنِ. قَائِلاً لَهُمَا: «اِذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، فَلِلْوَقْتِ تَجِدَانِ أَتَانًا مَرْبُوطَةً وَجَحْشًا مَعَهَا، فَحُّلاَهُمَا وَأْتِيَاني بِهِمَا. وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ شَيْئًا، فَقُولاَ: الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمَا. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُمَا». فَكَانَ هذَا كُلُّهُ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ. «قُولُوا لابْنَةِ صِهْيَوْنَ: هُوَ ذَا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعًا، رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَجَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ»” (إصحاح 21: آيات 1-5). وورد الموقف ذاته في إنجيل مرقس بتفاصيل متقاربة على النحو التالي ” وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى بَيْتِ فَاجِي وَبَيْتِ عَنْيَا، عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ. وَقَالَ لَهُمَا: «اذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، فَلِلْوَقْتِ وَأَنْتُمَا دَاخِلاَنِ إِلَيْهَا تَجِدَانِ جَحْشًا مَرْبُوطًا لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. فَحُلاَّهُ وَأْتِيَا بِهِ. وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ: لِمَاذَا تَفْعَلاَنِ هذَا؟ فَقُولاَ: الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُ إِلَى هُنَا»” (إصحاح 11: آيات 1-3). أمَّا عن موقف أهل أورشليم، فإنجيل مرقس يرويه على النحو التالي: “كَثِيرُونَ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَانًا مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ. وَالَّذِينَ تَقَدَّمُوا، وَالَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: «أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي!»” (إصحاح 11: آيات 8-10). ويُحكى الموقف ذاته في إنجيل لوقا، ولكن مع إشارة صريحة لرغبة يسوع في الوصول إلى مُلك اليهود “أَمَّا أَعْدَائِي، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي” (إصحاح 19: آية 27).

لم يفزع يسوع من هذا الاستقبال، كما لم يرفض اعتباره ملكًا يرث مُلك داود، بل واعتبر نفسه ملكًا “قُولُوا لابْنَةِ صِهْيَوْنَ: هُوَ ذَا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعًا“، كما جاء في الآية 5 من إصحاح 21 في إنجيل متَّى. ويفسِّر مفسِّرو الأناجيل ذلك بأنَّ ما قصده يسوع هو المُلك في الآخرة على مملكة الربِّ، ويرى الأب ثيؤفلاكتيوس الأوخريدي، رئيس أساقفة بلغاريا، أنَّ تسمية المملكة بمملكة داود لأنَّ يسوع من نسل داود، وليس المقصود بذلك مملكة داود في أورشليم، التي ورثها سليمان، قبل ألف عام من ذلك الزمن. وتطرح هنا عدَّة تساؤلات نفسها: لماذا صدَّق يسوع على نبوءة زكريا ودخل أورشليم في وصف الأخير لملكها الموعود؟ ولماذا احتفى به سكَّان أورشليم، إن لم يكونوا مؤمنين بأنَّ مخلِّصهم سيتِّخذها عاصمة له؟ وهل كانت أورشليم مقر حُكم داود في الملكوت أم على الأرض؟

ويتَّفق الدكتور عبد الجليل شلبي في كتابه الإرساليَّات التبشيريَّة (1998) مع التفاسير اللاهوتيِّة في اعتبار أنَّ المُلك المقصود في الآيات آنفة الذكر هو مُلك سماوي في ملكوت الآخرة. ويبرهن شلبي على ذلك قائلًا “إرث مملكة داود ويعقوب لا يعني إلا الدعوة الدينيَّة ومملكة الروح؛ لأنَّ المُلك على بيت يعقوب إلى الأبد، والمُلك الذي لا نهاية له لا يكون مُلكًا سياسيًّا” (ص37). وينفي يسوع في حواره مع بيلاطس-حاكم دولة يهودا الروماني-عن نفسه صفة الملك، كما جاء في إنجيل يوحنَّا ” دَخَلَ بِيلاَطُسُ أَيْضًا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَدَعَا يَسُوعَ، وَقَالَ لَهُ: «أنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟». أَجَابَهُ يَسُوعُ: «أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هذَا، أَمْ آخَرُونَ قَالُوا لَكَ عَنِّي؟». أَجَابَهُ بِيلاَطُسُ: «أَلَعَلِّي أَنَا يَهُودِيٌّ؟ أُمَّتُكَ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَسْلَمُوكَ إِلَيَّ. مَاذَا فَعَلْتَ؟». أَجَابَ يَسُوعُ: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا»” (إصحاح 18: آيات 33-36). مع ذلك، فأولى النبوءات الواردة في العهد القديم عن المخلِّص أشارت إلى مُلكه الأبدي على مملكة إسرائيل، ومملكة إسرائيل على الأرض، وليست في السماء. وردت هذه النبوءة عن المخلِّص في سفر العدد “وَيَقُومُ قَضِيبٌ مِنْ إِسْرَائِيلَ، فَيُحَطِّمُ طَرَفَيْ مُوآبَ، وَيُهْلِكُ كُلَّ بَنِي الْوَغَى. وَيَكُونُ أَدُومُ مِيرَاثًا، وَيَكُونُ سِعِيرُ أَعْدَاؤُهُ مِيرَاثًا. وَيَصْنَعُ إِسْرَائِيلُ بِبَأْسٍ“(إصحاح 24: آيتان 17-18).

أمَّا بالنسبة إلى العهد الجديد، فهذا يتَّفق مع مضمون نبوءة ألفيَّة المسيح في رؤيا يوحنَّا اللاهوتي؛ فقد بشَّر المؤمنين بجزاء عظيم وقت عودة المسيح “سَيَكُونُونَ كَهَنَةً للهِ وَالْمَسِيحِ، وَسَيَمْلِكُونَ مَعَهُ أَلْفَ سَنَةٍ” (إصحاح 20: آية 6). ومن المعروف أنَّ عقيدة اليهود في الحياة الآخرة تقوم على أنَّ بعد نهاية الألفيَّة السادسة وفق تقويمهم، تبدأ الألفيَّة السابعة بقدوم المخلِّص ليحكم ألف عام، وبعدها تكون القيامة، ولن يستحق النعيم الأبدي في الحياة الآخرة إلَّا من آمن بالمخلِّص والتحم به روحيَّا؛ فإن لم يكن المسيح المخلِّص ملكًا عند عودته إلى الأرض، فماذا يعني “وَسَيَمْلِكُونَ مَعَهُ أَلْفَ سَنَةٍ“؟ وتستمد هذه العقيدة مضمونها من عقيدة القبَّالة اليهوديَّة، التي تزعم أنَّ البشر جميعًا نبعوا من مصدر واحد، هو عين صوف، الإله السرمدي. تحطَّمت تلك الروح إلى ملايين الأجزاء بعد سقوط الإنسان الأول من السماء بعد الخطيئة الأولى، ولن تجتمع من جديد إلَّا بالإيمان بالماشيح حال ظهوره، ولن يكون الخلاص والنعيم الأبدي-المبشَّر به في الآية آنفة الذكر في رؤيا يوحنَّا اللاهوتي-سوى من آمن بالماشيح، ولو لم يصدِّق هذا الإيمان أي عمل. وحريٌّ بالإشارة أنَّ إنجيل برنابا قد ألقى الضوء على مسألة اعتبار عامَّة اليهود يسوع ملكًا؛ وقد ورد حديث عن ذلك في الفصل السادس بعد المائتين بين يسوع وكهنة هيكل أورشليم، أنكر فيه يسوع رغبته في المُلك وأشار إلى هروبه ممن أرادوا تتويجه، مؤكِّدًا أنَّه ليس المسيَّا المخلِّص الموعود في العهد القديم:

اقترب منه رئيس الكهنة قائلًا: يا يسوع أنسيتَ كلَّ ما كنتَ قد اعترفتَ به من أنَّك لستَ الله ولا ابن الله ولا مسيَّا؟ أجاب يسوع: لا البتة لم أنسَ، لأنَّ هذا هو الاعتراف الذي أشهد به أمام كرسي دينونة الله يوم الدينونة، لأنَّ كلَّ ما كُتب في كتاب موسى صحيح كلُّ الصحَّة فإنَّ الله خالقنا أحد وأنا عبد الله وأرغب في خدمة رسول الله الذي تسمُّونه مسيَّا. قال رئيس الكهنة: فما الذي جاء بك في هذا الجمع الغفير؟ لعلَّك تريد أن تجعل نفسك ملكًا على إسرائيل؟ احذر من أن يحلَّ بك خطرٌ. أجاب يسوع: لو طلبتُ مجدي ورغبتُ نصيبي في العالم لما هربتُ لمَّا أراد أهل نايين أن يجعلوني ملكًا. حقًّا صدِّقني، إنِّي لستُ أطلب شيئًا في هذا العالم.” (إنجيل برنابا: الفصل السادس بعد المائتين).

ولعلَّ ما ورد عن ميلاد المسيح في إنجيل لوقا ما يحسم هذا الجدال. يصف الإنجيل في بدايته بالتعريف بنسب السيدة العذراء وخطيبها إلى سلالة داود الملك، أي سبط يهوذا، وبقصَّة خطبتها ليوسف النجَّار، وبحملها المسيح بواسطة الروح القُدُس “أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلاَكُ مِنَ اللهِ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ اسْمُهَا نَاصِرَةُ. إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُل مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ. وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ” (إصحاح 1: آيتان 26-27). ويذكر إنجيل لوقا لاحقًا وعد الملاك لمريم بأنَّ ابنها سيصبح ملكًا على بيت يعقوب، بأن يرث عرش داود “هَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ. وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ»” (إصحاح 1: آيات 31-33). والسؤال: هل كان مُلك داود في الملكوت السماوي، أم على الأرض؟ وكذلك، هل كان داود، سليل يهوذا بن يعقوب، ملكًا على كافَّة أسباط بني إسرائيل في الملكوت السماوي، أم على الأرض؟

 قوبل المسيح عيسى بن مريم رسول الله بمعارضة ورفض وكانت نهايَّة صراعه مع بني إسرائيل محاولتهم قتلَه، واتفق في ذلك الأناجيل الأربعة وإنجيل برنابا والقرآن الكريم، وإن لم تتفق معًا في مسألة مصيره بعد تلك المحاولة، ولكنَّها عادت واتفقت على عودته إلى الأرض نهايَّة الزمان. ويبدو أنَّ وسيلة بني إسرائيل-المؤمنين بظهور مسيَّا سيعيد إليهم مجدهم السابق ويُظهرهم على الأمم-لمحاربة دعوة المسيح الحقيقي “أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ” كانت بالإصرار على عقيدتها قبل ظهوره، وانتظار مخلِّص سيحكم حسب شريعتهم، وليس الوحي السماوي (سورة المائدة: الآيَّة 117). ينطبق على بني إسرائيل في هذه الحالة قوله تعالى فيهم في الآيَّة 101 من سورة البقرة “وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ،” وكانت شريعتهم هي التي أملتها عليهم الشياطين بتحريض من “سفيه الجن” الذي قال على الله “شططًا” وألبس الحقَّ بالباطل بأن ادَّعى أنَّ الله “اتخذ” من البشر “ولدًا“، وهي حيلة قديمة أغوى بها “الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ،” مصداقًا لقوله تعالى في الآيَّة 30 من سورة التوبة: “وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ.” وتلخِّص الآيَّة 102 من سورة البقرة تلك العقيدة بتفاصيلها “وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ على مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ  لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ”.  اتَّبع الذين كفروا من أهل الكتاب الأباطيل التي استبدل بها الشياطين كلام الله تعالى وادَّعوا أنَّها من عند الله، بينما لم يكن سوى طلاسم وتعاويذ خبيثة تسخِّر ضعاف الشياطين-الذين ظنُّوا ألَّن يبعث الله أحدًا-لخدمة البشر في أغراض حرَّمها الله، وشكَّل ذلك الشق الأولمن شريعتهم. أمَّا عن شقِّها الثاني، فقد كان “ما أُنزل على المَلكين ببابل هاروت وماروت،” وهي عبارة عن قدرات خارقة لتسخير الكون من حولهم كان ذلك بمثابة الفتنة، فمن يستغلها في الخير فقد أحسن الفعل، أمَّا من يستغلها في الشر فهو يكفر بالله باستغلال فعل الشياطين فيما يغضب الله ويتحدى إرادته، وبالطبع فالتعاويذ المؤذيَّة هي من إلقاء الشياطين الخارجين عن طاعة خالقهم. لعل من نماذج استغلال القوى الخارقة فيما يرضي الله ما فعله آصف بن برخيا حينما جاء بعرش ملكة سبأ لنبي الله سليمان (عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة وأتم السلام) مصداقًا لقول الله تعالى في الآيَّة 40 من سورة النمل “قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك.” ويتضح من موقف سيدنا سليمان حينما قال “فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإنَّ ربي غني كريم” أنَّ النبي الحكيم اعتبر هذه القدرة الخارقة اختبارًا من الله تعالى وقد نجح في ذلك الاختبار بقوله “ربِّي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ”، وقد برَّأه الله من تهمة السحر بقوله “وما كفرسليمان ولكنَّ الشياطين كفروا.” وعلى أيِّ حال، فقد شهد الكتاب المقدَّس في أكثر من موضع على دور الكلمة في تنفيذ قَدَر الإله، كما سبقت الإشارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

فلسفة علم المجتمع عند كارل ماركس “الإنسان صانعاً لتاريخه”

د. حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع- جامعة ماردين …