أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / سفر الحوالي.. من المرابع للسجون – الحلقة الثانية

سفر الحوالي.. من المرابع للسجون – الحلقة الثانية

سلطان العبدلي

محام ٍ وباحث.
عرض مقالات الكاتب

وفي الجامعة الإسلامية لم يكن الطالب سفر الحوالي تلميذاً عادياً فقد تميز بنجابته ولوذعيته وليس من مقامنا هنا ذكر ما كان يتميز به على مستوى الطرفة والنكتة وبالمناسبة هذه من سمات العباقرة أنهم أصحاب نكتة بل النكتة والدعابة على طرف ألسنتهم وعندي من ذلك قصص كثيرةٌ من الشيخ مشافهة.

نعود لكلية الشريعة ونشاطه وسبقه لمجايليه ولِدَاتِهِ وأقرانه فقد نشر في مجلة الجامعة الإسلامية آنذاك قصيدة “وداعاً يا أماه” وهي تصور الشهيد لمَّا أراد توديع أمه في مرجلة حاسمة الله الله من تلك الأبيات التي تدمي القلوب قبل العيون وقد كتبها هذا الطالب النجيب تقريبا عام ١٣٩١هـــ الموافق 1971م وقد كنتُ ألقيها في المجامع وفي هذه القصيدة يتبين جلياً نفسية سفر الحوالي وشجاعة سفر الحوالي وأن سفر الحوالي لا يهاب الموت صدقاً لا ادعاءً وفعلاً وقولاً لا قولاً مجرداً..

المعاني التي صاغها سفر في قصيدته قبل ما بات يسمى بالصحوة التي كان سفر الحوالي بعدُ أحد أساطينها العلماء الكبار الأوفياء لها كما سيأتي..

وسأنقل هنا آخر بيوتات تلك القصيدة الباذخة:

           لا والذي بالقدس شرَّف أرضه

                                ما كـان لي يا أمُّ أنْ أسلاهُ

           لا والذي بالــطُّهْر أنــْقى تـُرْبَهُ

                             ماكنتُ أرضى أنْ يُدَاسَ حماهُ

           كم في خيام الذل من فتياننا

                             مــن ناله ما نــالنـــي ودهـــاهُ

           لكننــي عِفْتُ الحيــاةَ مشرَّداً

                             ورضيتُ دربــاً لا أريدُ ســـواهُ

           لا تمسحي دمعي ولكنْ ودِّعي

                              بطلاً يباركُ ربُّهُ مسعــــــــــاهُ

          لا تجزعي فلقد يطول غيـــابُهُ

                              عن مقلتيْكِ وتختفي رؤيــــاهُ

          وإلى اللقاء لدى الإله وخُلْدِهِ

                              في عـــالم الأرواح يـــا أمــــــاهُ

          ومضى الفدائيُّ الشهيدُ لربه

                              عَجِلاً إلـــيه كــيْ ينــــــالَ رضاهُ

من هذه الجامعة المترعة بالعلماء الكبار في الفقه والتأريخ واللغة والمنطق والفلسفة وزخارة مناهجها إذْ وضعها جهابذة العلم يكفي أنَّ مقرراتها كان ممن يقُِرُّها إمام الدنيا في عهده في التفسير واللغة الحافظ الباقعة صاحب تفسير الأضواء الشيخ محمد الأمين الجكني بن آبَّه الشنقيطيُّ وكان جاراً لأهل أمي وقد حدَّث شيخي مرة وهو أعلم أهل الأرض باللغة الشيخ/أحمدو رحمة الله على تلك الروح وذاك الجسد النحيل.. الذي براه بذل العلم لطلابه..

فقد سأله بعضٌ من زملائي في الطلب مرة هل هناك يا شيخ من هو أعلم منك بالعربية ليطلب عنده العلم.. ولا يستغربنَّ أحدٌ هذا السؤال فقد كان الشيخ يسافر في الصيف كما قال لي بنفسه مرةً لــ(ماما) فقال الشيخ أحمدو مجيباً:

لو أعلم أحدا أعلم مني من أهل الأرض بالعربية لشددتُ إليه الرَّحْلَ ولكن كان هناك واحدٌ ومات. فلما سأله الطلاب من هو يا شيخ؟ فقال: الشيخ آبَّّهْ

ولئن كان الوقت غير مناسب ولكن سأذكر هذه الطرفة من الشيخ الأمين لمَّا زار فيصل الجامعة، ومعه بعض وزرائه فعرَّف فيصلٌ الشيخ بوزيره الشهير رشاد فرعون فقال للشيخ الأمين وقد دخلوا يستمعون الدرس في القاعة كجزء من زندقة آل سعود المهم أنَّ فيصل قال للشيخ: هذا رشاد فرعون، فقال الشيخ على البديهة لفصيل: وما أمرُ فرعونَ برشيد

في هذه الأجواء العلمية ينبغ مثل هؤلاء القادة مع ما منَّ الله به عليهم من أهلية في العلم والحفظ والفهم.

تخرج الطالب سفر من الجامعة فتوجه تلقاء مكة المكرمة بلد الله الحرام وهناك جوار مسجد الكعبة ليلتحق بجامعة أم القرى معيدا بقسم العقيدة بكلية الدعوة فللمعيد سفر بن عبدالرحمن الحوالي قصة طويلة مع الفرق والملل المعاصرة فطالما نازلهم وهنا وجد نفسه لزاما عليه أنْ يتقدم بالعالِمية العالية الماجستير فكان العجب من المشرف والطالب والرسالة  ، فالمشرف هو المفكر الإسلامي الكبير أخو الشهيد وهو الأستاذ/ محمد قطب – سقى الله عظامه شآبيب الرحمات- والرسالة/ العلمانية: نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة.

والطالب سفر النابه المتقدم فالرسالة تعرض فيها قبل أربعين عاماً لما يتكلم فيه المفكرون اليوم فلقد عرَّج على دين أوربا أو النصرانية بين التحريف والابتداع وما اعترى الرهبانية من التحريف والتبديل وفصل من أهم الفصول في الرسالة وهو أسبابها وذكر منها:

طغيان رجال الكنيسة وأسبابه طغيان الدين والمال والطغيان السياسي والصراع بين الكنيسة والعلم ثم عرَّج على نظرية التطور وثورة التنوير والقوى الشيطانية الخفية ووقوف الكنيسة ضد مطالب الجماهير وتعرض لعلمانية الحكم والاقتصاد والعلم والأدب والفن ومباحث هامة لانهاية لإبداعها وأهميتها.

ومراجع هـذا البحث ذي الـ 728 صحيفة كتب في وقت متقدم من الزمن حيث الغفلة قد عمت المجتمعات والمتنورون اليقظون قلة بل أقل من القليل وكأنَّ من يطرح تلك الموضوعات يصيح في وادٍ سحيق.

ومما يبين أهمية هذا البحث المتميز أن من جاء بعده كلهم عيالٌ عليه في المراجع والفصول والأبواب وبالطبع بحث كهذا لابدَّ وأنْ يجاز بمرتبة الشرف مع التوصية بالطباعة، وكذلك لما بعث الشيخ سفر للدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد الباحث الشهير المتقن وعلى سعة اطلاعه أنه لم يعرف ولم يسمع بالعلمانية من قبل إلا من هذا البحث.

ثم ظل المحاضر الشيخ سفر الحوالي يهيئ نفسه للقدر المحتوم وحيث دور مطلوب منه أنْ يؤديه شرعاً وواجب وعقائدي ثم تقدم للعالِمية العالية فكانت الرسالة المتميزة أيضاً: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي. وكان المشرف كذلك الأستاذ المفكر/ محمد قطب وناقشه أحد أقطاب الفلسفة من الأزهريين وهو أ. د. بركات الدين دويدار

وممن حضر وأخبرني عن المناقشة الدكتور الأديب/ أحمد بن علي القرني أستاذ الحديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة حيث القاعة تغص بالحضور والشيخ كان واثقاً من رسالته وحازتْ كذلك على التوصية بالطبع.

طبعت الرسالة حين كان الشيخ ممنوعاً من كل شي فالجميع سمح له بالسفر إلا هو فقد كان خلقه الشمم وميزانه العدل ومبدؤه الحرية.

بعد مرحلة الدكتوراة شرع الدكتور الشاب ذي 35 ربيعاً بشرح العقيدة الطحاوية بجامع متعب بحي الجامعة بمدينة جدة وكان الحضور يسيراً جدا والشيخ بكل ما في رأسه من علم وشجاعة ونباهة متواضع جم التواضع في سيارته وملبسه وحديثه، عميقاً في حديثه صارماً في معتقده لا يرضى الطريق الدون ولا المنهج الدون ثائر في داخله ثورة أمم وهموم أمم  تتقدمها قضية الأقصى ومن لا يعرف أن الدكتور سفر الحوالي هو أكثر من تبنى القضية العظمى في بلادنا الغالية (فلسطين) فلا يعرف القضية بتفاصيلها ولأن الدكتور سفر الحوالي لا يحب الطنطنة ولا الجعجعة وإنما صمتُهُ العجيب وراء نجاح أعماله والرجل من شدة نسكه تعجب أنه يعيش في القرن الواحد والعشرين.

شاهد أيضاً

براءة الإنترنت من دمار القيم

الدكتور عزت السيد أحمد كاتب ومفكر عربي كان لي بفضل الله فضل السبق …

تعليق واحد

  1. الفاضل بن حميدة الكثيري

    سفر الحوالي قيمة مضافة الى مفكري الأمة الذين اضافوا بافكارهم رؤى متقدمة في سبيل تطوير الأمة وتصويب مسالكها رغم انها محفوفة بالاستبداد والقتل والاستئصال … والرفض المطلق الفكر النهضوي …سفر الحوالي والسيد قطب. وغيرهم رجال في قلب عاصفة المظالم …قدموا انفسهم فداء لكل الأمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *