أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / لماذا تذم العلمانيين والعلمانية؟

لماذا تذم العلمانيين والعلمانية؟

1- الشعب السوري قدم مليون شهيد و٨ ملايين مشرد وملايين المعذبين والمعتقلين لأجل الحرية فقط لا يوجد ولا مظاهرة واحدة من بين عدد لا يحصى من المظاهرات، طالبت بالعلمانية، لأن العلمانية موجودة وقائمة في سورية منذ خمسين سنة، علمانية صحيحة ١٠٠ ٪ (إقصاء الدين ورجال الدين عن التشريع – القوانين في سورية فرنسية- وعن قيادة الدولة – لا يوجد ولا رجل دين واحد في موقع سلطة حقيقية في سورية) الحرية تم تفسيرها في كل الوثائق السورية المعارضة (كلها) بأنها إقامة دولة حرة مدنية ديمقراطية، وليس علمانية. إذن المطالبة بدولة علمانية هو خروج عن أهداف الثورة مثل المطالبة بدولة داعشية، لأن الشعب السوري والثورة السورية (وكل الثورات العربية) يريدون دولة حرة مدنية ديمقراطية، فأنا (مثل كل شخص وطني وثائر وحر) يجب أن يكون هدفي دولة حرة مدنية ديمقراطية، وليس لا داعشية ولا علمانية. ولا خيار لي في ذلك أهداف الثورات هي قواسم مشتركة يتفق عليها شعب، وليست مجالاً لإطلاق الأحلام والمطالب القصوى. المليون شهيد سوري ماتوا من أجل الحرية، وليس من أجل العلمانية. من يريد أن يموت من أجل العلمانية فليتفضل، فليحمل السلاح وليشكل جيش مونتسكيو، أو فصائل جان جاك روسو. أما أن يموت المؤمنون بالحرية الباحثون عنها (غير المؤمنين بالعلمانية) لكي تتحقق أحلام ثوار الشانزيليزيه فهذا لن يحصل. لن يحصل أبداً أن تجير دماء مليون شهيد لغير ما ماتوا لأجله فهذه خيانة وظلم وعهر فادح.

2- العلمانية في مجتمع مسلم، هي إقصاء واستبداد. هي منع الشعب ولو بموافقة ١٠٠ ٪ منه أن يأخذ ولو سطرًا من التشريع الإسلامي. في البلاد المسيحية العلمانية تمنع الكنيسة والدين المسيحي من التدخل فيما لا شأن لهم به، أي التشريع الجزائي والتجاري والمدني والدولي، في المجتمع المسلم العلمانية تمنع الإسلام من التدخل فيما يخصه مباشرة، أي التشريع الجزائي والتجاري والمدني والدولي!

3- سنوات الثورة التسع أظهرت لنا أن العلمانية لا تستطيع أن تقدم لسورية المذبوحة المحتلة من ١٠ جيوش أجنبية، إلا منظّرين وفنانين ونقادًا وفي أفضل الأحوال متظاهرين سلميين في الخارج، في حين أن سورية بحاجة ماسة وملحة والآن لألوف الرجال الذين لا يهابون الموت (مثل عبد الباسط الساروت) لمواجهة وحوش القرداحة وروسيا وإيران والعراق وحزب الله. العلمانيون يتلهون برسم تصوراتهم لدولة ما بعد النظام، ولا يقدمون ما يفيد في إسقاط النظام وتحرير سورية من محتليها.

4- العلمانيون السوريون، كثير منهم يخفون وراء علمانيتهم شيئًا آخر غير العلمانية. مثلاً: إحدى رموز العلمانية السورية المتطرفة (المخرجة هالة العبد الله) كانت في بداية الثورة تمنع أي امرأة تضع (إشارب) مهما كان خفيفاً على رأسها من أن تتظاهر في باريس ضد النظام، تطردها بقسوة وإهانة، وهي تعلن عداوتها المريرة للدين، وكل مظاهر التدين، ثم اكتشفنا أنها مسيحية متدينة جداً! فإذن علمانيتها إقصاء للإسلام فقط (مهما كان خفيفاً) وليست إقصاءً للدين كل دين! وهذه فضيحة تكررت مراراً مع زملاء وشركاء في الثورة مسيحيين ودروز وإسماعيليين وعلويين، ولا يمكن أن ترى ذلك من العلمانيين الأوربيين. العلماني أو الملحد الأوربي والأمريكي موقفه من دينه مطابق لموقفه من أديان الآخرين، ولذلك هو منطقي، والعلماني السورين بعيد جدًا عن المنطق.

5- أمضيت ٢٨ سنة من عمري في قلب أوربا، وأعرف العلمانيين الأوربيين، وأعرف العلمانية تماماً، ما يفعله العلمانيون السوريين هو تفسير من أكثر التفسيرات تطرفاً للعلمانية، مثلاً: في جنازة البطلة مي سكاف أراد بعض المشيعين قراءة الفاتحة على روحها (لأنه يريد لها الرحمة من الله، ولأن قراءة الفاتحة هي الطريقة الوحيدة التي يعرفها لطلب الرحمة والتعبير عن التقدير والحب والوفاء، ولأن مي بنت مسلم وزوجة مسلم وهي قانوناً مسلمة دون أي شك)

فأبدى الثائر العلماني فارس الحلو ضيقاً شديداً من مجرد ذكر اسم الفاتحة ولو استطاع منع الناس من قراءتها لفعل (الحادثة مسجلة فيديو) بالمقابل أنا قرأت الفاتحة أمام جثمان ملك بلجيكا، وكان هذا مصدر ترحيب وتقدير وسعادة الجنرال المكلف بحراسة جثة الملك، وكل من كان حولي من العلمانيين والمسيحيين البلجيك. إذن: العلمانيون السوريين يتبنون أشد التفسيرات تطرفاً للعلمانية في وقت تقتضي الوطنية والمصلحة والعقلانية أن يتبنوا أقل التفسيرات تطرفاً لتوسيع مساحة المشتركات بين السوريين، وتوحيد صفهم.

6- ربما -لا تعلم – بأنني لست متدينًا كثيراً، ومقصرًا كثيراً جداً في أداء واجباتي الدينية الإسلامية، وتربيتي تربية قومية عروبية متشددة جداً، وطوال عمري ما انتقدت العلمانية ولا بكلمة حتى السنوات القليلة الماضية (سنيتن أو ثلاثة فقط) لأنني لم أجد أي خطر أو تطرف في العلمانية الأوربية البلجيكية والألمانية والبريطانية، وحتى النموذج العلماني الفرنسي وهو الأكثر تطرفًا في أوربا، لا يصل في تطرفه لما يقوله ويفعله العلمانيون السوريون! لتعرف لماذا بدأت أفزع من العلمانية والعلمانيين أعمل جولة على صفحات الفيسبوك للعلمانيين والأقلويين السوريين إذا كنت مسلمًا، فستسمع كل يوم أبشع الشتائم والتحقير والتسفيه وأقبح السباب والسخرية والإهانة لدينك وربك ونبيك وأمك المحجبة والمليون شهيد مسلم الذين سقطوا في معركة الكرامة. أي مسلم عنده ذرة كرامة أو ذرة حرية أو ذرة شرف وغيرة يجب أن ينتفض ضد هؤلاء السفهاء الجبناء، وأنا انتفضت.

7- الدولة الديمقراطية الحرة المدنية التي نريد، يمكن تعريفها، ويمكن تقديم أمثلة عليها، ويمكن تمييزها بسهولة عن الدولة العلمانية، إنها دولة السلطة فيها كلها للشعب، المواطنون متساوون مطلقاً في الحقوق والواجبات، نواب الشعب المنتخبون في انتخابات حرة ونزيهة وتعددية، يمكنهم أن يختاروا تشريعات من كل تراث التشريع في العالم، دون استثناء التشريع الإسلامي، يمكنهم أن يأخذوا منه سطرًا أو سطرين أو مئة أو مئتين، أو صفر، أو ألف، وما يأخذونه من التشريع الإسلامي يصبح واجب التنفيذ لأنه اختيار الشعب، وليس لأنه حكم الله، وهو لذلك قابل للتعديل أو الإلغاء في أي وقت. الدولة الديمقراطية المدنية الحرة يعني دولة مثل بريطانيا وألمانيا والسويد وإيطاليا، فيها حزب ديمقراطي مسيحي (وسيكون فيها حزب ديمقراطي إسلامي) ويجوز للرجل أن يكون ملتحيًا وللمرأة أن تكون محجبة في الجيش والشرطة والجامعة والمحكمة وكل أجهزة الدولة. الدولة العلمانية التي نرفضها هي فرنسا التي يمنع فيها الحجاب وتمنع فيها اللحية وتأتي الشرطة لتشحط المرأة التي لا تلبس المايوه على الشاطئ، وتجبر الفتاة على لبس المايوه في المدرسة ولو أدى هذا لقهرها وقهر أهلها وإلحاق الألم والعذاب بهم، أو دفعهم أو دفعها لترك التعليم. وطبعا الدولة العلمانية التي نرفضها هي أيضاً الدولة الأتاتوركية التي تعدم من يلبس غطاء رأس على غير هوى الزعيم العلماني، ويسمح لنواب الشعب أن يختاروا من تشريعات العالم كله (مهما تكن منحطة وظالمة) إلا التشريع الإسلامي لا يجوز الاقتراب منه، وطبعاً نرفض علمانية ١٠٠ دولة علمانية مستبدة ومتوحشة (كل الدول الشيوعية وكل الأنظمة العسكرية وغالبية الأنظمة الوراثية، والأنظمة المستبدة كنظام السيسي وبورقيبة وبن علي وبينوشيه وكاسترو وسيموزا).

شاهد أيضاً

الحلقة الثالثة: سفر الحوالي .. من المرابع للسجون

سلطان العبدلي محام ٍ وباحث. (مواجهة مع السلطتين :الدينية والسياسية) تأتي الأحداث فتبرز …

تعليق واحد

  1. اعجبني النص استاذ احمد ، واضح مترابط و مؤيد بوقائع ، ننتظر رد العلمانيين السوريين عليه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *