أخبار عاجلة

عقيدة المسيَّا المخلِّص بين القرآن والسنُّة وبين الكتاب المقدَّس 1 من 10

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

بسم الله الرحمن الرحيم

“يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (42)” (سورة البقرة: آيات 40-42).

“أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ” (سورة النساء: الآيَّة 44)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ والنصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ” (سورة الحج: الآيَّة 17)

“وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ. وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ.” (سفر اشعياء، إصحاح 11: آيتان 1-2)

مقدَّمة

تعتمد هذه الدراسة الموجزة على ما ورد في كتابي “أساطير الكتاب المقدَّس وما يماثلها في الديانات الأخرى-Biblical Myths and their Parallels in Other Religions” (صدر عام 1882) للكاتب الأمريكي توماس دوان، و “المسيَّا الملاك عند البوذيين والإسينيِّين والمسيحيين-THE ANGEL-MESSIAH OF BUDDHISTS, ESSENES, AND CHRISTIANS” (صدر عام 1880) للكاتب الإنجليزي إرنست دي بانسن، في مقارنتهما الدقيقة بين العقيدة التي ينقلها الكتاب المقدَّس بعهديه القديم (التوراة) والجديد (الإنجيل) عن الإله، وبين عقائد الأمم الوثنيَّة في آلهتها. تستهدف هذه الدراسة التعريف بعقيدة “المسيَّا المخلِّص”، بوصفه ملاكًا وتجسيدًا لله تعالى، التي آمن بها المسيحيون، مع تعقُّب أصلها في الديانات الهنديَّة والفارسيَّة والرومانيَّة والمصريَّة القديمة. تُنقد هذه العقيدة في ضوء ما ورد في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبويَّة الصحيحة، في محاولة لإظهار صحة الاعتقاد في أنَّ عيسى (رسول الله في ضوء القرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة-ابن الله وتجسيده في الكتاب المقدَّس) هو أمير السلام الذي يحكم العالم في آخر الزمان بعدما يجتمع أهل الأرض جميعًا على دين واحد، وهو المخلِّص يوم القيامة الذي يُدخل الله تعالى الآثمين من عباده الجنَّة بفضل شفاعته.

1.أصل عقيدة المخلِّص في المسيحيَّة

يعتقد المسيحيُّون أنَّ الله تعالى أرسل عيسى بن مريم، بوصفها ابنه الوحيد، لتخليص البشر من خطاياهم، من أول الخطيئة الأولى لآدم أبِّ البشر وحتى نهايَّة العالم. أضف إلى ذلك أنَّ بني إسرائيل كانوا في حاجة إلى مَن يعيد إليهم أمجادهم السابقة زمان سليمان-النبي الكريم (عليه وعلى سائر أنبياء الله أزكى الصلوات وأتم التسليم)، والملك وفق العهد القديم-ومن هنا بدأت فكرة ظهور المسيَّا تبرز أهميتها بينهم، فقد كانوا في حاجة إلى بطل خارق يعيد مُلك العالم إليهم ويُظهرهم على سائر الأقوام.

لعلَّ أشهر ما ورد عن المسيَّا المنتظر في التوراة كان في سفر اشعياء، الذي يُطلق عليه الإنجيل الخامس لما أورده من تفاصيل دقيقة عن ظهور المسيح وميلاده من رحم عذراء، مُحددًا طبيعة مهمته على الأرض لتكون تخليص البشر من خطاياهم:

سفر اشعياء، الإصحاح 9-(6و7): “لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ. لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ، مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ. غَيْرَةُ رَبِّ الْجُنُودِ تَصْنَعُ هذَا.” (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد)

ميلاده من عذراء:

الإصحاح 7، آيَّة 14: ” وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ» “

الهدف من إرسال المسيح، وفق الإصحاح 53 من سفر اشعياء، هي الخلاص للبشريَّة:

(3-7) ” مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ ومذلولًا. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى-الآيَّة 18 من سورة فاطر).

ومع ذلك، لم يرد على لسان المسيح أبدًا أنَّه هو المخلِّص إلا في إنجيل يوحنَّاهكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ” (إصحاح 3: آيتان 16-17).

 لم يرد أنَّ المسيح يحمل خطايا البشر إلا في رسالة بولس إلى روميَّة وفي رسالة بطرس الرسول الأولى:

أولًا: رسالة بولس إلى روميَّة

1. “الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا” (إصحاح 4: آية 25)

2. “لأَنَّ الْمَسِيحَ، إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ؛” (إصحاح 5: آية 6)، وفي”نَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا” (إصحاح 5: آية 8).

ثانيًا: رسالة بطرس الرسول الثانية

1. “حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ” (إصحاح 2: آية 24).

لا ننكر أنَّ سفر اشعياء قد وصف المسيَّا أدق من غيره، لكنَّ أول مرة ورد فيها ذكره في التوراة كان في سفر صموئيل الثاني “مَتَى كَمُلَتْ أَيَّامُكَ وَاضْطَجَعْتَ مَعَ آبَائِكَ، أُقِيمُ بَعْدَكَ نَسْلَكَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ وَأُثَبِّتُ مَمْلَكَتَهُ. هُوَ يَبْنِي بَيْتًا لاسْمِي، وَأَنَا أُثَبِّتُ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِ إِلَى الأَبَدِ. أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا. إِنْ تَعَوَّجَ أُؤَدِّبْهُ بِقَضِيبِ النَّاسِ وَبِضَرَبَاتِ بَنِي آدَمَ” (إصحاح 7: آيات 12-14)؛ وتُسمى هذه النبوءة بنبوءة ناثان، وهو أحد أنبياء بني إسرائيل عاصر نبي الله داود.

وإلى جانب سفري اشعياء وصموئيل الثاني، ورد ذكر المسيَّا في سفر دانيال، وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ السبي البابلي، الذي تمَّ على 3 مراحل ما بين عامي 606 و589 قبل الميلاد، قد شمل بعض أنبياء بني إسرائيل، ومن بينهم، إلى جانب اشعياء ودانيال، ميخا وصفنيا وارميا وحزقيال، وكأنَّ من بين أهدافه إعادة تشكيل وعي العالمين من بني إسرائيل لدفعهم إلى إنتاج محصول فكري يتوافق مع عقيدة البابليين المجوس.

ذُكر المسيَّا في الإصحاح 9 من سفر دانيال، بعد صلاة النبي إلى الله كي يُخلِّص بني إسرائيل من السبي، الذي أتمَّ عامه الـ 70 حينها، وكان النبي ارميا قد تنبَّأ أنَّ مدة السبي 70 عامًا (من 606 إلى 539 ق.م. تبلغ حوالي 70 عامًا قمريًّا تقريبًا). يعترف دانيال في الآيات 5-7 بخطايا بني إسرائيل وخيانتهم العهد “أَخْطَأْنَا وَأَثِمْنَا وَعَمِلْنَا الشَّرَّ، وَتَمَرَّدْنَا وَحِدْنَا عَنْ وَصَايَاكَ وَعَنْ أَحْكَامِكَ. وَمَا سَمِعْنَا مِنْ عَبِيدِكَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ بِاسْمِكَ كَلَّمُوا مُلُوكَنَا وَرُؤَسَاءَنَا وَآبَاءَنَا وَكُلَّ شَعْبِ الأَرْضِ. لَكَ يَا سَيِّدُ الْبِرُّ، أَمَّا لَنَا فَخِزْيُ الْوُجُوهِ، كَمَا هُوَ الْيَوْمَ لِرِجَالِ يَهُوذَا وَلِسُكَّانِ أُورُشَلِيمَ، وَلِكُلِّ إِسْرَائِيلَ الْقَرِيبِينَ وَالْبَعِيدِينَ فِي كُلِّ الأَرَاضِي الَّتِي طَرَدْتَهُمْ إِلَيْهَا، مِنْ أَجْلِ خِيَانَتِهِمِ الَّتِي خَانُوكَ إِيَّاهَا.” وبعد انتهاء دانيال من الصلاة، جاءه الملاك جبرائيل ليُبشِّره بالمسيَّا ويُخبره بموعد ظهوره:

“سَبْعُونَ أُسْبُوعًا قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ الْمُقَدَّسَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَتَتْمِيمِ الْخَطَايَا، وَلِكَفَّارَةِ الإِثْمِ، وَلِيُؤْتَى بِالْبِرِّ الأَبَدِيِّ، وَلِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُوَّةِ، وَلِمَسْحِ قُدُّوسِ الْقُدُّوسِينَ. فَاعْلَمْ وَافْهَمْ أَنَّهُ مِنْ خُرُوجِ الأَمْرِ لِتَجْدِيدِ أُورُشَلِيمَ وَبِنَائِهَا إِلَى الْمَسِيحِ الرَّئِيسِ سَبْعَةُ أَسَابِيعَ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ أُسْبُوعًا، يَعُودُ وَيُبْنَى سُوقٌ وَخَلِيجٌ فِي ضِيقِ الأَزْمِنَةِ” (سفر دانيال: إصحاح 9-الآيات 24-26).

والمقصود بـ “لِيُؤْتَى بِالْبِرِّ الأَبَدِيِّ، وَلِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُوَّةِ، وَلِمَسْحِ قُدُّوسِ الْقُدُّوسِينَ أنَّه يمنح البر لأتباعه فيعيشون في ظلِّه أبرارًا إلى الأبد، وهو أيضًا يختم الأنبياء-وفي هذا نفي صريح لنبوَّة محمد بن عبد الله (عليه وعلى سائر أنبياء الله أزكى الصلوات وأتم التسليم). وتشير عبارة “مسح قدُّوس القدوسين” إلى حلول الروح القدس علي المسيح، وفي هذا تمهيد لعقيدة التثليث التي فُرضت لاحقًا.

وفي سفر المزامير “مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِكَ لاَ تَرُدَّ وَجْهَ مَسِيحِكَ. أَقْسَمَ الرَّبُّ لِدَاوُدَ بِالْحَقِّ لاَ يَرْجعُ عَنْهُ: «مِنْ ثَمَرَةِ بَطْنِكَ أَجْعَلُ عَلَى كُرْسِيِّكَ. إِنْ حَفِظَ بَنُوكَ عَهْدِي وَشَهَادَاتِي الَّتِي أُعَلِّمُهُمْ إِيَّاهَا، فَبَنُوهُمْ أَيْضًا إِلَى الأَبَدِ يَجْلِسُونَ عَلَى كُرْسِيِّكَ». لأَنَّ الرَّبَّ قَدِ اخْتَارَ صِهْيَوْنَ. اشْتَهَاهَا مَسْكَنًا لَهُ: «هذِهِ هِيَ رَاحَتِي إِلَى الأَبَدِ. ههُنَا أَسْكُنُ لأَنِّي اشْتَهَيْتُهَا. طَعَامَهَا أُبَارِكُ بَرَكَةً. مَسَاكِينَهَا أُشْبعُ خُبْزًا. كَهَنَتَهَا أُلْبِسُ خَلاَصًا، وَأَتْقِيَاؤُهَا يَهْتِفُونَ هُتَافًا. هُنَاكَ أُنْبِتُ قَرْنًا لِدَاوُدَ. رَتَّبْتُ سِرَاجًا لِمَسِيحِي. أَعْدَاءَهُ أُلْبِسُ خِزْيًا، وَعَلَيْهِ يُزْهِرُ إِكْلِيلُهُ»” (مزمور 132: آيات 10-18).

وعلى هذا النحو، ورد ذكر المسيَّا في الإنجيل:

رسالة بولس إلى روميَّة “بُولُسُ، عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْمَدْعُوُّ رَسُولاً، الْمُفْرَزُ لإِنْجِيلِ اللهِ، الَّذِي سَبَقَ فَوَعَدَ بِهِ بِأَنْبِيَائِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، عَنِ ابْنِهِ. الَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ، وَتَعَيَّنَ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ، بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ: يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا” (إصحاح 1: آيات 1-4).

رسالة بولس الثانيَّة إلى تيموثاوس “اُذْكُرْ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الْمُقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ بِحَسَبِ إِنْجِيلِي، الَّذِي فِيهِ أَحْتَمِلُ الْمَشَقَّاتِ حَتَّى الْقُيُودَ كَمُذْنِبٍ” (إصحاح 2: آيتان 8-9).

ورد في سفر أعمال الرسل أنَّ بطرس خطب في الناس قائلًا فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا” (إصحاح 2: آية 36).

وتأتي النبوءة في إنجيل لوقا “وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ. وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَّة” (إصحاح 1: آيتان 32-33).

من الواضح أنَّ العنصر المشترك في وصف المسيَّا في العهدين القديم والجديد للكتاب المقدَّس أنَّه من نسل داود-النبي الكريم (عليه وعلى سائر أنبياء الله أزكى الصلوات وأتم التسليم)، والملك وفق العهد القديم-من ناحيَّة الأم (الجسد)، وأنَّه لم يُرسل إلا لفداء البشر بدمه، وأنَّه سيُؤتى مُلكًا بلا نهايَّة “ َمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَّة.” ومن الملفت أنَّ نبوءة ناثان للملك داود قد ذكرت أنَّ الحفاظ على مُلك آل داود مشروط بعدم نقضهم عهدهم مع الله “إِنْ حَفِظَ بَنُوكَ عَهْدِي وَشَهَادَاتِي الَّتِي أُعَلِّمُهُمْ إِيَّاهَا، فَبَنُوهُمْ أَيْضًا إِلَى الأَبَدِ يَجْلِسُونَ عَلَى كُرْسِيِّكَ” (مزمور 132: آية 12). في حين اعترف دانيال أنَّ الله تعالى قد طرد بني إسرائيل من الأرض المقدَّسة وأنهى مُلكهم عليها بشؤم آثامها وبخيانتهم لعهدهم مع الله “من أجل خيانتهم التي خانوك إياها،” أليس في ذلك إشارة إلى بُطلان المطالبة باستعادة مُلك آل داود على الأرض المقدَّسة لأنَّ الحفاظ على المُلك كان مشروطًا بالوفاء بعهد الله؟

أثبت معهد ويستار الأمريكي-Westar Institute في دراسة أجراها في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي أنَّ 82 بالمائة مما نُسب إلى يسوع من القول لم يقله، وأنَّ 84 بالمائة مما نُسب إليه من الأفعال لم يفعله. ومما نُسب إليه زورًا أنَّه قال أنَّه الأقنوم الثاني في الثالوث المقدَّس، ولا أنَّ موته لتكفير خطايا البشر، والأهم أنَّه لم يقل أنَّه المسيَّا. 

2.المسيَّا المخلِّص في العقائد الوثنيَّة

بما أنَّ بني إسرائيل وجدت في نبوءة ناثان وبشارتي اشعياء ودانيال الأمل في استعادة مُلك الأرض المقدَّسة، فمن الهام جدًّا الإشارة إلى أنَّ هذا الأمل لم يتبلور ويسيطر على هؤلاء القوم إلا بعد السبي البابلي، وأنَّ النبيين اللذين يُستشهد ببشارتيهما في هذا الشأن كانا في السبي لأعوام ربما بلغت السبعين عامًا هناك. وهنا تجدر بنا الإشارة إلى مدى سيطرة عقيدة المسيَّا المخلِّص على ديانات الأقوام في المشرق وفي مصر، والتي ربَّما كان لها تأثيرها في تكوين تلك العقيدة عند بني إسرائيل، في محاولة للكشف عن مدى ذلك التأثير.

إذا تناولنا ديانات الهند، لوجدنا أنَّ الإله الأكبر لديهم فاشنو قد وُلد له ابن من العذراء ديفاكي اسمه كريشنا، وُصف بالمخلِّص؛ ولوجدنا كذلك بوذا-ابن العذراء مايا-الذي ترك الجنَّة ونزل إلى الأرض تعاطفًا مع البشر لرغبته في التكفير عن خطاياهم والتخفيف من عقاب الله لهم، متحمِّلًا في ذلك ألمًا جمًّا. أمَّا في مصر، فقد اعتُبر حورس ابنًا للإله أوزوريس من العذراء إيزيس. جدير بالذكر أنَّ الاعتقاد في مولد طفل إلهي من رحم امرأة من البشر بواسطة الروح القُدُس ظهر في بلدان أخرى، ومن أمثلة ذلك رومولوس في روما، والإسكندر الأكبر في مقدونيا، وسيروس في فارس. وتوضح الصور التاليَّة التشابه بين صورة العذراء وهي تحمل ابنها في مختلف العقائد.

1.1- العذراء أم الطفل الإلهي

والسؤال الهام هو: كيف انتقلت تلك العقيدة إلى ديانة بني إسرائيل الموسويَّة؟ وأبلغ إجابة هي انفتاخ الهند والمشرق بأكمله على العالم بعد غزو الإسكندر الأكبر لتلك المنطقة في القرن الرابع قبل الميلاد. أمَّا المحرِّك الأساسي لهذه المسألة فقد كان الإمبراطور الهندي أشوكا، والذي لا تقل أهميته في نشر البوذيَّة عن أهميَّة الإمبراطور الروماني قسطنطين في نشر المسيحيَّة، القائمة على اعتبار أنَّ يسوع هو ابن الإله الذي يوازيه في المكانة. فقد أرسل أشوكا حملة للتبشير بالبوذيَّة عام 250 ق.م.، وتجدر الإشارة إلى أنَّ البوذيَّة لم تمتز بالعنصريَّة التي عُرفت بها اليهوديَّة. وأمَّا عن الفاعل الذي نفَّذ عمليَّة نشر البوذيَّة، فهي جماعة عُرفت بجماعة الإسينيِّين، والتي هي جماعة اعتنقت اليهوديَّة لاحقًا بعد أن دمجت عقائد البوذيَّة بالديانة الموسويَّة، متخذةً التوراة التي كتبها عزرا الكاتب بعد العودة من السبي البابلي في القرن الخامس قبل الميلاد سندًا لها في دعوتها، فقد حاد الكتاب عن الشريعة السماويَّة بعد تأثُّره بعقائد البابليين.

1.2-العذراء أم الطفل الإلهي

 لم يندمج الإسينيِّون مع الصدوقيين والفريسيين، وغيرهما من الجماعات اليهوديَّة التي عاشت في الأرض المقدَّسة قبل ميلاد نبي الله عيسى بن مريم، فعاشوا في عُزلة، وعُرفوا بالزُّهد والتقشُّف. نشر الإسينيِّون الذين انتقلوا إلى مصر وفلسطين عقيدة المسيَّا المخلِّص، أو المسيَّا الملاك-التي طبِّقت من قبل على بوذا في الهند-في المجامع العلميَّة في المناطق التي زاروها، ومن هنا انطلقت العقيدة إلى آسيا الصغرى، حيث نشأ شاؤول الطرسوسي، وإن كان في الأصل من بلاد فارس. طبَّق المؤمنون بتلك العقيدة من اليهود على المسيح عيسى بن مريم، الذي اعتبروه المسيَّا المنتظر، وفق نبوءة النبي ناثان وبشارتي النبيين اشعياء ودانيال، وكلُّها وردت في التوراة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

العنف ضد المرأة؛ الاغتصاب الجنسي أنموذجًا

د. حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع- جامعة ماردين …