أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / تساخفات محمد على عبد الجليل فى مقاله: “أخطاء القرآن اللغوية والإنشائية- قراءة تفكيكية” 5 من 12

تساخفات محمد على عبد الجليل فى مقاله: “أخطاء القرآن اللغوية والإنشائية- قراءة تفكيكية” 5 من 12

أ.د. إبراهيم عوض

كاتب ومفكر مصري.
عرض مقالات الكاتب

وهو نفس ما حدث أيضا لمجموعته القصصية: “الأرض الأرض”. ومن بين من هاجمها وهاجمه ومسح بكرامتهما الأرض الزميل د. جابر قميحة رحمه الله. هذا، ولا أظن القراء الكرام قد فاتهم مغزى استعمال كلمة “الطاغية” مرارا فى كلام الكاتب النزق. إنه يقصد بها الإيماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ويتبقى قوله: “كان العنفُ هو ما يميِّز عصورَ الإسلام حيثُ بلغَ بين المسلمين الــ”رُحماء فيما بينهم” (بحسب وصف القرآن لهم في سورة الفتح، 29) حدا أدَّى إلى اقتتالهم فيما بينَهم اقتتالا شديدًا ما زلنا نرى آثارَه إلى الآن بين سُنَّةٍ وشيعةٍ أو بين التيارات الإسلامية الرسمية (الأرثوذكسية: سُنَّة وشيعة) والتيارات المخالفة [غير الرسمية] (من دُرْزيّة ونُصَيْرية وإسماعيلية وأحمدية وبهائية وغيرها)”.
والرد على ذلك الفهم الساذج هو أن العنف لا يميز عصور الإسلام عن غيرها بل يصبغ تواريخ الأمم والأديان والمذاهب والفلسفات جميعا. والمسلمون بشر فى نهاية المطاف. كما أن الآية التاسعة والعشرين من سورة “الفتح” التى يشير إليها ساخرا شامتا تقول: “محمد رسولُ الله والذين معه أشِدّاء على الكفار رحماء بينهم”، فالكلام فى الآية الكريمة عن الذين “مع” الرسول عليه السلام لا عن المسلمين فى كل العصور، إذ لا أحد يبقى على حاله طوال الوقت، ولا أمة تبقى على نفس الوضع فى كل أدوار تاريخها. هذا ضد طبيعة الأشياء. وقد كان الرسول صمام الأمن بالنسبة للمسلمين، أما بعده فقد أخذت الأوضاع تتغير وتزداد الشقة بينها وبين ما كان آنذاك اتساعا حتى انتهى الأمر بالمسلمين إلى ما نرى. وكل الأمم تخضع لهذا التغير والتطور لا يشذ منها أحد. وفى القرآن نفسه نقرأ قول الحق تبارك وتعالى: “ألم يَأْنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتابَ من قبل فطال عليهم الأمد، فقَسَتْ قلوبهم، وكثير منهم فاسقون؟”. وفى القرآن أيضا: “وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خَلَتْ من قبلِه الرسل. أفإن مات أو قُتِلَ انقلبتم على أعقابكم؟ ومن ينقلبْ على عقبيه فلن يضرَّ اللهَ شيئا”.
وفى “سنن أبى داود” يطالعنا الحديث التالى: “افترَقَتِ اليهودُ على إحدى أو ثِنْتَيْنِ وسبعينَ فِرْقةً، وتفرَّقَتِ النَّصارى على إحدى أو ثِنْتَيْنِ وسبعينَ فِرْقةً، وتفترِقُ أُمَّتى على ثلاثٍ وسبعينَ فِرْقةً”. وعن جرير بن عبد الله: “قال لى النبى صلى الله عليه وسلم فى حَجِّةِ الوداعِ: اسْتَنْصِتِ الناسَ! لا ترجعوا بعدى كفارًا يَضرِبْ بعضُكم رقابَ بعضٍ” .فحذرهم التنابذ والتفرق والخلاف الذى يصل لحد الاقتتال، وسمى ذلك كفرا، أى كفرا بنعمة الإسلام وقيمة الأخوة الإيمانية والتعاون على الخير والبر والتقوى. وهو تعبير استفزازى يكبح جماح نوازع الفتنة فى قلوبهم، ويستحث طاقاتهم ويدفعهم إلى بذل أقصى جهودهم فى سبيل التعاون والتحاب ونبذ الشقاق والخصام.
وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنى مُمْسِكٌ بحُجَزِكم عن النَّارِ: هَلُمَّ عن النارِ، وتغلبونَنى تَقَاحَمون فيه تقاحُمَ الفراشِ أو الجنادِبِ، فأُوشِك أن أُرْسِلَ بحُجَزِكم. وأنا فَرَطَُكُم على الحوضِ، فترِدُون علىَّ معًا وأشتاتًا، فأعرفُكم بسِيماكم وأسمائِكم كما يَعرِف الرجلُ الغريبةَ من الإبلِ في إبلِه، ويُذْهَبُ بكم ذاتَ الشِّمالِ، وأناشدُ فيكم ربَّ العالمين فأقول: أى ربِّ، أُمَّتى! فيقول: يا محمدُ، إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدَك. إنهم كانوا يمشون بعدَك القَهْقَرى على أعقابهم. فلا أعرفنَّ أحدَكم يومَ القيامةِ يحمل شاةً لها ثُغاءٌ فينادى: يا محمدُ، يا محمدُ! فأقول: لا أملِكُ لك شيئًا. قد بلَّغتُك. فلا أعرفنَّ أحدَكم يأتى يومَ القيامةِ يحمل بعيرًا له رُغَاءٌ فينادى: يا محمدُ، يا محمدُ! فأقول: لا أملِك لك شيئًا. قد بلَّغتُك. فلا أعرفنَّ أحدَكم يأتى يومَ القيامةِ يحمل فرسًا له حَمْحَمَةٌ فينادى: يا محمدُ، يا محمدُ! فأقول: لا أملكُ لك شيئًا. قد بلَّغْتُك. فلا أعرفنَّ أحدَكم يومَ القيامةِ يحمل سِقَاءً من أَدَمٍ ينادى: يا محمدُ، يا محمدُ! فأقول: لا أملِكُ لك شيئًا. قد بلَّغتُكَ”. بالله أهذا نبى كذاب؟ أهذا كلام الكذابين يا محمد على عبد الجليل؟ خيبة الله عليك وعلى من وظَّفوك هذه الوظيفة، وظيفة إثارة الشبهات والهجوم على دين هذا الرجل العظيم الكريم النبيل الصادق الأمين.
والسذج وحدهم من يظنون أن البشر يمكن أن يتحولوا إلى ملائكة لا يخطئون ولا تفتر طاقاتهم وحماساتهم ويظلون طول الحياة يمشون على العجين لا يلخبطونه دون شعور بالضيق أو الاضطراب أو الملل أو الرغبة فى التغيير. كما أن من سنن الحياة أن كل كيان لا بد من انشقاقه مع الأيام إلى كيانات صغيرة سواء فى حياة المجتمعات أو فى حياة الجمادات والأفكار والمذاهب. ومن ثم فانقسام المسلمين الأوائل بعد وفاة النبى صمام الأمن بين سنة وشيعة وخوارج ومعتزلة ومتصوفة وباطنية وما إلى هذه هو أمر طبيعى. وقد حدث هذا لليهويدة والنصرانية، فكان عندنا مذاهب وفرق فى الديانتين كل منها تحسب أنها هى الفرقة الناجية، والباقى ذاهب فى ستين داهية.
وفى عصرنا هذا وجدنا الشيوعية تنقسم على نفسها فيكون عندنا شيوعية روسية وشيوعية صينية وشيوعية يوغسلافية وشيوعية ألبانية وشيوعية كورية. وانقسم البعثيون إلى بعث سورى وبعث عراقى، وكان بينهما ما طرق الحداد رغم أن كلا منهما يزعم أنه يعمل من أجل الحرية والوحدة والاشتراكية. وبالمثل فالديمقراطيات أنواع وأشكال. كما أن الأسر التى تظل متماسكة كيانا واحدا فى حياة مؤسسها سرعان ما تنشق وتصير عدة أسر، كل أسرة تسكن بيتا مستقلا بعدما كانوا جميعا يقطنون مسكنا واحدا يضمهم كلهم. ثم تنقسم مع الأيام كل أسرة من هذه الأسر بدورها لتصير عدة أسر… وهكذا دواليك.
فملاحظة صاحبنا، كما نرى، ملاحظة ساذجة تدل على عدم فهمه للحياة وطبيعتها. وليست هذه دعوة إلى الرضا بالتمزق والتشتت، بل فهما لطبيعة الأمور. والمهم أن يكون هناك تفاهم بين هذه الكيانات المنشقة واتفاق وحرص على التمسك بالجوهر والأساسيات، والتعاون على الخير والبر والتقوى، ثم فلتختلف تلك الكيانات بعد هذا فى التفاصيل والصغائر وكل ما هو غير أساسى. وبهذا نكون قد جمعنا فى نظرتنا وموقفنا بين المثالية والواقعية. على ألا ننسى أبدا أن البشر هم البشر فى كل الأحوال، وأن لهم سقفا فى الاستطاعة والإنجاز لا يمكنهم أن يتجاوزوه ويعلوا عليه مهما حاولوا واجتهدوا وأرهقوا أنفسهم- إبراهيم عوض).
(يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع رئيسية من الأخطاء فى القرآن:
1- النوع الأول: الأخطاء الإملائية غير المقصودة أو أخطاء السهو أو الجهل من الناسخ. وهذه الأخطاء على قسمين بحسب تاريخ حدوثها: القسم الأول: أخطاء حَصَلَتْ فى وقت تدوين القرآن وتبدو قليلةً فى القرآن، ومنها الأخطاء الواضحة (اللحن) التى سُئلَِت عنها عائشةُ بحسبِ عدة مصادرَ مِنها تفسيرُ الطبرى: (“حدثنا ابن حميد قال: حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه أنه سأل عائشة عن قوله: “إنَّ هذانِ لساحران” [طه، 63]، فقالت: يا ابن أختى، هذا عمل الكُـتَّاب أخطأوا فى الكِتاب” (عِلْمًا أنَّ قراءةَ الجمهور كنافع وحمزة والكسائى وأبو جعفر هى: “إنَّ هذانِ” وقراءةَ حفصٍ هى: “إنْ هذانِ”). إنَّ مجرَّد ذِكْرِ مثلِ هذه الأحاديث فى كتاب معتبَر كالطبرى يوحى بأنَّ فكرة خطأ الناسخ فى القرآن لم تكنْ مستهجَنة- محمد عبد الجليل).
(من فمك أدينك أيها المدلس. لقد صدعتَ أدمغتنا بسخف مزاعمك أن العرب والمسلمين فى ذلك الزمان لم يكونوا يهتمون بأمر القرآن ولا بما فيه من أخطاء لغوية. كما أزعجتنا بتفاهة قولك إن المسلمين لم يكونوا يجرؤون على تخطئة القرآن. ولكن ها أنت ذا تقول إنهم كانوا يهتمون بأمر القرآن وما فيه من ملاحظات لغوية، وإنهم كانوا لا يتحرجون ولا يخشَوْن أحدا أو شيئا من التعبير عما يرونه فى القرآن من ثغرات. أى أن كل دعاواك هى دعاوى فارغة.
ومع هذا فمن المستحيل أن تقول عائشة ما هو منسوب إليها من أن نُسَّاخ القرآن قد أخطأوا فيه، وإلا لسمعناها تُقَرِّع النساخَ وتدعو المسلمين إلى العودة إلى أصل النص. ولا ينبغى قبل ذلك أن ننسى ولو للحظة واحدة أن عائشة رضى الله عنها كانت زوجة النبى، ولا يمكن أن تنسى أن القرآن محفوظ من العبث والخطإ، فكيف يصدر عنها هذا الكلام الذى من شأنه تكذيب الوحى الذى تقوم عليه نبوة زوجها؟ بل إننا لو افترضنا المستحيل وقلنا إنها لم تكن فى أعماقها تؤمن بزوجها نبيا لقد كانت مصلحتها تقتضى اقتضاء ألا تظهر شيئا من ذلك عن القرآن، وإلا لاتُّهِمَتْ بأنها كانت ترافئ زوجها على الكذب والتزوير والادعاء بأن الكلام الذى يؤلفه ويلفقه هو وحى من السماء. بل لقد كان ينبغى أن يعبر عروة فى الحال عن استغرابه الحاد من هذا الرد الغريب. ولكن لو أن عائشة كانت لا تعتقد فى نبوة زوجها فلم نزلت مثلا على حكم القرآن الذى حرَّم عليها إلى الأبد، وهى فى عز شبابها ونضارتها وإقبالها على الحياة، أن تتزوج بعد موت ذلك الزوج؟ لقد كان المنطقى أن تهرب من بلاد المسلمين وتلجأ إلى الروم مثلا وتعيش على ما تحب وتهوى وما يطلبه شبابها. خيبة الله على السخفاء المتنطعين. على أن ورود هذه الرواية فى تفسير الطبرى، إن كانت قد وردت، لا تعنى أنه يصدِّق بها، فهو يورد كل ما سمعه ثم يبدى رأيه فيه بالموافقة أو بالاعتراض فى غالب الأحيان. وهو ما لم يحدث هنا لأنه لم يورد هذه الرواية أصلا فى تفسيره. فالكاتب إذن يكذب ويخترع وينسب ما يخترعه إلى من لم يقولوه. ليس ذلك فحسب، بل إن الطبرى لا يجد فى إعراب “هذان” بالألف بعد “إنَّ” شيئا حتى يبحث لها عن مبرر، إذ كان من العرب القدماء، كما هو معروف لكل مَنْ دَرَس النحو العربى بشىء من التفصيل، من يلتزمون الألف فى المثنى فى كل حالاته الإعرابية: رفعا ونصبا وخفضا كما فى الأبيات التالية:
إنَّ أباها وأبا أباها * قد بلغا فى المجد غايتاها
* * *
فأَطْرَقَ إطْرَاقَ الشُّجَاعِ، وَلَوْ رَأىَ * مَسَاغًا لِنَابـَاهُ الشُّجَاعُ لَصَمَّـما
* * *
تزوَّد منا بين أذناه ضربةً * دَعَتْه إلى هابى الترابِ عقيم
وأرجو أن ألفت النظر إلى أن فى العرب القدماء من كانوا يعربون الأسماء الستة أيضا بالألف فى كل الأحوال. ويجد القارئ فى البيت الأول من هذه الأبيات الثلاثة مثالا على ذلك- إبراهيم عوض).
(ومن هذه الأخطاء الإملائية التى حَصَلَتْ أثناء التدوين يمكنُ أيضًا ذِكرُ الخطأ الوارد فى الآية 55 من سورة الحج (“أو يأتيَهم عذابُ يومٍ عقيم”). والصوابُ الذى أقترحُه هو أنْ يقال: (“أو يأتيَهم عذابُ يوم عظيم”)، وذلك لأنَّ القرآن يستخدم دائمًا صفةَ “عظيم” لوصف “يوم”، كما فى الآية 37 من سورة مريم (“فويلٌ للَّذينَ كَفروا من مَشْهدِ يومٍ عظيم”) والآية 135 من سورة الشعراء (“إنِّى أخافُ عليكم عذابَ يومٍ عظيم”) والآية 13 من سورة الزُّمَر (“قلْ إنِّى أخافُ إنْ عصيتُ ربِّى عذابَ يومٍ عظيم”). إنَّ وصف اليوم بــ”العظيم” منطقى أكثر من وصفه بــ”العقيم”، وينسجم أكثر مع منطق القرآن. وربما كان استخدام كلمة “عقيم” (بدلا من “عظيم”) فى الآية 55 من سورة الحج يعود إلى خطأ أو سهو من الناسخ لأنَّ الفرق الإملائى بين كلمة “عظيم” وكلمة “عقيم” فرق بسيط جدا- محمد عبد الجليل.
(كعادة هذا الثخين الجلد يضع نفسه فى مآزق ليس على مستواها. سنفترض أن الأمر كان نتيجة غلطة نسخية، فأين جماهير المسلمين الذين يحفظون القرآن ويعرفون أنها “يوم عظيم” لا “يوم عقيم”؟ أمن المعقول أن يخطئ أحد النساخ فينزل المسلمون جميعا على خطئه ويهجروا الصواب على الفور دون أن نسمع منهم نأمة استغراب أو اعتراض، بل دون أن تقوم خصومات ونزاعات، بل يمضى الأمر فى هدوء وسكينة، ويتغير النص القرآنى فى الحال دون أية مشاكل؟ خيبة الله على عقلك! إن هذا لهو المستحيل بعينه. ثم أَنَّى له بخطإ وصف اليوم بالعقم؟ إن وصف اليوم بالعقيم معناه أنه لا ينجلى عن أى خير ولا يخفَّف فيه العذاب أبدا. فما وجه الاعتراض على ذلك؟ وهل يحرم أن ينوع القرآن فى أساليبه؟ كثيرا ما يقع هذا فى كتاب الله، وهو أمر معروف للمحتكِّين بالكتاب المجيد. ولدينا فى هذا السياق أوصاف أخرى ليوم العذاب، وهى: “عذاب يومٍ كبيرٍ” (هود/ 3)، “عذاب يوم أليم” (هود/ 26)، “عذاب يومٍ مُحِيطٍ” (هود/ 84). وهناك أيضا “يومٌ عصيبٌ”، وهو الوصف الذى وصف به لوط اليوم الذى زارته فيه الملائكة وخرج قومه يحاولون الاعتداء عليهم مثلما يفعلون مع الغلمان (هود/ 77). فهل نلغيها هى أيضا، ونستبدل بكل منها شيئا آخر؟ وهل مثل تلك الأمور تعالج بالافتراضات الوهمية التى لا تدور إلا فى عقول المهووسين؟ هل كلما طَقَّتْ فى دماغ أى جهول فكرة سخيفة طرحها علينا بوصفها إبداعا ليس له نظير؟ وهناك أيضا “يومٌ مجموعٌ له الناس” و”يومٌ مشهودٌ” و”يوم معلوم”، وهو يوم مواجهة موسى بالسحرة فى مصر أيام فرعون، و”يوم عاصف”، و”يومٌ عَسِرٌ”، و”يومٌ عسيرٌ”، و”يومٍ ذى مَسْغَبَة”، و”يوم لا بيعٌ فيه ولا خِلالٌ”، و”يومٌ لا مردَّ له من الله”، و”يوم كان مقداره ألف سنة”، و”يوم كان مقداره خمسين الف سنة”.
وبالمناسبة فهناك تنويع فى وصف العذاب أيضا ما بين “عذاب أليم” و”عذاب شديد” و”عذاب غليظ” و”عذاب عظيم” و”عذاب مهين” و”عذاب واصب” و”عذاب مقيم” و”عذاب مستقرّ”. كما يتنوع العذاب الأخروى أيضا من خلال تنوع المضاف إليه، فهناك “عذاب السعير”، و”عذاب النار”، و”عذاب الجحيم”، و”عذاب الآخرة”، و”عذاب جهنم”، و”عذاب الهُون”، و”عذاب السَّمُوم”، و”عذاب الحريق”. ثم لماذا لم يتنبه النساخ إلى خطإ “يوم عقيم”، وهم أدرى بالقرآن من أى حمار جهول؟- إبراهيم عوض).
(القسم الثانى: أخطاء حصلَت بعدَ تدوين القرآن وذلك أثناء تنقيطه فأخطأوا فى وضع النقاط على بعض الحروف. وقد أشار كريستوف لوكسنبرغ إلى بعضِها من خلال قراءته للقرآن على ضوء الآرامية. فمثلا، الآية 64 من سورة الإسراء (“واستفزِزْ مَنِ استطَعْتَ منهم بصوتِكَ وأَجْلِبْ عليهم بِخَيْلكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم فى الأموالِ والأولادِ وعِدْهُم وما يَعِدُهُمُ الشيطانُ إلا غُرُورًا”) قرأها لُكْسنبرغ هكذا: (“واستفزِزْ مَنِ استطَعْتَ منهم بصوتِكَ وأَخْلِـبْ عليهم [اخدعهم] بِحِيَلِك ودجَلِكَ وشَرِّكْهم [أوقعهم فى الشِّراك: أغْرِهِم] الأموالِ والأولادِ وعِدْهُم وما يَعِدُهُمُ الشيطانُ إلاَّ غُرورًا”). مثالٌ آخر على أخطاء التنقيط هو الآية: “وهو الذى أَنشأَ جَنَّاتٍ مَعْروشاتٍ وغَيْرَ مَعْروشاتٍ” (الأنعام، 141) حيثُ أوردَ القرطبى فى تفسيره أنَّ عليًّا قرأها بِالْغَيْنِ المُعْجَمة والسين المُهْمَلة هكذا: (“مغروسات وغير مغروسات”). مثال ثالث على الخطأ الإملائى فى التنقيط ما اقترحَـه (أحمد الجابرى) أحدُ المشارِكين فى صفحة “أخطاء القرآن اللغوية والإنشائية”، إِذِ اقترحَ قراءةَ كلمةِ “المُصَلِّين” بالضاد المعجَمة هكذا:”المُضِـلِّين”، لينسجمَ معنى الآية التالية مع المنطق القرآنى: (“فويل “للمُـضِلِّينَ” الَّذينَ هُم عن صلاتهم ساهون” [الماعون، 4 و5])، ذلك لأنَّ المُصَــلِّين لا يمكنهم أنْ يسهوا عن صلاتِهم، وإلا لما كانوا مُصَــلِّين- محمد عبد الجليل).
(أولا الفعل: “أَخْلَبَ” هو فعلٌ لازمٌ لا مُتَعَدٍّ كما يستعمله الغبى الجاهل. و”أَخْلَبَ الماءُ: كان ذا حمأة، وهى القطعة من الطين الأسود المنتن”، ولا علاقة له بالخداع كما ترى. كما أن كلمة “أجلب”، أى أحدث الجلبة والضجة، تتسق مع “الصوت” فى قوله تعالى: “واستفزِزْ من استطعتَ منهم بصوتك” لأن الجلبة صوت من الأصوات. فانظر إلى رقاعة الكاتب الجهول وتعجب كما يحلو لك. وبالمثل فالفعل: “شَرَّكَ” لا علاقة له بإيقاع أحد فى الشَّرَك بتاتا، بل يقال: “شَرَّك بين القوم” أى جعلهم شركاء، و”شَرَّكَ النعلَ” أى ركَّب لها سيورا (على ظاهر القدم) كما فى بعض الصنادل والشباشب الآن. ثم إن كلمة “الدَّجَل” كلمة غير قرآنية، بل لم ترد فى كلام الرسول أيضا رغم ورود كلمة “الدجال” فى بعض الأحاديث.
وقائل هذا الكلام هو المدعو: كرستوفر لوكسنبرج، ذلك الذى لا يعرف أحد اسمه أو هويته على وجه التحقيق، وإن كان هناك من يقول إنه سورى. وهو صاحب القول بسريانية كثير من آيات القرآن إذ يزعم عن غير علم أو منطق أو برهان أن فى القرآن أشياء كثيرة لا يمكن فهمها بدون الرجوع إلى اللغة السريانية لأنها مأخوذة من تلك اللغة لفظا ومضمونا، فقد كان لمحمد معاونون سريان يساعدونه على تأليف القرآن وشَحْنه بالكنوز الدينية السريانية كما يقول، مع أنه لم يكن هناك أى سريان فى مكة، ولا كان حوله عليه السلام سريان فى أى مكان أو زمان أو كان يعرف سريانا، وإلا فمن هم أولئك السريان؟ ومتى وأين كان يلتقيهم؟ ومن ذا الذى رآهم أو سمع بهم يا ترى؟
والغريب أن لوكسنبرج نفسه قد قال إن السريانية آنذاك كانت موجودة فقط فى الشام والعراق. فإذا كان موطن السريانية على هذا البعد الشاسع من مكة حيث ظهر محمد والقرآن فكيف يا ترى تأثر القرآن بها؟ وأين الدليل على ذلك التأثر؟ ومن كان الوسيط أو الوسطاء الذين أخذ محمد السريانية عنهم وأدخلها قرآنه؟ وفى أية ظروف كان ذلك؟ ولماذا سكت معلموه أو معاونوه عن ذكر دورهم، وبخاصة حين خدعهم وجعل من نفسه نبيا وتركهم يقشِّرون بصلا وفاز هو بالغنيمة وصار اسمه يدوى كالطبل: أولا فى بلاد العرب، ثم فى بلاد الدنيا كلها بعد ذلك، فى الوقت الذى لا يذكرهم ولا يبالى بهم ولا يعرفهم أحد، وقبعوا فى الظلام والخفاء ونسجت عليهم العنكبوت بيتها إلى الأبد؟ بل لماذا خرس سائر سريان الشام كلهم طوال تلك القرون فلم يحاولوا فضح هذه اللعبة المحمدية؟
ثم إن القرآن يكرر فى كل المناسبات أنه قرآن عربى نزل بلسان عربى. فلو كان القرآن سريانيا لهب أهل مكة والعرب جميعا، وعلى رأسهم اليهود والنصارى والمنافقون، يصرخون فى وجه النبى عليه السلام متهميه بالكذب الصراح قائلين: كيف تجرؤ على أن تنكر الحقائق الساطعة سطوع الشمس فى وضح النهار وتقول إن القرآن الذى أتيتنا به قرآن عربى فى حين أنه سريانىٌّ؟ ثم هل تظن أننا نائمون على صماخ آذاننا فلا نعرف أن فلانا وفلانا وفلانا من السريان يعينونك فى تأليف قرآنك؟ ألا إنها لجرأة بلغت المدى فى السماجة وجمود الوجه! الحق أن لوكسنبرج لا يستعمل هنا عقله بل حوافره، فالأبعد حمار عريق فى الحمارية!
وحتى يتيقن القارئ من أن لوكسنبرج مزيف كبير نسوق إليه مثالا مما قاله فى تفسير القرآن بالاستعانة بالسريانية، التى يكذب مدعيا أن نصوصا من القرآن قد نزلت بها. فقد ورد فى تصديه لتفسير سورة النجم تحت عنوان “تحليل فيلولوجى لكلّ آية على حدة”: “وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى:… إنّ ما يصفه نولدكه بخصوص النّحو السريانى، والذى كثيرا ما يُحَيِّر المختصّين فى العربيّة، نجده أيضا جليّا فى الجملة التى تأتى فى مقدّمة السورة التى نحن بصددها. فوحدة الجملة، التى انكسرت بفعل إدخال الفاصلة الخاطئة (بعد “هَوَى”)، لم يهْتدِ إليها المفسِّرون والمترجمون. فى الحقيقة تحتوى الآيتان الافتتاحيتان على جملة مركَّبة من شرط (آية 1) وجواب شرط (آية 2). وهكذا فإنّ التركيب النحوى للجملة يكون كالتّالى: الكلمة الأولى: “والنَّجْمِ” ليست الفاعل فى الآية 1 بل هى قَسَمٌ لا دور آخر له سوى تقديم الجملة التى تأتى لاحقا. وبناء على هذا فإنّ الجملة (الآية) كلّها تكون: “وَالنَّجْمِ”، وليس “وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى”… زمن الجملة التى تأتى بعدها “إِذَا هَوَى” زمن شرطى، والفاعل هو الشخص المذكور فى جواب الشرط فى الآية 2: “صَاحِبُكُمْ”. يجب إذن أن نفهم الجملة على النحو التالى: “إِذَا هُوَ (صَاحِبُكُم) هَوَى”. جواب الشّرط (جواب القسم) يأتى منطِقيًّا فى الآية 2: “مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى”. عندما يُترجِم بل (Bell) هذه الآية هكذا: ” Your comrade has not gone astray, nor has he erred “، فهو لا يرى بوضوحٍ كافٍ ما تشير إليه، أى المَسّ الشيطانى الذى يُعْتَقَد أنّ الذى يُصَاب به يخرج عن الطريق المستقيم وينتابه الهذيان. فلهذا السّبب إذن يؤكِّد القرآن أنّ النَّبى (صَاحِبكُمْ) لم يَحِدْ عن الحقّ ولا زال عنه، ولم يُصَب بالهذيان. فتصبح ترجمة الآية الأقرب إلى الصواب كالتّالى: “Your companion has not gone astray, nor has he become delirious”.
وأول شىء ألفت الانتباه إليه هو قول المستشرق إن القرآن ينسب المرض المقدس (أى الجنون) إلى الأنبياء الآخرين. وهذا كذب وافتراء، فلم يحدث قط أن نسب القرآن الجنون إلى أى نبى أو رسول كائنا من كان، وإلا كان هذا منه تكذيبا لهم. كل ما فعل هو ذِكْرُ اتهامَ أقوام النبيين والمرسلين لهم بالجنون مفندا اتهاماتهم ومسخفا عقولهم ومتوعدا إياهم بأسوإ مصير. وشتان هذا وذاك. كذلك فزعم المستشرق أن الآيات الأولى من سورة “النجم” إنما تتحدث عن اتهام المشركين له صلى الله عليه وسلم بالجنون والهذيان هو زعم جاهل. فالآيات تذكر الضلال والهوى والغواية، وهذه أمور أخلاقية. ولو كانت تريد أن تنفى عنه الجنون لذكرت الهذيان لأنه أمر عصبى يرتبط بالجنون. وهذا من الوضوح بمكان مكين، ومن ثم فكل ما قاله الرجل فى هذا الموضوع سخف فى سخف.
أما قوله إن المفسرين، ومن ثم المترجمون، قد أخطأوا فهم التركيب الموجود فى الآيات الثلاث الأولى من السورة بسبب جريها على النحو السريانى فلا أدرى أى جنون سول له هذا الهذيان. أىّ نحو سريانى؟ وأى بطيخ؟ إن معنى الآيتين واضح تماما، وهو القَسَم بالنجم عند هُوِيِّه بأن الرسول لم يضلَّ ولم يَغْو ولم ينطق عن الهوى. فما المشكلة فى ذلك؟ أهى فى الفصل بين القسم وجوابه ووجود هذا فى آية، وذاك فى آية أخرى؟ لكن ذلك يتكرر كثيرا فى القرآن. وحتى لو سرنا على دربه الملتوى الخبيث وقلنا: إن المعنى هو “والنجم إن صاحبكم إذا هوى ما كان ضالا ولا غاويا ولا ناطقا عن الهوى” لظل الفصل قائما بين الشرط وجوابه كما هو واضح، إذ إن فعل الشرط موجود فى الآية الأولى، وجوابه موجود فى الآية الثانية. وهذا يعنى أن اعتراضه لا يخرج عن أن يكون زوبعة فى كستبان. أما الطنطنة بالنحو السريانى وإنجاده لنا فى فهم هذه الآية التى يزعم أبو جهل غموضها، وما هى بغامضة إلا على لسان الكذاب الدجال، فهى طنطنة لا معنى لها ولا محصَّل من ورائها لأنه لا يوجد هنا نحو سريانى البتة. إن هى إلا شعوذة يحاول لوكسنبرج التأثير بها على السطحيين من أمثاله.
والآن أحب أن أنبه القراء إلى أننا لو فصلنا “والنجم” عن “إذا هوى” وجعلنا “إذا” شرطية (وليست ظرفية بمعنى “حين يهوى”) لوجدنا أنفسنا إزاء تركيب لا وجود له فى القرآن قط. فالقرآن، حين يستخدم واو القسم مع شىء كالنجم، يرفد المُقْسَم به إما بـ”إذا” الظرفية وإما بنعت أو عطف مثلا، أو يفعل الأمرين جميعا: “والقرآن ذى الذِّكْر * بل الذين كفروا فى عِزّةٍ وشقاق”، “والكتابِ المُبِين * إنا جعلناه قرآنًا عربيًّا لعلكم تعقلون”، “والكتابِ المُبِين * إنا أنزلناه فى ليلةٍ مباركةٍ. إنا كنا منذِرين”، “والقرآنِ المجيد * بل عجبوا أنْ جاءهم منذرٌ منهم، فقال الكافرون: هذا شىء عجيب”، و”الذاريات ذَرْوا * فالحاملات وِقْرا * فالجاريات يُسْرا * فالمقسِّمات أمرا * إن ما تُوعَدون لَصَادِق”، “والطُّور * وكتابٍ مسطور * فى رَقٍّ منشور * والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر المسجور * إن عذاب ربك لواقع”، “والسماءِ ذات البروج * واليوم الموعود * وشاهِدٍ ومشهود * قُتِل أصحابُ الأخدود”، “والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق؟ * النَّجْمُ الثاقب * إنْ كلُّ نفسٍ لـمَّا عليها حافظ”، “والشمسِ وضُحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جَلاها * والليل إذا يغشاها *… ونفسٍ وما سوّاها * فألهمها فجورَها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دسّاها”، “والليلِ إذا يَغْشَى * والنهار إذا تجلَّى * وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأنثى * إنّ سَعْيَكم لَشَتَّى”، “والضُّحَى * والليل إذا سَجَا * ما ودَّعك ربك وما قَلَى”، “والتينِ والزيتون * وطُورِ سِينِين * وهذا البلدِ الأمين * لقد خلقنا الإنسانَ فى أحسن تقويم”…
وبالمثل سوف يكون عندنا تركيب لا يعرفه القرآن بل ولا تعرفه اللغة العربية. ذلك أن تركيب الآيتين الأُولَيَينْ طبقا لتوجيه ذلك الغبى سوف يكون كالآتى: “والنجم: إذا هوى لم يضل صاحبكم” بمعنى أن صاحبكم إذا هوى لم يضل. أى أنه إذا كان قد هوى من الصَّرْع فإنه لم يضل. والآن هل لاحظتم أن فاعل “هوى” ضمير يعود على متأخر لفظا ورتبة، وهو “صاحبكم” (فاعل فعل جواب الشرط)؟ ومعروف أن جواب الشرط يلى فعل الشرط قاعدةً وحكمًا، وهو يليه هنا واقعًا متحققا. وهذا لا تعرفه اللغة العربية ولا يعرفه القرآن. ثم متى يقول العربى: “إن فلانا قد هوى” هكذا بإطلاق دون أى تحديد أو توضيح، ويكون المقصود أنه قد سقط مصروعا؟

شاهد أيضاً

الاختصاص الإنساني للقضاء الدولي لمجابهة الانتهاكات

المحامي محمد نادر العاني باحث في مجال حقوق الإنسان إن لطبيعة النزاعات المسلحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *