أخبار عاجلة

مباحث في علم الحديث (3)

محمد عبد الحي عوينة

كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا.
عرض مقالات الكاتب

المــصادر والمـــراجع
يخلط كثيرٌ من الناس بين المصادر والمراجع، وكثير منهم لا يعرف الفرق بينهما، والأمر يسير إن شاء الله.
فقد ذكرنا من قبل أن هناك بعض الكتب والمصنفات، ذَكَرَ فيها أصحابها الأحاديث بأسانيدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل كتب الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم وغيرها، وهذه مصادر.
أما من صنف كتاباً جمع فيه أحاديث، ولم يروها بإسناده، ولكن نقلها من مصادرها، فليس هذا مصدراً.
فإنك إن اردت أن تذكر حديثا مثلاً، وكان هذا الحديث في البخاري
لكنك قرأته في رياض الصالحين، أو نقلته من رياض الصالحين، أو الترغيب والترهيب، أو الجامع الصغير
فكتاب البخاري مصدر، ورياض الصالحين في هذه الحالة مرجع
لأن البخاري روى الحديث بسنده فهو أصل، مصدر للحديث.
أما رياض الصالحين، فيذكر أحاديث نقلها من البخاري وغيره، فإذا نقلتَ منه فهو مرجعك الذي رجعت إليه لتنقل الحديث.
كذلك الجامع الصغير، فالجامع الصغير للسيوطي والذي اختصره من كتابه الجامع الكبير، مرجعٌ وليس مصدراً، لانه نقل الأحاديث من مصادرها ولم يروها بإسناده.
وأيضاً كتاب الترغيب والترهيب، و بلوغ المرام، ومنار السبيل، ونيل الأوتار، كل ذلك ليس مصدراً للحديث، لأنها تنقل ممن روى الحديث بسندة.
وبالتالي فليس كتاب صحيح الجامع الصغير، ولا ضعيف الجامع مصدراً، بغض الطرف عن عدم موافقتنا على تقسيم كتاب الجامع الصغير على النحو الذي فعله الشيخ الألباني رحمه الله، لكنه ليس مصدراً
ومن هنا تعلم خطأ من يرسل لك رسالة يذكر فيها حديث ويقول لك المصدر صحيح الجامع، أو السلسلة الصحيحة، أو صحيح الترمذي، أو نحو ذلك، لأن مثل ذلك ليس مصدراً، ولا حتى الجامع الصغير نفسه مصدر، ولا الجامع الكبير أيضاً، ولا صحيح. الترمذي أو صحيح أبي داود؛ لكن سنن أبي داود وكتب السنن مصادر.
وزيادة في الإيضاح نقول: في الفقه مثلاً
لو انك ذكرت قول الإمام الشافعي ونقلته من الأم، أو الرسالة، أو الإملاء مثلاً، فهذه مصادر، لأنك نقلت قول الشافعي من كتب الشافعي.
أما إذا نقلت قول الشافعي من الحاوي للماوردي، أو المجموع شرح المهذب للنووي، فهي مراجع، ومصدر أقوال الشافعي هي كتب الشافعي.
وفي التاريخ:
لو نقلت حادثة من تاريخ الطبري فهو لها مصدر.
فإن نقلت من البداية والنهاية نفس الحادثة فهو مرجع، لأن البداية والنهاية اختصار لتاريخ الطبري، فأصل الحادثة عند الطبري فهو مصدرها، ومن نقلها ممن نقلها عن الطبري فقد نقل من مرجع، وليس من مصدر.
وقد يكون الكتاب مصدرٌ ومرجعٌ في نفس الوقت:
فمثلا كتاب الحاوي الكبير للماوري
إن نقلت منه قول الشافعي فهو هنا مرجع
وإن نقلت منه قول الماوردي فهو مصدر.
كذلك لو نقلت من البداية والنهاية أحداث نقلها من تاريخ الطبري، فهو في هذه الحالة مرجع.
أما إذا نقلت منه أحداث عاشها ابن كثير، فيكون البداية والنهاية في هذه الحالة مصدر.

الفائدة من معرفة الفرق بين المصادر والمراجع

وقد يقول قائل:
ما الفائدة من معرفة التفرقة بين المصادر والمراجع؟
وما الضرر من عدم معرفة ذلك؟
بالنسبة للأمي والعامي، قد لا يكون ذلك مهماً كثيراً، أما الدَّارس والباحث، وطالب العلم، فهناك فوائد عديدة لمعرفة الفرق بينهما. نوضح بعض هذه الفوائد فيما يلي:
ـ قد يذكر السيوطي حديثاً في الجامع الصغير، ويكون هذا الحديث في البخاري ومسلم والترمذي مثلاً، فلكي تعرف لفظ البخاري لا بد من الرجوع لمصدر الحديث، ولا يكفي عندئذ المرجع، حتى لا تأتي بلفظ الترمذي مثلا وتقول رواه البخاري.
ويظهر فائدة ذلك بوضوح إذا كان الحديث أصله في البخاري، وروي من طريق ضعيف بزيادة لفظةٍ عند غيره، فإن رويت الحديث بالزيادة الضعيفة ، فلا يجوز أن تعزوه للبخاري، وإن كان أصل الحديث فيه، لأنك عندئذ ربما تحتج بهذه الزيادة رغم إنها ضعيفة، وستغترّ، أو تَغُرّ غيرك بان الحديث في البخاري.
ـ كذلك في التاريخ فقد يحكي الطبري قصة في تاريخه، ثم يختصرها ابن كثير في البداية والنهاية مثلاً، فالرجوع للمصدر تجد فيه زيادة فائدة، أو شيء تكون تبحث عنه غير موجود في الرواية المختصرة.
ـ في الفقه :
قد يكون هناك رأي آخر في المسألة، واقتصر المرجع على ذكر أحدهما لرجحانه عنده، ويهمل ذكر القول الآخر، الذي قد يكون راجحاً في الحقيقة.
-في علم الرجال والجرح والتعديل: قد يكون أحد الرواة ثقة، لكنه قد يكون ضعيفاً في فلان، ويكون ذلك مذكور في المصادر والمبسوطات، فيأتي المرجع المختصر فيكتفي بذكر أنه ثقة، وقد يكون الحديث الذي تبحث فيه من رواية فلان هذا، فإذا اعتمدت على المرجع فسيكون حكمك ليس صواباً.

وهناك فوائد أخرى لمعرفة الفرق بين المصادر والمراجع، قد يأتي ذكر بعضها بعد ذلك.
مثال:
حديث ثابت عن أنس رضي الله عنه: أتى علي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأنا ألعب مع الغلمان، فسلم علينا، فبعثني في حاجة، فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ فقلت: بعثني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لحاجةٍ، قالت ما حاجته؟
قلت: إنها سر، قالت: لا تخبرن بسرِّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -أحداً.

قد يقول قائل: هذا حديث متفق عليه أي رواه البخاري ومسلم،
فإذا رجعت لمصدره علمت أن هذا لفظ مسلم.
أما لفظ البخاري :أسر إلي النبي صلى الله عليه وسلم سراً فما أخبرت به أحدأ بعده، ولقد سألتني أم سليم فما أخبرتها به.
فرواية مسلم فيها زيادة في أول الحديث لا يجوز أن تُعزا للبخاري
وهذا من فوائد الرجوع للمصادر.
وخلاصة القول أن الإعتماد على المصادر يجنبك الوقوع في الخطأ.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قراءة في واقعنا المعاصر مع الشيخ “محمد قطب” رحمه الله (ج 3)

د. عثمان محمد بخاش باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة يرصد الشيخ قطب …