أخبار عاجلة

دفاع عن الشعب التركي العظيم

زهير سالم

مدير مركز الشرق العربي
عرض مقالات الكاتب

قال المحلل السياسي:

إن حزب العدالة والتنمية في تركية يقدر أنه خسر بلدية إسطنبول بسبب ملف اللاجئين السوريين، لذلك تأتي هذه الإجراءات المشددة دفاعًا عن مكاسب الحزب. ما أخطه هنا ليس تدخلا في الشأن التركي، وليس مناقشة لحقيقة وجدية الإجراءات، ولكنه نصح محب مشفق يرجو ويأمل …!!

وأنا من حسن ظني بالشعب التركي الأصيل سأقول: إن ملف اللاجئين واللاجئين السوريين منهم بشكل خاص هو الذي جعل فارق الخسارة في انتخابات إسطنبول أقل بكثير مما كان يمكن أن يكون …!!

وليس من اختصاصي ولا من شأني أن أبحث عن أسباب الخسارة الحقيقية؛ ولكن من حق أن أنبه على أنه مما لا يليق بتركي ولا بعربي ولا بسوري تحميل مسئولية الخسارة للحلقة الأضعف، في عملية الهروب من الاستحقاق الجدي في البحث عن أسباب ما كان.

ولا يجمل بنا أبدًا أن نتهم شعبًا لنبرأ أداءً أو إدارةً أو أشخاصًا. في كل الشعوب الأرض هوامش فارغة العين، ضيقة العطن، تعبر عن نفسها بأصوات حادة منكرة، ولكن هذه الهوامش لا تمثل ضمير هذه الشعوب، ولا رأيها العام. لا تمثل في الحقيقة وعند الحسابات الصادقة إلا الهوامش الضيقة المقررة في النسب العالمية لهذه الفئات. 

عامة الشعب التركي، كما عامة الشعب العربي، كما عامة البشر هم إلى الخير والكرم والإحسان أقرب وإلى الاجتماع عليه أسرع. ومن أحب أن يرد عليّ فعلى هذه الحقيقة فليرد..

في الشعب الألماني كما في كل شعب أوربي هوامش رافضة لاستقبال اللاجئين؛ لا أظن أن هذه الهوامش في الشعب التركي أكبر منها في الشعب الألماني أو الفرنسي مع قرب الدار، ومتانة الأواصر.

أقول بكل الوضوح على الأخوة في حزب العدالة والتنمية أن يبحثوا بجد عن أسباب خسارتهم الحقيقية. وندعو الله أن تكون خسارة عارضة عابرة. وأن تكون رسالة إنذار يستفيد منها المقصود بها. وستضيع الرسالة هباء إذا ألقي العبء على الكاهل الخطأ من باب الاستسهال أو الاستضعاف..

وأضيف بكل الوضوح أيضًا: إن ملف اللاجئين والسوريين منهم بشكل خاص، كان عامل تخفيف هامش الخسارة. لأن النزعة الإنسانية عند الإنسان التركي الذي استقبل عشرات الألوف من اللاجئين اليهود الهاربين من جحيم محاكم التفتيش في بلاد الإسبان البعيدة، لن تضيق عن الشريك والجار القادم من حلب. حلب “بؤبؤ العين” كما عبّر عنها شاعر تركي منذ عهد قريب. أكثر اللاجئين إلى تركية هم من محافظة حلب وارجع إذا شئت إلى كتاب “المدينة العثمانية بين الشرق والغرب حلب – إزمير – إسطنبول” للكاتب إدهم إلدم وشريكاه دانيال غوفمان ووبروس ماستر، لتدرك ماذا تعني حلب وأهلها بالنسبة للضمير الجمعي للشعب التركي الأصيل.

أغلق عينيك وعد للوراء مائة عام فقط لتدرك أن أبناء “جوبان بيك” وكلس وعينتاب، ومرعش، وأورفة وماردين، وديار بكر، كانوا يقصدون مع كل صباح بغلالهم حلب كما يقصد كل أبناء القرى بغلالهم حواضرهم.

الضمير الجمعي للشعوب لا ينتحر بهذه الطريقة وعلى هذا المستوى كما يزعمون. وما بقي من الروابط بين العربي والتركي وبين السوري والتركي من دين وتراث أعمق وأبقى وأكثر مما انقطع منها.

الرواغ في التحليل. والرواغ في البحث عن السبب الحقيقي للخلل ليس حميدًا!! والرواغ أيضًا في تعليل بعض الاستجابات الدولية أكثر إثارةً للألم. وهذا كلام محبٍ ناصح لا كلام متربصٍ ناقد أو شانئ ولن أملّ من تكرار هذا.

والتماهي مع المشروع الروسي والإيراني يفقد مشروعنا مصداقيته، و”نا” هنا كبيرة جدًا، سابغة جدًا، عائدها تركي وعربي وسوري. التماهي مع خطاب معارضيك ومنحازيك في عمليات التوظيف السياسي.  تعليل التماهي بهذه الطريقة قد يحقق لك بعض المكاسب الظرفية ولكنه ولا شك يجعلك تخسر قواعدك الحقيقية التي بللت دموعها سجاجيد صلاتها عشية الانقلاب المشؤوم. كم هو الفرق بين من يأمله المظلوم وبين ويرجوه وبين من يخافه ويحذره؟!

كل المدن الإسلامية بنيت وتمركزت حول مساجدها. هل من جديد في أن يجد اللاجئون والسوريون منهم بشكل خاص في مسجد الفاتح كوة للروح وللنور وللأمل؟!

هل حقًا أن شعبًا هو سليل المؤسسين العظام والفاتحين والأماجد، يرقد بين ظهرانيه في قونيه جلال الدين البلخي صاحب المثنوي وصاحب قصيدة الناي لا يدرك هذه المعاني الإنسانية النورانية في التناصر والتعاطف؟!

هل صحيح أن شعبًا كان أحد رواده المعاصرين بديع الزمان النورسي صاحب رسائل النور والمثنوي العربي وخطيب الخطبة الشامية في المسجد الأموي الدمشقي يتنكر لحقيقته ولمخايل عظمته وحضارته، بطريقة تجعل الإحسان إلى المستضعف سببًا للنقمة كما يزعمون ويدعون ويحللون؟!

هل حقًا أن نجم “نجم الدين” قد أفل عن سماء تركية، ونجم الدين لا يأفل أبدًا ولا يغيب؟!!

هل حقًا أن شعبًا كان من شعرائه ناظم حكمت وأوميت ياشار أوغزجان ينشدنا عن الصفر الذي بقي صفرًا أو عن هيروشيما حيث نسيت المحبوبة صورتها في المرآة. أو مثل جاهد ايركات يحكي لنا عن موت الخيول. وجاهد صدّيقي الذي أراد وطنًا لا يعكّر صفو الهناءة فيه غير ملك الموت؟!!

 هل يمكن لشعبٍ غنّى مع هؤلاء الشعراء أن يضل أو ينسى بالطريقة التي يتحدث عنها من يريدون الهروب إلى الأمام فيحللون كما يشتهون؟!!

الشعب التركي عموم الشعب التركي الذي عرفناه وألفناه وقرأناه يحب الحياة ويكره القتل، يحب العدل ويرفض الظلم، يحب نصرة المظلوم، وحماية المستضعف. وأؤكد أنه مهما اختلف الترك على أمور فعلى الحب والعدل والكرم وإغاثة اللهفان لا يختلفون.

نسأل الله للشعب التركي العظيم الخير والهناءة والسلام ولقادته العظام العزيمة على الرشد إنه سميعٌ مجيب.

لندن: 24/ ذو القعدة / 1440 – 26 / 7/ 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قراءة في المشهد السياسي في لبنان أمريكا تُشعل الحريق لتقوم بدور الإطفائي!

د. عثمان محمد بخاش باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة في محاولة فهم …