أخبار عاجلة

عقيدة المسيَّا المخلِّص بين القرآن والسنُّة وبين الكتاب المقدَّس 6 من 10

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

نأتي إلى مسألة في غايَّة الحساسيَّة، وهي أمر الله لإبراهيم لذبح ابنٍ له، وهي تخالف ما في القرآن الكريم في سورة الصافات في الآيات من 102 إلى 107:

“وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «ها أَنَا ذَا». فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ» …كلَّم إِسْحَاقُ إِبْرَاهِيمَ أَبِاهُ وَقَالَ: «يَا أَبِي!». فَقَالَ: «ها أَنَا ذَا يَا ابْنِي». فَقَالَ: «هُوَ ذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ، وَلكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟». فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «اللهُ يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي» …ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ. فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «ها أَنَا ذَا». فَقَالَ: «لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي». فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضًا عَنِ ابْنِهِ. فَدَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ذلِكَ الْمَوْضِعِ «يَهْوَهْ يِرْأَهْ». حَتَّى إِنَّهُ يُقَالُ الْيَوْمَ: «فِي جَبَلِ الرَّبِّ يُرَى»” (سفر التكوين: إصحاح 22، آيات 1-14).

الإله يأمر إبراهيم بذبح “ابنه الوحيد“-والمقصود بهذا الوصف ابنك الوحيد نقي السلالة-ويُحدد المكان ليكون “أرْضِ الْمُرِيَّا“، هو هضبة موريا حيث موقع المسجد الأقصى المبارك-ثاني بيت بناه آدم أبُ البشر بعد البيت الحرام-مما يفتح المجال أمام بني إسرائيل بادِّعاء قُدُسيَّة هذه البقعة الطاهرة في عقيدتهم، ومطالبتهم باستردادها لبناء هيكل لعبادة الربِّ على النحو الذي يتوافق وعقيدتهم. الآيَّة 9 من الإصحاح 22 في سفر التكوين تقول “بنى هناك ابراهيم المذبح ورتب الحطب وربط اسحق ابنه ووضعه على المذبح فوق الحطب،” المذبح أحد أجزاء الهيكل المزعوم، أي أنَّ ببناء المذبح والإقبال على ذبح إسحق طاعةً لأمر ربِّه، بدأ إبراهيم شعيرة صارت من شعائر بني إسرائيل لاحقًا، وبذلك اعتبروا أنَّ هذه البقعة مقدَّسة في عقيدتهم لارتباطها بطقي سنَّه أحد آبائهم الصالحين-فنبوَّة إبراهيم ذُكرت على استحياء في التوراة-ولكن ما ورد في القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة يدحض ذلك الادعاء.

فوفق الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام أحمد في مُسنده، روى عبد الله بن عبَّاس (رضي الله عنهما) أنَّ رسول الله (عليه وعلى سائر رُسل الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم) قال: “إن جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ ثم أتى الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ ثم أتى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ فلما أراد إبراهيم أن يذبح ابنه اسماعيل قال لأبيه: يا أبت أوثقني لا أضطرب فينتضح عليك من دمي إذا ذبحتني فشده فلما أخذ الشفرة فأراد أن يذبحه نودي من خلفه {أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا}.” وقد أورد ابن كثير في كتابه “البدايَّة والنهايَّة” هذه الروايَّة عن عبد الله بن عبَّاس، شاهدًا بصحَّتها، وهذا يتفق كذلك مع تفسير الإمام القرطبي للآيات من 102 إلى 107 في سورة الصافات. وهناك دليل آخر من القرآن الكريم، في الآيات من 69 إلى 72 من سورة هود، ومن بينها قوله تعالى في الآيَّة 71 “وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ”، أي أنَّ سارة كان في حضور الملائكة الذين أرسلهم الله لإبادة قوم لوط، وبُشِّرت بإنجاب ابنها إسحق، وبحفيدها يعقوب الذي سيولد له وتراه في حياتها، فكيف يأمر الله تعالى إبراهيم-الذي حضر تلقِّي سارة تلك البشارة-بأن يذبح ابنه إسحق، وهو الذي بشَّر بيعقوب ابنًا له؟ هذا اجتهاد محمود داود، الباحث المصري في مجال مقارنة الأديان في مقال له بعنوان “الرد الصحيح في قصة الذبيح – إسحاق أم إسماعيل عليهما السلام؟” نشره عبر مدونته عام 2009.

وهذا الرأي يثبته سفر التكوين “وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ أَيْضًا مِنْهَا ابْنًا. أُبَارِكُهَا فَتَكُونُ أُمَمًا، وَمُلُوكُ شُعُوبٍ مِنْهَا يَكُونُونَ». فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ، وَقَالَ فِي قَلْبِهِ: «هَلْ يُولَدُ لابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً؟»”(الإصحاح 17: آيتان 16-17). يبشَّر الإله هنا إبراهيم مباشرةً بابن له من سارة-ابنة التسعين-وبأنًّ نسل ذلك الابن سيكون منه ملوك وشعوب وأمم كثيرة، فكيف يأمره بذبح؟ كيف يجعل الإله العهد لإسحق بميراث الأرض التي وهبها لأبيه وفق ما جاء في سفر التكوين “وَلكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هذَا الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الآتِيَّة”، ثم يأمره بذبحه؟! (إصحاح 17: آية 21).

 ومن الثابت لدى جمهور المسلمين أنَّ إبليس ظهر أمام إسماعيل عند الجمرة الصغرى ليمنعه عن إطاعة أبيه، فألقاه إسماعيل بسبع حصيات، ثم ظهر إبليس من جديد أمام هاجر عند الجمرة الوسطى-نفس الموقع بنى فيه عبد الله بأمنة أمِّ النبي محمد-ليحرِّضها على استنكار فعل زوجها، فألقته بسبع حصيات، وظهر أخيرًا أمام إبراهيم عند الجمرة الكبرى لينهاه عن تنفيذ أمر ربِّه، فألقاه بسبع حصيات. وأصبحت هذه شعيرةً أساسيَّة في الحج، أم أنَّ رمي الجمرات له أصل آخر؟ تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الدكتور أحمد بن سيف الدين بن أحمد تركستاني-الحاصل على الدكتوراه في الإعلام من جامعة إنديانا الأمريكيَّة، والمستشار الإعلامي لقناتي CNN وSky News، ومستشار الرئاسة العامة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأستاذ بجامعة الإمام، تخصُّص لغة عربيَّة-قد ذكر في مقابلة له مع Sky News يوم 26 سبتمبر من عام 2015، تزامنًا مع موسم الحجِّ، عن شعيرة رمي الجمرات:

وتجدر الإشارة كذلك إلى أنَّ سفر التكوين ذكر أنَّ سعي هاجر في الصحراء-أو البريَّة-للبحث عن الماء بعد أن تركها إبراهيم لم يكن بين جبلي الصفا والمروة، كما هو ثابت لدى جمهور المسلمين-حيث أنَّ السعي من أركان الحج والاعتمار الأساسيَّة-إنَّما في بريَّة بئر سبع، كما يذكر سفر التكوين:

“فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَأَخَذَ خُبْزًا وَقِرْبَةَ مَاءٍ وَأَعْطَاهُمَا لِهَاجَرَ، وَاضِعًا إِيَّاهُمَا عَلَى كَتِفِهَا، وَالْوَلَدَ، وَصَرَفَهَا. فَمَضَتْ وَتَاهَتْ فِي بَرِّيَّةِ بِئْرِ سَبْعٍ. وَلَمَّا فَرَغَ الْمَاءُ مِنَ الْقِرْبَةِ طَرَحَتِ الْوَلَدَ تَحْتَ إِحْدَى الأَشْجَارِ. وَمَضَتْ وَجَلَسَتْ مُقَابِلَهُ بَعِيدًا نَحْوَ رَمْيَةِ قَوْسٍ، لأَنَّهَا قَالَتْ: «لاَ أَنْظُرُ مَوْتَ الْوَلَدِ». فَجَلَسَتْ مُقَابِلَهُ وَرَفَعَتْ صَوْتَهَا وَبَكَتْ. فَسَمِعَ اللهُ صَوْتَ الْغُلاَمِ، وَنَادَى مَلاَكُ اللهِ هَاجَرَ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ لَهَا: «مَا لَكِ يَا هَاجَرُ؟ لاَ تَخَافِي، لأَنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ لِصَوْتِ الْغُلاَمِ حَيْثُ هُوَ. قُومِي احْمِلِي الْغُلاَمَ وَشُدِّي يَدَكِ بِهِ، لأَنِّي سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَةً». وَفَتَحَ اللهُ عَيْنَيْهَا فَأَبْصَرَتْ بِئْرَ مَاءٍ، فَذَهَبَتْ وَمَلأَتِ الْقِرْبَةَ مَاءً وَسَقَتِ الْغُلاَمَ. وَكَانَ اللهُ مَعَ الْغُلاَمِ فَكَبِرَ، وَسَكَنَ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَكَانَ يَنْمُو رَامِيَ قَوْسٍ. وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ، وَأَخَذَتْ لَهُ أُمُّهُ زَوْجَةً مِنْ أَرْضِ مِصْرَ” (إصحاح 21: آيات 14-21).

وفق هذه الروايَّة، هاجر تاهت بمفردها بعد أن “صرفها” إبراهيم، ثمَّ “تاهت في بريَّة بئر سبع”، ثم وجدت الماء هناك بعد أن نفد ماؤها “فأبصرت بئر ماء“، فكبر ابنها وعاش في البريَّة، ثمَّ انتقل إلى بريَّة فاران-في مكَّة المكرمَّة. إذا صحَّت هذه الروايَّة، فما هو الرأي في قول الله تعالى في الآيَّة 37 من سورة إبراهيم “رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ”، فاستجاب الله تعالى لدعائه “رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ” فتفجُّر بئر زمزم من تحت قدمي إسماعيل، ولاحظت الأمم هبوط الطير على تلك البقعة فعرفوا أنَّ بها ماء، فتوافدوا عليها وعمَّروها. من المثير للانتباه أنَّ الدكتور أحمد بن سيف الدين أقرَّ بأنَّ السعي أُخد عن هاجر في نفس المقال الذي سبقت الإشارة إليه: “وإنما اختير السعي بين الصفا والمرة لأنَّ هاجر زوجة إبراهيم عليه السلام كانت تطوف بين جبلي الصفا والمروة عند البحث عن ماء لابنها إسماعيل.”

وبرغم ما سبق إيضاحه، خرج صالح المغامسي، الدَّاعية الإسلامي السَّعودي وإمام مسجد قُباء-أوَّل مسجد بُني في الإسلام في المدينة المنوَّرة-في فبراير من عام 2019 ميلاديًّا، بتصريح أثار جدلًا واسعًا عن هويَّة الذَّبيح، وفق ما نشرته صحيفة القُدس العربي، نقلًا عن تصريح الداعية السَّعودي، الذي يتَّفق تمام الاتفاق مع الرواية التوراتيَّة:

أبرز الأدلة على بُطلان هذا العهد من التوراة

1.وبَّخ النبي ارميا بني إسرائيل بعد خراب أورشليم على يد نبوخذ نصَّر:هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: أَنْتُمْ رَأَيْتُمْ كُلَّ الشَّرِّ الَّذِي جَلَبْتُهُ عَلَى أُورُشَلِيمَ، وَعَلَى كُلِّ مُدُنِ يَهُوذَا، فَهَا هِيَ خَرِبَةٌ هذَا الْيَوْمَ وَلَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ، مِنْ أَجْلِ شَرِّهِمِ الَّذِي فَعَلُوهُ لِيُغِيظُونِي، إِذْ ذَهَبُوا لِيُبَخِّرُوا وَيَعْبُدُوا آلِهَةً أُخْرَى لَمْ يَعْرِفُوهَا هُمْ وَلاَ أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ. فَأَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ كُلَّ عَبِيدِي الأَنْبِيَاءِ مُبَكِّرًا وَمُرْسِلاً قَائِلاً: لاَ تَفْعَلُوا أَمْرَ هذَا الرِّجْسِ الَّذِي أَبْغَضْتُهُ (سفر ارميا، الإصحاح 44: 2-4). في هذه الآيات والآيات التاليَّة لها اعتراف توراتي بشرك بني إسرائيل بالله تعالى، أي لم يعد الله “إلههم” الواحد كما أخذ على إبراهيم العهد من قبل “وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا. وَأَكُونُ إِلهَهُمْ” (سفر التكوين: إصحاح 17، آية 8).

2.يعترف النبي دانيال بتبديل بني إسرائيل شريعة الله وانحرافهم عن منهج الأنبياء في الآيات (1-13) في الإصحاح 9 من في سفر دانيال، ومن أمثلة ما قاله “وَكُلُّ إِسْرَائِيلَ قَدْ تَعَدَّى عَلَى شَرِيعَتِكَ، وَحَادُوا لِئَلاَّ يَسْمَعُوا صَوْتَكَ، فَسَكَبْتَ عَلَيْنَا اللَّعْنَةَ وَالْحَلْفَ الْمَكْتُوبَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى عَبْدِ اللهِ، لأَنَّنَا أَخْطَأْنَا إِلَيْهِ” (إصحاح 9: آية 11).

3. وجاء في سفر التثنيَّة بشأن إهلاك الله تعالى لليهود بسبب حيادهم عن الشريعة الحق “وَكَمَا فَرِحَ الرَّبُّ لَكُمْ لِيُحْسِنَ إِلَيْكُمْ وَيُكَثِّرَكُمْ، كَذلِكَ يَفْرَحُ الرَّبُّ لَكُمْ لِيُفْنِيَكُمْ وَيُهْلِكَكُمْ، فَتُسْتَأْصَلُونَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا. وَيُبَدِّدُكَ الرَّبُّ فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَائِهَا، وَتَعْبُدُ هُنَاكَ آلِهَةً أُخْرَى لَمْ تَعْرِفْهَا أَنْتَ وَلاَ آبَاؤُكَ، مِنْ خَشَبٍ وَحَجَرٍ” (إصحاح 28: آيتان 63-64). تدحض هاتان الآيتان أي ادعاء بأنَّ الله عهد إلى بني إسحق بمُلك أبدي على أرض كنعان، وسبب الإهلاك هو الانحراف عن المنهج القويم ومعصيَّة الله وأنبيائه.

أبرز الأدلة على بُطلان هذا العهد من القرآن الكريم

1.ذكر أنَّ أبرام أبصر فوجد الله أمامه “وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: «أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ.»؛” بيد أنَّ الله تعالى قد قال في الآيَّة 51 من سورة الشورى “وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ.” الله تعالى ينفي كلامه المباشر لأي إنسان إلا في حالات استثنائيَّة تحددها الآيَّة. أضف إلى ذلك، قوله في الآيَّة 103 من سورة الأنعام “لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.” تتحدَّث الآيات في سفر التكوين عن رؤية أبرام للربِّ بما يشابه ما يرويه المتصوِّفون عن الحضرة الإلهيَّة التي يدخلونها بعد تلاوة أذكارهم بحروف مقطَّعة لآيات من القرآن الكريم، أو بأسماء سريانيَّة هي في الحقيقة أسماء لشياطين.

2.الزعم بأنَّ الله قد فضَّل إسحق على إسماعيل، فهذا تنفيه الآيَّة 124 من سورة البقرة: “وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.” لو ربطنا هذه الآيَّة بقوله تعالى في الآيَّة 113 من سورة الصافات “وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعلى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ،” لأصبح الإحسان في الفعل هو معيار التفضيل. وكما ذكر القرطبي في تفسيره، “عليه” في الآيَّة تعود على إسماعيل بأن ذكر في الآيات السابقة. ولو أنَّ اسم الإشارة “عليه” تشير إلى إبراهيم-كما رأى الطبري-لم يزل إسماعيل مشمولًا بالمباركة الإلهيَّة. وعلى أي حال، فالميراث هو إمامة الناس والعلم، وليس الأرض. وهناك دليل آخر على أنَّ معيار التفضيل ليس النقاء العرقي، إنَّما التقوى، مصداقًا لقوله تعالى في الآيَّة 13 من سورة الحجرات “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”.

3.ادِّعاء أنَّ إبراهيم قد طرد هاجر وابنها “وَصَرَفَهَا. فَمَضَتْ وَتَاهَتْ فِي بَرِّيَّة بِئْرِ سَبْعٍ…”، فقد ذكر الله تعالى على لسان رسوله إبراهيم في الآيَّة 37 من سورة إبراهيم “رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.” والمقصود بهذا الادعاء طمس آثار رحلة إبراهيم إلى بريَّة فاران في التوراة، حيث أسكن إسماعيل وأمَّه، وحيث رفع القواعد من البيت الحرام، كما ذكرت الآيات (125-127) من سورة البقرة. فهذه الرحلة لم تُذكر على الإطلاق، رغم ذِكر رحلته إلى مصر.

4. يقول الله تعالى في سورة هود عن أم إسحق “وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)”، فكيف يبشِّرها الله في حضور زوجها بأنَّهما سيولد لهما ولد، ثمَّ حفيد منه، ثمَّ يأمر زوجها بقتل ابنهما وهو لم يزل غلامًا؟

بعد تناوُل عهد الإله إلى إبراهيم ونسله بميراث الأرض من نهر النيل إلى النهر الكبير، نهر الفرات، وإثبات بُطلانه من التوراة قبل القرآن الكريم، بقيت الإشارة إلى هويَّة المسيَّا الموعود، المنتظر أن يبيد الأمم المعاديَّة لبني إسرائيل ليمكِّنهم من ميراث الأرض وتنفيذ وعد الإله، كما أخبر عنه بلعام بن بعور في سفر التثنيَّة (إصحاح 24، آياتي 17 و18). إن لم يذكر المسيح نفسه العهد في أيٍّ من الأناجيل الأربعة، بما فيها إنجيل يوحنَّا الذي يُقال أنَّه كُتب بمعرفة بولس الرسول والإسينيِّين (سبقت الإشارة إلى عقيدتهم التي أدخلوها على ما جاء به رسول الله عيسى في النقطة رقم 4)، إذًا فمن هو الذييحطم طرفي مؤاب ويهلك كل بني الوغى. ويكون أدوم ميراثا، ويكون سعير أعداؤه ميراثًا. ويصنع إسرائيل ببأس“؟

9.أوجه التشابه بين المسيَّا في وصف القديس يوحنَّا والدجَّال في السُنَّة النبويَّة

قال المسيح في الإصحاح 5 من إنجيل يوحنَّا، آيَّة 43: “ أَنَا قَدْ أَتَيْتُ بِاسْمِ أَبِي وَلَسْتُمْ تَقْبَلُونَنِي. إِنْ أَتَى آخَرُ بِاسْمِ نَفْسِهِ فَذلِكَ تَقْبَلُونَهُ” وقال يوحنَّا في رسالته الأولى، الإصحاح 2، آيَّة 18: “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ. وَكَمَا سَمِعْتُمْ أَنَّ ضِدَّ الْمَسِيحِ يَأْتِي، قَدْ صَارَ الآنَ أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ. مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ.” وفي الآيَّة 22 من نفس الرسالة ” مَنْ هُوَ الْكَذَّابُ، إِلاَّ الَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ؟ هذَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ، الَّذِي يُنْكِرُ الآبَ وَالابْنَ.” وفي رسالته الثانيَّة، قال يوحنا الرسول (إصحاح 1، آيَّة 7): ” لأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ إِلَى الْعَالَمِ مُضِلُّونَ كَثِيرُونَ، لاَ يَعْتَرِفُونَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ آتِياً فِي الْجَسَدِ. ومَن كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ المُضِلُ والضِّدُ للمَسِيح.” جدير بالذِّكر أنَّ النبي دانيال قد ورد في سفره أنَّ حاكمًا سيأتي ليُحكم بيت المقدس ” وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ، وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ، وَانْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ، وَإِلَى النِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا. وَيُثَبِّتُ عَهْدًا مَعَ كَثِيرِينَ فِي أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ، وَفِي وَسَطِ الأُسْبُوعِ يُبَطِّلُ الذَّبِيحَةَ وَالتَّقْدِمَةَ، وَعَلَى جَنَاحِ الأَرْجَاسِ مُخَرَّبٌ حَتَّى يَتِمَّ وَيُصَبَّ الْمَقْضِيُّ عَلَى الْمُخَرِّبِ»” (إصحاح 9: آية 27). يزلزل هذا الحاكم “رَئِيسٍ آتٍ”، الذي يُعتقد بأنَّه هو ضدُّ المسيح، عرش أهلها المسيطرين عليها “يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ… وَإِلَى النِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا”، ويُخضعهم لسُلطانه بمعاهدة لحقن الدماء “وَيُثَبِّتُ عَهْدًا مَعَ كَثِيرِينَ فِي أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ“، ويُبطل طقوسهم المخالفة لعقيدته “وَفِي وَسَطِ الأُسْبُوعِ يُبَطِّلُ الذَّبِيحَةَ وَالتَّقْدِمَةَ”. وفق ما ورد من تحليل للآية آنفة الذِّكر في سفر دانيال، وإسقاط مضمونها على الأحداث الجارية في الأرض المقدَّسة، في مقطع نشرته قناة The Watchman، وهي قناة تبشيريَّة على يوتيوب تُعنى برصد أحداث نهاية الزمان ونبوءات الكتاب المقدَّس المتعلِّقة بظهور المسيَّا المُخلِّص، فإنَّ صفقة القرن، التي يسعى الرَّئيس الأمريكي دونالد ترامب لإبرامها بين إسرائيل والعرب؛ لتصفية القضيَّة الفلسطينيَّة وتقسيم بيت المقدس والمسجد الأقصى، هي إشارة إلى “العهد” المذكور في الآية موضوع الحديث في سفر دانيال “َيُثَبِّتُ عَهْدًا مَعَ كَثِيرِينَ فِي أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ”. ويُعتقد بأنَّ ضدَّ المسيح سيسيطر على الأرض المقدَّسة لفترة أسبوع، أي سبع سنين، تتخللها حروب، تنتهي بظهور المخلِّص، الذي يقضي عليه، ويُؤسس حُكم الألف عام. ويتوقَّع المعلِّق في المقطع أن يعاني اليهود خلال فترة حُكم ضدِّ المسيح اضطهادًا يكفِّرون من خلاله عن آثامهم؛ فيستحقُّون حينها الخلاص والبرَّ الأبدي على يد الماشيح.

1.5-هل يُنفِّذ ترامب نبوءة الكتاب المقدَّس؟ … (2019)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الاستبداد وإعادة إنتاج منظومة القيم الاجتماعية

د. حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع- جامعة ماردين …