أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / مخيَّم تلّ الزعتر

مخيَّم تلّ الزعتر

عصام العطّار

مفكر إسلامي
عرض مقالات الكاتب

مقال لعصام العطار عَقِبَ سُقوط مخيّم تلّ الزّعتر الفلسطينيّ في لبنان في 12 آب سنة 1976م،
لقد سقط مُخَيّم تل الزعتر أخيراً في أيدي مُهاجميه!!!
سقط بعد حصار دام اثنين وخمسين يوماً عاش فيها الفلسطينيون واللبنانيون المحاصَرون محرومين من الماء والكهرباء والغذاء والدواء
سقط المخيم بعدَ ستينَ هجوماً متوالياً بأعداد كبيرة وأسلحة حديثة وفيرة وَضَعَتْها بأيدي المهاجمين أمريكا وإسرائيل وسورية!!! وبَعْدَ ستين ألف قنبلة مختلفة الأنواع والأحجام رَكَّزَتْ على ما مساحته ألف متر طولاً وثلاثمائة متر عرضاً.. وبعدَ أن زاد عدد القتلى على ألفين، وعدد الجَرْحَى على ثلاثة آلاف، وأخَذَت الجثث تتفسّخ في البيوت والطرقات، والجَرْحَى تقتلُهم جراحُهُم يوماً بعدَ يوم، ويموتون بلا دواء.. وبعدَ أن نَفَدَت الذخيرة، وماتت الأسلحة، وضاعت الاستغاثات في الفضاء..
لقد سقط مخيم تل الزعتر.. وكان الفصل الأخير في المأساة هذا الاتفاق الذي تمّ بواسطة الصليب الأحمر الدولي على إجْلاء سائِر من كان فيه، وهذه النداءات المُتَكَرِّرَة بمكبرات الصوت من قِبَل الميليشيات المهاجمة إلى سكان المخيم ليخرجوا آمنين.. ثم هذا الْغَدْر الرّهيب، وهذه المذبحة المُرَوِّعَة.. وهذه المئات من الضحايا البريئة: من الشيوخ والنساء والأطفال ومن المُمَرِّضين والمُمَرِّضات.. الذين رأيناهم في التلفزيون قد تناثروا أو تناثرَتْ أشلاؤهم على الأرصِفة والطرقات.. تَجْرِفُهُم الجَرّافات كما تجرف الأقذار، وتُلقيهِم في فَمِ تلك الحفرة الكبيرَة، وقد تَفَسَّخَت جُثَثُهُم، وعَشَّشَ فيها الذُّباب، وزَكَمَتْ رائِحَتُها الأنوف
لقد سقط مخيّم تلّ الزّعتر!!!
سقطَ تحتَ سمع العرب وأبصارِهم وتحتَ سمع الملوك والرؤساء العرب وأبصارِهم؛ بل لقد سقطَ المخيّم بمعونةِ بعضِهم العسكرية بالجند والسلاح، ومعونةِ بعضِهم الماديّة والأدبيّة، وسلبيّةِ بعضِهم الآخر وسكوتِهم المُريب..
لم تَهْتَزَّ قلوبُهم لهذه البطولات الرّائعة التي تهزُّ الجماد، ولا لهذه التضحيات الخارقة التي تفوق الخيال، ولا لهذه المَجازر والمآسي التي تُفَجِّرُ الدَّمع في الصَّخْرِ الأصَمّ
أينَ إسلامُكم أيها الحكام إن كان في قلوبكم إسلام؟
وأين نخوتُكم إن كنتم عرباً كما تدّعون؟ وأين إنسانيَّتُكم إنْ تَنَكَّرْتُم للعروبة والإسلام؟
إنّ سقوط تل الزعتر والمَآسي التي سبقتْهُ ورافقتْهُ وَصْمَةُ عارٍ في جَبينِ كُلِّ حاكِمٍ أعانَ المُهاجمينَ المُجرمين والحُكّامَ السوريّين على هذه الجريمة الوحشيّة النكْراء، ومَشَى معهم في المُخَطّط الصليبي الصهيوني الاستعماري.. ووصمةُ عارٍ في جبينِ كُلِّ حاكمٍ سكت على هذه المؤامرة المُبَيَّتَة الشّنْعاء وكان يَمْلِكُ العمل وعدم السكوت.. وَصْمَةُ عارٍ في الحاضر والمستقبل على السواء.. ويا ويلَ كُلِّ حاكِمٍ مُتَواطِئ أو مُقَصِّر بعد ذلك من الله عزَّ وجلّ.
إنّ (مخيّم تل الزعتر) سيبقى على الزمن رمزاً رائعاً لِصُمودِ أمَّتِنا وتصميمِها القاطِع على استردادِ حَقِّها السَّليب في فلسطين، وعلى الاستمرار في معركتِها العادلة حَتّى الموت أو النصر مهما كانت الظروف، وعلى التضحيات المستمرّة التي لا تعرف حَدّاً مِنَ الحُدود
وسيبقَى هذا المخيّم أيضاً شاهداً على خيانةِ بعضِ حكامِنا والقوَى الحاكِمَة في بلادنا، وعلى أنَّ أسباب الهزيمة تكمُنُ في جبهتِنا الداخليّة أكثرَ مِمّا تكمُن في جبهتِنا الخارجيّة، وعلى أنَّها تَتِمُّ على أيدي الأعداء الداخليين أكثرَ مِمّا تَتِمّ على أيدي الأعداءِ الخارجيّين.. وإن التقت مَصالحُ هؤلاء وهؤلاء وجهودُهم ومُخطَّطاتُهُم خلفَ السِّتار
وسيبقَى مخيّم تل الزعتر دليلاً على فساد واقع العرب والمسلمين الحالي المستشري في كل ميدان، وعلى ضرورة تغيير هذا الواقع الفاسد من الجُذور.
وتحيَّتي إلى أبطال تل الزعتر، وإلى المجاهدين الصابرين المُصابرين في كُلّ مكان وميدان.. ولِمَن استشهد منهم في سبيل الله أو يستشهد الرَّحْمَةُ والرضوان
“وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّـهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ” ﴿ابراهيم: ٤٢﴾

شاهد أيضاً

الحلقة الثالثة: سفر الحوالي .. من المرابع للسجون

سلطان العبدلي محام ٍ وباحث. (مواجهة مع السلطتين :الدينية والسياسية) تأتي الأحداث فتبرز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *