أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / محظورات الحج فيها توسعة

محظورات الحج فيها توسعة

د. سلمان العودة

عرض مقالات الكاتب

فحلق الرأس محظور بالكتاب والسنة والإجماع، وإذا احتاج إليه حَلَقَ وفدى؛ كما في قصة كعب بن عُجْرَة رضي الله عنه في «الصحيحين»؛ أنه قال: أتى عليَّ النبي ﷺ زمن الحديبية، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «أيؤذيك هَوامُّ رأسك؟». قلت: نعم. قال: «فاحلق، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكةً».

وكذلك التوسعة في لبس الإزار ولو كان مخيطًا؛ لكن ليس على هيئة السراويل، كملابس الإحرام التي انتشرت أخيرًا، والتي يخاط طرفا الإزار ويُجعل له تكةويرسل، دون أن يُفصل منه كُمٌّ عن آخر، وقد حكى ابن تيمية الإجماع على جوازه.

والأصل في ذلك ما رواه البخاري ومسلم، عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيﷺ، أن رجلًا سأله: ما يلبس المُحْرِم؟ فقال: «لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البُرْنُس، ولا ثوبًا مسه الورس، أو الزعفران، فإن لم يجد النعلين؛ فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين». والمقصود بالمخيط هو ما عبَّر عنه بعضُ الفقهاءِ بقولهم: «المخِيط: المـُحِيط»، أي: بالبدنِ أو العضوِ. وإن كانت الكلمة لم ترد في القرآن، ولا في السنة بهذا الاصطلاح.

وقد وقع بها لبس عند البعض، فقالوا: كل مخيط لا يلبس، والعلة هي الخياطة.

وهذا غلط، فلو انشق الإزار أو الرداء اللذان يلبسهما فخاطهما، ثم لَبِسَهُما؛ فلا شيء عليه بالاتفاق.

فهناك توسعة وإذن شرعي في لبس المخيط الذي يكون إزارًا في أسفل البدن؛ فما كان يسمى إزارًا، فإنه يجوز لبسه حال الإحرام.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «شرح العمدة»: «إن فَتْقَ السراويل يجعله بمنزلة الإزار، حتى يجوز لبسه مع وجود الإزار بالإجماع».

وقال أيضًا: «أَمَّا إِنْ خِيط أو وُصِل لا لِيُحيط بالعضو ويكون على قدره؛ مثل الإزار والرداء الموصَّل والمرقَّع ونحو ذلك، فلا بأس به، فإن مناط الحكمِ هو اللباسُ المصنوعُ على قدر الأعضاء، وهو اللباسُ المحيطُ بالأعضاء، واللباسُ المعتادُ».

وفي «المجموع»، و«المغني»،وغيرهما قريب من هذا.

وكذلك لبس الخفين إذا لم يجد النعلين، وفي مشروعية قطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين نزاع بين أهل العلم:

فعدم مشروعية القطع هو المشهور عن أحمد، وقطعهما مذهب الجمهور.

واحتج أحمد بحديث ابن عباس وجابر رضي الله عنهما: «من لم يجد نعلين فليلبس خفين». فليس فيهما قطع الخف، وقد قال النبي ﷺ ذلك بعرفات؛ مع أن كثيرًا من الذين حضروا بعرفات لم يشهدوا كلامه بالمدينة والذي فيه الأمر بالقطع، فدل ذلك على أن هذا ناسخ لما قبله، وهو آخر الأمرين منه صلى الله عليه وسلم، مع قول علي رضي الله عنه: «قطع الخفين فساد، يلبسهما كما هما». مع موافقة القياس، فإنه ملبوس أبيح للحاجة، فأشبه السراويل، وقطعه إتلاف للمال.

وثَمَّت أمور يتورع عنها بعض الناس، وقد يذكرها من الفقهاء من يذكرها بدون دليل، فالأصل التوسعة على الناس فيها.

ومن ذلك: التورع عن الاغتسال حال الإحرام:

عن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: بينما عمر رضي الله عنه يغتسل إلى بعير- يعني: وهو مُحْرِمٌ- وأنا أستر عليه بثوب، إذ قال لي: «يا يعلى! أَصْبُبُ على رأسي؟». قلت: أمير المؤمنين أعلم. قال: «والله ما أرى الماء يزيد الشعرَ إلا شعثًا». قال: «بسم الله». وأفاض على رأسه.

يريد رضي الله عنه أن غسل الرأس بالماء ليس طِيبًا ولا بمعناه، وإنما هو تنظيف مـَحْض.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لقد رأيتني أُماقِلُ – والمماقلة: التغطيس في الماء- عمر بن الخطاب بالجحفة، ونحن محرمان».

ومثله أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يترامس – والترامس: التغاطس- هو وابن عباس رضي الله عنهما وهما محرمان. أي: يغوصون في الماء، ويتنافسون أيهم أكثر بقاءً دون أن يتنفس!

وروى البيهقي، وغيره، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن عاصم ابن عمر وعبد الرحمن بن زيد وقعا في البحر يتماقلان، يغيِّب أحدهما رأس صاحبه، وعمر ينظر إليهما، فلم ينكر ذلك عليهما.

وأنت تلحظ في هذا نوع دعابة وتبسط من الخليفة العظيم عمر الفاروق رضي الله عنه، مع شاب كابن عباس؛ حرصًا على القرب من مشاعر الشباب وأحاسيسهم وعواطفهم وميولهم، وهذا من الحصافة والفقه والمعرفة وبناء الصلة بين الأجيال؛ لئلا يقع الانقطاع بين الشيوخ والشباب.

وكم هو عجيب أن يقع هذا وذاك من أصحاب محمد ﷺ وهم مُحرمون، ولم يروا به بأسًا، وكانوا، كما وصفهم ابن مسعود رضي الله عنه: «أقل هذه الأمة تكلُّفًا». وقد فتحوا الدنيا، ونشروا العدل، وأقام الله بهم الملة، وهم هكذا بكل عفوية وفطرية يفتقدها اليوم الكثير من المربين فضلًا عن غيرهم، وربما تدينوا بتركها، أو رأوا فيها ما يدل على خِفَّة فاعلها أو نقص رزانته!

بل قد روى البخاري، ومسلم، عن عبد الله بن حُنين، أن عبد الله بن عباس والمِسْوَرَ بن مَخْرَمة رضي الله عنهما اختلفا بالأبواء، فقال ابنُ عباس: يغسل المُحرِم رأسه. وقال المِسْوَرُ: لا يغسل المحرم رأسه. فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أسأله عن ذلك، فوجدته يغتسل بين القرنين، وهو يستتر بثوب. قال: فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلتُ: أنا عبد الله بن حُنين، أرسلني إليك عبد الله بن عباس، أسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب رضي الله عنه يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصبُّ: اصْبُبْ! فصبَّ على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: «هكذا رأيته صلى الله عليه وسلم يفعل».

فهذا كله من التوسعة.

ومثل ذلك: شم الريحان، والتختم، ولبس الهِميان، والتداوي، ودخول الحمام:

قال البخاري رحمه الله في صحيحه: «قال ابن عباس رضي الله عنهما: «يَشَمُّ المحرمُ الريحانَ، وينظر في المرآة، ويتداوى بما يَأْكُلُ الزيتِ والسمنِ».

وقال عطاء: «يتختم ويلبس الهِمْيَان».

وطاف ابن عمر رضي الله عنهما وهو مُـحْرِم، وقد حزم على بطنه بثوب.

ولم تر عائشة رضي الله عنها بالتُّـبَّان بأسًا للذين يرحلون هودجها».

قال ابن حجر رحمه الله في «فتح الباري»: «وكأن هذا رأي رأته عائشة (أي: جواز لبسه) وإلا فالأكثر على أنه لا فرق بين التُّـبَّان والسراويل في منعه للمحرم».

وسئل عثمان رضي الله عنه: أيدخل المحرم البستان؟ قال: «نعم ويَشُمُّ الريحان!».

ودخل ابن عباس رضي الله عنهما حمام الجحفة وهو محرم، فقال: «إن الله لا يصنع بأوساخكم شيئًا»

وقال أيضًا: «المحرم يشم الريحان، ويدخل الحمام».

والحمام هنا: ليس هو مكان قضاء الحاجة، بل هو المكان الحار الذي يزيل الوسخ عن البدن بواسطة الحرارة، كما يعرف اليوم بـ(الساونا والجاكوزا) وغيرها.

فالنظافة والجمال وطِيْب البدن مَطالب فاضلة للحاج وغيره، إلا ما ورد النص بالنهي عنه.

ومثله التبرُّد بالماء البارد أو المكيف أو المروحة، أو الاستظلال بشجرة أو سيارة أو سقف أو شمسية، فهو حسن، ولا يشرع تَجَنُّبُهُ.

ولو حمل على رأسه شيئًا لم يضرَّه؛ لأنه لم يقصد التغطية.

ومن الطريف أن رجلًا سأل الشَّعْبيَّ: هل يجوز للمحرم أن يحكَّ جسدَه؟ قال: نعم. قال: مقدار كم؟ قال: حتى يبدُوَ العظم!

ومن التيسير: جواز الأنساك الثلاثة: التمتع، والإفراد، والقران، وهذا إجماع، أو شبهه عند أهل العلم.

وقد ذهب الشيخ الألباني رحمه الله إلى وجوب التمتع، ونسبه لابن عباس رضي الله عنهما وغيره، ولا أراه يصح عن ابن عباس أن يقول بالتحريم على وجه الإطلاق، وهو لا يرى العمرة للمكي، ومعناه أن المكي لا يتمتع.

وقال قوم: إن الأنساك الثلاثة سواء في الفضيلة.

 والأجود: أن القران أفضل لمن ساق الهدي، وأن من أدى العمرة في أشهر الحج ثم رجع إلى أهله فالأفضل في حقه الإفراد.

وهذا خلاصة ما قرره جمع من أهل العلم.

والمقصود: أن في الأمر سَعة، ولا تثريب في ذلك، وعلى المفتي أو طالب العلم أن يراعي أحوال الحجاج، وأن يجعل شعاره كما سبق «افعل ولا حرج» ما دام أن في الأمر سَعَة ورخصة.

كما أن على المفتي أن يدرك اختلاف الناس وتنوع مشاربهم ومذاهبهم وأقوال المفتين لديهم، وحَمْلُهم على قول واحد أو مذهب واحد مُتعسّر بل متعذر، وسَعة الشريعة لا تحكم بضيق هذا المذهب أو ذاك في بعض الفروع والمسائل.

من كتاب “افعل ولا حرج”  للدكتور الشيخ “سلمان عبدالله العودة” “ص 9 – 11”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

تربية الصَّحابة على مكارم الأخلاق من خلال القصص القرآنيّ

د. علي محمّد الصلابيّ إنَّ القصص القرآنيَّ غنيٌّ بالمواعظ، والحكم، والأصول العقديَّة، …