أخبار عاجلة

الإسلام السياسي بين التأطير الشرعي والتأصيل الفكري

المحامي محمد نادر العاني

باحث في مجال حقوق الإنسان
عرض مقالات الكاتب

الإسلام السياسي، مصطلح عميق ومتجدد في معناه حاضر بقوة أمام الواجهات المختلفة, وقد أخذ هذا المصطلح حيزا واسعا لدى نمطيات الفكر السياسي المعاصر, إذ إن التعامل أمام مستجداته الحديثة يتميز بالتباين الحاد والتخالف البين بين أوجه الأيديولوجيات الناظرة له , وكينونة مصطلح (الإسلام السياسي ) قريب جدا في تقنينها إلى فلسفة السياسة  الغربية وتطورات النظرة العامة للمجتمع الغربي نحو النظم المدنية والموقع السياسي للديانات, إذ ظهرت البوادر الرئيسية لهذا المصطلح منذ القرن الثامن والتاسع عشر وبالتحديد تجلت الفكرة منذ سريان النظام العلماني لدى الدول الغربية إذ بعد قيام الثورة الفرنسية انجلت مسألة عزل الدين عن الدولة بشكل عام لفك قبضة الكنيسة آنذاك عن الواقع السياسي لتلك الدول ثم كان للاستعمار دور بارز في نقل مضامينه إلى الشرق الأوسط وبالأخص بعد احتلال نابليون لمصر ولكن على أرض الواقع وبشكل فعلي ظهرت خيوط فكرة الإسلام السياسي بعد سقوط الدولة العثمانية في بداية القرن الماضي فكان أشبه بردة الفعل من ملتزمي الأفكار الغربية السياسية ضد نظام الدولة العثمانية الديني الذي يقر بتسيد الدين على جميع النواحي الدولة السياسية والاجتماعية والاقتصادية , وبعد السقوط أخذت تجري الفلسفات السياسية للأنظمة الغربية بأغلب تفاصيلها على الدول الحديثة المجتزئة من العثمانيين ومع الامتداد الاستعماري للأقاليم الجديدة إضافة إلى حداثة الفكر الليبرالي وتوارد النظام السياسي الجديد على المنطقة وهو النظام العلماني الذي يحاول عزل الدين عن المجال السياسي بشكل كامل ويشتمل هذا العزل على جزئيين الأول إبعاد الدين منهجا عن نظام الحكم بأغلب تفرعاته سلطة وتشريعا. والجزء الأخر إبعاد الدين بشخوصه أو ممثليه من المشاركة السياسية وترك لهم حقوق العبادات والمسائل المجتمعية .

في الحقيقة كان لتطبيق هذه المناهج الجديدة بشكلها الحرفي يمثل امر يقارب المستحيل خصوصا أن شعوب دول الشرق الأوسط تدين بالدين الإسلامي وتلتصق به منهجا وعبادة بالإضافة إلى حداثة سقوط الدولة العثمانية الإسلامية وهي من كانت تحكم هذه الشعوب على مدار قرون بتشريعات دينية إسلامية خالصة.

على الرغم من المصطلحات اللامعة (التحرر، النهضة، الحداثة، التجديد، المعارف العلمية …..) التي صورها  أصحاب الفكر الجديد آنذاك وعلى الرغم من الأخذ بها من قبل بعض الدول مثلا مصر التي سبقت دخولها النظام الغربي الجديد سقوط الدولة العثمانية منذ سيطرة محمد علي إلا أنها أخذت مرحلة التطبيق والفرض على مدار عدة  عقود ولم تشمل جميع دول المنطقة ولم تلقى استحسانا لدى القاعدة الشعبية الكبيرة فخرجت ردات فعل اجتماعية كونت أحزابا وجماعات قائمة على أفكار دينية إسلامية بحتة عرضت في إمكانيات تولي المسؤوليات السياسية إضافة إلى إرساء القواعد الدينية  ضمن منهجها  انسجاما مع التطورات الحاصلة على الأنظمة الجديدة ولاقت في البداية استحسانا من القاعدة الجماهيرية ورجال الدين ثم قبولا واتساعا بشكل اكبر خصوصا في توسع دعوتها وأفكارها وقضاياها على عدة دول .

مما دعا بعض المستشرقين وكثير من المنظرين العرب للأفكار اللبرالية اطلاق على الخط الذي يتخذ الإسلام منهجا سياسيا واجتماعيا بتسمية ( الإسلام السياسي ) فتسمية الإسلام السياسي تسمية فضفاضة استخدمت لتوجيه النظر إلى جماعات لم تجنب استخدام الدين في إطار السياسة وان هذا المصطلح يطلق إعلاميا اليوم على جماعات إسلامية كثيرة وتستخدم على أي تجمع يريد الحكم سواء كان شيعيا أو سنيا وسطيا أو راديكاليا صوفيا أو سلفيا. وأرى هذا خطأ في التحديد فهذا الخط له طبيعته الخاصة وأفكاره التي تربط بين الدين والسياسة وبين التطورات التنظيمية والاجتهادات الشرعية فهذا الخط وان كانت تسميته لا يعترف به مريديه إلا انه في حقيقة موجود ويقوم على قواعد ومبادئ تميزه عن الجماعات والفرق الأخرى إذ يتجسد قيام أفكار هذا الخط بشكل واضح على عدة قواعد:

1-السيادة للشرع: يؤمن خط الإسلام السياسي بسيادة الشريعة الإسلامية وصلاحها للتطبيق وهذا يقتضي تطبيق الشريعة عقيدة ونظامًا، دولة وتشريعًا، وان كانت الشكلية تختلف عما طبقت عليه في الماضي إذ كان التطبيق مباشر من حيث مصدرا ونفاذا وهذا ما كانت عليه السلطة العثمانية أما الفكرة لدى الإسلام السياسي فأن للتشريع الإسلامي  ممكن أن يواكب التنظيم السياسي الحديث من حيث السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مع إمكانية أن يبقى هو الغطاء لهذه القوانين والأنظمة فتكون الشريعة بذلك مصدرا للتشريع ومصدرا للسيادة إذ لا يجوز أن يشرع بما هو مخالف لها أي يكون لها تسيًد دستور ومواكبا للتطور.  

2-  الشريعة والديمقراطية : يرى أغلب من منظري هذا الخط إلى أن لا توجد  مشكلة عقائدية باتجاه النظام الديموقراطي الذي يعد أيقونته الرئيسية الرجوع إلى الشعب في اختيار السلطان والطبقة السياسية مع تنظيم هذا الأمر بلا أن يخالف التشريع الإسلامي   إذ ينظر الكثر أن الشريعة الإسلامية  لم تضع نظرية واحدة يقوم عليها النظام السياسي الحاكم فقط أطرت هذا التنظيم بإطار يقوم على مبادئ عامة حتى يكون النظام السياسي نظام يواكب التطور والتحديات الجديدة وهذه المبادئ التي قام عليها ( العدل , الشورى , حرية التجارة , حرية الإنتاج ,احترام الملكية الفردية , واحترام إرادة وكرامة الإنسان) وهذه المبادئ لا تتعارض مع قيام الفرد بالمشاركة في اختيار حاكمه وفقا لنظام دستوري مقنن وذلك له مقاربة وتشابه كبير بمبدأ البيعة في اختيار الحاكم .

3- مسؤولية الحاكم: فالحاكم مسؤول في الدنيا أمام القضاء إذا ارتكب مخالفة جنائية بعيدًا عن سلطته، ومسؤول أمام الأمة إذا فرط في أمر من أمور الأمة، ومسؤول أمام الله تعالى في الآخرة.

4- الشورى منهج الحكم: فالشورى في الإسلام أساس الحكم؛ إذ قرر الإسلام أن الشورى خصيصة من خصائص المجتمع الإسلامي، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ فهو مجتمع يقوم على أساس احترام الرأي وتبادل وجهات النظر، ويستنكر الاستبداد بالرأي الذي يفضي – لا محالة – إلى التعسف والطغيان ويمكن أن يكون مبدأ الشورى يواكب التغيرات الحديثة للأنظمة السياسية وخصوصا الديموقراطية فالاتفاق مع هذا النظام أن غاية المبدئيين ألا يتسلط الحاكم بقراراته الانفرادية التي تعرض الشعب والأمة إلى الخطر.

5- إقامة العدل بين الناس: والعدل في الإسلام هو غاية الغايات من الحكم الإسلامي، إنه عدل مطلق عام شامل، ومن ثم يوجب الإسلام التزامه بالنسبة للمسلمين وغير المسلمين، وبالنسبة للأصدقاء والأعداء.

6- الاستعانة بالأكفاء مع الإشراف عليهم: وهذا من ضروريات عمل الحاكم فعليه أن يحسن اختيار معاونيه، وأن يسند كل عمل للأمثل فالأمثل ممن يستطيعون القيام به، ولابد مع هذا من الإشراف على هؤلاء الولاة الذين يعينهم ويكل الأمر إليهم.

7- طاعة الحاكم ونصرته في المعروف: فمن مبادئ الحكم الإسلامي أن الحاكم مادام قائمًا بأمر الله، حاكمًا بالعدل، منفذًا لأحكام الشرع، ملتزمًا بها في أعماله وتصرفاته، راعيًا لأمانته وعهده، وكان مستوفيًا شروط الولاية إبان ولايته، وجب له على الأمة حقان: حق الطاعة وحق النصرة، قال الماوردي: “وإذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة، فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة ما لم يتغير حاله.

9- ضمان الحريات: ضمان الحريات بكافة أشكالها: الحرية الشخصية، والحرية الدينية، والحرية الفكرية، والحرية السياسية، والحرية الاقتصادية.

10- ضمان المساواة: كما ضمن النظام الإسلامي المساواة بين الناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم.

11- التشريع والاجتهاد: أن الشريعة الإسلامية توجهت بأحكامها على مصادر تشريع عديدة وان الاجتهاد هو احد المصادر فالأمور التي قد تتغير وتتطور ولا توجد نص يتم اللجوء إلى الاجتهاد وحتى قد يتم اللجوء إلى تفسير النص وفقا للاجتهاد ففي هذا  الباب يقول الدكتور مصطفى محمود في كتابه ( الإسلام السياسي والمعركة القادمة) حول حديثه عن قطع اليد  (لا يوجد نص في القران اكثر تحديدا وصرامة من قطع يد السارق وجاء هذا النص مطلقا لا استثناء فيه  ومع ذلك فقد اجتهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في فهم النص فلم يطبقه في الحروب واجتهد فيه عمر بن الخطاب ولم يطبقه عام المجاعة وهي استثناءات لم ترد في القران فضرب بذلك المثل على جواز الاجتهاد وجواز عمل العقل حتى في نص من نصوص الشريعة فما بال بالنصوص الأخرى التي لا تمس حكما ولا عبادة ) فهذا يعني على أهمية الاجتهاد في المواقف الكثيرة والمتغيرة التي تواكبة التطورات السياسية للأنظمة .

فهذه القواعد الرئيسة التي يقيم عليه هذا الخط نظرته السياسية فهو يؤمن ان الشريعة الإسلامية قادرة في كل الزمان ومكان أن تدخل ضمن التنظيم السياسي منهجا وشخوصا وكذلك يؤمن بإمكانية أن لا تكون النظم السياسية الحديثة بتطوراتها وتغيراتها عائقا أمام النظام السياسي في الإسلام.

رغم أن الإعلام والصحف وخصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر تركز على جعل جماعات عديدة ضمن  تسمية الإسلام السياسي إلا انه وفقا للقواعد التشكيلة لهذا الخط فهنالك كثير من الفرق والجماعات الإسلامية لا يمكن أن تكون ضمن هذا الخط إذ يختلف عن بعض الجماعات والفرق الأخرى حتى التي ترى في الإسلام   نظام تشريعي وسياسي فالسلفية الجهادية بمختلف تسمياتها ( متشددة , تكفيرية , راديكالية )  تؤمن بأن الإسلام منهج حكم وسلطة ويجب أن يقوم أي مجتمع على دولة تشريعها إسلامي محض وفقا للتعريف الحدي للنصوص والقواعد والوسائل التي تقوم عليها السلطة ولا يمكن انسجام الأفكار التي تغيرت أو الأنظمة الحديثة مثل الديموقراطية القائمة على التعددية واختيار الشعوب للحكام مع نظامهم السياسي الإسلامي وهنا يختلف عن خط الإسلام السياسي الذي يعتقد بأن تطورات الأنظمة  السياسية هي لا تلغي إمكانية عمل التشريع الإسلامي ولا مبادئه ولا منهجه اذ تحمل نفس المبادئ التي قام عليها النظام الإسلامي السياسي فممكن الدخول إلى السلطات الجديدة التشريعية والتنفيذية والقضائية وإمكانية الوقوف على نظام الترشيح والانتخاب وإمكانية التقيد بالسقف القانوني الأعلى وهو الدستور .

أما اختلاف الإسلام السياسي عن الجماعات الأخرى: مثلا تنتشر العديد من حركات إحياء الدين في العالم الإسلامي العربي وكذلك في المجتمعات الإسلامية في الغرب-مثل الجمعية الإسلامية في أمريكا الشمالية.  إلا أن هذه الحركات لا تدخل في الجانب السياسي حيث تركز على الجانب الديني والاجتماعي بشكل كبير وحصري.

وتختلف عن الحركات الشيعية الإسلامية قلبا وقالبا  فالتنظيم السياسي الشيعي يقوم على قواعد مختلفة متمازجة فترى تارة ممكن أن تمضي نحو الراديكالية وتارة أخرى تمضي نحو الديموقراطية إضافة إلى انه يوجد انقسامات حادة داخل القرار المذهبي والتفرق على فصائل وجماعات وثم الاحتكام إلى الاجتهاد والتقليد بشكل إسرافي دون  إعطاء النص الغاية والمبدأ الذي يتماشى معه والتضييق الفكرة نحو  نطاق مذهبي فقط ومن حيث النظرة إلى الحاكم تقف اغلب نظم السياسية الشيعية أمام اجتماع على دعم الحاكم الذي يعود إلى الطائفة أي كان حكمه سواء كان قد قفز على الحكم بصورة قانونية أو غير قانونية سواء كان دكتاتوريا أو منفتحا وأيضا النظام في التغيير فاستخدام القوة والتحشيد المذهبي للتغير أو دعم بقاء حاكم امر يجب أن يكون في الحاضرة دوما  وهذا لا نراه خط  يتماشى مع الإسلام السياسي( السني ان صح القول ) فالاختلافات كثيرة سواء بالمصادر والنظرة السياسية والغاية والوسائل على الرغم  من التشابه الحاد في إمكانية جمع الدين بالسياسية وإمكانية أن تكون الدمقراطية والشرعية الدستوري أنظمة ملائمة لهما.

فالنموذج الذي يتوائم مع فكرة الإسلام السياسي ويتلاءم مع مظاهر القواعد والأفكار السياسية الذي يقوم عليها هو نموذج جماعة ( الإخوان المسلمين وتفرعاتها) هذه الجماعة التي تأسست في مصر في بداية القرن العشرون بعد سقوط الدولة العثمانية على يد الشيخ حسن البنا فكانت تحتوي وتقوم على قواعد ورؤى عديدة تميزها عن أقرانها من الجماعات الإسلامية الأخرى وساعدتها كثير من الظروف التي مرت بها الجماعة في تحولها  من جماعة إسلامية سياسية محلية  إلى منهج فكري إسلامي عالمي فالبنا يقول في رسالة المؤتمر الخامس للإخوان: “نحن نعتقد أن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة تنتظم شؤون الناس في الدنيا والآخرة… فالإسلام عقيدة وعبادة, ووطن وجنسية, ودين ودولة, وروحانية وعمل, ومصحف وسيف”.

وبناء على شمولية الإسلام يقرر البنا أن دعوة الإخوان المسلمين:

دعوة سلفية: لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله.

وطريقة سنية: لأنهم يحملون أنفسهم على العمل بالسنة المطهرة في كل شيء، وبخاصة في العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.

وحقيقة صوفية: لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس، ونقاء القلب، والمواظبة على العمل، والإعراض عن الخلق، والحب في الله، والارتباط على الخير.

وهيئة سياسية: لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج، وتربية الشعب على العزة والكرامة والحرص على قوميته إلى أبعد حد.

وجماعة رياضية: لأنهم يعنون بجسومهم، ويعلمون أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.

ورابطة علمية ثقافية: لأن الإسلام يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

وشركة اقتصادية: لأن الإسلام يعنى بتدبير المال وكسبه من وجهه.

وفكرة اجتماعية: لأنهم يعنون بأدواء المجتمع الإسلامي ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها وشفاء الأمة منها.

وابتداء من نقطة الحكم خاضت حركة الإخوان صراعها السياسي مع الأنظمة القائمة، وتوسلت لتحقيق ذلك إضافة لأهدافها الأخرى، شكلاً تنظيمياً خاصاً، اختارت له الصيغة الدولية (أي تنظيم يمتد في أكثر من دولة في العالم) وعملت بفاعلية على مستوى العالم العربي في بعض المراحل السياسية وتركت أثرا واضحاً في بعض دول العالم الإسلامي، مما جعلها موضع خصومة أكثر من نظام عربي وإسلامي، وموضع اتهام وإساءة، وتعرضت للمنع والحظر وبخاصة التنظيم المركزي في مصر، وتعرض عناصرها أكثر من مرة للملاحقة والسجن والإعدام أحياناً إلى يومنا هذا . وتتناول الأصول العشرون التي أقامها البنا في رسائله بعض القواعد لضبط التفكير والممارسة الدينية في محاولة للتوازن ما بين التصوف وبين النزعات السلفية، فنجدها تخوض في مسألة الرؤى (الأحلام) وأنها ليست من أدلة الأحكام الشرعية، وكذلك تذهب إلى أن التمائم والرقى والودع والرمل والمعرفة والكهانة وادعاء معرفة الغيب، وكل ما ليس عليه دليل من آية أو حديث أو رقية مأثورة تجب محاربته. وعلى الرغم  من إقرار هذه المبادئ والرسائل لدى الجماعة إلا أنها لم تكن على نحو ثابت فوقفت الجماعة أمام عدة تغيرات طرئت عليها سياسيا وفكريا خصوصا بمرحلة ظهور الأديب سيد قطب والصراعات التي خاضتها الجماعة مع الأنظمة السياسية القائمة آنذاك إلا انه واكبت التنظيم السياسي والمشاركة السياسية على ارض الواقع لا يرون بأساً في طرح الديمقراطية شعاراً سياسياً، لعدد من الأسباب، منها وجود قواسم مشتركة كثيرة بين الديمقراطية ونظام “الشورى” التي تتبناها الجماعة ، لعل أهم هذه الأسباب أن “لُبّ الديمقراطية هو ثلاث حريات: حرية الرأي، وحرية التنظيم، وحرية المشاركة والانتخاب الحر”، وهي حريات تصونها الشريعة الإسلامية، من  منطلق قوله تعالى: (لا إكراه في الدين)، ومن الأسباب أيضاً أن الخيار إذا انحصر بين الدكتاتورية والديمقراطية، فإن خيار الديمقراطية أولى، ثم “لا مساحة في الاصطلاح”، لأن العبرة في المعاني والمقاصد أو الأهداف، لا في المباني أو الأشكال والألفاظ. وتأخذ الجماعة بمنهج الشورى (الذي فيه تشابه في المفاهيم العامة للديموقراطية إن جاز التعبير) في فكرها وأدبياتها وأنظمتها ولوائح عملها الداخلية ومرجعياتها التنظيمية. إذ على الصعيد النظام الداخلي واللوائح: تتخذ القرارات في مؤسسات الجماعة كلها بعد المداولة بالتصويت والانصياع لرأي الأغلبية، ولو بصوت واحد، حتى إذا ترجحت كفتان يؤخذ بترجيح جانب رئيس الجلسة.  يقوم بنيان الجماعة على التمثيل الانتخابي من القاعدة إلى القمة، لاسيما انتخاب أعضاء مجلس الشورى “السلطة التشريعية” وأعضاء مجالس الإدارات أو المراكز وأعضاء القيادة “السلطة التنفيذية” ومن حيث الممارسة السياسية فهي تنظيم مدني سلمي، لم تنشئ لها تنظيماً عسكرياً داخل الجيوش ولا خارجها يوماً ما، ولا حاولت القيام بانقلاب عسكري، بل حين عرض عليها العسكريون الانقلابيون الحكم في مصر إبان الفترة الملكية  “مثل ضباط الانفصال” وأمثالهم رفضت الجماعة ذلك، وقد شهر عن الأستاذ عصام العطار قوله: “الحكم الذي يأتي عن طريق دبابة يذهب بدبابة”، بل إن جماعة الإخوان المسلمين في سوريا عارضت بشدة كل الحكومات العسكرية والأنظمة الانقلابية، ذات الطموح الفردي أو الحزبي، مثل دورهم المشهود في مقاومة أديب الشيشكلي، أو إسقاط حكومة بشير العظمة التي قامت على أنقاض البرلمان، الذي تمت استعادته بعد ذلك، وفي أواخر عهد الوحدة الذي حظر قيام تنظيمات سياسية.. أعلن الإخوان عن شروعهم باستئناف الدعوة وعمل الجماعة. وعند النظر إلى التنظيم السياسي للجماعة اليوم نجد أن في كل الأوضاع التي وصلت بها إلى السلطة في العالم العربي كانت عن طريق الديموقراطية سواء في مصر بعد ثورة 25 يناير أو في تركيا أو في الجزائر عام 1991 قبل الفتك بهم أو ما نراه اليوم في ليبيا فالنظام الديموقراطي يعد بنظري خصلة رئيسية تتميز فيها هذه الجماعة عن الجماعات الأخرى.

لذا نرى أنها تمثل خط الإسلام السياسي بحذافيره فكرا وقواعدا رغم التجذر والانقسامات الكبيرة التي حدثت لها ففي العراق ليس كما هي عليه في سوريا وفي سوريا ليست كما هي عليه في فلسطين وتركيا وغير ذلك إلا أننا درسنا الموضوع من حيث المبادئ الرئيسية والقواعد العامة لا التغيرات التفصيلية التي وجدت فيها الخروج عن هذه العباءة بشكل كبير.

فبعد أن تناولنا النموذج الذي يمكن الخط عليه بفكرة الإسلام السياسي يمكن الخروج بعدة نتائج وعدة تقييمات:

  1. الإسلام السياسي ليس مصطلح عام يشمل كل جماعة إسلامية التي تمتهن السياسية إذ أن لهذا الخط قواعد وانطلاقات ووسائل معينة تنتهجها وتواكب به التطورات السياسية الحاصلة.
  2. إن مصطلح الإسلام السياسي لا يتبناه هذا الخط رغم انه يميزها عن بقية الفرق إذ يرون إن هذه التسمية تسمية خاطئة لان هذه التسمية تفرقهم عن معنى الشمولي للإسلام وتخرجهم من عباءة الفكر إلى عباءة التحزب والجماعات فمثلا إن جماعة الإخوان لا ترى أنها جماعة أو حزب منفرد عن الأمة أو تمثل طائفة معينة أو فكر أو منهج سياسي محدد إذ تنظر أنها جزء لا يتجزأ من الأمة وان رسالتها إلى الأمة جميعها وان ما تتبناه من أفكار وتنهجه من تنظيم يعد من صميم مبادئ الإسلام.
  3. النظرة الإعلامية الخاطئة التي تقود بالنظر إلى كل الجماعات الإسلامية للظفر بالسلطة على انهم إسلام سياسي الرغم من الاختلافات الكبيرة اعطى الفكرة مبطنة ومسيئة إلى مشاركة الإسلام بالسياسة.
  4. الأخطاء الكبيرة وبعض التنازلات وفشل كثير من الإسلاميين بالحكم اعطى نظرة عامة على ضرورة فصل الدين عن السياسة وإبعاد كل من ينهج فكر الإسلام السياسي بدعوى أن السياسة في مضامينها تحوي على مبادئ سيئة والدين مبادئه طاهرة ولا ينسجم الاثنان معا وفي الحقيقة أن كانت السياسة بمضامينها سيئة فبالأحرى أن يكون للدين دورا في تنقيتها وان تفعل أحكامه المهمة التي تقضي على الفساد والتخندقات والنفعية الشخصية.
  5. إن الواقع الذي يعيشه هذا الخط اليوم يوقع أمامه مواجهة شرسة على جميع الصعد الإعلامية والدولية والتنظير الغربي وأيضا الانقسام الشديد وبدء الابتعاد عن إسلامية هذا الخط بسبب الضغط العلماني هو اخطر ما يهدده فمثلا تنازل حزب النهضة التونسي وقبوله الكثير من التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية وتحول هذا الخط في العراق إلى خط يشوبه الفساد ورضوخه إلى الواقع المزرى جعل منه موضع  ضعف وخيبة ومع فشل سياسي شيعي آخر يتخذ الإسلام اسما له جعل النظرة إلى الخط الإسلامي السياسي نظرة يشوبها كثير من العيوب والأخطاء . فخطر فشل الإسلام السياسي يؤدي بخطره إلى المعايير والمبادئ التي يحملها والمتعلقة بالدين الإسلامي ككل.
  6. نماذج النجاح لهذا الخط تقود إلى تقويته وإدامة حيويته فنجاح الحزب العدالة التركي وقبله بوادر النجاح الذي بدء به مرسي في مصر قبل الانقلاب هي من تحمل الحقيقة التنظيمية التي سعا لها المتبنين لهذا الفكر.
  7. المواجهة التي أمامهم اليوم ليست كما هي في السابق مع الخط العلماني فقط فالإسلام السياسي أمام مواجهة شرسة من خطوط إسلامية سياسية وتدعمها دول فالسعودية والإمارات تقود جبهة بمساعدة الولايات المتحدة لمنع الإخوان مثلا من أن يكون لهم أي موضع قدم في الدول الإسلامية وما حدث من صراعات بين الجماعات الثورية ضد نظام الأسد وما حدث مع قطر ومصر وما يحدث في ليبيا اليوم كل ذلك هو لإبعادهم عن السلطة في الدول العربية لعدة أسباب: أولا الخوف الأمريكي على إسرائيل فهذا الخط طالما كان يضمر العداء لإسرائيل وهو من قاد الحركات الأكثر شراسة ضد إسرائيل المتمثلة بحركتي حماس والتنظيمات الإسلامية الأخرى ثم أيضا إن أصحاب هذا الخط يملكون الأرض والجماهيرية في الوطن العربي وجميع التغييرات التي حدثت بدول الربيع العربي كانت تستند على قوتهم الجماهرية ثم تبغي هذه الدول الغنية بان تستخدم المال والاقتصاد لتحقيق نفوذ لها داخل هذه الدول لصعوبة تشييد تنظيمات شعبية وجماهرية هائلة بسبب إفلاسهم فكريا. لذا نراهم يعمدون دائما إلى دعم الانقلابات والدكتاتوريات والنظم الاستبدادية.

2 تعليقان

  1. الحسن لشهاب/المغرب

    في راي و في كل الاحوال ،مع دخول القيادات الدينية الى عالم السياسة ام عدم دخولها،ينبغي فصل الشريعة الاسلامية عن قداسة رب العالمين،لان لا التسيس الديني و لا انسنة الدين ،يسمح باسناد نصوص دينية متناقضة متناحرة الى عظمة رب العالمين،و ليس من حق القيادات الدينية المتاجرة في الدين ،كما تتجار الاحزاب السياسية بالاموال الوسخة،او كما تتجار الاحزاب التكنوقراطية بالمناضب الحكومية السامية ،من حق الاحزاب الدينية المشاركة في العمل السياسي ،لكن ليس من حقها ان تتكلم باسم رب عطيم براء من اقوالها و افعالها ،كما ليس من حق الاحزاب السياسية المشاركة السياسية بارشاء الشعب من اموال الشعب ،و ليس من حق الاحزاب التكنقراطية المشاركة السياسية بمناصب حكومية تليق فقط بالشرفاء و العقلاء من الشعب،كما يمكن لنظام الجمهورية العلمانية الدمقراطية او نظام ملكية برلمانية علمانية دمقراطية ان يحترم حقوق الاعتقاد و التدين ،لكن لا يمكن لنظام الاسلام السياسي ان يحترم حقوق الدمقراطية العلمانية المدنية المختلفة العقائد و المداهب الفكرية,,,

  2. الحسن لشهاب/المغرب

    في راي اذا كان هم الحكامة المدنية العلمانية الديمقراطية هو البحث عن موقع محترم يليق بمقام الدين ،باعتبراه رسالة ،الى كل ما فيه الخير للانسانية جمعاء،و حقوق البيئة، عبر نشر كل مبادء التسامح و التعايش و كل خصال الاخلاق الحميدة،و التي ترى من خلاله الحكامة المدنية العلمانية الدمقراطية ضرورة ابعاد الدين منهجا عن نظم الحكم ،بأغلب تفرعاته ،سلطة و تشريعا،مع ضرورة ترك حقوق العبادات و المسائل المجتمعية ،و تشجيع ظروف شخوصه و ممثليه المادية و الحقوقية الفكرية ،المتمثلة في القيادات و النخب و الاقليات الدينية (حتى يتم فطمها من تدي الصناديق السوداء المخزنية بشكل تدريجي)،فانه و للاسف هم الحكامات اللادمقراطية سواءا كانت اسلام سياسي (تطبيق الشريعة عقيدة و نظاما،دولة و تشريع)،أو مؤسسات ملكية وراثية ( و بالاخص الغير البرلمانية الديمقراطية)، أو مؤسسات عسكرية و مخابراتية وراثية ،أو تحالهما معا لاقتسام الكعكة ،هو استغلال الدين سلطة و تشريعا بكل موارده البشرية الانتهازية المتسلقة ،المتمثلة في كل الراغبين في الحصول و توريث المناصب العليا ، التي تنازلت عنها الحكامات اللادمقراطية ،لغرض في نفسها ،كوزارة الاوقاف و الشؤون الدينية و وزارة التعليم و التجارة الحرة و بعض الوزارات التي تراها مناسبة للاقليات الدينية، الداركة لما يجري بخيرات البلاد و العباد،و الراغبين في الحصول على اموال الصناديق السوداء المخزنية،و الراغبين في تبرئة عمل السحر و الشعودة باسم القران،و الراغبين في تبرئة مغتصبي الاطفال في عقر اماكن العبادة المحترمة،و الراغبين ،و عليه و بما ان الحكامة اللادمقراطية هي التي تتحكم في زامام الامور و في صناعة القرارات ،و بما ان الحكامة المدنية العلمانية الدمقراطية تعتمد اسلوب الحوار و ليس اسلوب الحق يؤخد بالقوة و لا يعطى بالسهل،فان دار لقمان ستبقى على حالها ،,…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

النّظام العالمي الجديد بين مخطَّط الماسونيَّة والبعث الإسلامي 8 من 10

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. القضيَّة الفلسطينيَّة والنّظام العالمي …