أخبار عاجلة

هل انتهى فعليا تنظيم الدولة في سوريا والعراق؟

العقيد محمد فايز الأسمر

خبير عسكري سوري
عرض مقالات الكاتب

نعم تنظيم الدولة انتهى مشروعه السياسي المكاني في العراق وفي شرق الفرات السوري، وربما سينتهي لاحقًا أيضًا في البادية الشامية التي لايزال يحتفظ ببعض الجيوب ومناطق النفوذ والسيطرة فيها إلى جانب قطعان الأسد وميليشيات طائفية إيرانية. ولكن التنظيم لم ينته فكرًا  ووجودًا ،وسيظهر كثيرًا وبأعمال استنزافية على الساحة محاولاً إثبات وجوده في تلك المنطقة المزدحمة بتناقض المصالح والاستراتيجيات ،ويثبت أنه لايزال رقمًا صعبًا باقيًا وبادأشكال مختلفة في تلك المناطق.

إن الوقائع على الأرض تقول: إنه واهم و نائم في العسل ، وكل  من يعتقد من ساسة وعسكريين  بناء على استراتيجيات  أنه انتصر وأنهى خطر تنطيم الدولة (داعش) في هذين البلدين  معتمدًا في ذلك على إنهاء سيطرة التنظيم الجغرافية المكانية فيهما (شوكة النكاية والتمكين ) وهو لايعي ويدرك حقيقة آيديولوجيات وتكتيكات وفكر المجموعات الجهادية وسرعة تكيفهم مع أي ظروف مكانية وزمانية وقتالية، قد تطرأ أوظهورهم من جديد بأثواب وأسماء مختلفة لإثبات أنهم جماعات مقلقة للجميع و لاتموت أوتندثر .

تنطيم الدولة خسر جغرافيًا مناطق واسعة كانت تحت سبطرته وبكل ثرواتها الاقتصادية وخيراتها في العراق وسوريا ،وهذا ماكان ليتم لولا نتيجة جهود استخباراتية كبيرة لجمع المعلومات عنهم وتحليلها و القيام بحملات التجييش الإعلامي  ضد التنظيم في المنطقة والعالم  وبأعداد وتحضير الخطط والقواعد الحربية العسكرية  لتدريب أذرع ومقاتلين من المنطقة (قسد+مغاوير الثورة) على الأرض؛ وتسليحهم وتخصيص ميزانيات  بمئات ملايين الدولارات لأجل تلك المهمة.
  ناهيك  عن قيام واشنطن في أيلول 2014 بتشكيل وقيادة تحالف دولي لثمانين بلدًا لقتال التنظيم ،والعمل على تفكيك شبكاته وضرب بناه التحتية والاقتصادية المالية لإصابته بالشلل ، وللحد من طموحاته بالتمدد عالميًا ،كما يخطط له في أدبياته والقيام بإجراءات استخباراتية  وإجرائية على الأرض لإيقاف ومنع تدفق الأعداد الكبيرة من المقاتلين الأجانب عبر الحدود  والانضمام لصفوفه وتحصينه وتقوية شوكته اكثر.

بالمتابعة والتحليل ومن خلال الدروس المستفادة من نشوء وقيام  طالبان في أفغانستان وسقوطها المكاني السريع  أستطيع القول: إن السيطرة  المكانية وبخاصة للجماعات الجهادية المسلحة والمصنفة دوليا بالإرهابية ،وهنا أخصّ بالذكر  القاعدة وتنطيم الدولة الإسلامية او ممايدور في فلكهم  ،فإن تلك السيطرة و تمددها و الحفاظ عليها لفترات متوسطة او طويلة غالبًا لاتتوافق وأيديولوجياتهم  وليست بالملعب الأفضل والمفضل لهم ، وهذا ما أدركناه واقعًا في أفغانستان والعراق وسوريا ، وأن السيطرة المكانية على جغرافيا (ما) للتنظيمات الجهادية هي مهمة شبه مستحيلة ومكلفة جدًا؛ وعبثًا قتاليًا  لن يستطيعوا  تحمل تبعاته وتأثيرات خسائره المادية والبشرية بوجود  هؤلاء المستعدين  لوأد أحلامهم وقبل أن تولد ، أو تصبح حقيقة واقعة وملموسة  بقيام دولة أو خلافة إسلامية قابلة للتمدد شرقًا وغربًا !

       الطيران و الأرض المحرقة كان العامل القاتل للتنظيم والحاسم للتحالف :

  إن السيطرة المطلقة لسلاح الجو الضارب للتحالف الذي واجهه التنطيم والمسيطر على الأجواء راصدًا ومحددًا بدقة إحداثيات مواقعهم ومقراتهم وتحركات ومناورة أرتالهم  واستهدافاته المستمرة لقياداتهم ولمناطق سيطرتهم ،ولأي أهداف تتحرك فيها وهذا بدوره حدّ ولدرجة كبيرة من قدراتهم القتالية وإمكانية صمودهم ،أو الاحتفاظ طويلاً بمناطق سيطرتهم  وبخاصة بعدم وجود أي دعم جوي يساندهم دفاعًا وهجومًا ،أو على الأقل امتلاكهم لوسائط وصواريخ الدفاع الجوي م/ط الفعالة التي تردع جزئيًا  عنهم الأخطار القادمة من السماء أو تخفف عنهم  وطأتها.

وهنا لابد من الإشارة في كل المعارك عمومًا وضد التنظيم بخاصة أن أهم سلاح  في كل أنواع المعارك التقليدية والذي يرجح التفوق القتالي لأي طرف  هو سلاح الطيران بانواعه والذي يحيل الأرض إلى جهنم، ويمهد  لتقدم سلاحي المشاة والاقتحامات للسبطرة على الأماكن وبأقل الخسائر لهم . وهذا ماحدث فعلاً فلنقارن بماحصل في سورية والعراق فمن قدم له العون و الدعم الجوي تفوق وسيطر واستعاد مناطق كثيرة على حساب التنطيم أو على حساب فصائل الجيش الحر ، كميليشيا قسد ، و قطعان الأسد ،في حين أن من لايملك الدعم الجوي فقد تلاشت مناطق سيطرته ،أو كادت وهما داعش وفصائل المعارضة المسلحة السورية.

إن الخسارة الجغرافية والمكانية للتنظيم وبخاصة للمناطق الآهلة بالسكان عمليًا أعطته المرونة والتحول من المركزية المقيدة إلى اللامركزية التكتيكية الفاعلة ،وإعادة هيكلة نفسه وفق متطلبات المرحلة والأهم حررته عمليًا  من مسؤوليات التقوقع في أماكن بعينها مراقبة فيها تحركاته ومقراته وإحداثياته  ونقاط قوته من وسائط الاستطلاع الفضائية والجوية أو من المخبرين والعملاء والجواسيس من داخل التنظيم او من السكان المحليين المنتشرين في مناطق سيطرته والتي يبلغونها بدورهم للتحالف للتعامل معها لاحقًا بالقصف و الاستنزاف اليومي بل اللحظي.

عمليًا خسارة التنظيم مناطق سيطرته والتي كان آخرها جيب الباغوز ، لم ولن تمنع بقايا التنظيم من التماهي مع الظروف الطارئة و الانتشار في كل مناطق وبلدات شرق الفرات ، وبادية الجزيرة في محافظات دير الزور والرقة والحسكة  ووصولاً إلى منبج  و التكيف تكتيكيًا على قتال الأشباح وحرب العصابات (اضرب واهرب) أو خلايا عنقودية نائمة ومجموعات صغيرة للقيام بأعمال ثأرية واستنزافية  شبه يومية ضد ميليشيا قسد والأسد وقوات التحالف من خلال أعمال التفجيرات والاستهدافات الدائمة للحواجز المنتشرة بين المدن والبلدات ،و الاغتيالات والمفخخات و القيام بهجمات منسقة ومخططة وإغارات ليلية ونهارية خاطفة وهذا ماوجدناه بهحماته لأكثر من مرّة على القاعدة الأمريكية في حقل العمر ،والاشتباك مع حراساتها  وسقوط قتلى وجرحى من قسد أو حتى باستهداف جنود أمريكيين من خلال تفجير مقاتلين أنفسهم بأحزمة ناسفة كما تمّ قبل أشهر في منبج وقتل وجرح في هذا الهجوم جنود أمريكيون .

ختامًا :
إن فكرة الانتصار و القضاء على التنطيم والترويج لها هو ادعاء غير واقعي ،ولكن يمكننا القول إن نشاطه تبعًا لذلك قد قلّ ولكن لايزال التنظيم يحتفط بكثير من امكانيات وظروف الظهور أقوى في ظل الفوضى الأمنية والفقر والظلم والاستبداد بحق مكونات اجتماعية بعينها ، والفساد والغبن والطائفية السياسية وتواجد أصحاب النفوذ الأقليميين والدوليين في المنطقة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

دور التنمية المستدامة في القطاع التعليمي من منظور الفكر الإسلامي

د. محمد القطاونة أستاذ العقيدة والفلسفة بالاشتراك مع أ.سعيد محمد زعبنوت_ باحث دكتوراة …