أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / عقيدة المسيَّا المخلِّص بين القرآن والسنُّة وبين الكتاب المقدَّس 2 من 10

عقيدة المسيَّا المخلِّص بين القرآن والسنُّة وبين الكتاب المقدَّس 2 من 10

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

كان الإسينيِّون، كما يتفق دي بانسن ودوان، الذين انتقلوا إلى الأرض المقدَّسة هم الذين تبنَّوا مسألة ظهور المسيَّا الجديد، خاصةً وأن جوتاما بوذا قد بشَّر بظهور مسيا جديد من بعده يحمل رسالة السلام في العالم، وذلك وسط ترقُّب بني إسرائيل، الذين كانوا ينتظرونه بفارغ الصبر. قد يندهش البعض من ردِّ فعل بني إسرائيل بعد ظهور المسيح، ولكن السبب في نفورهم منه يرجع إلى سببين أساسيين. أول سبب هو خشيَّة الحاكم الروماني من صحَّة نبوءة ناثان بأن يصبح المسيح ملكًا ينزع مُلكه؛ وثاني سبب هو عدم رضا كهنة هيكل أورشليم عمَّا جاء به المسيح. وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذه هي الأسباب التي جاءت بها الأناجيل الأربعة المعترف بها: متَّى ومرقص ولوقا ويوحنَّا، ولن نتطرق في هذه المرحلة إلى الأسباب الواردة في إنجيل برنابا، ثم في القرآن الكريم.

3.التشابه بين عبادات المسيحيَّة وعبادات الديانات الوثنيَّة السابقة لها

قبل الجزم بأنَّ العقيدة التي نشرها الإسينيِّون، ودعَّمها شاؤول الطرسوسي إلى حد التوثيق، هي مأخوذة عن الديانات الوثنيَّة، وأبرزها البوذيَّة، تنبغي الإشارة إلى أهم نقاط التشابه بين عبادات المسيحيَّة وعبادات الديانات الوثنيَّة السابقة لها في الظهور بقرون طويلة، أقلُّها خمسة قرون، في حالة البوذيَّة. ومن أبرز العقائد المشتركة بين المسيحيَّة وغيرها الأفخارستيا، أو القربان المقدَّس، التعميد، عبادة أمِّ الطفل الإلهي رغم كونها من بني البشر، اتخاذ الصليب رمزًا، الاحتفال بيوم ميلاد الإله يوم 25 ديسمبر، والإيمان بالثالوث المقدَّس.

وردت عقيدة أكل لحم المسيح وشُرب دمه في الأناجيل الأربعة، وندلل على ذلك بالآيات التاليَّة:

إنجيل متَّى ” وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي” (إصحاح 26: آية 26).

إنجيل مرقص “وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ، أَخَذَ يَسُوعُ خُبْزًا وَبَارَكَ وَكَسَّرَ، وَأَعْطَاهُمْ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا، هذَا هُوَ جَسَدِي” (إصحاح 14: آية 22).

إنجيل لوقا “وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي»” (إصحاح 22: آية 19).

إنجيل يوحنَّا “«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” (إصحاح 6: آيتان 53-54).

توجد هذه العادة في البوذيَّة من قبل، حيث اعتاد أتباع اللاما الكبير على شرب النبيذ وأكل الخبز ضمن طقوسهم؛ وكذلك فعل معتنقو الديانات الهنديَّة والفارسيَّة الأخرى، الذين اعتبروا عصير العنب بديلًا عن دم الإله؛ واعتاد المصريون القدماء على كعكات “مقدَّسة” كانوا يجلبونها إلى المعابد، مع النبيذ، للاحتفال بقيامة إلههم أوزوريس، وكذلك فعل الوثنيون في المكسيك وأجزاء من أوروبا والشرق قديمًا. مع ذلك، فالقربان المقدَّس في المسيحيَّة هو أقرب ما يكون منه في ديانة الميثرائيَّة الفارسيَّة القديمة.  الأهم من هذا كلِّه أنَّ قساوسة المسيحيَّة قد اعترفوا بتعمُّدهم تبنِّي العبادات الخاصة بالديانات الإغريقيَّة والرومانيَّة القديمة لتشجيع الوثنيين على اعتناق المسيحيَّة. وتتعارض الآيَّة 3 من سورة المائدة مع ذلك “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ.”

نأتي إلى التعميد، فقد ورد أنَّ القدِّيس يوحنَّا-كاتب الإنجيل الرابع والمبشِّر بالمسيح وفق العهد الجديد، ونبي الله يحيي بن زكريا وفق ما ورد في القرآن الكريم-هو الذي عمَّد المسيح في نهر الأردن؛ ومع ذلك، يرى الكاتب توماس دوان أنَّ التعميد ما هو إلا عادة وثنيَّة أُدخلت على المسيحيَّة، وأدلته على ذلك كثيرة. ففكرة غمر الطفل في المياه، أو رشِّه بها، لمحو الخطايا موجودة في الديانات الهنديَّة القديمة، ومن بينها البوذيَّة، واعتاد عليها أهل منغوليا والتبت. انتشر التعميد بين معتنقي البرهامانيَّة، وبين معتنقي الديانات الوثنيَّة المصريَّة والرومانيَّة الفارسيَّة. ومن بين الديانات الفارسيَّة التي اعتمدت التعميد بين عاداتها الزرادشتيَّة، سواءً مع الصغار أو مع الكبار. وأخذ المصريون القدماء التعميد عن إيزيس، وأسموه “التطهير بالماء،” واعتبروا أنَّ الغسل بالماء يطهِّر الروح مع الجسد، ويُعد بمثابة بعث جديد. لم يذكر الله تعالى أي تطهير لعيسى إلا من الكافرين، في الآيَّة 55 من سورة آل عمران “إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا.”

أمَّا بالنسبة إلى عبادة أمِّ الإله الإنسانة، عبد بنو إسرائيل إلهة أسموها “ملكة السماوات” هي إيزيس أمُّ الإله الفرعوني حورس، كما ورد في الإصحاح 44 من سفر ارميا، وعبدوا لاحقًا السيدة مريم ابنة عمران، وهذا بالضبط ما سبقتهم إليه الأمم الوثنيَّة الأخرى. فقد عبر الأشوريون والبابليون القدماء إلهة وابنها؛ وكذلك فعل أصحاب الحضارة الإتروسكانيَّة الرومانيَّة القديمة إلهة اسمها نوتريا، كما عبد الفرس القدماء إلهة، هي أمُّ الإله ميثرا. وبالنسبة إلى الإغريق والرومان القدماء، فقد عبدوا العديد من الآلهة الإناث أمَّهات آلهة، من بينهنَّ ميهرا، أمُّ الإله باخوس، وقد عُرفت باسم “ملكة السماوات”، نفس اسم الإلهة التي عبدها بنو إسرائيل قبل مريم. ويتعارض ذلك مع تنديد الله تعالى باتخاذ المسيح وأمِّه إلهين من دونه في الآيَّة 116 من سورة المائدة “وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ اللَّهِ.”

كما اتخذ المسيحيون الصليب رمزًا أساسيًّا لديانتهم، باعتبار أنَّ المسيح قد صُلب، سبقهم إلى ذلك العديد من الأقوام، من بينهم الهنود من أتباع البراهمانيَّة، وهو رمز لـ أجني، إله النور عندهم؛ وكذلك اعتبره البوذيون رمزًا مقدَّسًا، وهو موجود على جدران المعابد الفرعونيَّة، كما كان المصريون القدماء يضعونه على الكعكات المقدَّسة في أعيادهم؛ وكذلك فعل الرومان والفرس وأصحاب الحضارة الإتروسكانيَّة. يتنافى ذلك مع قوله تعالى في سورة النساء، الآيَّة 157: “وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبِّهَ لَهُمْ.” الصورة التاليَّة للصليب عند قدماء المصريين

1.3- الصليب عند قدماء المصريين
1.4-الصليب في الهندوسيَّة

برغم أنَّ القرآن الكريم في الآيَّة 25 من سورة مريم “وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا” قد أشار ضمنيًّا إلى أنَّ مولد المسيح لم يكن على الأقل في الشتاء-كون النخل لا يثمر في الشتاء-وبرغم وجود أدلة على كون المسيح قد وُلد في 19 أو 20 أبريل أو في 20 مايو، جعل تيلسفوروس-ثامن باباوات الكنيسة الكاثوليكيَّة-الاحتفال بيوم ميلاد المسيح 25 ديسمبر. هذا اليوم في الأصل هو يوم ميلاد سول-إله الشمس عند الرومان القدماء-وكان هذا اليوم يُسمَّى ” Dies Natalis Solis Invicti-أو عيد الشمس التي لا تُقهر.” اتخذ البوذيون 25 ديسمبر عيدًا لميلاد إلههم، كون الروح القُدُس قد تنزَّل عليها ذلك اليوم. وهذا اليوم هو نفس يوم الاحتفال بالآلهة ميثرا، وأدونيس، وحورس، وباخوس.

نأتي إلى مسألة في غايَّة الأهميَّة، وهي الفيصل بين الديانات الوثنيَّة ودين الله الذي لا تبديل له، وهي الفارق بين توحيد الله بلا أي شريك ولا ند والإيمان بأنَّ مفهوم الإله يتكون من ثلاثة عناصر (الإله الذي لا يُرى وتجسيده المادي والوسيط بينهما) توازي عناصر الوجود الثلاثة (الله والإنسان والوجود المادي). في البراهمانيَّة، يوجد براهمان وفشنو وسيفا؛ في البوذيَّة هناك فاجراباني ومانجوسري وأفلوكيتسفارا؛ في الميثرائيَّة يوجد أهورامزدا وميثرا وأهرمن. عرف الفينيقيون والأشوريون والإسكندنافيون والمكسيكيون القدماء التثليث منذ فجر التاريخ.

هناك رأي يقول إنَّ كان المصريُّون القدماء هم أوَّل من فُتن بمسألة التثليث زمان نبي الله إدريس (عليه السلام)، حيث رمزوا إليه بالمثلَّث لأنَّه جمع بين النبوَّة والعلم والحكمة، وفق ما ورد في كتاب نبي الله إدريس بين المصريَّة القديمة واليهوديَّة والإسلام (2009) للدكتورة هدى درويش-أستاذ الأديان المقارنة والدراسات اليهوديَّة بجامعة الزقازيق المصريَّة. وهنا افتراض لا إثبات لصحَّته، وهو أنَّ سبب اختيار قدماء المصريين للشكل المثلَّث لبناء الأهرامات-هي ذاتها مسكن إبليس/لوسيفر/حامل الضوء على الأرض-يرجع إلى تحريفهم عقيدة التوحيد التي جاء بها إدريس. ربَّما أرادوا بناء صرح للعبادة يشير إلى عقيدتهم ويضاهي الكعبة المشرَّفة في المنزلة، ويفوقها في عظمة البناء والحجم. وربَّما يشير التوافق الصوتي بين كلمتي “هرم” و”حرم” إلى ذلك. وقد ذكر عالم الآثار الدكتور وسيم السيسي في بحث أجراه أنَّ قدماء المصريين هم من أعادوا بناء الكعبة بعد أن تهدَّمت في طوفان نوح، وذلك في زمان إدريس، وهذا لا يصح لأنَّ المصادر التاريخيَّة تؤكد أنَّ إدريس سبق نوح. على أي حال، في هذا الزعم ما يشير إلى إقراره بإمكانيَّة شروع المصريين في عمل مثل بناء صرح للعبادة. والسؤال هو: ما هو أصل تلك العقيدة؟ هذا ما تستعرضه النقطة التاليَّة.

4. الفلسفة الغنوصيَّة ودورها في تكوين العقيدة المسيحيَّة

كما أشير من قبل، كان الإسينيِّون القادمون من المشرق والمتأثرون بعقيدة المسيَّا المخلِّص، والمترقِّبون حينها للمسيَّا الذي كان سيخلف بوذا، كما بشَّر الأخير قبل موته لفداء البشريَّة، هم من نشر طبَّق العقيدة على المسيح عيسى بن مريم رسول الله. ذلك برغم أنَّ المسيح قد حدد مهمته في إنجيل متى، وهي: “لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ” (إصحاح 15: آية 24)، ولم يقل عن نفسه أبدًا أنَّه المسيَّا، وهذا يتفق مع ما ورد في الآيَّة 49 من سورة آل عمران “وَرَسُولًا إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ.” كلُّ ما قاله المسيح هو توحُّده مع الإله باعتباره تجسيدًا له في إنجيل يوحنَّا: ” قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟” (إصحاح 14: آية 9). ولا يتخلف هذا الطلب عن طلب بني إسرائيل من نبيِّهم موسى (عليه وعلى سائر أنبياء الله أزكى الصلاة وأتم التسليم) أن يريهم الله جهرةً، وبرغم أنَّ الله تعالى قد أراهم آيَّة تدلُّ على وجوده وقدرته-بأن أخذتهم الصاعقة-أصرُّوا على عنادهم وأرادوا رؤيَّة الإله في جسد مادي، فاتخذوا العجل، وفق ما ورد في الآيَّة 153 من سورة النساء “يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذلك وَآتَيْنَا موسى سُلْطَانًا مُّبِينًا”.

كانت مكتبة الإسكندريَّة زمن دولة البطالمة في مصر-التي تزامن وجودها مع حُكم دولة السلوقيين في الشام-تزخر بأفضل الكتب، حيث حرص الحكام البطالمة على توفير النُسَّاخ والكتبة لترجمة المؤلَّفات وحفظها، بل كان الحكام كذلك يأمرون بشراء أب كتاب يقع في أيدي أمناء المكتبة من نفقاتهم الشخصيَّة. وبما أنَّ تلك المكتبة كانت بمثابة أكاديميَّة علميَّة متطورة، فقد توافد عليها الطلاب من شتَّى بقاع الأرض. هناك دلائل الى أن الغنوصيَّة نشأت في الإسكندريَّة وتعايشت مع المسيحيَّة الأولى حتى القرن الرابع الميلاد. وسبب شيوع الفكرة هو عدم وجود التنظيمات الكنسيَّة في ذلك الزمن مما سمح بدمج أفكار جديدة مع معتقدات وأفكار قديمة لخلق معتقدات جديده وهذا ما لا تسمح به المؤسسات الكهنوتيَّة والدينيَّة المنظمة. بدأت الغنوصيَّة المسيحيَّة بشكل واضح مع تباشير بولس الرسول ويوحنا وبخاصة عندما تناولوا الفرق بين الجسد والروح، قيمة الكاريزما، وتجريد الشريعة اليهوديَّة من الأهليَّة. ففي هذه الحقبة، اعتبر أن الجسد هو مادي يفنى بينما الروح فهي أبديَّة يمكن خلاصها.

تعريفًا بالغنوصيَّة، فهي تعتبر أنَّ الكون المادي هو انبثاق للرب الأعلى الذي وضع الشعلة الإلهيَّة في صلب الجسد البشري. ويمكن تحرير أو إطلاق هذه الشعلة عن طريق معرفتها، أي “أغنصتها”. وتتفق كافة الديانات الوثنيَّة على أنَّ جميع الخلق صدروا عن الإله ومتصلون به، ولم يخلقهم الإله، إنَّما هم متوحدون بالإله من خلال طاقة توصل بينهم وبينه. قد تخمل الطاقة بين الإله والإنسان، لكن عبر التأمُّل يمكن أن ينشِّط تلك الطاقة، فتُنشَّط قنوات الاتصال بالإله، فيتوحد معه أو يحل به. وتتفق هذه الفلسفة مع فلسفة تُسمَّى الفلسفة الغائيَّة-Teleology، وهي قسم من الميتافيزيقا، يقوم على مبدأ ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط العلّة بالغايَّة ويقابلها العدميَّة. تعتقد هذه الفلسفة أنَّ الله والخلق كافةً وحدة واحدة من خلال فيوضات نورانيَّة؛ ولذلك بين الله والخلق قنوات للطاقة الروحيَّة تربط كافة عناصر تلك الوحدة. وتُنشَّط هذه الطاقة من خلال طقوس وممارسات بعينها، وأفضل مجال للتأمُّل هو داخل الأشكال الهرميَّة. وتعتقد هذه الحركة أنَّ الهرم الأكبر في مصر هو مسكن لوسيفر على الأرض، الذي يوازي مسكنه في السماء. وتتفق الفلسفتان مع عقيدة وَحدة الوجود، أنَّ الله تعالى يتجلى في الخلق، فهو عندهم “الظاهر في جميع المظاهر”، التي تعتقد أنَّ الله تعالى يظهر في صورة كائناته إلى اعتقادهم بأنَّ الله كان وجودًا مطلقًا، ليس له اسم ولا صفة، فظهر في مخلوقاته، وهذه نفس عقيدة الصوفيَّة. وبالمناسبة، فكلمة صوفيَّة هي تحريف لكلمة Sophia، التي تعني باليونانيَّة الحكمة. ومن أهم عقائد الغنوصيَّة الإيمان بـ الديميورغ، وهو فيض من الحكمة وهو المسؤول عن خلق الكون المادي والشكل المادي للبشر. هذا الكائن هو الوسيط بين الخالص والمخلوق، وأداة الخالق في تشكيل العالم المادِّي وتكوينه، وهذا يوازي عمل الروح القُدُس.

وبما أن تلك الفلسفة انتشرت في آسيا الصغرى، موطن بولس الرسول، فقد تأثَّر بها. بدأ اهتمام بولس بالشريعة اليهوديَّة مبكِّرا، باعتباره من المنتمين إلى سبط بنيامين، كما شهد في رسالته إلى أهل روما؛ ولذلك هاجر إلى أورشليم لتلقِّي التعليم على يد أحبار اليهود. وهناك، انضمَّ بولس إلى جماعة الفريسيين، الجماعة الأشد عداءً للمسيح وقت ظهور، وقد لعنهم صراحةً في الأناجيل ووعدهم بعذاب شديد يوم الدينونة-وهو يوم القيامة حسب مصطلح المسيحيين-، ومن نماذج ذلك: “وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ. 14وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ، ولِعِلَّةٍ تُطِيلُونَ صَلَوَاتِكُمْ. لِذلِكَ تَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ” (إنجيل متَّى: الإصحاح 23-الآيتان 13 و14). بما أنَّ اليهود قد غادروا إلى يثرب بعد خراب هيكلهم-وهو الثالث حقيقةً، والثاني هو الهيكل المتواضع الذي بُني بعد العودة من بابل في القرن الخامس قبل الميلاد-في انتظار نبي آخر الزمان، الذي طمسوه وألغوا وجوده بالمرَّة بما ورد في نبوءة دانيال بأنَّ المسيَّا سيأتي ليختم النبوَّة “لختم الرؤيا والنبوة” (سفر دانيال: الإصحاح 9-آيَّة 24).

 وبما أنَّ الفريسيين قصدوا القدس لعلمهم بأنَّ دولة المسيَّا ستقوم هناك في وجود عيسى بن مريم، فلا نستبعد أبدًا أن تكون فئة الفريسيين قد وفدت إلى أورشليم لانتظار نبي الله عيسى، الذي أخبرت عنه نبوءات ناثان واشعياء ودانيال. بالطيع، كان هؤلاء يعرفون حقيقة دور المسيح، وفق النسخ الصحيحة من كُتب الوحي الإلهي، لكنَّهم أرادوا تحريف ما سيأتي به وفق عقيدة المسيَّا التي اعتنقوها، والمنتشرة في بلدان المشرق، من حيث وفدوا. فكما يشير اسمهم الوارد في الأناجيل، ينتمي الفريسيون في الأصل إلى الإمبراطوريَّة الفرثيَّة، التي تحوَّر اسمها لاحقًا إلى إمبراطوريَّة فارس. ولو تأمَّلنا قليلًا، لوجدنا أن مجيئهم إلى أورشليم حينها كان بنفس دافع مجيئهم إلى القدس مطلع القرن الماضي؛ فلو أنَّنا افترضنا أنَّ المسيح عيسى بن مريم هو المسيَّا المنتظر الذي سيحكم العالم تحت لواء دين واحد، وأنَّه هو المخلِّص، أو الشفيع بالمسمَّى الإسلامي، يوم الدينونة، أو القيامة، فمن المؤكد أنَّه لن يقول أبدًا أنَّه ابن الله، أو أنَّه إله يعادله في الصفات. أراد الفريسيون، ومعهم الإسينيِّون، بزعامة بولس، تحريف الكتاب المقدَّس بما يوافق العقيدة المجوسيَّة المتَّبعة في بلادهم، وهي عقيدة عبادة الشمس. وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف يكون لعبادة الشمس علاقة بالمسيحيَّة، أو بأي ديانة وثنيَّة عبدت إلهًا من البشر باعتباره تجسيد لإله سماوي؟ هذا ما يوضح في النقطة التاليَّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الإسلام والإرهاب متابعات سياسية وإعلامية وإحصائية في الميديا الغربية 1من 2

أكرم حجازي كاتب وباحث أكاديمي مبدئيا      في ظل الحرب الباردة بين القطبين …