أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / تساخفات محمد على عبد الجليل فى مقاله: “أخطاء القرآن اللغوية والإنشائية – قراءة تفكيكية” 1 من 12

تساخفات محمد على عبد الجليل فى مقاله: “أخطاء القرآن اللغوية والإنشائية – قراءة تفكيكية” 1 من 12

أ.د. إبراهيم عوض

كاتب ومفكر مصري.
عرض مقالات الكاتب

محمد على عبد الجليل (و1973م) كاتب سورى يرفض الإسلام ويهاجم الرسول بل وينكر وجوده، ويلح على أن القرآن من تأليف جماعة من البشر وليس وحيا سماويا. وهو يعيش الآن فى فرنسا ويعمل باحثا فى معهد البحوث والدراسات حول العالَم العربى والإسلامى (IREMAM) بالعاصمة الفرنسية. ونتاجه الفكرى قليل، وأفكاره تتسم بانفلاتها من قيود المنطق إلى فوضى التخيلات الوهمية السخيفة. وله مقال عنوانه: “أخطاء القرآن اللغوية والإنشائية: قراءة تفكيكية” منشور بموقع “الحوار المتمدن” (العدد 4447- 8/ 5/ 2014م)، وفيه يطنطن بأن فى القرآن أخطاء لغوية وإنشائية، عارضا بكل بجاحةٍ الطريقةَ التى ينبغى إصلاح هذه الأخطاء بها وإعادتها إلى سواء السبيل مع أن فى لغته العربية غلطات نحوية لا تليق. وفى هذه الدراسة سوف أرد على ما جاء فى هذا المقال، مُورِدا إياه قطعة قطعة ومُتْبِعا كل قطعة بتعليقى عليها تفصيلا. وسوف ألوّن خلفية كلامه باللون الأخضر، وخلفية ردودى عليه باللون الوردى واضعا كلا من كلامى وكلامه بين قوسين، ومنهيا إياه بشرطة يعقبها اسم صاحبه- إبراهيم عوض).
(لن نتطرَّقَ إلى الأخطاء العِلمية الكثيرة فى القرآن لأنَّ وجودها أمرٌ طبيعى فى نص كُتِبَ فى القرن السابع الميلادى، بالإضافة إلى أنه ليس نصا علميا بل نص دينى أدبى يعكِسُ المستوى المعرفى لواضعيه وعلومَ عصرِهم. بل سنحاولُ قراءةَ أخطائه اللغوية والإنشائية قراءةً تفكيكية، بحسب النظرية التفكيكية لجاك دريدا Jacques Derrida (1930 – 2004)- محمد عبد الجليل).
(الكاتب هنا يجعل القرآن من تأليف البشر. ويتحدث عن أخطاء القرآن العلمية التى يصفها بـ”الكثيرة” كأنها أمر مسلم به ولا خلاف عليها بين أحد. والنبوة عنده لا تزال مفتوحة الأبواب وستظل إلى أبد الآبدين، وأى فرد يمكن أن يكون نبيا ما توافرت فيه بعض الصفات، وليست النبوة وحيا ينزله الله على من اختاره سبحانه. ويوضح هذا قوله فى مقال له آخر بعنوان “حقيقة النبى” منشور فى موقع “الحوار المتمدن” (العدد: 3941 – 14/ 12/ 2012): “استنادًا إلى “التقسيم” السباعى الثيوصوفى التوضيحى للكائن الإنسانى، تكون النبوةُ هى تواصلَ الرباعيةِ الدنيا للإنسان (أو نفسه الدنيا الفانية) مع الثلاثية العليا فيه (النفس العليا الخالدة) بحيث لا تقِفُ الرغباتُ والانفعالاتُ عائقًا يشوِّش صفاءَ هذا التواصل. فالنبوةُ هى استعداد الأجسام الدنيا فى الإنسان لِتَلَقِّى الإشارات من الإله الباطن (أو الشعلة الإلهية الكامنة فى الإنسان والمتصلة بالوعى الكونى) والقدرة على عكسِها. فالنبوةُ حالةُ وعى عاليةٌ لا تأبهُ بالصورة الاجتماعية المكوَّنةِ عنها وليست حكرًا على أحد دون أحد. فأى إنسانٍ يمكنُه أنْ يختبرَ حالةَ النبوة، ويمكنُه أنْ يَتَّخِـذَ الإلهَ الباطنَ الذى فيه (الشعلة الإلهية الداخلية الكامنة) مُــعَــلِّـمًا له. فعلى قَـدْر استعداد المريد أو التلميذ يكون المعلِّمُ. وعلى قدْر تحمُّـلِ الإنسان وطاقتِه تتنزَّلُ الإشاراتُ (“على قَدْرِ أهلِ العزمِ تأتى العزائمُ”). لقد وردَ عن محمد قوله: “أشدّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ ثم الأمثلُ فالأمثل”. وكذلك تكون قُدْرةُ التيار الكهربائى على قَدْرِ تحمّلِ الجهاز الذى يسرى فيه هذا التيارُ، وإلا أحرقَه. ولذلك “لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِى وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى فَلَمّا تَجَلَّى رَبُّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا”.
وهكذا تكون النبوةُ حالةَ وعى فرديةً بحتةً واختبارًا فرديا خالصا لا علاقة له بانفعالات الجماعات وردود أفعالها القطيعية. النبوةُ حالةُ وعى داخليةٌ تتأتَّى بالمجاهَدة والاختبار والبلاء والقدرة على التحمل، وربما على مرِّ تجسُّدات عديدة، ولا تمنحها الألوهةُ بالمجان وبصورة اعتباطية لأى فردٍ كان، بدليلِ أن الألوهةَ لا تمنح هذه الحالةَ للأشرار. أما الرسالةُ فهى التعبير عن حالة النبوة. لقد اعتبرَ ابنُ عربى أن منزلة النبى أعلى بقليل من منزلة الرسول وأدنى من منزلة الولىّ (“- مقامُ النبوَّةِ فى برزخٍ / فُوَيقَ الرسولِ ودونَ الولى”).
أمَّا عبارةُ “خاتَـمُ النبيين” فلا تعنى بتاتًا “آخرَ الأنبياء”، بل تعنى “مصدِّقَ الأنبياء الذين أتوا قبله”. وأما عبارةُ “لا نبىَّ بعدى” بمعناها المتداول فإما أن محمدًا قد قالها وكان يريد بالفعل إغلاقَ بابَىِ النبوة والتشريعِ معًا. وبهذا يكون قد ضيقَ كثيرًا. ولذلك قال المتصوِّفُ عبد الحق بن سبعين (1216/1217– 1269/1271): “لقد زرَّبَ [ضيَّقَ] ابنُ آمنة (لقد حَجَّرَ واسعًا) بقوله: لا نبى بعدى”. وإما أنه قالها لأسبابٍ سياسيةٍ بحتةٍ وكان يقصد أن بِـيَدِه وحدَه السلطةَ التشريعيةَ، بمعنى أنه إذا كان هناك إنسانٌ بعده وصلَ إلى حالة النبوة فلا يحق له أنْ يستخدمَها كسلطة تشريعية، أى أنه أغلَقَ بابَ التشريع فقط بهدف توحيد مراكز السلطة فى مجتمعه مِن أجلِ بناء دولته. وإمَّا أنه لم يقلْ هذه العبارةَ بل نُسِبَت إليه، أى أن الساسةَ ورجالَ الدين قد قوَّلوه ما لم يقلْ لخدمة مصالحهم. وإما أن محمدًا قد قال العبارة بمعنى آخر ولكن الذين أتوا بعده فَهِموها عن قصدٍ أو جهلٍ بغير المعنى الذى كان محمدٌ يقصده.
فمن وجهة نظر إسلامية هناك تعارُضٌ بين إغلاق الإسلام لِبَابِ النبوة وبين إقراره بوجوب وجود نذير فى كل شعب. فاعتبرَ القرآنُ أن محمدًا ليس سوى بشيرٍ ونذيرٍ وأن لكلِّ قوم نذيرًا: “إنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ.” فإنْ قال فقهاءُ الإسلام بأن النذير لا يُشْتَرَطُ فيه أنْ يكون نبيا فالسؤال هو: ما الذى يمنع النذيرَ من أنْ يكون نبيا؟ إذا أنجبَت أمةُ العرب فى عصر من العصور وفى بقعة من الأرض شخصيةً أقر المؤمنون بها بِـنُبُوَّتِها فما الذى يمنع منطقيا وروحيا وسوسيولوجيا من أنْ تُنْجِبَ أممٌ أخرى شخصياتٍ تُــقِــر هذه الأممُ بنُبُوَّتهم؟ فمِن غيرِ المعقولِ أنْ يكونَ هناك أنبياءٌ فى عصر محدد ومكان محدد ولا يكون هناك أنبياء فى عصرنا هذا. النبى من الناحية الروحية هو من حقَّقَ حالةَ تواصل مع الأتما (الإله الباطن). فإذا بلغَها أناسٌ فى عصور سابقة فلا بد أنْ يتمكنَ أناسٌ فى عصرنا مِن بلوغها. أما النبى من الناحية الاجتماعية فهو مَنْ تعترفُ جماعتُه بنبوَّتِه. ومعروفٌ أنَّ كلَّ دِين ينفى عمومًا نبوّةَ نبى الدين اللاحق. فالأديانُ السابقة للإسلام لم تعترف بأنّ محمدًا نبيًّا أو بتعبير أدقّ نبيًّا صادقًا. وكذلك الإسلامُ رفضَ نبوةَ أنبياءِ الأديانِ اللاحقة (مِن مورمون وقاديانية وغيرهم) فى حين أن مجتمعاتِهم أقرت بنبوّتِهم. وهكذا تكون مسألةُ الاعتراف بالنبى مسألةً اجتماعية سياسيةً معقدة. فليس كل مَن حقَّقَ حالةَ نبوةٍ يُصَنَّفُ على أنه نبى. النبىُّ المعترَفُ به اجتماعيا هو من صناعة المجتمع. فإذا كان هناك إنسانٌ وصلَ إلى مرتبة النبوة وكان مجتمعه يحتاج إلى صورة النبى فإن هذا المجتمعَ يُـؤَسْطِـرُ صورةَ ذلك النبى ويعدِّل فيها بحيثُ تصبح قابلةً للتداول ومعبِّـرةً عن ثقافة المجتمع وتخدم فى الوقت نفسه الطبقةَ الحاكمة. أى أنَّ النبى الذى تصنعه الجماعةُ يختلف عن حالة النبوة الفردية التى يحققها النبى، إذْ إن الطبقةَ الحاكمةَ تستولى على صورة النبى لخدمة مصالحها وإحكام السيطرة على المجتمع. فالجماعة اللغوية والعرقية والدينية هى التى تصنع النبى على صورتها ومثالها. ولذلك لم نَـرَ فى ثقافاتنا الذكورية صورةً لِنَبِيّة. فإذا كانت هذه الثقافاتُ قد رَسمَت الألوهةَ فى صورةٍ ذكورية فمن الطبيعى أنْ ترسمَ النبوةَ فى صور ذكورية أيضًا”.
وواضح أن كلامه كله لا يستند لا إلى التاريخ ولا إلى المنطق ولا إلى الإسلام: فأما التاريخ فيخبرنا أن المجتمعات التى ظهر فيها الأنبياء قد قاومتهم بوجه عام بمنتهى العنف ووقفت منهم موقف الرفض والكراهية والاتهام بل والقتل أيضا فى بعض الأحيان على نقيض ما يقول الكاتب، ولم تؤمن بهم إلا بعد اللتيا والتى وبعد عداوات وإيذاءات منهم له، وربما بعد حروب بين الطرفين أيضا. وأما المتنبئ القاديانى والمتنبئ البهائى فلم يؤمن بأى منهما مجتمعه بل قسم ضيق جدا من هذا المجتمع، علاوة على أن تنبؤهم هو ثمرة تخطيطات بعض الدول الكبرى ومؤمراتها الرامية إلى التشويش على الإسلام وإفساد أمره وتشكيك المسلمين فى إيمانهم وتشتيت انتباهم وتمزيق ولائهم. وما محمد على عبد الجليل وأمثاله ممن تكاثروا كالسرطان فى الفترة الأخيرة إلا ثمرة أخرى، ولكن صغيرة وحقيرة، من ثمار هذه التخطيطات والتآمرات الغربية. بل إن عيسى نفسه عليه السلام لم يؤمن به من بنى إسرائيل إلا عدد جد صغير وهامشى، وبقيت أغلبية اليهود يهودا كما كانوا ولم يعترفوا بنبوته. وبخلاف ذلك نجد المجتمع العربى كله قد انتهى إلى الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام. كما يقول لنا التاريخ: ليس كل نبى قد نفى أن تكون هناك نبوة بعده. ففى التوراة كلام عن مجىء المسيح، وفى الإنجيل تبشير بمجىء محمد، أما الإسلام فقد أكد بصريح العبارة أن باب النبوة قد أُغْلِق بمجيئه. كما أن احتجاج الكاتب بقوله تعالى: “وإنْ من أمةٍ إلا خلا فيها نذير” لا يقوم على أساس، فهو غير منسحب على المستقبل الذى يأتى بعد محمد بل محصور، كما هو جلىٌّ بيِّنٌ من الآية الكريمة، فيما مضى.
ويعضد ذلك قوله تعالى فى سورة “الأحزاب”: “ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم، ولكنْ رسولَ الله وخاتَمَ النبيين”، وهو ما وضحه وفصله الرسول فى حديثه الشريف بقوله صلى الله عليه وسلم: “مَثَلِى ومثلُ الأنبياءِ من قبلِى كمَثَلِ رجلٍ بَنَى بنيانًا فأحسنَهُ وأجملَهُ إلا موضعَ لبنةٍ من زاويةٍ من زواياه. فجعلَ النَّاسُ يطوفونَ به ويَعْجَبونَ له ويقولون: هلا وُضِعَتْ هذه اللَّبِنةُ؟ قال: فأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتَمُ النَّبيِّينَ”. وعن أبى هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: “كانت بنو إسرائيلَ تسوسهم الأنبياءُ: كلما هلك نبى خَلَفَه نبى. وإنه لا نبى بعدى، وسيكون خلفاءُ فيَكْثُرون”. وقال صلى الله عليه وسلم: “فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بالرُّعبِ، وأُحِلَّتْ لى الغنائمُ، وجُعِلَت لى الأرضُ طَهُورًا ومَسجِدًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً، وخُتِم بى النَّبِيُّون”.
بيد أن الكاتب يترك هذا كله ويذهب إلى ابن ستين فى سبعين وعبارته السافلة: “ابن آمنة”. ولم يسق حجة واحدة ولا حتى شبهة يعضد بها كلامه ولو على سبيل التكلف، بل أخذ يتخيل ويخال وينسب إلى النبى محمد عليه الصلاة والسلام نيات لا أدرى كيف عرفها يزعم فيها أنه إنما أغلق باب النبوة لكذا وكيت من الأسباب. وكلها خبطات عشواء تقوم على الكذب الوقح الذى ليس له رجلان! ولم لا، ومحمد على عبد الجليل فيما هو واضح، إنما أتى لينفذ أجندة معدَّة له سلفا وموضوعة أمامه ينقل عنها نقل مسطرة فى لغة بذيئة فى حق النبى الكريم المختار دون أن يترك له مشغِّلوه الحق فى التساؤل أو الخروج على النص؟ وهناك كثيرون من أذناب الغرب ممن ينتمون إلينا ظاهرا يعملون عمل صاحبنا، وينفذون ما يراد منهم كالقرود، ويرددونه كالببغاوات، لقاء جعل معلوم. والغاية من ذلك كله إرباك المشهد وطمس المفاهيم الصحيحة وإحلال مفاهيم أخرى شيطانية مكانها. فالنبى، فى رأيه الكليل، لا يختاره الله اعتباطا (هكذا قال)، بل أى شخص يمكن أن يكون نبيا ما دام قد جاهد وبلغ المحطة التى تؤهل صاحبها لأن يكون نبيا. وفى هذا السياق نراه، وهو الذى يخطّئ محمدا فى كل شىء ويهاجمه ويهاجم دينه وكل ما أتى به، يستشهد بكلام له يظن أنه نافعه فى هذا الخبص العجيب. لكن من قال إن الله سبحانه يختار أنبياءه اعتباطا دون أن يكونوا مؤهلين لهذا نفسيا وخلقيا وعقليا؟ إن محمد على عبد الجليل ينفى النبوة التى نعرفها والتى تقوم على اصطفاء الله سبحانه لبعض عباده لينهضوا بهذه المهمة الصعبة ثم يستدير من ناحية أخرى ويزعم أن باب النبوة مفتوح لكل إنسان ما دام قد حاز الصفات المطلوبة، وكأن النبوة وظيفة يعلنون عنها فى الجرائد، ومعها الشروط التى لا بد من توافرها فيمن يريد الحصول على الوظيفة.
وهو هنا يجرى فى خطا القاديانيين والبهائيين وكل من يحطب فى حبل المستعمرين ليفسدوا أمر المسلمين ويَلْبِِسُوا عليهم دينهم. ومعنى هذا أنه يرفض النبوة بضوابط إلهية، ويقول بانفتاح بابها أمام كل عميل كذاب. ثم هو يستعين بجهاز مصطلحاتى غامض ملتو استقاه من ميدانى التصوف والأساطير. أى أنه فى الوقت الذى يرفض فيه أنبياء الله ورسله الذين اختارهم الله على عينه يقيم مكانهم أنبياء ورسلا منحرفين شيطانيين. والمهم أن الجماعة الذين ظهر فيهم أولئك الرسل قد قبلوهم وآمنوا بهم. أى أنه ليس المهم أن يكون النبى مؤهلا حقيقة للقيام بهذا الدور الشامخ الصعب النبيل الذى هيأه الله سبحانه له واختاره الله له اختيارا بل أن يقبله قومه. إنها النبوة فى طبعتها المحمدية العلوية العبجليلية الجديدة. ولم لا؟ إننا فى سويقة لبيع الجبن والسمن والخبز والسمك والدجاج والخضراوات والليمون، ولسنا فى عالم الأنبياء والمرسلين. وأرجو ألا ينسى القراء الكرام ما بينتُه قبل قليل من أن أولئك الأنبياء لم يحظَوْا رغم ذلك كله بقبول مجتمعاتهم لهم، بل بجزء منها صغير ليس غير.
بل إنه ينفى أن يكون للنبى محمد وجود تاريخى. وهذا جنون مطبق أخذه جاهزا من كلام بعض رقعاء المستشرقين بأخرة. فهو، كما قلت، مجرد أجير ينفذ ما يطلبونه منه بالحرف، وفى فمه جزمة قديمة. وهو يمضى مثرثرا ومنتجا كلاما هلواسيا يقدمه إلى القارئ على أنه هو الحق الذى لا يأتيه الباطل أبدا، إذ يقول مثلا فى مقالة له أخرى بنفس الموقع السابق تحت عنوان “دور محمد فى تأليف القرآن” (العدد 4322- 31/ 12/ 2013م): “لا تُــقدِّم لنا المصادرُ التاريخيةُ معلوماتٍ صريحةً ومباشرة عن دور محمَّد نبى الإسلام فى تأليف القرآن. لا بدَّ إذًا، لِفَهْم دَوْر محمَّد، من قراءة ما بين السطور والبحث عن المؤشرات غير المباشرة. إنَّ تضارُبَ الرويات التاريخية يشكِّك فى وجود محمَّد نفسه. فقد أشارَ المؤرِّخ محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس اليعمرى الربعى (ت. 734 هـ) فى كتابه “عيون الأثر”، وكذلك ابنُ كثير فى “السيرة النبوية” (ج 1، ص 197)، إلى عدة رجال حملوا اسمَ محمَّد فى وقت ظهور ما يسمَّى بالنبى محمَّد، وهم: (1) مُحَمَّدُ بْنُ أُحَيْحَةَ بْنُ الجَلاحِ الأَوْسِى (2) ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الأَنصارِى (3) ومُحَمَّدُ بْنُ بَراءٍ البَكْرِى (4) ومُحَمَّدُ بْنُ سُفْيانَ بْن مُجاشِعٍ (5) ومُحَمَّدُ بْنُ حُمْرانَ الجُعْفِى (6) ومُحَمَّدُ بْنُ خُزاعِىّ السُّلَمِيُّ.
فهل كان محمَّد الذى قدَّمه لنا المؤرِّخون والمحدِّثون والمفسِّرون والفقهاء شخصيةً تركيبيةً توفيقيةً لا تشير إلى شخص بذاته بل إلى عِدَّة أشخاص يحملِون طابعا معيَّنا مميَّزا؟ ألا يمكن أنْ تكون شخصيةُ محمَّد كشخصية “ليلى” وكشخصية “الذئب” فى حكاية “ذات الرداء الأحمر” (Le Petit Chaperon rouge ذات القبَّعة الحمراء)، من حيثُ أنها لا تدلُّ على شخص معيَّن؟ بل إنَّ شخصية “محمَّد” أقربُ إلى شخصية “الذئب” من حيث أنَّ الشخصيتين محمَّدٍ والذئبِ تَرمُزانِ إلى الذكورة والشهوة الغريزية. إنَّ شخصية “ليلى” لا تشيرُ إلى طفلةٍ بعينِها اسمُها “ليلى”، كما لا تشير شخصيةُ “الذئب” إلى حيوان بعينه اسمه “الذئب”. بل تشير الشخصيتان إلى نموذج بدئى أو شخصية نموذجية معيارية. هذا فضلا عن أنَّ شخصيتَىْ “ليلى” و”الذئبِ” ليستا محورَ الحكايةِ بل إحدى أدواتِها، لأنَّ قلب الحكاية وهدفها هو معالجة موضوع الجنس (بحسب تحليل إريك فروم وفرويد). وينبغى، لِفَهْمِ مغزى الحكاية، قراءةُ رموزها وفكُّها. (للتوسُّع: مراجعة مقال: “ذات القبَّعة الحمراء والخبرة الجنسية”، دارين أحمد، موقع “معابر”)…
من الضرورى إذًا التمييزُ فى محمد بين شخصيتين: شخصية محمد التاريخية الحقيقية المجهولة وبين شخصية محمد الإيمانية الرمزية الأسطورية المركَّبة. وقد أشرتُ إلى ذلك فى مقالَىَّ “حقيقة النبى” و”كيف نقرأ قصص الأنبياء؟” حيث يأخذ الرواةُ والمؤرخون بعضَ عناصر من الشخصية الواقعية ليبنوا الشخصيةَ السردية الأسطورية مثلما يفعل الروائى الواقعى حين ينطلق من شخص حقيقى واقعى ليبنى شخصيتَه الروائية التى تعكسُ ذاتَه وبيئتَه أكثرَ بكثيرٍ مما تعكسُ الشخصيةَ التى انطلقَ منها. ما فعلَه كُتَّابُ السيرة يشبه تماما ما يفعله الروائى. إنَّ ما يربط شخصية محمَّد الخيالية المختلَقة المذكورة فى كتب السيرة بالشخصية التاريخية الحقيقية هو خيط رفيع يشبه الخيط الذى يربط شخصيةَ بابا نويل الخيالية بالشخصية التاريخية الحقيقية للقديس نقولا أسقف ميرا الذى قيل عنه إنه كان يوزِّعُ المالَ على المحتاجين وهو مُتَخَفٍّ. وبالتالى فعندما يقوم أحدٌ بانتقاد محمَّد فإنما ينتقد فى الواقع الصورةَ التى رسمَها الكُتَّابُ عن شخص محمَّد والتى لا تعكسُ شخصَ محمَّد بل تعكِسُ الوسط الثقافى والدينى والاجتماعى لكاتب السيرة. عندما أنتقدَ محمَّدا فإننى أنتقدُ الوصفَ الذى قدَّمه لى واضعو السيرةِ عن محمَّد والذى يُعبِّر عن بيئتهم والذى لا يصلحُ بتاتا لأنْ يكونَ نموذجا يُقْتَدى به لإنسان هذا العصر، مع التحفُّظ أساسا على مبدأ القدوة…
يَجِبُ التنويه أولا أنه من البديهى أن القرآن من إنتاج بشر، كأى كتاب آخر، بحسب ما تقوله لنا التجربة والواقع والعِلْم. ففكرةُ أنْ يأتى ملاكٌ من السماء السابعة حاملا وحيا أو متأبِّطا كتابا إلى شخص قائلا له: “اقرأْ” هى فكرة روائية ميثولوجية تتناقض مع الواقع والبديهة والعِلم (إلا إذا اعتبرنا التأليف وحيا) شأنُها كشأن فكرة ولادة المسيح من عذراء بلا أب (إلا إذا أخذْنا كلمة “عذراء” بمعنى “أم عازبة” وكلمة “بلا أب” بمعنى “بلا أب شرعى”). ففكرة الوحى الإلهى للأنبياء بحسب المنظور الإبراهيمى عامةً والإسلامى خاصةً، وفكرةُ حمْلِ امرأةٍ من دون اتِّصال جنسى مع رجُلٍ، هما فكرتان لا معنى لهما واقعيا. وينبغى قراءةُ “الوحى” و”الحبَل بلا دنَس” قراءةً رمزيةً. ربما تشير فكرةُ الوحى الإلهى إلى تعظيم الكتابة، وقد تشير فكرةُ “الحبَل بدون رجُلٍ” إلى تحقير الجنس فى عصر ظهورهما”.
وواضح أن الرجل يسير فى واد، والإسلام والعقل والفهم السليم المستقيم فى واد آخر مختلف تماما عن وادى التيه والضلال الذى يسير فيه. وهو لا يستخدم المنطق العاقل بل يردد كالببغاء بعض كلام علماء النفس بالتواءاته وتعقيداته وفروضه العجيبة وخروجه على كل معقول متجاهلا أن هذا الكلام يتغير من وقت إلى وقت ولا يستقر، وأن علماء النفس كثيرا ما يتضاربون وينسف بعضهم كلام بعض. وسبب ذلك هو رغبته العنيفة فى تجنب الوضوح والمنطق حتى لا ينكشف جهله وعواره، فتراه يتمسح فى كلام هؤلاء الناس وكأنهم آلهة، وما يقولونه وحى لا يعرف الخطأ، ومن ثم يهاجم الإسلام خلف دريئة كلامهم لائكا المصطلحات والعبارات المهومة التى لا يمكن العقلاء أن يمسكوا بشىء منها. فالأمر كله مجرد فقاعات ما إن تطير فى الهواء الطلق حتى تنفجر فلا تخرج منها بشىء.
وأظرف ما قال وأبعثه على الإضحاك أن التاريخ والواقع والعلم تثبت أنه لا يوجد شىء اسمه الوحى. وكنت أريد أن يبين لنا كيف أثبت التاريخ والواقع والعلم ذلك. هل أخذ مشركو قريش النبى محمدا إلى أحد المعامل المكية وأَجْرَوْا عليه التجارب العلمية وكشفوا عليه بجهاز الكذب وصوروه وهو يتلقى الوحى فبان تماما أنه لا جبريل ولا وحى ولا يحزنون، وإنما هى هلاوس وتخيلات؟ أم ترى صاحبنا يشتط فى الفجور فيزعم أنه قد أجرى ذلك على سيدنا محمد من باريس، التى يعيش صاحبنا الكذاب المدلس فيها منغنغا فى عناية الفرنسيس، على تنائى الديار وتباعد الزمان، واتضح له زيف كل ما جاء فى الحديث والقرآن والسيرة والتاريخ؟ كذلك فقوله إن فكرة الوحى الإلهى تشير إلى تعظيم الكتابة هو كلام رقيع، فهل كان الأمر يستأهل عذابات ثلاث وعشرين سنة وصداماتها وآلامها ومعاركها للوصول إلى هذه الفكرة وتفهيمها للناس؟ وهل كان العرب يكرهون الكتابة؟ إن قصائدهم مملوءة بما يشير إلى إجلالهم للقلم والخط والصحيفة. كما أنهم لم يكونوا كلهم أميين، وإن غلبت الأمية عليهم. ثم إن القرآن مفعم بموضوعات لا تكاد تنتهى إلى جانب الكلام عن الكتابة. بل إن الكتابة لا تشكل موضوعا بارزا بين موضوعاته.

شاهد أيضاً

مراجعات للبطريرك 12 من 12

محمد القدوسي كاتب وصحفي مصري مراجعة تشريعية: 10 ـ التعداد والمنطق الطائفى فى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.