أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / من الهدم إلى التفكيك

من الهدم إلى التفكيك

د. عبد الحقّ الهوّاس

أكاديمي سوري.
عرض مقالات الكاتب

الدول لا تفكك بين ليلة وضحاها، ولا يتمكن منها العدو بضربة أو حرب تشن عليها بكل الأسلحة؛ إنما تفكك بعد مخطط يستهدف الأسس التي تقوم عليها… أهم هذه الأسس هو منظومتها الأخلاقية ونسيجها الاجتماعي… أي مخطط لا يكتب له النجاح بغير استهداف هذين العاملين الرئيسين… الأخلاق قانون ذاتي يهذّبه المجتمع بأعرافه وعاداته وتقاليده ليكون أسلوبًا حيويًا يحمي المجتمع من السقوط ويدفع به نحو القيم العليا… لا يمكن لمجتمع أن يحيا بأمان وسلام وإبداع إلا في ظل الحرية المنضبطة وهذه الحرية تكفلها الدولة بمؤسساتها ودساتيرها وحمايتها لحق الوطن والمواطن، وحين تستهدف المنظومة الأخلاقية يكون للدولة موقفان: إمّا التصدّي، أو التهاون… وفي التهاون تكون الدولة وراء مشروع فساد كبير… وتجربة سوريا خير مثال بغض النظر عن فلسفة أسباب شيوع الفساد أهي فساد طائفة تسلمت مقاليد السلطة وهي فاسدة لا تعرف شيئًا عن القيم الأخلاقية، أو نظام حكم قمعي دكتاتوري يقوم على الصنائع والساقطين… منذ خمسين سنة والمجتمع السوري يتعرض للإفساد وهدم القيم العليا حتى غدت الرشوة قانونًا، واللصوصية ذكاءً، والنفاق حكمةً، والكذب إبداعًا، والانحلال حضارةً، والاحتيال صنعةً حتى وصلنا إلى تفكيك المنظومة الأخلاقية التي كانت وجهًا مشرقًا لكل سوري… وبهذا أصبح من السهل ضرب مكونات المجتمع ونسيجه الاجتماعي في ظل حكم طائفي بغيض يعتمد الشعوبية الحاقدة أساسًا في إدارة البلد وتمزيقه… من هنا دخل العدو الخارجي ليكمل ما صنعه العدو الداخلي فهان عليه تدمير سوريا التي ثارت لإسقاط نظام قام على حماية العدو الصهيوني وتعطيل أثر الشعب السوري في التحرير والبناء وإقامة مشروعه الوطني الحضاري… نجحت الثورة وعمت كل الوطن وزلزلت عرش الطاغية من خلال الحماسة ورغبة الشعب في التحرر؛ لكنها تراجعت ووقعت في أخطاء كان من أهمها غياب الوعي العام الذي يوحّد قوى الثورة ويعيد اللحمة لنسيجها الاجتماعي، فاستغلّ العدو ذلك حين وضع واقع الفساد الذي عاش عليه الشعب السوري فراح يستعمل المال السياسي في استغلال النفوس الضعيفة التي ركبت موجة الثورة من غير مركبٍ حصين فاشترتها بأبخس الأثمان وشكلت منها ائتلافًا ضمّ الفاسدين والمخبرين والمغامرين الأغبياء، وأوكلت إليهم مهمّة إفساد كثير من قادة الفصائل المسلحة بالداخل حتى وصل الأمر إلى وضع العمليات العسكرية في البازار والمساومة، فهذه تكلف عشرين وتلك مئتين… كانت هذه المرحلة توطئة لصناعة كارثة داعش والبدء بتدمير الحاضنة الشعبية وإشعال الطائفية على أوجها وتشويه صورة الثورة الشعبية واتهامها بالإرهاب… ومن هنا فُتحت أبواب سوريا كلها لدخول القوات الاستعمارية وغير الاستعمارية لتنفيذ مخططات التفكيك والتقسيم بقوة التدمير والقتل وإرهاب الناس وفرض الأمر الواقع على الأرض… واليوم تقف معارك الشمال لتعبر عن رفض المشروع الصهيوني والتصدّي له وتصحيح مفاهيم الثورة وتلاحم قوى الثورة… نحن بحاجة إلى مراجعة دقيقة وواقعية لمسار الثورة من بدايتها …

شاهد أيضاً

تونس، رؤية شخصية بحتة تحتمل الخطأ والصواب

د. مدحت أبوالذهب كاتب وإعلامي مصري أولا- كنت انظر حقيقة نظرة دونية إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.