أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / مخطوطات البحر الميِّت وعقيدة بني إسرائيل الحقيقيَّة

مخطوطات البحر الميِّت وعقيدة بني إسرائيل الحقيقيَّة

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

بسم الله الرحمن الرحيم

         “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) …وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69)” (سورة آل عمران: 64 و69).

          ” قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ” (سورة المائدة: 77).

مقدِّمة:

أثار اكتشاف مخطوطات قُمران في كهوف مهجورة قرب البحر الميِّت في الأردن عام 1947، ومن قبلها مخطوطات نجع حمَّادي جنوبي مصر عام 1945، جدلًا واسعًا لما أشعلته من تكهُّنات حول طبيعة ما تتضمنه من عقائد تعود إلى المسيحيَّة في مهدها. وأكثر ما أثاره تكتُّم الجهات المسؤولة عن الاستكشاف-وهي يهودية-عن المخطوطات، منذ العثور على أولاها بالمصادفة وحتى نهاية البحث عام 1956، احتواء المخطوطات على ما يتعارض مع العقيدة المسيحيَّة الراسخة منذ قرابة الألفي عام، مما دفع الكنيسة الكاثوليكيَّة في روما إلى طمس ماهيَّة ما جاء في المخطوطات، حفاظًا على تاريخها، خاصة مع انتشار اعتقاد بأنَّ “سيد العدالة”، الشخصية المحورية التي تتحدَّث المخطوطات عنها، يُشابه في مسيرته يسوع الناصري من المنظور الإسلامي؛ أي أنَّ مخطوطات قُمران لا تتناول سيرة ابن الربِّ المجسِّد له والمُرسل لخلاص البشريَّة، بل عن مُصلح لاقى الاضطهاد في سبيل نشر رسالته الإصلاحية-بوصفه “مُعلِّم الحق والصلاح”-حتى لاقى الموت. ومن أبرز أصحاب هذا الرأي د/زينب عبد العزيز، أستاذ الحضارة الفرنسيَّة في جامعة الأزهر، كما جاء في كتابها الصادر عام 2008 بعنوان المساومة الكُبرى: من مخطوطات قُمران إلى المجمع المسكوني الثاني.

تطرح د/زينب عبد العزيز تساؤلات عن سرِّ تغيير الفاتيكان موقفه تجاه الحركة الصهيونيَّة، التي سبق وأن عارضها عند نشأتها أواخر القرن التاسع عشر، بعد اكتشاف مخطوطات قُمران ونجع حمَّادي إلى حدِّ تبرئة اليهود من دم المسيح عام 1965 ميلاديًّا، والموافقة على حذف آيات من الأناجيل تسيء إلى اليهود، مع التركيز على الأصول اليهوديَّة للمسيح والحواريين، واعتبار أنَّ المسيحيَّة تدبُّ بجذورها في اليهوديَّة ولا تنفصل عنها. تسعى هذه الدراسة إلى الردِّ على كتاب المساومة الكُبرى، مع إيضاح نسبة التشابه بين ما جاء في المخطوطات من عقائد وما ورد في الكتاب المقدَّس، ومحاولة الكشف عن هويَّة “سيد العدالة”/”معلِّم الحق والصلاح” وجماعته.

1. مخطوطات البحر الميِّت وجماعة الإسينيين

في سرد موجز لتاريخ المخطوطات، فهي عبارة عن 850 مخطوطة عُثر عليها خلال الفترة ما بين عامي 1947 و1956 في 11 كهفًا في وادي قُمران، في منطقة أثرية قُرب البحر الميِّت تُسمَّى خربة قُمران، ومن هنا جاءت تسميتها بـ “مخطوطات قُمران”. عُثر على هذه المخطوطات في صورة لفائف محفوظة في جرار فخَّارية مطليَّة بالنحاس. أثارت هذه المخطوطات اهتمام الباحثين لاحتوائها على نسخ من معظم أسفار العهد القديم تعود إلى الفترة ما بين القرنين الثالث قبل الميلاد والأول الميلادي. تتضمن هذه المخطوطات أجزاءً من كافة أسفار العهد القديم، ما عدا سفر أستير. حوالي 200 مخطوطة كاملة فقط من المخطوطات تعدُّ مخطوطات كتابيَّة، أي مقدَّسة اليوم، حتى وإن لم تكن مقدَّسة لدى جماعة قُمران. باقي المخطوطات عبارة عن شرائح صغيرة الحجم، بعضها مثل طابع البريد. ومن بين المحتويات غير المقدَّسة في مخطوطات قُمران سفر اليوبيل، وسفر أخنوخ، وعهد لاوي، والميثاق الجديد لأرض دمشق، بالإضافة إلى كُتب أخرى غير معروفة.

لم يثبت أنَّ المخطوطات من تأليف طائفة اليهود الإسينيين، ولكنَّ هذه الطائفة هي على الأرجح من كتبها. وأكبر دليل على ذلك أنَّ هذه الطائفة آثرت الانعزال عن غيرها من الطوائف اليهوديَّة، وعاشت في تجمُّعات بعيدة عن الصدوقيين والفريسيين، ويُقال أنَّهم سكنوا خربة قُمران بالقرب من البحر الميِّت. لم يكن الإسينيُّون يعيشون في بيوت، إنَّما في كهوف وخيام من الجلود والطين.

ما يدعم الافتراض بأنَّ الإسينيين هو طائفة قمران بعض الشواهد:

أ. لا يوجد موقع غير قمران بين عين الجدي وأريحا يتطابق مع وصف المؤرِّخ بليني.

ب. كان نشاط الإسينيين، وفق رواية المؤرِّخ يوسفيوس، متركِّزا في الفترة ما بين يوناثان المكابي (150 ق.م.) والحرب اليهودية الأولى (66-70م)، وهذا يتطابق مع تاريخ شَغْل الإسينيين لقمران.

ج. التشابه بين ما تصف مخطوطة الطائفة وحياة الإسينيين كما رواها المؤرِّخون.

ذكر الدكتور سهيل زكَّار، الباحث والمؤرِّخ السوري، في مُقدِّمة ترجمته لمخطوطات البحر الميِّت، في كتابه المعنون النصوص الكاملة لمخطوطات البحر الميِّت (2006)، أنَّ النقد الذي طال أسفار العهد القديم منذ أمد بعيد قد ازداد بعد الاكتشافات الأثرية التي أثبتت كذب الأخبار التاريخية المرويَّة في العهد القديم. مع ذلك، لم ييأس حكماء اليهود من محاولة الالتفاف على الحقائق. وقد استعرض الكاتب تاريخ جماعة الإسينيِّين، مشيرًا إلى ذكرِهم في المؤلفات التاريخيَّة القديمة التي ترجع إلىالقرن الميلادي الأول، ومن بينهم المؤرِّخ والفيلسوف اليهودي فيلون السكندري (حوالي عام 20ق.م.)، الذي قال عنهم: “لم تتخلَّف سورية الفلسطينية عن تفوُّق أخلاقي سامٍ، ففي هذه البلاد يعيش قسم مهم من السكَّان اليهود بالذات، يضمُّ-كما يُقال-أكثر من أربعة آلاف عضو، يدعون بالإسينيِّين. اسمهم، كما أعتقد، مشتقٌّ من الإغريقية، ويعني القداسة. وقد سُمُّوا به لأنَّهم قد كرَّسوا أنفسهم تمامًا لخدمة الربِّ، لا من خلال تقديم القرابين، وإنَّما بعزمهم على التسامي بأفكارهم. والشيء الأول الذي يُذكر عن هؤلاء الناس أنَّهم يعيشون في القرى، وقد هجروا المدن تخلُّصًا من الجور والظلم الذي انصبَّ عليهم هناك… هم لا يكنزون الذهب أو الفضة، ولا يحوزون قطعًا كبيرة من الأرض رغبةً في جني الأموال، وإنَّما يملكون ما يكفي لإيفاء ضرورات حياتهم فقط…

في اليوم السابع… يمتنعون فيه عن كلِّ عمل آخر، ويكرِّسونه للبرامج المقدَّسة التي يدعونها بالاجتماع الديني، ففي هذا اليوم يجري ترتيبهم في صفوف طبقًا لأعمارهم، الأصغر يلي الأكبر، ويجلسون في احتشام يليق بالمناسبة، وكلُّهم آذان صاغية، ثم يأخذ أحدهم الكتاب ويقرأ بصوت عالٍ ويتقدم آخر متخصص ليشرح ما لم يفهم؛ إذ أنَّ معظم دراستهم الفلسفية تأخذ شكلًا مجازيًّا وتأويليًّا. وعلى هذا النحو، يفسِّرون التقاليد الماضية؛ لقد تدرَّبوا على التقوى، والقداسة، والعدالة، والسلوك المدني، ومعرف ما هو خير حقًّا، أو هو شر حقًّا، أو ما هو لا هذا ولا ذاك، وكيف يختارون ما ينبغي اختياره وتجنُّب ما يجب تجنُّبه، ومقاييسهم في ذلك ثلاثة: حب الله، وحب الفضيلة، وحب الناس. ويُبدون حبُّهم لله بعدد من البراهين: طهارة دينية دائمة لا تنقطع طول الحياة، الامتناع عن القسم، الصدق، اعتقادهم أنَّ الألوهية هي علة جميع الأشياء الخيِّرة دون الشريرة. أمَّا حبُّهم للفضيلة، فيتمثَّل في تحرُّرهم من حب المال أو الشهرة، أو الملذَّات، وبالسيطرة على النفس والتحمُّل، وكذلك بالاقتصاد في الإنفاق، والحياة البسيطة، والقناعة والتواضع، واحترام القانون، والاستقامة، وما يماثلها من الصفات. ويتمثَّل حبُّهم للناس في الشعور بالمساواة وروح الزمالة التي تفوق الوصف، وإن كان من الضروري إيراد بعض الكلمات بشأنها هنا: كلُّ واحد منهم يعدُّ بيته هو بيت الجميع، فهم إلى جانب العيش سويةً، فإنَّ أبوابهم مفتوحة لكلِّ الزوَّار الذين يشاركونهم في المعتقد، من أي مكان وفدوا. ملكيَّتهم مشتركة، وملابسكم مشتركة، وطعام مشترك، ويتناولون غذاءهم سويَّةً، وليست هناك من جماعة غيرهم تعيش تحت سقف واحد، فالحياة والسكن قد تحددا بصرامة في الواقع الفعلي…”

جاء وصف فيلون السكندري لجماعة الإسينيين على درجة من الإيجابيَّة تثير الاندهاش، وتبعث على التساؤل عن مدى قربه منهم ليصفهم بهذا الشكل الدقيق. الإسينيين وفق وصفه عبارة عن أخويَّة تقوم على التعاوُن التام والاشتراكية المُطلقة والملكيَّة المشتركة.

أمَّا رأي المؤرخ يوسفيوس بن كربون (ت100م) لجماعة الإسينيين فهو الأقرب والأوضح، مما يمنح انطباعًا بإمكانية انضمامه إليها في وقت ما. ذكر المؤرخ أنَّ الإسينيين هم أصحاب الفلسفة الثالثة في اليهودية، بعد الصدوقيين والفريسيين. وصفهم بن كربون على النحو التالي: “هم يهود بالولادة، ويتعلِّقون ببعضهم تعلُّقًا لا تُبديه الطوائف الأخرى… وهم يرفضون الزواج، لكنَّهم يتبنُّون أطفال الآخرين حين لايزالون صغارًا مناسبين للتعلم والطاعة، ويعاملونهم كأطفالهم تمامًا، ويعدُّونهم وفق أوضاعهم. هم لا ينكرون ضرورة الزواج (فقط لا يؤمنون بعفة النساء) … يرون أنَّ من الخير للمرء أن يتصبب عرقًا، وهم يرتدون الملابس البيضاء… تقواهم أمام الله لا نظير لها؛ فقبل أن تشرق الشمس لا يتفوَّه الواحد منهم بشيء من الأمور اليومية، وإنَّما يشرعون بتلاوة الصلوات التي تعلَّموها من آبائهم الأقدمين، كما لو كانوا يتوسَّلون إلى الشمس بالشروق

لديهم رقباء مهمتهم العناية بالشؤون المشتركة، وليس لديهم أعمال خاصة بالفرد، وإنَّما هناك شؤون مشتركة للجميع… لا يفعلون أيَّ شيء إلا بإرشاد مرشديهم… يولون جهدًا كبيرًا في دراسة ما كتبه الأقدمون، ويختارون منه ما أكثر نفعًا لأرواحهم ولأجسامهم، ويبحثون عن تلك الجذور والأحجار الطبية التي قد تنفع في معالجة ما يتعرضون له من اختلالات

ولا ينال من يرغب في الانضمام إليهم القبول فورًا، وإنَّما يتعيَّن أن يخضع إلى نمط الحياة نفسها التي اعتادوا عليها لمدة عام قبل الانضمام لهم، ويزودونه بمجرف صغير وحزام وبدلة بيضاء، وحين يظهر الدليل على استعداده للالتزام بنظامهم يشركونه في ماء التطهير، حتى إذا بدا أنَّه يستحق القبول وافقوا على انضمامه إلى صفوفهم، وقبل أن يمسَّ طعامهم يُلزم بأداء قسم غليظ على أن يطيع الله، وأن يراعي الحقَّ والنزاهة مع جميع الناس، وألَّا يؤذي أحدًا سواء بإرادته أو بأمر من آخرين، وأن يكره الأشرار دائمًا، وأن يناصر العدالة، وألَّا يصدِّق كلَّ الناس، لا سيما من هم في السلطة، ولا يسيء بأي حالٍ من الأحوال، إلى سلطته هو، وألَّا يتعالى على رعاياه فيما يلبس أو غيره، وأن يظلَّ دائمًا محبًّا للحقيقة، ويوطِّن نفسه على عدم تصديق المفترين، ويحافظ على نظافة يده من أي سرقة، وتظل نفسه عفيفة عن كلِّ الدناءات، ولا يخفي أمرًا عن أفراد طائفته، ولا يفشي شيئًا من مذاهبهم الآخرين، أضف إلى ذلك أنَّه يُقسم بألَّا يتحدَّث بمذهبهم إلا لمن حصل عليه هو بنفسه منهم، وأن يتعفف عن السرقة، وأن يصون كتب الطائفة، وألَّا يفشي أسماء الملائكة أو الرسل.

أمَّا من يُضبط وهو متلبِّس بخطيئة ما، فإنَّه يُطرد من مجتمعهم، والذي يُطرد على هذا النحو يموت في الغالب وهو في حالة مزرية؛ ذلك لأنَّ الأيمان التي أقسمها والعادات التي اعتادها لا تدعه حرًّا في تناوُل ما يصادفه من طعام الآخرين، ويضطر إلى أن يقتات على الحشائش والأعشاب، لذلك يُصاب الهزال ويهلك

هم في محاكماتهم عادلون، ودقيقون في الغالب، ولا يعاقبون أحدًا إلا بالتصويت في محكمة لا يقل أعضاؤها عن مائة، ولكن ما يصدر منها لا يقبل التعديل، وهم يمجَّدون بعد الله. اسم مشرِّعهم موسى، وإذا ما جدَّف أحد بحقِّه فإنَّه يُعاقب بأقسى العقوبات… هم أكثر تشدُّدًا من اليهود الآخرين في الامتناع عن العمل في اليوم السابع، فهم لا يكتفون فقط بإعداد طعامهم قبل يوم، بل هم لا يوقدون نارًا في ذلك اليوم، ولا يحرِّكون أي إناء من مكانه ولا يذهبون للتبرُّز… (أثناء التبرُّز يغطُّون أنفسهم بعباءتهم حتى لا تنفذ أشعَّة النور، والتبرز يكون في حفرة صغيرة بعمق قدم يهيلون التراب عليها بعد التبرُّز).

وبينهم من يقرأ الطالع مستخدمًا في ذلك قراءة الكتب المقدَّسة، وأشكالًا أخرى من التطهير، وهؤلاء يلمُّون جيِّدًا بأقوال الأنبياء، ونادرًا ما كانوا يخطئون في تنبؤاتهم.”

تشير الصورة التي يمكن تكوينها عن الإسينيين من خلال وصف يوسفيوس بن كربون إلى كونها جماعة سريِّة انغلقت على نفسها وعزفت عن التواصل مع مجتمعات أخرى رأتها فاسدة. تتجلَّى تلك السريَّة في إجبار كلِّ من ينضم إلى الجماعة-الذي لا تُقبل عضويَّته إلا بعد فترة اختبار تمتدُّ لأشهر طويلة، وربما لسنين-على كتمان كافة أسرارها، وبخاصة “أسماء الملائكة أو الرسل”، مما يعني ممارسة تلك الجماعة طقوسًا لتحضير الأرواح من أجل الحصول على معرفة باطنيَّة يستعينون بها في قضاء الحاجات. أضف إلى ذلك قدرتهم على استطلاع الغيب من خلال فك رموز الكتب المقدَّسة، وهذه المعرفة عادةً ما تُستخدم في أغراض السحر وتسخير الجان، وليس في أعمال الخير. ويثير مصير من يترك الجماعة التساؤلات حول ما يمكن أن يحمله من أسرار حتَّى يكون مصيره هو الهلاك. لعلَّ أكثر ما يثير الانتباه في طقوس الإسينيِّين تبجيلهم للشمس، كما يتجلَّى في بدء صلواتهم الصامتة حتَّى شروق الشمس، “ كما لو كانوا يتوسَّلون إلى الشمس بالشروق“. وتجدر الإشارة إلى أنَّ كافة تلك الأوصاف، وبخاصة السريَّة وقسَم الولاء والاستعانة بالمعرفة الباطنيَّة في تحقيق الأهداف، تنطبق بنسبة كبيرة جدًا على الجماعات السريَّة الحديثة، التي تُعرف بالجماعات الماسونيَّة. ما يعزز هذا الاعتقاد أنَّ الجماعة كانت تُطلق على أفرادها اسم “أبناء العهد الجديد” أو “البناؤون الجدد“، وهو الاسم الذي أدَّى ببعض الباحثين للربط بينها وبين المسيحية أو “الماسونيَّة الصهيونيَّة العصريَّة.” وهناك نقطة في غاية الأهميَّة في هذا الشأن، وهي أنَّ مُسمَّى أسيني، على حدِّ وصف عالم الآثار البريطاني جون ماركو اليجرو، وهو أحد المشرفين على التنقيب وقد عيَّنه العاهل الأردني الراحل الحسين بن طلال مستشارًا شرفيًّا بشأن تحليل محتوى المخطوطات، يعني مُطبِّب أو مداوٍ، وأنَّ هذه الفئة قد تلقَّت تعاليم للعلاج بأعشاب وأحجار أخذتها من الملائكة الساقطة على جبل حرمون، أو جبل الشيخ، الواقع في سلسلة جبال لبنان الشرقية، والمذكورة في سفر أخنوخ. من الواضح أنَّ هذه الملائكة هي إصدار بني إسرائيل للملكين هاروت وماروت، اللذين ظهرا زمن نبي الله إدريس، وهو أخنوخ، ولهذا مدلولات في غاية الخطورة تعصف بأيِّ ادعاء بأنَّ تلك الجماعة كانت جماعة إصلاحيَّة. فالاستعانة بما أُنزل على هاروت وماروت ما هو إلَّا شكل من أشكال ممارسة السِحر من خلال تحضير أرواح فيما يُعرف بطقوس الشامانيَّة. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الشامانيَّة، وغيرها من الديانات التي قامت على التواصل الروحي بين المخلوقات، هي ديانة مملكة الخزر التي قامت بجوار بحر قزوين لما يقرب من قرون، ومنها انحدر يهود الخزر، الذين يشكِّلون غالبية يهود العالم ويُطلق عليهم السبط الثالث عشر.

هناك نظريَّة ترى أنَّ الإسينيِّين قد لجأوا إلى إخفاء مخطوطاتهم في كهوف قمران بعد أن شعروا بدنو الخطر الروماني الذي عمد إلى التخلُّص من أي نماذج من أسفار الكتاب المقدَّس غنوصية الطابع. وهناك اعتقاد آخر، وهو أقرب إلى الصحَّة، وهو أنَّ ذلك لم يكن إخفاءً، بل دفن؛ لأنَّه وفق هذه العقيدة الحرف كائن إلى أن يُدفن. ما يثبت هذا أنَّ المخطوطات وُجدت في لفافات بيضاء تذكِّر بالأكفان (زكَّار، ص16).

ويخالف زكَّار هذين الرأيين، مستندًا إلى الرأي القائل بأنَّ عين الجدي كانت في أصل دير للرهبان، وبما أنَّ الإسينيين لم يكونوا رهبانًا-على الأقل ربَّما لم تكن الرهبانية ابتُدعت حينها-بل كانوا حركة زُهد وتقشُّف، فليس من المرجَّح أن يكونوا قد عاشوا في دير. ربَّما لجأوا-في رأيه-إلى العيش في مغارات مع شعورهم بالخطر الروماني. ودفنوا المخطوطات، خشية إتلافها.

تقول الرواية التاريخية التي يسردها زكَّار أنَّ ما من أحد من الإسينيين قد عاد إلى قُمران بعد عام 73م، وهناك آراءٌ متعددة حول مصيرهم، فهناك من رجَّح هلاكهم على يد السلوقيين، وهناك من رأى أنَّهم ربَّما هاجروا إلى أراضٍ أخرى، من بينها العراق، حيث تشكَّلت طائفة يهود بابل في العصر البابلي الحاخامي؛ ويرى آخرون أنَّهم قد اندمجوا في طائفة الصابئة المندائيين في العراق، بل يرى آخرون أنَّ هؤلاء هم من أسسوا هذه الطائفة الأصل في حرَّان فدان، جنوبي العراق. ما يدعم هذا الرأي أنَّ هذه الطائفة تعتبر نبي الله يحيي نبيُّها المبعوث إليها، وهو ذاته القدِّيس يوحنَّا المعمدان، الذي يُنسب إليه أكثر الأناجيل الأربعة تشبُّعًا بأفكار الغنوصيَّة. الهيميروبايتست-المتعمِّدون أثناء النهار (أو لتقل تحت الشمس) –والمصبوتيين (الصابئة) من الطوائف الموصوفة بالهرطقة، وقد صارتا تقريبًا طائفة واحدة كوَّنت الطائفة المندائية.

2.مخطوطات قُمران: أهمُّها “حرب أبناء النور ضد أبناء الظلام”

من الملفت أنَّ من بين المخطوطات مخطوطة بعنوان “حرب أبناء النور ضد الظلام” أصبحت من أهم الاكتشافات اليهودية. نشر عالم الآثار اليهودي إيجال يادين المخطوطة عام 1962، ومن العجيب أنَّ هذه المخطوطة تحديدًا ليس لها مثيل من حيث بقائها في حالة جيِّدة صالحة للقراءة، حيث لم يتآكل سوى أطرافها السفلى. طول الشريحة حوالي 3 أمتار، وعرضها ست بوصات، وهي من الجلد، وتتضمن 19 عمودًا عن إدارة الحرب.

 تتحدث المخطوطة تلك عن وهي عبارة عن خطة حربية محكمة (خيالية) يتوقع أفراد الجماعة (سبط لاوي ويهودا وبنيامين… المدعون بأبناء النور) أنهم سيخوضونها قريبًا، بعد عودتهم من “صحراء الأمم” في دمشق فسيُعينهم الرب بملائكته وجنده ليقضوا على كل الأعداء التقليديين المذكورين في العهد القديم (الآشوريين والأدوميين والمؤابيين والعمونيين والإغريق…المدعوين بأبناء الظلام).

في مطلع تلك المخطوطة مقدمة قصيرة تتنبأ باندلاع حرب، ثم تعقبها اللوائح التي ترسم أسلوب التجنيد والتعبئة للجيش (للحرب والعبادة) إلى جانب وضع لخطة الحرب ذاتها. كما تتضمن الوثيقة الجدول الزمني الذي سيقوم خلاله أبناء النور بالاستيلاء على العالم كله فضلاً إلى الإشارة إلى الأسلحة المستخدمة وأساليب القتال. ويرى بعض المحللين أنَّ المقصود بتلك الحرب هي حرب هار مجدون المقدَّسة لدى اليهود بين أتباع الله والخير وأتباع الشيطان والشر؛ وفيها وعد من الإله بالنصر بعد معركة تستمر 40 عامًا، ولا تُحسم إلا في اليوم الأخير. وفي الوثيقة أيضاً الخطوات المستقبلية التي ستتلى قبل وأثناء المعارك والأناشيد التي ستتلى بعد الحرب وتحقيق النصر. والجزء الأخير من المخطوطة مفقود وقد أعاد يادين دراسة هذه المخطوطة.

ويشير “اندريه سومر” في الجزء الأول من كتابه مخطوطات البحر الميت إلى أنَّ هذا الميثاق لا يحمل عنوانًا أو اسمًا لمؤلفه مثل بقية مخطوطات قمران، وهو مؤلف شعبي في قمران كما تدل الأجزاء الكبيرة نسبيًّا منه، والتي وجدت في المغارة الرابعة فيوجد حوالي ست مخطوطات مختلفة للنص نفسه. ويلاحَظ أن هذه الأجزاء تتناقض أحياناً مع نص مدرج المغارة الأولى الذي نشر عام 1954م وعلى الرغم من وحدة الأسلوب، لكن يوجد بينهم العديد من التباينات والمتعارضات، فلاحظ أنه في العمود التاسع سرد لنهاية المعركة لنعود إلى بداية التحضيرات للمعركة في العمود العاشر بإدخال أسلحة جديدة. كما يشير إلى أن الجزء الثاني من تنظيم الحرب به أسلوب أكثر خطابية في حين أن الجزء الأول مخصص أصلاً للوصف والتعليمات.

تجدر الإشارة إلى أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن قد صرَّح عام 1982 بعد اجتياح لبنان أنَّ إسرائيل ستنعم بالسلام لفترة ما بين 40 و50 عامًا، وهذا يتَّفق مع فترة الاستنزاف والسلام المذكورة في مخطوطة “حرب أبناء النور والظلام.” وتأتي بعد تلك الفترة من السلام فترة المواجهة الحربية. ذكر بيجن ذلك في خطاب ألقاه يوم 5 أغسطس من عام 1982 أمام 200 من أعضاء منظمة النداء اليهودي الموحَّد، وهي منظمة خيريَّة اندمجت فيما بعد بمنظمة الاتحادات اليهوديَّة في أمريكا الشماليَّة.

تنبَّأ بيجن بـ “فترة سلام تاريخية تمتد إلى 40 أو 50 سنة،” تبدأ بمجرَّد خروج منظمة التحرير الفلسطينيَّة من لبنان. وبالفعل خرجت المنظمة من لبنان عام 1982، التي لجأت إليها عام 1970 بعد طرد العاهل الأردني حينها المنظمة من بلاده بعد أحداث أيلول الأسود. وأصبح مقر المنظمة في تونس العاصمة إلى عام 1993، إلى أن انتقلت إلى رام الله إلى يومنا هذا. وقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكيَّة هذا بالنصِّ: ” He predicted ”a historic period of peace, of 40 years or 50 years,” once the P.L.O. left Lebanon”. يعني ذلك أنَّ سلام إسرائيل في رأي بيجين سينتهي عام 2022.

3. تفاصيل “حرب أبناء النور ضد أبناء الظلام”: حرب إبادة عالميَّة

ترد هذه المخطوطة ضمن سفر قانون الحرب (ق1م) في 19 عمودًا. وتقسيم الأعمدة الـ 19 من حيث المحتوى كالآتي:

عمود 1: إعلان الحرب ضد الروم (الكتيم)

عمود 2: إعادة تنظيم العبادة في الهيكل؛ برنامج حرب الـ 40 عامًا

عمود 3: الأبواق

عمودان 3 و4: الرايات

عمود 5: تنظيم ساحة الجبهة وتشكيلاتها

عمود 6: سوقية القتال للمشاة؛ تنظيم تحرُّكات الفرسان

عمودان 6 و7: أعمار الجنود

باقي عمود 7: المعسكر

أعمدة 7-9: العظات والإشارات بالبوق

أعمدة 10-12: خطب ومواعظ وطقوس المعركة

عمود 13: صلوات ساعة النصر

أعمدة 15-19: المعركة ضد الروم (الكتيم)

هناك إشارات متعددة إلى أنَّ كاتب هذا السفر قد تأثَّر بسفر دانيال، الذي كُتب حوالي عام 160 ق.م.؛ مع ذلك، فهناك ما يدلُّ على أنَّ هذا السفر قد تأثَّر أكثر بروح النظم الحربية الرومانية، فالأسلحة وتكتيكات الحرب تنطبق على فن الحرب الروماني، أكثر من الإغريقي. فترس حماية الفرسان والترس المربَّع للمشاة وترتيب المعركة في ثلاثة صفوف والفجوات بين الوحدات كلها رومانية الأصل، علاوة على ارتداء واقيات السوق، وهذه عادة أُدخلت على الجيوش في القرن الأول ق.م. أثناء حكم يوليوس قيصر. ومن أهم ما ورد في السفر من نصوص:

“إنَّ هذا الزمن سيكون زمن الخلاص لشعب الربِّ، وهو عصر حُكم لجميع أعضاء طائفة الربِّ، والخراب الدائم لجميع طائفة الشيطان، والاضطراب لأبناء يافث سيكون (كبيرًا) وآشور سوف تسقط دون أي معين، وإنَّ حُكم الرومان سوف ينتهي وسيختفي الشر والخطيئة، ولا تترك لها أثرًا (لأنَّ أبناء) الظلام ليس لهم من مهرب (وأبناء الحق/النور) سوف يشعُّون فوق نهايات الأرض، وسوف يستمرُّون في الإشعاع حتى تُستهلك جميع مواسم الظلام، وفي الموسم الذي عيَّنه الربُّ سوف يشعُّ بنوره الربَّاني إلى الأبد ليشرق السلام والبركة والمجد والسرور، والحياة الطويلة لجميع أبناء النور.

وفي اليوم الذي سوف يسقط فيه الرومان، ستكون معركة هائلة مع ملحمة هائلة، أمام ربِّ بني إسرائيل؛ لأنَّ ذلك اليوم سيكون اليوم المعين منذ الأزل لمعركة إتلاف أبناء الظلام وخرابهم، وفي ذلك الوقت فإنَّ مجموعة الآلهة وحشود الناس سوف يتعاركون مسببين مذبحة عظيمة، وفي يوم المصائب سوف يقاتل أبناء النور مع جماعة الظلام وسط الصرخات التي تصدر عن الجماهير الغفيرة ونداء الآلهة والرجال (لإظهار) قوَّة وعظمة الرب، وسوف يكون زمنًا (عظيمًا) لاضطراب الشعوب التي يخلِّصها الرب من جميع كروبها، ولن يكون هناك يوم مثله منذ البداية المفاجأة حتى ختامها، والخلاص الأبدي.

وفي يوم معركتهم ضدِّ الرومان (سوف ينطلقون لأجل المذبحة)، وفي ثلاث هجمات سوف يضمُّ أبناء النور أنفسهم في المعركة للقضاء على الشرِّ والخطيئة، وفي ثلاث هجمت سيستعد جيش الشيطان للهجوم على جماعة (الرب وعندما) تضعف قلوب كتائب الرجالة عندها سيقوِّي جبروت الربِّ قلوب أبناء (النور) في الهجمة السابعة، فإنَّ أيدي الربِّ الجبَّارة ستحلُّ على (جيش الشيطان وكلِّ) ملائكة مملكته، وجميع أعضاء (أتباعه في تدمير نهائي) …”

لا تدع تلك المخطوطة أمرًا من أمور حرب الإبادة تلك إلَّا وتحدثت عنه، ويشمل ذلك (نفير الاجتماع وأبواق) الإنذار طبقًا لواجباتها… هناك أيضًا قانون لترتيب فرق المعركة لإكمال تشكيل الجبهة عندما يصل الجيش إلى العدد الكامل: لم يدع السفر أي شيء لم يذكره من حيث تقسيم الوحدات، ولا الأسلحة التي يحملونها، ولا ترتيب الصفوف، بل وتناول الزخارف والأشكال على السيوف والرماح:

“وسيحمل كلٌّ منهم بيده سيفًا ورُمحًا، طول الرمح سبعة أذرع، وطول كلٍّ من سنانه وزجه نصف ذراع، والجُعبة سوف يكون لها ثلاث حوافٍ متداخلة من الذهب الخالص والفضة والبرونز، والأعمال الفنية، والزخارف المرصَّعة، وعلى كلِّ طرف حلقة بحاشية مزخرفة من الحجارة الكريمة، مبطَّنة ومصفوف على شكل حلقات من أعمال الحرفيين مزيَّنة (بنقوش) نافرة بشكل تماثيل سنابل…

أمَّا السيوف فسوف تكون مصنوعة من الحديد الخالص، وهي مصقولة وبرَّاقة تُشبه المرآة وهي من عمل بعض الحرفيين، وعلى (جانبي الشفرة) وباتِّجاه الرأس هنالك زينات بارزة تمثِّل سنابل القمح من الذهب الخالص، ولها حافتان مستقيمتان، على كلِّ جانب، وطول السيف ذراع ونصف ذراع، وعرضه أربع أصابع، وأمَّا عرض الغمد فهو أربع أصابع…”

يتطابق ما ورد في سفر قانون الحرب الذي عُثر عليه بين مخطوطات قُمران مع نبوءة جاءت في سفر العدد (إصحاح 24: آيات 17-19) عن هلاك سائر الأمم عدا بني إسرائيل: “حقًّا إنَّ المعركة هي معركتك، والقوة مستمدَّة منك وليس منَّا، ولا تستطيع قوَّتنا، ولا قدرة أيدينا أن تُنجز أي عمل إلَّا بعون قوَّتك وقدرتك الربَّانية، هذا ما علَّمتنا إيَّاه منذ الأزل، بقولك: “يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيُحطِّم طرفي موآب، ويُهلك كلَّ بني الوغى، ويكون أدوم ميراثًا، ويكون سعير أعداؤه ميراثًا، ويصنع إسرائيل ببأس.” اتَّضح الآن أنَّ ما جاء في سفر قانون الحرب ما هو إلَّا إعادة صياغة لفِكر بني إسرائيل العنصري، القائم على الاعتقاد بسيادتهم على بني البشر، وأحقيَّتهم في يستمدُّونها من التوراة. نلاحظ أنَّ المخطوطة تتنبَّأ بسقوط آشور، وهي أمَّة استعبدت بني إسرائيل وسبتهم في القرن الثامن قبل الميلاد ودمَّرت دولة إسرائيل الأولى، كما تتنبَّأ بسقوط دولة الرومان، وهي التي قضت على دولة يهوذا في القرن الأول الميلادي ودمَّرت الهيكل الثالث (بعد المنسوب لسليمان الملك، وبعد المبني تحت إشراف عزرا الكاتب في القرن الخامس قبل الميلاد بعد العودة من السبي البابلي)، كما جاء في عبارة “وآشور سوف تسقط دون أي معين، وإنَّ حُكم الرومان سوف ينتهي”. بما أنَّ المخطوطة تتحدَّث عن آخر الزمان، يتجلَّى أمامنا أنَّ غزو العراق عام 2003 كان من بين النبوءات الواردة في مخطوطات قُمران. وبناءً على ذلك، فمن المتوقَّع حدوث حرب ستقضي على “حُكم الرومان“، وهي التالية في الترتيب بعد حرب العراق من حيث التسلسل الزمني.

3. مخطوط الهيكل: وصايا الربِّ في التعامل مع الأغيار وقت الزحف إلى بلادهم

اكتُشف هذا المخطوط (ق 11ت=ق11-19) في كهف 11 عام 1956، ولم يخرج للنور إلى زمن حرب الأيام الستَّة عام 1967، وهو أطول مخطوطات قُمران، فطوله 28 قدمًا، وقد تألَّف في الأصل من 76 عمودًا. لحق بهذه المخطوطة تشويه أدَّى إلى فقدان العمود الأول، والعمودان 3 و12 فُتِّتا، ومحتوياتهما المتوقعة (لم يُترجمهما الكاتب):

1.ميثاق بين الربِّ وبيت إسرائيل؛ 2.مقاسات الحرم وقدس الأقداس وغرف الأعمدة؛ 3.وصف كرسي الرحمة والكروبيم والحجاب والمائدة والشمعدان الذهبي؛ 4.الخطوط العريضة للقرابين والمذبح؛ …

يتعامل الجزء الأساسي مع مخطوط الهيكل (بناءً وتأسيسًا) وطقوس العبادات، على الأخص مسألة الأضاحي والقرابين أيام السبت، وخلال أيام الأعياد الكثيرة خلال العام. تعتمد جلُّ مواده الشرعية بشكل مباشر أو غير مباشر على أسفار الخروج واللاويين والتثنية، وإن كان الاعتماد على سفر التثنية الأكثر. الاحتكام إلى الأسفار الأولى المنسوبة إلى نبي الله موسى (عليه وعلى سائر أنبياء الله أزكى الصلوات وأتم التسليم) يمنحها المشروعية ويبرز أهميتها، مقارنةً بما تلاها من أحكام.

هناك اعتقاد بأنَّ هذه المخطوطة لم تُكتب في الأصل ضمن مخطوطات قُمران، ولكن هناك ما يفيد بخلاف ذلك، وهو التشابه بين محتواها ووثيقة دمشق، وبخاصة فيما يتعلق بقوانين منع تعدُّد الزواج الملكي، وتحريم زواج الخال وابنة أخته، والعلاقات الزوجية داخل مدينة الهيكل.

نشر إيجال يادين المخطوطة بالعبرية عام 1977، ثم نشرها قبيل وفاته بالإنجليزية بعنوان (مخطوط الهيكل 1-3) (القدس 1983)، والنص المترجَم اعتمد على عمل يادين:

“(انتبهوا: سأصنع ميثاقًا)

(لأنَّني) سوف أصنع (شيئًا مرعبًا، أنا نفسي سوف أطرد من أمامكم: العموريين والكنعانيين والحثيين والجرجاشيين، والبرزاتيين والهيواتيين) واليبوسيين، (خذوا حذركم لا تعقدوا عهدًا) مع سُكَّان البلاد (التي) ستدخلونها، حتى لا يبرهنوا على أنَّهم قادرون على (الكيد لكم)، يتوجَّب عليكم تدمير (مذابحهم وتحطيم) أعمدتهم (و) قطع (أشجارهم المقدَّسة، وإحراق أصنامهم بالنار)“…

الفقرات التالية تتناول مسألة القرابين وكيفية تقديمها، ونوعيتها بالمسبة إلى كلِّ مناسبة. (التركيز على الثيران والكباش والخرفان والتيوس والعجول)، وهناك وصف دقيق للهيكل من الداخل، من حيث التقسيمات الداخلية، ومحتويات الغرف، وطقوس الذبح، وطرق التطهر وأحكامها، وحتى آنية الطعام.

أمَّا عن وصايا الربِّ عند الإغارة على أيِّ بلد لاحتلال، فهي: “وعندما تقتربون من مدينة لمقاتلتها، اعرضوا عليها (أولًا) السلام، وإذا ما طلبت السلام وفتحت (أبوابها) لكم، عندها يصبح جميع الشعب قواتكم العاملة، وعليهم خدمتكم، وإذا لم تسالمكم وتستلم لكم، بل كانت مستعدة للقتال في حرب ضدَّكم، عليكم القيام بحصارها، وأنا سأعطيكم إيَّاها وأضعها بين أيديكم، ووقتها اعرضوا جميع الذكور فيها على السيف واجعلوهم طعمة له، لكنَّ النساء والأطفال وكلُّ ما في المدينة، أي كلُّ غنائمها، فبإمكانكم أخذه بمثابة أسلاب لأنفسكم، ويمكنكم التمتُّع بغنائم أعدائكم التي أعطيتكم إيَّاها، إنَّه وفق هذا الأسلوب يمكنكم فقط التعامل مع المدن التي ليست بين مدن هذه الأمم…”

يوصي الربُّ بني إسرائيل عند غزو أي بلد لا يقع ضمن الأرض المنصوص عليها في عهده لإبراهيم-المذكور الآية 18 من الإصحاح 15 من سفر التكوين “لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات“-بعرض السلام، فإن لم ترضخ الأُمَّة لسيفهم، فلا حرَج في القضاء على رجالها، وأخذ ما فيها من خيرات باعتبارها غنائمَ أباحها الربُّ لهم. ويضيف الربُّ أنَّ الإبادة والاستيلاء على الخيرات يمثِّلان الأسلوب الوحيد للتعامل مع تلك المدن. أمَّا بالنسبة إلى الأراضي التي يشملها العهد، فالإبادة الجماعية هي الأسلوب الأمثل في التعامل مع أهلها: “…ولكن بالنسبة إلى مدن الشعوب التي أعطيتكم إيَّاها ميراثًا، عليكم ألَّا تدعو فيها حيًّا أيَّ مخلوق كان، في الحقيقة عليكم محق الحثيين والآموريين، والكنعانيين والحيوتيين، واليبوسيين، والجرجاشتيين والبيرزيتيين محقًا كاملًا، حسبما أمرتكم، حتَّى لا يعلِّمونكم ممارسة الضلال الذي مارسوه نحو أربابهم…” (62)

ويوصي الرب من أجل تكفير ذنب إراقة الدماء بجرِّ عِجلة صغيرة لم تُستخدم في العمل من قبل إلى: “وادٍ تتدفَّق فيه المياه بشكل مستمر، ولم يحدُث أنَّه حُصد أو زُرع من قبل، وهناك يقومون بقصم رقبتها… ولسوف يتقدَّم الكهنة وأبناء لاوي؛ لأنني اخترتهم للعمل التعبُّدي أمامي وليسبِّحوا باسمي، وكلُّ خلاف أو كلُّ عدوان لابد وأن يتقرر بكلمتهم، ويتوجَّب على جميع شيوخ المدينة الأقرب إلى جسم الرجل المقتول غسل أيديهم فوق رأس العجلة الصغيرة التي قُصمت رقبتها في الوادي، وسوف يعلنون: “إنَّ أيدينا لم تقم بسفك هذا الدم، كما أنَّ أعيننا لم ترد ذلك وهو يقع، اقبل تكفير شعبك في بيت إسرائيل، الذين خلَّصتهم أنتَ يا يهوه، ولا تدع جُرم الدم البريء يستقر بين شعبك في بيت إسرائيل، دع هذا الدم يكفِّر عنهم” (64). 

وتنبغي الإشارة هُنا إلى تأكيد مخطوطة الهيكل على ما سبقت الإشارة إليه في مخطوطة حرب أبناء النور ضد أبناء الظلام فيما يتعلق بإبادة الأمم المعادية لبني إسرائيل في سبيل إنفاذ عهد الربِّ لإبراهيم، كما جاء في مخطوطة الهيكل: “عليكم ألَّا تدعو فيها حيًّا أيَّ مخلوق كان”. ويبدو أنَّ النشر عن حرب الإبادة تلك منذ مَطلع الستينات من القرن الماضي جاء بهدف نشر الخوف في قلوب ضِعاف الإيمان ممن يسارعون في أهل الكُفر خشية أن تصيبهم دائرة، ولكن أصحاب العقيدة السليمة لا تزعزع هذه التهديدات الفارغة إيمانهم، مصداقًا لقوله تعالى في الآية 175 من سورة آل عمران: ” إِنَّمَا ذلكم الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.”

4.من هو “مُعلِّم الحقِّ والصلاح”/”سيِّد العدالة”: يسوع الناصري، أم يعقوب البار، أم…؟


يُعتقد أنَّ “سيِّد العدالة” هو النموذج الأصلي ليسوع الناصري، وقد تضمَّن العهد الجديد الذي صاغه القدِّيس جيروم في القرن الرابع تلك التسمية. ويتَّفق الكثيرون على قُوَّة احتماليَّة أن يكون “سيِّد العدالة” هو ذاته نبي الله عيسى، وأنَّ طول الفترة ما بين اكتشاف المخطوطات وإتاحتها للعامة-ما يقرب من نصف قرن-ربَّما كان لطمس أي تقارُب في الصفات بين الشخصيِّتين يؤكد تطابُقهما. وتؤيِّد الدكتورة زينب عبد العزيز هذا الرأي في كتابها عن مخطوطات قُمران (2008)، مفترضةً وجود “علاقة خبيثة” بين الكيان الصهيوني وأمن المؤسسة الكنسية واستمرارية وجودها، وترى أنَّ التفسير المناسب لحقيقة المخطوطات قد يتسبب في نسف أركان الكنيسة، باعتبار أنَّ شخصية “سيِّد العدالة” المفترض أنَّه يتماشى في تصرفاته وأقواله مع يسوع الناصري-الذي كان من ألقابه سيد العدالة-كان بشرًا ولم يكن مؤلَّهًا، ولم يكن ابن الله وتجسيده، كما قيل عن يسوع في الأناجيل المعترف بها. وتستدل في هذا الاعتقاد إلى ما أشيع عن الإصرار على إرجاع تاريخ التدوين إلى ما قبل القرن الأول الميلادي. وذهب الباحث طارق عبد إسماعيل في دراسته بعنوان إنجيل قُمران البحر الميِّت: إنجيل النصرانيَّة الأوَّل إلى ما هو أبعد من ذلك، مشيرًا إلى اعتقاده بأنَّ طائفة الإسينيِّين التي استقرَّت في كهوف قُمران لفترة من الزمن ربَّما تكون هي الفئة التي اتَّبعت رسول الله عيسى بن مريم في بداية بعثته، وبأنَّ التضييق على نشر المخطوطات ومحتواها كان خشية إظهار التقارُب بين رسالة عيسى في مهدها والإسلام. ساق إسماعيل ما يكفي من الأدلَّة على أنَّ المتحدِّث في تراتيل الشكر والأناشيد الدينيَّة في مخطوطات (ق1: ه) بشر من طين، وأنَّه مولود لأبوين من بني البشر، وأنَّه نجا من الهلاك أكثر من مرَّة بفضل العناية الإلهيَّة، علاوة على أنَّ في تسبيحه للإله وطلبه الغفران ما يكفي لدحض أيِّ ادِّعاء بأنَّه كان يرى نفسه إلهًا أو تجسيدًا لإله.

قد يبدو هذا الرأي منطقيًّا للوهلة الأولى، ولكن، وبعد الاطِّلاع على مخطوطتي سفر الحرب والهيكل، هل يمكن الاعتقاد بأنَّ ما حوَته كهوف قُمران من لفائف يحمل رسالة مُصدِّقة لما جاء به الإسلام؟ هل حديث الربُّ الذي يأمر بني إسرائيل بإبادة شعوب كاملة كي يحلُّوا محلَّهم، وبعدم اللين مع أي شعب يحاول التصدِّي لهم عند غزوهم، وباتخاذ أهل كلِّ بلد يدخلونه خدمًا لهم باعتبارهم أغيارًا يحلُّ الاستيلاء على أموالهم، يتَّفق مع حديث الله تعالى في القرآن الكريم؟ صحيح أنَّ المتحدِّث في تراتيل الحكمة والأناشيد الدينيَّة في مخطوطات قُمران لم يُشِر إلى نفسه باعتباره ابن الربِّ أو تجسيده، كما أنَّ التراتيل والأناشيد تُعبِّر عن إيمان راسخ وحرص شديد على إرضاء الربِّ والفوز بغفرانه. مع ذلك، فلا يكفي هذا أبدًا للاعتقاد بأنَّ المتحدِّث هو المسيح، خاصةً وأنَّه لم يثبت أنَّ المتحدِّث في التراتيل والأناشيد هو شخص واحد، وهو ذاته رئيس طائفة الإسينيِّين. ولو عمِلنا بالافتراض بأنَّ المتحدِّث في التراتيل والأناشيد هو المسيح، وهو ذاته رئيس طائفة الإسينيِّين، فهل العقيدة الدينيَّة التي تنعكس من خلال التراتيل تتفق مع العقيدة السماوية الحقَّة؟ ويمثِّل القرآن الكريم في هذه الحالة المرجع الأصح على الإطلاق، إعمالًا بقوله تعالي في الآية 48 من سورة المائدة “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.” ويعني هذا أنَّ ما يصدر من أي رسول أُنزل عليه كتاب من عند الله تعالى لا يُمكن أن يعبِّر عن عقيدة غير التي تنطوي عليها آيات القرآن الكريم.

يعقوب البار

هناك رأي يشير إلى أنَّ يعقوب البار-أخ المسيح في العهد الجديد-ربَّما يكون هو سيِّد العدالة. على الرغم من غياب أي دليل تاريخه على وجوده، ذُكر يعقوب البار في الأناجيل على أنَّه أحد إخوة المسيح، ويُرجَّح أنَّه أحد أبناء يوسف النجَّار، خطيب مريم العذراء قبل مُعجزة ميلاد المسيح، الذين رُبُّوا مع المسيح باعتبارهم إخوته. يروي سفر أعمال الرُّسُل بوضوح دور يعقوب البار في الكنيسة الأولى (إصحاح 15: آيات 19-30)، حيث لعب دورًا رئيسيًّا في تحديد مقررات مجمع الرسل الأول حوالي عام 50م حول قضية الداخلين في المسيحية من غير اليهود والتزامهم أو عدمه بتطبيق شريعة موسى، حيث حدد يعقوب بنفسه ما يتوجب عليهم التقييد به من الناموس، وهو (أن يمتنعوا عن نجاسات الأصنام، والزنى، والمخنوق، والدم) (سفر أعمال الرُّسُل: إصحاح 15، آية 20). وتعتبر رواية كليمنت، أسقف الإسكندرية، عن يعقوب البار هي الأدق، وقد أطلق عليه “العادل”، وقد روى أنَّ مصيره كان القتل بأن أُلقي من فوق الهيكل لرفضه إنكار أنَّ يسوع كان المَسيَّا الذي انتظرته بنو إسرائيل على مدار قرون. وقد قال يوسابيوس، أُسقف القيصريَّة، أنَّ يعقوب البار كان تقيًّا منذ صغره، وعُرف الصلاح والرُشد والابتعاد عن المُحرَّمات والحرص على أداء الصلاة في الهيكل، بل وكان يُسمح له بدخول قُدس الأقداس ويرتدي زي الكهنة.

يروي المؤرِّخ يوسفيوس أنَّ ثورة اليهود عام 66 ميلاديًّا كانت انتقامًا لمقتل يعقوب البار، أخ المسيح، وإن كان في هذا ما يحتاج إلى إثباتات. على أيِّ حالٍ، فهناك تصوُّر لما حدث: كان يعقوب البار يمثِّل فئة من بني إسرائيل شديدة التعصب تجاه ناموس موسى، مثل جماعة قُمران. دخلت هذه الفئة في صراع مع حنانيا، رئيس الكهنة، بسبب تحالُف الأخير مع الرومان، فأراد قتل البار للقضاء على جماعته. من هنا، اشتعلت الثورة على الرومان، حلفاء حنانيا، الكاهن الشرير. وقد اعتبر عالم اللاهوت روبرت إيزمان في كتابه يعقوب أخ المسيح أنَّ شخصيات “سيِّد العدالة”، “الكاذب”، و”الكاهن الشرير” تشير إلى يعقوب البار، وبولس الرسول، والكاهن حنانيا، على التوالي، ويورد من الأدلَّة ما يُثبت كلامه. يبدو أنَّ الخلاف بين بولس الرسول ويعقوب البار كان بسبب ادِّعاء الأول أنَّ الإيمان كان كافيًا ومُغنيًا عن العمل، ما تعارَض مع إصرار الثاني على الالتزام بالناموس. وقد أكَّد بولس في أكثر من مناسبة إيمانه بما جاء في الآية 4 من إصحاح 2 في سفر حبقوق، وهو أنَّ البار يحيا بالإيمان؛ وجاء ذلك في رسالته إلى أهل روميَّة (إصحاح 1: آية 17): “لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ، لإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا»؛ كما جاء في الإصحاح 3 من رسالته إلى أهل غلاطية: “لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ، لأَنَّ «الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا»” (آية 11).

نماذج من تراتيل الشكر المنسوبة إلى “سيِّد العدالة”

“إنَّك أيُّها الرب كثير التروِّي في أحكامك/ومحق في جميع أعمالك/وبحكمتك قد أوجدتَ (كلَّ شيءٍ) منذ الأزل/وقبل أن تخلقهم كنتَ تعلم كلَّ أعمالهم/من الأبد وإلى الأبد/ولا شيء يُعلم حتى ترغب بذلك/إنَّك قد خلقت جميع الأرواح/وقد (أسستَ القانون) والشريعة/لجميع أعمالهم/… وأرواحًا خالدةً في ملكوتها/وهديت الأنوار السماوية إلى خفي علمها/والنجوم إلى مساراتها/(والغيوم) إلى أعمالها/والصواعق والبرق إلى واجباتها/والكنوز الكاملة (مع الثلج والبرد) /إلى مقاصدها/… إلى خفي علمها/وقد خلقتَ الأرض بقدرتك/والبحار والمحيطات (بجبروتك)/ولقد كوَّنت جميع قاطنيها طبقًا (لحكمتك)/وعيَّنت كلَّ من فيها طبقًا لإرادتك/(و) لروح الإنسان/الذي خلقته على الأرض/… هذه الأشياء أنا أعرفها/بواسطة الحكمة الصادرة عنك/لأنَّك قد فتحتَ أذني/بخفي علمك البديع/ومع ذلك فإنِّي مخلوق من طين/معجون في ماء/موطن خجل/ومصدر دنس/وبوتقة شرور/وصرح خطيئة/روح ضالة ومنحرفة/دون أي فهم أو إدراك/أنا خائف من الأحكام الحقَّة/ما يمكن أن أقول وأنتَ لستَ عليمًا به/وماذا يمكن أن أتفوَّه وأنتَ لست عارفًا به؟/إذ إنَّ كلَّ الأشياء منقوشة أمامك/على لوح كبير/للعصور السرمديَّة/وللدورات المعدودة/للسنوات الأبدية/في جميع فصولها/فهي ليست خافية أو غائبة عن علمك/ماذا سيقول الإنسان عن ذنوبه/وكيف يسترحم ويرجو المغفرة/لآثامه وخطاياه؟/وكيف سيجيب؟/على الأحكام الحقَّة…”

يناجي المتحدِّث الربِّ، شاهدًا بقدرته الفائقة وعلمه الكلِّي وخلوده إلى “العصور السرمديَّة“، وبأنَّ “حكمة” الربِّ هي التي أوجدت كلَّ شيء من العدم، بما في ذلك الإنسان المخلوق من “طين” و”ماء“. يُقرُّ المتحدِّث بأنَّه كان روحًاضالة ومنحرفة” قبل أن يهديه الربُّ بفيض العلم المنزَّل عليه من “الأنوار السماوية“، ويطلب التكفير عن “ذنوبه” ويسترحم الربَّ ويرجو “المغفرة.”

يواصل المتحدِّث تسبيح في الترتيلة 1:

“لأنَّ أعمالك يا رب المعرفة/هي الأعمال الحقَّة/وهي مقام الصدق…لقد قوَّيت روح الإنسان/في وجه السوط/ولقد طهِّرتَ (الروح الخاطئة)/من الغرق في بحر الآثام/حتى تستطيع أن تعلن عن معجزاتك/أمام جميع مخلوقاتك/(سأعلن أمام جميع البسطاء)/عن الحكم الذي لأجله ضُربتُ بالسياط/وسأعلن لبني البشر عن جميع أعاجيبك ومعجزاتك/التي أظهرتَ بها جبروتك (فيَّ/على مشهد من جميع بني آدم)/اسمعوا أيُّها العقلاء وتأمَّلوا المعرفة/أنتم أيُّها الخائفون اثبتوا/… ولقد دعمتَ روحي…ولقد جعلتني بالنسبة للخونة/هزوًا وسخرية/ولكن مثالًا للصدق والفهم/للذين اتَّبعوا الصراط المستقيم/وسيء السمعة على لسان وشفاه المتوحِّشين/وقد نهشني الساخرون بأسنانهم/وقد أصبحت سخرية للخونة/وجماعة الأشرار قد ثارت ثائرتهم ضدِّي/وأرغوا وأزبدوا كالبحار الصاخبة/… لقد جعلتني علَمًا/ومفِّسرًا نافذ البصيرة للمذهل من خفيِّ علمك/لأجرِّب (الذين يمارسون) الصدق/ولأختبر الذين يحبُّون الصلاح/لقد كنت خصمًا عنيدًا لمفسِّري الأخطاء/(ولكن رجلًا مسالمًا) بالنسبة إلى من يرون الحقَّ والصدق/ولقد كنتُ روحًا تتقد حماسًا كزمجرة المياه الهادرة/وهكذا زمج جميع الغشَّاشون ضدِّي/(وكلُّ) أفكارهم كانت (خططًا) شيطانية/ولقد قذفوا إلى جهنَّم بحياة كلِّ رجل/قد ثبتتَ أقواله/ووضعتَ في قلبه العلم والفهم/حتى يستطيع أن يفتح ينابيع المعرفة/لجميع الرجال المستنيرين/وقد بادلوها بشفاه غير مختونة/وبألسنة أجنبية/لشعب بلا فهم/حتَّى يحلَّ عليهم، الدمار وهم في ضلالهم يعمهون.”

يعلن المتحدِّث في هذه الفقرة عن خضوعه التام للإرادة الربَّانيَّة، واعتبار نفسه مجرَّد قطعة صلصال في أيدي الربِّ يُشكِّلها كيفما شاء. هو يستمدُّ من الربِّ العلم والفُهم، اللذين ما كان ليصل إليهما إلا بمشيئته، فصار حُجَّةً في تفسير “خفي علم” الربِّ. يشكر المتحدِّث الربِّ الذي ثبَّته في وجوه المستهزئين ومُتصيِّدي الأخطاء، ويجعل من نفسه ناصرًا لـ “الحقِّ والصدق” في وجه جماعة “الأشرار“، التي ينتظر لها “الدمار” وهي في ظلمات الضلال. تشير هذه الأبيات إلى صراع فِكري بين المتحدِّث، يُحاكي صراع “أبناء النور” و”أبناء الظلام” في سفر الحرب، وينتظر المتحدِّث للفئة المعادية “الدمار“، كما توعَّد الربُّ “أبناء الظلام” في سفر الحرب. يلعب المتحدِّث دائمًا على وتر إنقاذ الربِّ “روحه” من الهلاك بأن هداها إلى طريق الرُشد، مُشدِّدًا على سرمديَّة الروح وفناء الجسد الترابي.

يواصل المتحدِّث الشكر في الترتيلة 2

“أنا أشكرك أيُّها الربُّ/لأنَّك قد رعيتني بعينيك/وقد حميتني من حماسي وتهوُّري/ومن المفسِّرين الكاذبين/ومن جماعة المصلِّين/الذين يبغون الحياة الهينة اللينة/أنت خلَّصت روح المسكين/التي خططوا أن يقضوا عليها/بإراقة دمه لأنَّه قد قام بخدمتك/ولأنَّهم لم يكونوا يعرفون أنَّك توجِّه خطواتي”

يعاود المتحدِّث الإشارة إلى جداله مع بعض “المفسِّرين” الذين ينعتهم بالكذب، مما يوحي بمحاولته إقناعهم بوجهة نظره في أمر ما، وهم يعاندون في تصديقه. وإلى جانب ذلك، يشير المتحدِّث إلى محاولة المعاندين له القضاء عليه “بإراقة دمه”.

تبلور الترتيلة 5 المزيد من أبعاد شخصيَّة المتحدِّث

“إنَّني متأكد كالفجر/إنَّك ظهرتَ لي (كنور كامل) / ولقد (غرَّر) معلِّمو الأكاذيب شعبك (بكلمات)/ و(نبوءاتهم زائفة) فأضلُّوهم/فهم يهلكون دون أن يفهموا/لأنَّ كلماتهم هي الحقُّ بذاته/لأنَّهم يكرهوني ويحتقروني/ولا يقيمون وزنًا لي/علَّك سوف تُظهر قدرتك الربَّانيَّة من خلالي/ولقد نفوني وطردوني من أرضي/مثل طرد طائر من عُشِّه… /لأنَّهم لا يقيمون وزنًا لي/ ولا يعرفون أنَّك سوف تظهر قدرتك من خلالي/ وإنَّك قد كشفت قدرتك وعظمتك لي/كنور سماوي كامل/ولم تُغطِّ وجهي بالعار/فكلُّ الذين تجمَّعوا في ميثاقك/ يسألون عنِّي/ وكلُّ الذين يسيرون في هُدى مرضاتك يصغون لقولي/وهم الذين اصطفوا لك…(لتجعل منهم) مطرقة/ إلى جميع شعوب الأرض/ حتى يقطعوا بحكمتك/ كلَّ من تجاوز أمرَك وكلمتك/ ومن خلالي لقد أنرتَ/ وجه جماعة المُصلِّين/ وأظهرت قوَّتك اللامتناهية/ لأنَّك قد وهبتَ لي المعرفة/ من خلال أسرارك المُذهلة/ وأظهرتَ قدرتك من خلالي/ في وسط مجلسك الرائع/ ولقد صنعتُ المعجزات أمام جماعة المُصلِّين/ إكرامًا لمجدك/حتَّى يُذيعوا أعمالك القادرة/ على جميع الأحياء/ ولكن هل بنو الإنسان (يستحقُّون) كلَّ هذا/فما هو هذا المخلوق من طين/ هل يستحقُّ أن تصنع مثل هذه المعجزات من أجله/ بينما هو غارق في الخطيئة منذ كان في رحم أمِّه… أمَّا أنا فإنِّي أرتجف وأرتعش… / لأنَّني أتذكَّر ذنوبي/ وخطايا آبائي وأجدادي/ عندما ثار الأشرار ضدَّ ميثاقك/ والملعونون ضد كلمتك…”

يناجي المتحدِّث الربَّ بعد واقعة ظهور الربِّ أمامه، حيث يقول “إنَّني متأكد كالفجر/إنَّك ظهرتَ لي (كنور كامل) …وإنَّك قد كشفت قدرتك وعظمتك لي/كنور سماوي كامل/ولم تُغطِّ وجهي بالعار “، أي أنَّه رأى الربَّ بعينه المجرَّدة، وأنَّ الربَّ لم يخذله أو “يغطِّ وجهه بالعار،” مما يعني أنَّه قد أساء في حقِّ الربِّ من قبل. يأتي تبرير الإساءة السابقة في قوله: “(غرَّر) معلِّمو الأكاذيب شعبك (بكلمات)/ و(نبوءاتهم زائفة) فأضلُّوهم/فهم يهلكون دون أن يفهموا،” وهذا يعني أنَّ هناك من روَّج الكذب عن الربِّ فأضلَّ الخلقَ عن حقيقة الربِّ. يعاود المتحدِّث الإشارة إلى “أسرار مذهلة” نالها من الربِّ، الذي ربَّما أراد أن “يُظهر قدرته الربَّانيَّة من خلاله،” كما يعاود الدعاء بالمغفرة على ذنوبه قائلًا: “لأنَّني أتذكَّر ذنوبي/ وخطايا آبائي وأجدادي/ عندما ثار الأشرار ضدَّ ميثاقك/ والملعونون ضد كلمتك.” يعني هذا أنَّ أسلاف المتحدِّث أخطأوا في حقِّ الربِّ، فصبَّ عليهم العذاب، وهو كان يخشى ذاك المصير.

تنكشف المزيد من التفاصيل في الترتيلة 8

“شكري لك يا رب/ لأنَّك لم تتخلَّ عنِّي/ بينما أقيم إقامة مؤقَّتة بين أولئك الناس (المُثقلين بالذنوب) / (إنَّك لم) تحكم عليَّ/ بما أستحقُّه من الذنوب/ ولم تتخلَّ عنِّي أيضًا بسبب رغباتي وميولي/ ولكنَّك قد أنقذت روحي من نار جهنَّم/ وجلبتَ (لعبدك الخلاص) … / لأنَّك أنتَ أيُّها الرب قد حميتني/ من بني الإنسان/ وقد أخفيتَ شريعتك (في صدري”

يذكر المتحدِّث الخلاص الروحي ويشكر الربَّ على تلك النعمة، وعلى حمايته من أيدي أناس أقام بينهم.

تشير الترتيلة 9 إلى صراع جديد يتدخل فيه المتحدِّث، إلى جانب صراعه مع المفسِّرين الكاذبين

“شكري لك (تباركتَ) أيها الرب… / ولقد تمرَّد عليَّ أعضاء (ميثاقي)/ وبدأوا بالتمتمة من حولي/ ولقد مشوا كحاملي الأقاصيص/ أمام أبناء البشر/ وهم يبحثون عن الأسرار الربَّانية التي وضعتَها فيَّ/ ولكي تظهر عظمتك من خلالي/ وبسبب ذنوبهم وآثامهم/ فقد أخفيت ينابيع الحكمة/ وأعماق الرأي السديد…”
دخل المتحدِّث في خلاف مع “أعضاء ميثاقه”، وهم أبناء جماعة الإسينيِّين، أو ربَّما آخرون اشترك معهم في نشاطه الدعوي؛ وسبب الخلاف هو “الأسرار الربَّانيَّة” التي كشفها الربُّ له فاستقاها من “ينابيع الحكمة/ وأعماق الرأي السديد.

وفي الترتيلة 14، يذكر المتحدِّث معاناته بسبب أفكاره: “شكري لك يا مولاي/ لأنَّك وضعتني إلى جانب نبع متدفِّق/ في أرض مجدبة/ وبقرب نبع من المياه/ وفي الأرض الجافة/ وبجانب حديقة غنَّاء…/ ولقد (تعوَّدت) على السياط/ ولقد هجرني الجميع في (محنتي)/ وخارت قواي”. وفي الترتيلة 15، يشكر المتحدِّث الربَّ على الفهم والقدرة على استنباط المعاني: “(شكرًا لك يا مولاي) …/ ولا شيء يوجد إلَّا بإرادتك/ ولا يستطيع أحدٌ أن يفكِّر (بأسرارك العميقة) / أو أن يتأمَّل بغوامض (علمك الخفي) / فما هو هذا الإنسان المخلوق من تراب/ المكوَّن (من الطين) والذي سوف يرجع إلى التراب/ وأنتَ بإرادتك مكَّنته من فهم هذه الروائع/ وقد عرَّفته على مجالس (حقيقتك)؟ …” ويعيد المتحدِّث في كافة التراتيل الباقية نفس الديباجة، وهي الشكر للربِّ الذي خلَّص روح وسما بها بأن عرَّفه طريق الحقِّ، ومنحه من المعرفة ما أتاح له التعرُّف على العديد من الأسرار الخفيَّة، وجعله وسيلة لإظهار قدراته ومعجزاته أمام البشر كي يؤمنوا به. ومن جديد، يطلب المتحدِّث المغفرة والثبات في وجه أبناء الظلام كي تنعم روحه الخالدة بفضل الربِّ إلى الأبد.

هل سيِّد العدالة هو شاؤول الطرسوسي؟

إن تعذَّر من خلال التراتيل افتراض هويَّة المتحدِّث، فربما تُلقي المزامير (ق11. مز. أ=ق11: 5)بمزيد من الضوء على تلك الهويَّة. يقول دعاء الإنقاذ 19: “…تنادي نفسي بمديح اسمك، وتمدح ونهلل لمراحمك/ للتفوُّه بوفائك، لا حدودَ لمحامدك/ أنا أتمنَّى الموت بسبب ذنوبي/ وباعتني آثامي إلى شاؤول/ لكنَّك يا مولاي أنقذتني، وفقًا لعظيم مراحمك، ووفقًا لعظيم صنائعك من الحقِّ والصلاح.”

لأوَّل مرَّة، يشير المتحدِّث إلى شخص بعينه، وهو “شاؤول“، فمن هو ذلك الشخص؟ لعلَّه شاؤول الطرسوسي، مُحارب أتباع المسيح الذي لم يره ولم يؤمن به إلَّا بعد حادثة الصلب، أشهر شخصيَّة ارتبط بالمسيحيَّة في مهدها. إذا ما راجعنا النقاط الأساسيَّة في التراتيل السابق ذكرها، لوجدنا أنَّها جميعها تنطبق على شاؤول/بولس، وفق ما رُوي على لسانه في سفر أعمال الرسل. فواقعة ظهور الربِّ أمام المتحدِّث في الترتيلة 5 رواها بولس في سفر أعمال الرسل، الإصحاح 9 (آيات 3-5) “حَدَثَ أَنَّهُ اقْتَرَبَ إِلَى دِمَشْقَ فَبَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلَهُ نُورٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَسَمِعَ صَوْتًا قَائِلاً لَهُ: «شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟». فَقَالَ: «مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟» فَقَالَ الرَّبُّ: «أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ. صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ». تشترك الروايتان في رؤية المتحدِّث نورًا في السماء، وفي عدم إخزاء الربِّ للمتحدِّث، فشاؤول كان يضطهد أتباع المسيح، وروى مشاركته في رجم ستيفن، وهو أحد أوائل الذين اتَّبعوا المسيح، حتَّى الموت؛ وربَّما ما قصَده المتحدِّث في دعاء الإنقاذ 19 هو التبرؤ من أعماله المناهضة للمسيح وهو شاؤول، قبل أن يتعمَّد على يدِّ الحواريين. تعمَّد شاؤول باسم بولس، ومن المعروف في العقيدة المسيحيَّة-كما في البوذيَّة من قبلها-أنَّ الذي يتعمَّد يموت جسده وتلتحم روحه بالمسيح ويصير في خدمته؛ ولهذا يتَّخذ الرهبان أسماءً جديدة عند الرهبنة، وأحيانًا عند الباباويَّة.

وبالنسبة إلى خلاف المتحدِّث في الترتيلة 9 مع بعض قرنائه من قبل “ولقد تمرَّد عليَّ أعضاء (ميثاقي)/ وبدأوا بالتمتمة من حولي،” فقد ألقى الإصحاح 15 من أعمال الرسل الضوء على خلاف بولس مع الحواري برنابا، وافتراقهما، ليذهب كلٌ منهما في رحلة دعويَّة مستقلة: “فَحَصَلَ بَيْنَهُمَا مُشَاجَرَةٌ حَتَّى فَارَقَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ. وَبَرْنَابَا أَخَذَ مَرْقُسَ وَسَافَرَ فِي الْبَحْرِ إِلَى قُبْرُص. وَأَمَّا بُولُسُ فَاخْتَارَ سِيلاَ وَخَرَجَ مُسْتَوْدَعًا مِنَ الإِخْوَةِ إِلَى نِعْمَةِ اللهِ” (39-40). نعرف من سفر أعمال الرُسُل أنَّ الحواري برنابا هو الذي قدَّم بولس إلى تلاميذ المسيح وأقنعهم بصدق إيمانه “أَخَذَهُ بَرْنَابَا وَأَحْضَرَهُ إِلَى الرُّسُلِ، وَحَدَّثَهُمْ كَيْفَ أَبْصَرَ الرَّبَّ فِي الطَّرِيقِ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ، وَكَيْفَ جَاهَرَ فِي دِمَشْقَ بِاسْمِ يَسُوعَ. فَكَانَ مَعَهُمْ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ فِي أُورُشَلِيمَ وَيُجَاهِرُ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ” (سفر أعمال الرُسُل: إصحاح 9، آيتان 27-28). غير أنَّ هذا الاتصال والتقارب لم يستمرَّا طويلًا؛ ويُرجع الكاتب السبب في ذلك إلى إدخال بولس عقيدة بنوَّة يسوع للرب، كما جاء في رسالته إلى أهل غلاطية (إصحاح 1: آية 16)، ورسالته إلى أهل كورنثوس (إصحاح 1: آية 19)، ورسالته إلى أهل روميَّة (إصحاح 8: آية 3-إصحاح 1: آية 4). ويعترف بولس في رسائل أخرى بتخلِّي الجميع عنه، مع استثناءات قليلة، ومن نماذج ذلك ما جاء في رسالته الثانية إلى تلميذه تيموثاوس “أَنْتَ تَعْلَمُ هذَا أَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ فِي أَسِيَّا ارْتَدُّوا عَنِّي” (رسالة تيموثاوس: إصحاح 1، آية 15)، مطالبًا إيَّاه بالانضمام إليه بعد أن تركه كثيرٌ من تلاميذه “بَادِرْ أَنْ تَجِيءَ إِلَيَّ سَرِيعًا. لأَنَّ دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ وَذَهَبَ إِلَى تَسَالُونِيكِي، وَكِرِيسْكِيسَ إِلَى غَلاَطِيَّةَ، وَتِيطُسَ إِلَى دَلْمَاطِيَّةَ. لُوقَا وَحْدَهُ مَعِي. خُذْ مَرْقُسَ وَأَحْضِرْهُ مَعَكَ لأَنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ”، وتشير الآية 11 إلى أنَّ مرقس ولوقا-كاتبي اثنين من الأناجيل الأربعة المعترف بها-كانا في صُحبة بولس الرسول وتتلمذا على يديه (إصحاح 4: آيات 9-11). ويعترف بولس في رسالته إلى أهل فيلبي بأنَّهم وحدهم مَن سانده في أزمته وقتما سُجن، ما لم يفعله شعب أي كنيسة أخرى “وَأَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ أَيُّهَا الْفِيلِبِّيُّونَ أَنَّهُ فِي بَدَاءَةِ الإِنْجِيلِ، لَمَّا خَرَجْتُ مِنْ مَكِدُونِيَّةَ، لَمْ تُشَارِكْنِي كَنِيسَةٌ وَاحِدَةٌ فِي حِسَابِ الْعَطَاءِ وَالأَخْذِ إِلاَّ أَنْتُمْ وَحْدَكُمْ” (رسالة فيلبي: إصحاح 4، إصحاح 15). وقد أشار سيِّد العدالة في الترتيلة 1 إلى أشخاص وصفهم بـ “الخونة حاولوا دحض آرائه ” ولقد دعمتَ روحي…ولقد جعلتني بالنسبة للخونة/هزوًا وسخرية/ولكن مثالًا للصدق والفهم“، وفي هذا تشابُه كبير مع وصْف بولس الرسول لمخالفيه في الرأي بـ “ أَعْدَاءُ صَلِيبِ الْمَسِيحِ“، كما وصفه في رسالته إلى أهل فيلبي (رسالة فيلبي: إصحاح 3، آية 18).

اتُّهم بولس بتشجيع معتنقي المسيحيَّة في الخارج من أصحاب الأصول اليهوديَّة على نبذ ناموس موسى، وقد واجهه اليهود بذلك في الهيكل، قائلين: ” رَآهُ الْيَهُودُ الَّذِينَ مِنْ أَسِيَّا فِي الْهَيْكَلِ، فَأَهَاجُوا كُلَّ الْجَمْعِ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ الأَيَادِيَ. صَارِخِينَ: «يَا أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ، أَعِينُوا! هذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يُعَلِّمُ الْجَمِيعَ فِي كُلِّ مَكَانٍ ضِدًّا لِلشَّعْبِ وَالنَّامُوسِ وَهذَا الْمَوْضِعِ، حَتَّى أَدْخَلَ يُونَانِيِّينَ أَيْضًا إِلَى الْهَيْكَلِ وَدَنَّسَ هذَا الْمَوْضِعَ الْمُقَدَّسَ»” (سفر أعمال الرسل، إصحاح 21: آيتان 27-28). يُجر بولس بعد ذلك إلى خارج الهيكل، وتُصبح حياته في خطر (عام 58 ميلاديًّا). وهذا يتَّفق مع وصف المتحدِّث ما حدث له من محاولة قتل في الترتيلة 2 “خططوا أن يقضوا عليها (روحه)/بإراقة دمه لأنَّه قد قام بخدمتك.” وقد ذُكر في الإصحاح 22 من أعمال الرُّسُل عن محاولة فعلية لقتل بولس ” وَلَمَّا صَارَ النَّهَارُ صَنَعَ بَعْضُ الْيَهُودِ اتِّفَاقًا، وَحَرَمُوا أَنْفُسَهُمْ قَائِلِينَ: إِنَّهُمْ لاَ يَأْكُلُونَ وَلاَ يَشْرَبُونَ حَتَّى يَقْتُلُوا بُولُسَ” (12). وتروي الترتيلة 2 عن محاولة لقتل المتحدِّ نجا منها بفضل الربِّ: ” فلقد سقطوا هم بأنفسهم/في الشرك الذي نصبوه لي للقضاء على حياتي.”

 تعرَّض بولس للسجن والمحاكمة، فدافع عن نفسه قائلًا “أَنِّي مَا أَخْطَأْتُ بِشَيْءٍ، لاَ إِلَى نَامُوسِ الْيَهُودِ وَلاَ إِلَى الْهَيْكَلِ وَلاَ إِلَى قَيْصَرَ” (إصحاح 25: آية 8)؛ وطالَب بمحاكمته في روما، باعتباره في الأصل روميًّا. وبالفعل، اقتيد بولس إلى إيطاليا، تروي المصادر التاريخيَّة-بعيدًا عن الكتاب المقدَّس-أنَّ بولس أُعدم مع بطرس الرسول عام 67 ميلاديًّا تقريبًا إثر اتِّهام اليهود بإشعال فتنة داخلية في روما كان قد أدَّت إلى حرق المدينة عام 64 ميلاديًّا، وتزامن ذلك مع ثورة اليهود ضدَّ الحكم الروماني في أورشليم انتهت بتدمير المدينة وإهلاك اليهود فيها على يد القائد الروماني طيتس.

كمُن الخلاف بين بولس الرسول وحنانيا، رئيس كهنة أورشليم من اليهود-على ما يبدو-في دعوة بولس إلى إبطال ناموس موسى، على أساس أنَّ الهدف منه قد أُنجز بظهور المسيح وموته فداءً للبشرية، وفق ما ورد في رسالة بولس إلى أهل روميَّة؛ وقد استند بولس في دعوته تلك إلى آية في الإصحاح 2 من سفر حبقوق “وَالْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا” (4). فلمَّا عاد بولس إلى أورشليم بعد إحدى رحلاته التبشيريَّة، أقام حنانيا الدنيا ولم يُقعدها بسبب دعوة بولس تلك، ووصل الأمر إلى المطالبة بقتل بولس. على ذلك، يمكِن اعتبار أن رئيس الكهنة حنانيا هو “الكاهن الشرير” الذي ذُكر في مخطوطات البحر الميِّت باعتباره خَصم “سيِّد العدالة.”

تحدَّث سيِّد العدالة كثيرًا عن “علم خفي” و”أسرار مذهلة” تعلَّمها بفضل تسابيحه وابتهالاته لربِّه، ومن نماذج ذلك ما جاء في الترتيلة 7 “شكري لك أيها الرب…لأنَّك قد وهبتَ لي المعرفة/ من خلال أسرارك المُذهلة/ وأظهرتَ قدرتك من خلالي“، وفي الترتيلة 9 “ولقد تمرَّد عليَّ أعضاء (ميثاقي)/ وبدأوا بالتمتمة من حولي/ ولقد مشوا كحاملي الأقاصيص/ أمام أبناء البشر/ وهم يبحثون عن الأسرار الربَّانية التي وضعتَها فيَّ/ ولكي تظهر عظمتك من خلالي/ وبسبب ذنوبهم وآثامهم/ فقد أخفيت ينابيع الحكمة/ وأعماق الرأي السديد“، وفي الترتيلة 12 “(شكري لك أيها الرب) / لأنَّك قد نوَّرتني من خلال حقيقتك/ في أسرارك المذهلة“، وفي الترتيلة 15 “(شكرًا لك يا مولاي) …/ ولا شيء يوجد إلَّا بإرادتك/ ولا يستطيع أحدٌ أن يفكِّر (بأسرارك العميقة) / أو أن يتأمَّل بغوامض (علمك الخفي)“، وكذلك في الترتيلة 19 “من غامض خفي علمك وحكمتك/ أنتَ فتحتَ أمامي المعرفة/ وبرحمتك/ (فتحتَ لي) ينبوع قدرتك…”، وفي الترتيلة 25 “(شكري لك يا مولاي) / لأنَّك نفختَ روح قُدُسك في عبدك…لقد نقشت بحبل القياس (أسرارك) على لسانه/ حتَّى يستطيع بمجرَّد فهمه”.

 ويتطابق الحديث عن أسرار وعلم خفي ما جاء في رسائل بولس الرسول عن نفس النوعيَّة من المعرفة الباطنيَّة. فقد ذكر بولس الرسول لأوَّل مرَّة في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس (57 ميلاديًّا)، حينما تحدَّث عن رحلة صعوده إلى السماء، أنَّه اطَّلع على علم ليس بمقدوره الكشف عنه “كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا” (رسالة كورنثوس: إصحاح 12، آية 4)، وربَّما يقصد بولس الرسول بذلك علمًا باطنيًّا، ولكن يبدو أنَّ الكشف عن ذلك العلم لم يكن قد أتيح له. ويبدو أنَّ الإذن بالكشف عن تلك الأسرار جاء وقت كتابته رسالته إلى أهل روميَّة (58 ميلاديًّا)، التي قال في ختماها “وَلِلْقَادِرِ أَنْ يُثَبِّتَكُمْ، حَسَبَ إِنْجِيلِي وَالْكِرَازَةِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، حَسَبَ إِعْلاَنِ السِّرِّ الَّذِي كَانَ مَكْتُومًا فِي الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ. وَلكِنْ ظَهَرَ الآنَ، وَأُعْلِمَ بِهِ جَمِيعُ الأُمَمِ بِالْكُتُبِ النَّبَوِيَّةِ حَسَبَ أَمْرِ الإِلهِ الأَزَلِيِّ، لإِطَاعَةِ الإِيمَانِ. للهِ الْحَكِيمِ وَحْدَهُ، بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ” (رسالة روميَّة: إصحاح 16، آيات 25-27). وما يثبت ذلك طلبه من أهل أفسس في رسالته لهم (62 ميلاديًّا) من أن يصلُّوا حتَّى يُسمح له بالكشف عمَّا أطلق عليه “سِرَّ الإِنْجِيلِ” في قوله “وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ. مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ. وَلأَجْلِي، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي، لأُعْلِمَ جِهَارًا بِسِرِّ الإِنْجِيلِ” (رسالة أفسس: إصحاح 6، آيات 17-19).

وهناك نقطة تشابُه هامَّة بين ما جاء في تراتيل سيِّد العدالة ورسائل بولس الرسول بشأن حلول الرُّوح القُدُس على كلٍّ منهما. فقد جاء في الترتيلة 11 “شكري لك أيها الرب/ لأنَّك قد دعمتني ببأسك/ ولقد نفحتني بروحك القُدُس“؛ وجاء في الترتيلة 14 ” شكري لك يا مولاي/ لأنَّك وضعتني إلى جانب نبع متدفِّق…ومنذ شبابي قد نوَّرتني/ بحكمة قدرتك/ أنتَ الذي كوَّنتني بنوع من الصدق/ أنتَ الذي أنرتني بروح قُدُسك…”؛ ويقول سيِّد العدالة في الترتيلة 19 “برُوح قُدُسك أصغيت بإخلاص/ لنصائحك الرائعة”؛ وجاء في الترتيلة 21 “(تباركتَ أنتَ) يا مولاي/ أنتَ الذي أعطيتَ الفهم… إنَّه من خلال رحمتك نحو (رماد/ ألقيت) روحك القُدُس (عليَّ)“. وقد تحدَّث سفر أعمال الرُّسُل عن كيفيَّة اختيار الرُّوح القُدُس بولس الرسول للعمل في نشر دعوة المسيح والتبشير به، فقد جاء في الآية 3 من الإصحاح 13 “قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: «أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ»”. ويروي سفر أعمال الرُّسُل كذلك أنَّ بحلول الرُّوح القُدُس على بولس، أصبحت لديه القدرة على إحلال الرُّوح على أهل أفسس لمَّا آمنوا بدعوته للمسيح “وَلَمَّا وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ، فَطَفِقُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَاتٍ ويتَنَبَّؤُون” (أعمال الرُّسُل: إصحاح 19، آية 6). ويذكر بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس عن إثبات صدق دعوته ومشروعيتها ” كَلاَمِي وَكِرَازَتِي (تبشيري بالمسيح) لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ” (رسالة كورنثوس الأولى: إصحاح 2، آية 4).

5. غنوصيَّة “سيِّد العدالة”، و”بولس الرسول” و “يوحنَّا المعمدان”: فِكر واحد لأسماء مختلفة

سبقت الإشارة في دراسة سابقة عن عقيدة المَسيَّا المخلِّص إلى تأثُّر تلك العقيدة بما يُعرف بالفلسفة الغنوصيَّة، والتي تعتبر أنَّ الكون الماديَّ قد خُلق من خلال فيوض نورانيَّة صدرت عن الإله، الذي يرتبط بالكون الماديِّ ارتباطًا روحيًّا يشكِّل وَحدةً. وأدق معنى لمُسمَّى الغنوصيَّة في أصله اليوناني المعرفة الروحية المبنية على العلاقة مع الخالق، وقد يشير كذلك إلى المعرفة الشخصيَّة النابعة من الخبرة النفسيَّة. تقوم الفلسفة الغنوصية على الاعتقاد بفساد العالم المادي ووقوعه تحت سيطرة الشر والجهل والعَدَم، وهي قوَّة ظلاميَّة، ولا يمكن الخلاص إلَّا من خلال الالتحام بالإله من خلال شرارة إلهية يتمتَّع بها فئة محدودة من الخَلق من أصحاب السمو الروحي. يرتقي الإنسان في درجات المعرفة من خلال فيوض نورانيَّة يتلقَّاها من الإله عند ممارسة بعض الطقوس والرياضات الروحيَّة. وبما أنَّ الغنوصية تقوم على فكرة فساد الجسم المادي، فهي لا ترى حرجًا في الانغماس في الشهوات الجسدية، فالجسد فاسد من الأصل ولا تصلح معه أية مساعٍ للخلاص إلَّا بفيض إلهي لا ينعم به إلا صفوة الخَلق. إذا ما قرنَّا هذا الاعتقاد بالاعتقاد بخنثويَّة الإله النابعة من العقائد الوثنيَّة، فالممارسات الجماعيَّة للجنس حينها تُصبح نوعًا من العبادة، لأنَّ من خلالها يمكن التوحُّد من الإله. وهناك رأي لبعض متَّبعي هذه الفلسفة يحض على ترويض البدن من خلال التقشُّف والزهد، فهكذا تسمو الروح وتنعم بفضل التواصل الربَّاني. وتُعتبر عقيدة طائفة الصابئة المندائيَّة في العراق أوضح نموذج للديانات المستندة إلى الغنوصيَّة. جاءت كلمة صابئة من جذر الكلمة الآرامي المندائي (صبا) أي بمعنى (تعمد، اصطبغ، غط، غطس) وهي تطابق أهم شعيرة دينية لديهم وهو طقس (المصبتا – الصباغة – التعميد). فلذلك نرى أن كلمة صابئي تعني (المصطبغ أو المتعمِّد). أما كلمة مندائي، فهي آتية من جذر الكلمة الآرامي المندائي (مندا) بمعنى المعرفة أو العلم. وبالتالي، تعني المندائي أي العارف أو العالم بوجود الخالق الأوحد.

أثبتت الدراسة أنَّ الغنوصيَّة هي في الأصل نبت هندي، وقد انتقلت إلى المشرق من خلال الحركة البوذيَّة التي نشطت في القرون السابقة لميلاد المسيح. ويشير سي. دابليو. كينج في كتابه الغنوصيُّون وآثارهم في العصور القديمة والوسطى-The Gnostics and their Remains, Ancient and Mediaeval (1887)، إلى أنَّ الغنوصيَّة المسيحيَّة هي النموذج الأكثر تطوُّرًا للعقائد الدينية في الهند وآسيا الوسطى في العصور القديمة، مثل الميثرائيَّة والبوذيَّة. ينفي كينج ادِّعاء بني إسرائيل أنَّهم تلقُّوا تراثهم الباطني-المعروف بـ “القبَّالة“، ويعرِّفه اليهود بـ “الحكمة الخفيَّة” الكامنة في الناموس الموسوي-عن نبي الله موسى، مشيرًا إلى أنَّهم اكتسبوه خلال فترة السبي البابلي عند اطِّلاعهم على الحضارات الشرقية، وأنَّ الأسرار الخفيَّة التي تلقَّاها هؤلاء هي في الأصل هنديَّة.

ويُعتبر سمعان الساحر/المجوسي-Simon Magus، وهو رجل سامري ورد ذِكره في سفر أعمال الرسل (إصحاح 8: آيات 9-24) من نماذج دمج المسيحيَّة بالعقيدة الغنوصيَّة، حيث اتَّبع المسيح، ثم أمره بطرس الرسول بالتوبة عمَّا كان يفعل من ألاعيب سحريَّة. مع ذلك، فهناك إشارات بأنَّ ذلك الرجل هو أول الهراطقة وأول من أفسد العقيدة المسيحيَّة بالمفاهيم الغنوصية، وربَّما يكون هو من ابتدع تقسيم الألوهية إلى خالق وكلمة وروح قُدُس. في الآيات (18-23) من الإصحاح 8 من أعمال الرسل، يطلب سمعان من بطرس ويوحنَّا أن يُعطياه “سُلطان” الروح القدس، على اعتبار أنَّهما بتعميدهما إيَّاه ستحل عليه الروح القُدُس. ولمَّا عرض سمعان المال على بطرس ويوحنَّا في مقابل ذلك، أمره بطرس بالتوبة فينفك عنه “رباط” الشياطين: “لَمَّا رَأَى سِيمُونُ أَنَّهُ بِوَضْعِ أَيْدِي الرُّسُلِ يُعْطَى الرُّوحُ الْقُدُسُ قَدَّمَ لَهُمَا دَرَاهِمَ. قَائِلاً: «أَعْطِيَانِي أَنَا أَيْضًا هذَا السُّلْطَانَ، حَتَّى أَيُّ مَنْ وَضَعْتُ عَلَيْهِ يَدَيَّ يَقْبَلُ الرُّوحَ الْقُدُسَ». فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «لِتَكُنْ فِضَّتُكَ مَعَكَ لِلْهَلاَكِ، لأَنَّكَ ظَنَنْتَ أَنْ تَقْتَنِيَ مَوْهِبَةَ اللهِ بِدَرَاهِمَ! لَيْسَ لَكَ نَصِيبٌ وَلاَ قُرْعَةٌ فِي هذَا الأَمْرِ، لأَنَّ قَلْبَكَ لَيْسَ مُسْتَقِيمًا أَمَامَ اللهِ. فَتُبْ مِنْ شَرِّكَ هذَا، وَاطْلُبْ إِلَى اللهِ عَسَى أَنْ يُغْفَرَ لَكَ فِكْرُ قَلْبِكَ. لأَنِّي أَرَاكَ فِي مَرَارَةِ الْمُرِّ وَرِبَاطِ الظُّلْمِ».” وكان ردُّ سمعان هو أن طلب من بطرس ويوحنَّا الدعاء من أجله كي تحلَّ عنه الشياطين: “فَأَجَابَ سِيمُونُ وَقَالَ: «اطْلُبَا أَنْتُمَا إِلَى الرَّبِّ مِنْ أَجْلِي لِكَيْ لاَ يَأْتِيَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْتُمَا»” (24). ويثير هذا الرد الشكَّ في نيَّة سمعان التوبة.

ولم تنتهِ قصَّة سمعان الساحر/المجوسي هُنا، فقد ورد في سفري أعمال بطرس وأعمال بطرس وبولس، وكلاهما من أسفار الأناجيل المنتحلة، أنَّ سمعان قد سافر إلى روما، واحترف ممارسة أعمال الخدع البصريَّة، معتبرًا إيَّاها “معجزات” صنعها الربُّ أمام أعين الناس من خلاله، ليثبت التحام الروح القُدُس به، وأنَّه صار ربًّا. وفق سفر أعمال بطرس، مات سمعان رجمًا بالحجارة بعد أن سقط من أعلى أثناء ممارسة لعبة في المنتدى الروماني كان يطير فيها في الهواء، ثم يتمتم بـ “كلمة الربِّ” كي يقف أثناء التحليق، وهنا وقع وانكسرت أرجله إلى ثلاثة أجزاء، فرجمه الناس لمَّا انكشفت خدعته، وأصيب بجروح بالغة، ثم مات، وعلى إثر ذلك حُرِّمت ممارسة ألعاب السحر في روما. أمَّا ما جاء عن موته في سفر أعمال بطرس وبولس، فهو أنَّ الرسولين بطرس وبولس كانا في جدال مع الإمبراطور نيرون لإقناعه بالمسيحيَّة، ويبدو أنَّ المعجزات البصريَّة التي كان سمعان الساحر/المجوسي يقوم بها بالاستعانة بـ “كلمة الربِّ” وبحلول الروح القُدُس عليه كانت وسيلة الإقناع. وبينما كان سمعان يؤدي حركة يحلِّق فيها في الهواء من فوق برج خشبي أمر هو بصُنعه، سقط على الأرض وتحطَّم جسده إلى أربعة أجزاء. وهنا، أمر نيرون بجرِّ بطرس وبولس إلى السجن، وفي هذا ما يتَّفق مع مصيرهما بالإعدام على يد الإمبراطور الروماني. وقد تضمَّنت سجلَّات نورمبرج-Nuremberg Chronicle، وهي عبارة عن شروحات للكتاب المقدَّس وتصوُّر لتاريخ العالم، وفق السرد التاريخي الوارد في الكتاب المقدِّس، رسمًا تخيُّليًّا لطريقة موت سمعان المجوسي؛ وفيه يظهر فريسة لكيد الشياطين الذين كانوا يساعدونه في التحليق في الهواء وممارسة الخدع البصريَّة، وكأنَّما رسالتها تقول “انقلب السحر على الساحر”

3.1-هلاح سمعان المجوسي

نفهم من قصَّة سمعان عدَّة أمور:

1.أنَّ هناك من دمج عقيدة الإيمان التي جاء بها المسيح في مهدها بمفاهيم الغنوصيَّة، التي تعتمد على الكلمة والروح القُدُس في فعل ما يُطلق عليه “معجزات” يقرُّ صانعوها بأنَّها بإرادة الربِّ الذي أراد إظهار قدرته في أحد من خلقه.

2.أنَّ من أتباع المسيح الأوائل-في هذه الحالة بطرس ويوحنَّا وبولس-مَن سلَّم بأنَّ لديه سُلطان في إحلال الروح القُدُس على شخص ما لصُنع معجزات، وقد أحجم بطرس في بداية الأمر لمَّا قابل سمعان لأول مرة، وكان يوحنَّا معه، وأمره أن يتوب، كما جاء في سفر أعمال الرسل. بيد أنَّ بطرس قد غيَّر موقفه-على ما يبدو-في وجود بولس بأن سمح لسمعان بأداء الحيل لإقناع نيرون بالمسيحيَّة عام 66 ميلاديًّا تقريبًا، وفق سفر أعمال بطرس وبولس.

تجدر الإشارة هُنا إلى أنَّ عالم الآثار البريطاني جون ماركو اليجرو، المشرف على أعمال التنقيب على المخطوطات، كما أشرنا من قبل (ص5)، قد علَّق على فكرة استعانة اليهود بـ “كلمة الربِّ” في ثورتهم ضدَّ الرومان عام 66 ميلاديًّا، تزامنًا مع قرار نيرون بإعدام بطرس وبولس. في رأيه، أثار بنو إسرائيل غيظ الرومان واضطرُّوهم إلى اتخاذ موقف سريع تجاه تلك الثورة، وذلك حينما انقلبت عليهم تعاويذهم، التي استخدموها معتقدين أنَّها كانت لتقودهم إلى حُكم العالم بأسره باسم الربِّ. حينها، لم يدع الرومان في أورشليم حجرًا على حجر، فتفرَّق جمع اليهود، وهربوا إلى الجبال، وكوَّنوا مجتمعات لهم في الأماكن الساحليَّة المُطلَّة على البحر المتوسِّط. كان اليجرو من بين الباحثين الذين روَّجوا لاحتواء مخطوطات قُمران على ما يُبطل عقيدة المسيحيَّة، واليهوديَّة من قبلها، مؤكِّدًا أن مفهوم الألوهية فيهما مجرَّد تطوُّر لهذا المفهوم في الديانات الوثنيَّة، لدرجة أنَّه أنكر وجود المسيح في كتابه الفِطر المقدَّس والصليب (1970)، الذي عصف بمسيرته المهنيَّة. قارن اليجرو في هذا الكتاب بين مفهوم الإله في الوثنية، القائم على تشبيه الإله بالذكر وخلع صفات الذكورة عليه-وهو ذاته في اليهودية-وبين الصورة التي رسمها الكتاب المقدَّس للمسيح. وجد اليجرو أنَّ تأثير العقائد الدينية السومريَّة كبير جدًّا على كافة العقائد الدينيَّة في بلاد الشرق، حيث أنَّ مفهوم الإله في تلك البلاد هو عبارة عن نماذج مطوَّرة لإله الخصوبة السومري البعل. واسم بَعْل في الأصل يعني الحفَّار، وقد تحوَّر المعنى إلى العضو الذكري، حتَّى أنَّ اسم العضو باللاتينية phallus مشتقٌّ من الأصل السومري Baal. وأصبح البعل في العربية يعني الزوج. وقد أوضح سفر هوشع في العهد القديم كيفية استخدام اسم الإله بعل في الإشارة إلى الزوج: “وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَنَّكِ تَدْعِينَنِي: رَجُلِي، وَلاَ تَدْعِينَنِي بَعْدُ بَعْلِي” (إصحاح 2: آية 16). والبعل هو إله عبده بنو إسرائيل، كما ورد في أسفار الملوك الأول والثاني وأخبار الأيام الأول والثاني وحزقيال، وغيرها من أسفار العهد القديم.

نشأة الغنوصيَّة

أجمع الباحثون على أنَّ الغنوصيَّة قد انطلقت من الإسكندرية، أكبر مدينة في الدولة الرومانيَّة بعد روما. انضمَّت الإسكندرية إلى أراضي الدولة الرومانيَّة بعد أن غزاها الرومان عام 30 قبل الميلاد وانتزعوها من البطالمة الإغريقيين، لتكون بذلك جسرًا بين الحضارة الإغريقية والتراث الفكري الشرقي. ويبدو أنَّ زوَّار الإسكندرية-صاحبة أكبر أكاديميَّة علمية على مستوى الشرق حينها، وهي مكتبة الإسكندرية العريقة-من اليهود المتحوِّلين إلى المسيحيَّة لم يقاوموا فكرة التوفيق بين منابه الحكمة القديمة والوحي الإلهي الجديد. ومن بين أهم العقائد التي كانت تسيطر على المناخ الفكري حينها عقيدة وَحدة الوجود، التي اتُّخذت الإلهة ديانا رمزًا لها، وكرَّست جماعة من الإسينيِّين نفسها لخدمة تلك الإلهة. وقد نشأت عقيدة وَحدة الوجود في الحضارة البابليَّة، واسمها اليوناني pantheism يعني حرفيًّا “الكلُّ في الإله” و”الإله في الكلِّ“، أمَّا المعنى المقصود هو أنَّ قوَّة الإله تسري في كلِّ الأشياء.

ويروي سيمون دونينج في كتابه إمبراطوريَّة العالم وعودة المسيح-World Empire and the Return of Jesus Christ (2011)، أنَّ أصل فكرة توحيد الألوهية في الحضارة البابليَّة هو الملك البابلي حامورابي، الذي فرض عبادة الإله مردوخ-إله بابل-على كافَّة بلدان آسيا الغربية، وجعل من معبد مردوخ العظيم في بابل قبلةً لأبناء كافَّة تلك البلدان، وذلك قبل بعثة نبي الله موسى بستة قرون كاملة. وتطوَّرت الفكرة بمرور الزمن، وفي القرن السادس قبل الميلاد، زمن السبي البابلي، صارت وَحدة الوجود رُكنًا أساسيًّا في العقيدة الدينيَّة البابليَّة. وارتبط بتلك العقيدة أسرارٌ وطقوس غامضة اقتصرت معرفتها على فئة محدودة من الكهنة والنُخب، ممن أُتيحت لهم وحدهم فرصة فهم تلك الأسرار وفكِّ ذلك الغموض. وتمامًا مثل قدماء المصريين في معابد إلهة الخصوبة إيزيس، برع كهنة بابل في الرياضيات والفلَك والتنجيم وحركة الرياح، هذا بالإضافة إلى الطب والهندسة، وبخاصة العمارة. وظلَّت أسرار وَحدة الوجود مخفيَّة بين هذه الفئة من الكهنة.

تستهدف وَحدة الوجود التقريب بين البشر كافَّةً، ودمج جميع الأديان في عقيدة واحدة، ولا شكَّ في أنَّ العنصر المشترك بين البشر جميعًا هو الروح، مهما اختلفت أشكالهم؛ ولا شكَّ كذلك في أنَّ أنسب وسيلة للتقريب بين الجميع هي من خلال التواصل الروحاني بينهم.

بعد هذه المقدِّمة الطويلة، نبدأ في إيضاح نقاط التشابه الفكري بين “سيِّد العدالة/مُعلِّم الحقِّ والصلاح” و”بولس الرسول” و “يوحنَّا المعمدان” وفق ما نُسب إليهم من أقوال، الذي لوحظ تعبيره عن العقيدة الغنوصيَّة وتأثُّره بأفكارها، أسوةً بالديانات الوثنيَّة. غير أنَّه من الضروري التذكير بأهم عناصر الغنوصيَّة لتسهيل فَهْم نظرة سيِّد العدالة وبولس ويوحنَّا للألوهية:

1.الغنصويَّة هي المعرفة الروحيَّة النابعة من فيض النور الإلهي؛

2.الرباط الروحي بين الإله والخلق هو وسيلة انتقال تلك المعرفة؛

3.فئة محدودة من صفوة الخَلق هي التي لديها القدرة على تلقِّي المعرفة-الحكمة-الإلهية، ويمكنها اكتشاف أسرار الكون؛

4.تقسيم مفهوم الخَلق الإلهي إلى ثلاثة عناصر، هي الإله وخالق الكون المادي (يوازي الروح القُدُس) والكلمة؛

5.الوصول إلى الفيض النوراني الإلهي يحتاج إلى التقشُّف وترويض النفس أمام الشهوات؛

6.الاعتقاد في دنو العالم المادِّي وسمو العالم الروحي؛

7.فساد الجسد البشري المخلوق من تراب وفَنَائه، واعتباره غير قابل للتطهُّر من الآثام إلَّا بفيض نوراني يوصله بالإله؛

8.للشر إله ظلامي يخفي الحكمة الإلهية وما يقترن بها من حقائق عن الخَلق، الذين يصبحون حينها ممثلين للقوى الظلاميَّة المعادية لقوى النور الإلهي.

(والمرجع في تحديد هذه العناصر موسوعة ويكيبيديا الرقمية في صفحاتها عن الغنوصيَّة وصفحة الغنوصيَّة-GNOSTICISM على موقع Christianity.com)

أ. تأثير الغنوصيَّة على أقوال “سيِّد العدالة”: نماذج من التراتيل والأناشيد الدينيَّة وأشعار الحكمة (ق1: ه)

ترتيلة 1

“إنَّك أيُّها الرب كثير التروِّي في أحكامك/ومحق في جميع أعمالك/وبحكمتك قد أوجدتَ (كلَّ شيءٍ) منذ الأزل… ولقد كوَّنت جميع قاطنيها طبقًا (لحكمتك)/وعيَّنت كلَّ من فيها طبقًا لإرادتك/(و) لروح الإنسان/الذي خلقته على الأرض/… هذه الأشياء أنا أعرفها/بواسطة الحكمة الصادرة عنك/لأنَّك قد فتحتَ أذني/بخفي علمك البديع/ومع ذلك فإنِّي مخلوق من طين/معجون في ماء/موطن خجل/ومصدر دنس/وبوتقة شرور/وصرح خطيئة/روح ضالة ومنحرفة/دون أي فهم أو إدراك…لأنَّ أعمالك يا رب المعرفة/هي الأعمال الحقَّة/وهي مقام الصدق/ولكنَّها بالنسبة إلى بني الإنسان هي أفعال الخطيئة…وأنتَ الذي تجلب الأصوات/طبقًا لأسرارها/وانسياب النفس من الشفتين/طبقًا لمعناه وما يدلُّ عليه/حتى يستطيعوا أن يتحدَّثوا عن مجدك/ويعدُّو أعاجيب أعمالك الحقَّة/(في جميع أحكامك) العادلة/ولكي يُسبِّح باسم كلُّ بني البشر/حتَّى يستطيعوا أن يعرفوك/طبقًا لفهمهم/ويسبِّحوك إلى الأبد/برحمتك ووجودك العظيمين/لقد قوَّيت روح الإنسان/في وجه السوط/ولقد طهِّرتَ (الروح الخاطئة)/من الغرق في بحر الآثام/حتى تستطيع أن تعلن عن معجزاتك/أمام جميع مخلوقاتك/(سأعلن أمام جميع البسطاء)/عن الحكم الذي لأجله ضُربتُ بالسياط/وسأعلن لبني البشر عن جميع أعاجيبك ومعجزاتك/التي أظهرتَ بها جبروتك (فيَّ/على مشهد من جميع بني آدم)/اسمعوا أيُّها العقلاء وتأمَّلوا المعرفة…”

ترتيلة 5

شكري لك أيُّها الرب/لأنَّك قد فديت روحي من نار جهنَّم/ومن الدرك الأسفل/ولقد رفعتني إلى أعلى درجات السمو/إنَّني أسير على أرضٍ مستوية لا حدودَ لها/وأعلم أنَّ هناك أملًا للإنسان/الذي خلقتَه من تراب/ليحتلَّ مركزه في المجلس السرمدي/ولقد طهَّرت روحًا دنسة فاسدة من الذنوب/حتى تستطيع أن تقف مع جمهرة المقدِّسين/وحتَّى تدخل إلى الطائفة/مع طائفة المصلِّين من أبناء السماء/ولقد قدَّرت على الإنسان قدرًا محتومًا أبديًّا/بين أرواح المعرفة/حتَّى يستطيع أن يُسبِّح باسمك في بهجة كاملة/ويعيد إحصاء معجزاتك قبل جميع أعمالك/ومع ذلك فإنِّي أنا المخلوق من تراب/ماذا أكون أنا؟/معجون بالماء/ما هي قيمتي وقوَّتي…”

ترتيلة 7

لأنَّك قد أنرتَ وجهي بميثاقك …/إنَّني ألجأ إليك/ وإنَّني متأكد كالفجر/إنَّك ظهرتَ لي (كنور كامل) / ولقد (غرَّر) معلِّمو الأكاذيب شعبك (بكلمات)/ و(نبوءاتهم زائفة) فأضلُّوهم/فهم يهلكون دون أن يفهموا/لأنَّ كلماتهم هي الحقُّ بذاته/لأنَّهم يكرهوني ويحتقروني/ولا يقيمون وزنًا لي/علَّك سوف تُظهر قدرتك الربَّانيَّة من خلالي/ولقد نفوني وطردوني من أرضي/مثل طرد طائر من عُشِّه… /لأنَّهم لا يقيمون وزنًا لي/ ولا يعرفون أنَّك سوف تظهر قدرتك من خلالي/ وإنَّك قد كشفت قدرتك وعظمتك لي/كنور سماوي كامل/ولم تُغطِّ وجهي بالعار/فكلُّ الذين تجمَّعوا في ميثاقك(لتجعل منهم) مطرقة/ إلى جميع شعوب الأرض/ حتى يقطعوا بحكمتك/ كلَّ من تجاوز أمرَك وكلمتك/ ومن خلالي لقد أنرتَ/ وجه جماعة المُصلِّين/ وأظهرت قوَّتك اللامتناهية/ لأنَّك قد وهبتَ لي المعرفة/ من خلال أسرارك المُذهلة/ وأظهرتَ قدرتك من خلالي…ما هو هذا المخلوق من طين/ هل يستحقُّ أن تصنع مثل هذه المعجزات من أجله/ بينما هو غارق في الخطيئة منذ كان في رحم أمِّه…”

ترتيلة 10

…. مصدر من مصادر النور/ سوف يُصبح ينبوعًا خالدًا ينساب إلى الأبد/ وفي لهبها اللامع…حتى جميع (سهام) حرب الأشرار/ تنفد وينتهي أمرها/ وبعد ذلك في يوم القيامة/ سيسلَّط سيف الرب/ وسوف يستيقظ جميع أبناء الحقيقة/ لـ (القضاء) على الشر/ وسوف يقضي على جميع أبناء الخطيئة/ وسوف يشدُّ البطل قوسه/ وتفتح القلاع على مصاريعها/ وتخرج أسلحة الحرب من الأبواب الأبديَّة/ وسيكونون أقوياء وجبَّارين/ من أقصى (الأرض إلى أقصاها/ وسوف لن يكون هناك) مفرٌ أو مهرب/ للمجرمة قلوبهم (في معركتهم)/ ولسوف يُداسون بالأقدام/ دون أن تكون لهم (بقيَّة/ ولسوف لن يكون) أي أمل أو رجاء/ في عظمة (جبروتهم)/ لا ملجأ ولا ملاذ للمحاربين الأشدَّاء/ لأنَّ (المعركة ستكون) معركة الرب الأعلى…”

ترتيلة 15

(شكرًا لك يا مولاي) …/ ولا شيء يوجد إلَّا بإرادتك/ ولا يستطيع أحدٌ أن يفكِّر (بأسرارك العميقة) / أو أن يتأمَّل بغوامض (علمك الخفي) / فما هو هذا الإنسان المخلوق من تراب/ المكوَّن (من الطين) والذي سوف يرجع إلى التراب/ وأنتَ بإرادتك مكَّنته من فهم هذه الروائع/ وقد عرَّفته على مجالس (حقيقتك)؟ …

ترتيلة 18

شكري لك أيها الرب/ أُسبِّح لك يا سندي…/ لأنَّك قد أنرتَ لي أراء حقِّك/ (وعلَّمتني أسرارك المذهلة) …/ وكشفتَ لي (أعاجيبك)/ ولقد شاهدت أعمالك (تجاه أبناء) نعمتك/ فعلمتُ أنَّ الحقَّ هو من شيمك/ وإنَّ رحمتك هي (أملي الوحيد) / ولكن بدون نعمتك أنا (هالك) لا محالة…/ عندما أُفكِّر بنوايا الإنسان (الشريرة) / وبعودته إلى (التراب/ وبميله) / نحو الخطيئة ومأسوف الذنوب…”

ترتيلة 19

سوف أسبِّح بحمدك بين أولئك الذين يخشونك/ وسأركع مُصلِّيًا راجيًا لنعمتك…/ وعندما يصل النهار إلى نهايته المحتومة المقدَّرة/ طبقًا لقانون/ النور السماوي الباهر/ عندما يهبط الظلام ويرحل النور/ في بداية حُكم مملكة الظلام/ في الساعة المقدَّرة لحلول الليل/ وفي نهاية الليل عندما يعود الصباح/ وتتراجع الظلال إلى مكانها/ قبل وصول النور…إنَّني أنا المُعلِّم أعرفك يا ربِّي/ وبالروح التي وهبتني/ وبروح قُدُسك أصغيت بإخلاص/ لنصائحك الرائعة/ ومن غامض خفي علمك وحكمتك/ أنتَ فتحتَ أمامي المعرفة/ وبرحمتك/ (فتحتَ لي) ينبوع قدرتك…/ ما من إنسان عادل أمام عدلك/ (إذ) لا يستطيع أن يفهم خفي علمك/ ولا أن يجيب على (تقريعك/ ولكنَّ أبناء نعمتك/ سوف يبتهجون) بتصحيحاتك/ ويرتقبون إحسانك/ لأنَّه برحمتك (سوف تظهر لبني البشر)/ وسوف يعرفونك/ في علياء مجدك/ وسوف يفرحون…”

ترتيلة 21

(تباركتَ أنتَ) يا مولاي/ أنتَ الذي أعطيتَ الفهم/ لقلب عبد(ك)/ حتى يستطيع…/ أن يقاوم (أعمال) الشرِّ/ …ألقيت) روحك القُدُس (عليَّ)/ وهكذا جذبتني وقرَّبتني إلى معرفتك/ وكلَّما اقتربتُ كلما زاد حماسي/ ضدَّ جميع أعمال الخطيئة/ والرجال الخدَّاعين…”

ترتيلة 22

…ولقد أنعمتَ على عبدك/ بروح المعرفة/ (حتَّى أختار) الصدق (والحق) / وأمقت جميع طرق الخطيئة/ ولقد أحببتك بحريَّة/ وبجميع جوارحي/ وأنا أتأمَّل أسرار حكمتك/ لأنَّ هذا من عملك…ولسوف ألجأ إلى روح (معرفتك) / وأتمسَّك بروح (قُدُسك) / وسوف أتمسَّك بشدَّةٍ بحقيقة ميثاقك…/ إنَّك مبتهج لتنعُّمك على (عبدك) / وقد أنعمتَ عليَّ بروح رحمتك/ و(بإشعاع) نور عظمتك/ الحق لك الحق لك/ لأنَّك أنتَ الذي خلقت كلَّ هذه (الأشياء) / إنِّي أعلم أنَّك أنتَ الذي هديت أرواح العادلين…”

ترتيلة 25

(شكري لك يا مولاي) / لأنَّك نفختَ روح قُدُسك في عبدك/… فهي قد ثبتت في أذني عبدك إلى الأبد/… لتعلن أخبارك المذهلة/ لا تقبض يدك/ حتَّى يثبت في ميثاقك/ ويقف أمامك إلى (الأبد) / (لأنَّك أنتَ أيُّها الربُّ) قد فجَّرت (ينبوعًا) / في فم عبدك/ ولقد نقشت بحبل القياس (أسرارك) على لسانه/ حتَّى يستطيع بمجرَّد فهمه/ أن يعظَ أيَّ مخلوق/ ويفسِّر هذه الأشياء لبني البشر أمثاله… حتَّى يستطيع أن يجلب للمحرومين الضعفاء/ الأخبار المفرحة عن رحمتك الحميمة/ التي تُعلن الخلاص…”

يتَّضح من هذه نماذج الأقوال المنسوبة إلى “سيِّد العدالة” أنَّها مشبَّعة بأفكار الغنوصيَّة. فالمتحدِّث يشير إلى سمو الروح النابعة من فيض الإله ودنو الجسد المخلوق من تراب، ويعترف بأنَّ استمدَّ العلم والمعرفة من ينبوع إلهي هُدي إليه بفضل النور السماوي. من خلال هذه المعرفة، وصل المتحدِّث إلى حكمة الإله، ونال منها ما أتاح له كشف الأسرار وصُنع المعجزات أمام الخَلق لتشهد على قدرة الخالق. أضف إل ذلك، تقسيمه البشر إلى مهتدين بفضل النور الإلهي وضالِّين يعتبرهم “أبناء الظلام.” ولعلَّ تصوير الإله بأنَّه مصدر للنور السماوي من أهم سمات الغنوصيَّة، وسبقت الإشارة في دراسة سابقة عن عقيدة المسيَّا المخلِّص إلى أنَّ أصل تشبيه الإله بمصدر للنور ورد في سفر التكوين، وهو يشير إلى الشيطان باعتبار أنَّه هو الذي هدى آدم وزوجه إلى شجرة معرفة الخير والشر.

وتجدر الإشارة هنا إلى نقطة في غاية الأهميَّة، وهي إشارة المتحدِّث في التراتيل إلى صراع بين قوى النور والظلام في فترة زمنية مستقبلية، ستكون الغَلَبة فيها أول الأمر لقوى الظلام، كما ورد في الترتيلة 19: “يهبط الظلام ويرحل النور/ في بداية حُكم مملكة الظلام/ في الساعة المقدَّرة لحلول الليل/ وفي نهاية الليل عندما يعود الصباح/ وتتراجع الظلال إلى مكانها/ قبل وصول النور…”

ومع ذلك، يستبشر المتحدِّث بانقشاع الظلام وحلول النور مكانه، كما جاء في ترتيلة 10: ” سأكون كرجل دخل مدينة محصَّنة/ أو كرجل يلتمس الملاذ خلف سورٍ عالٍ/ حتى (يأتي) الفرج…/ حتى جميع (سهام) حرب الأشرار/ تنفد وينتهي أمرها/ وبعد ذلك في يوم القيامة/ سيسلَّط سيف الرب/ وسوف يستيقظ جميع أبناء الحقيقة/ لـ (القضاء) على الشر/ وسوف يقضي على جميع أبناء الخطيئة/ وسوف يشدُّ البطل قوسه/ وتفتح القلاع على مصاريعها/ وتخرج أسلحة الحرب من الأبواب الأبدية/ وسيكونون أقوياء وجبَّارين/ من أقصى (الأرض إلى أقصاها/ وسوف لن يكون هناك) مفرٌ أو مهرب/ للمجرمة قلوبهم (في معركتهم)/ ولسوف يُداسون بالأقدام/ دون أن تكون لهم (بقيَّة/ ولسوف لن يكون) أي أمل أو رجاء/ في عظمة (جبروتهم)/ لا ملجأ ولا ملاذ للمحاربين الأشدَّاء/ لأنَّ (المعركة ستكون) معركة الرب الأعلى…”

يذكر المتحدِّث “البطل” الذي سيقود “معركة الرب الأعلى” لينهي عهد الظلام فيبدأ عهد من النعيم الأبدي، وتذكر ترتيلة 25 أنَّ في هذا العهد “(وتنتشر أيام البهجة) التي لا تنتهي/ في عصور من السلام (لا تُعدُّ ولا تُحصى). يشير المتحدِّث بذلك إلى مرحلة من السعادة الأبدية في وجود بطل في ظلِّه “سوف يتم حينها نفي الشرور، بواسطة الحق والصلاح، مثلما يتم نفي الظلام بواسطة الضياء، ومثلما ينقشع الدُخان ويزول تمامًا، هكذا سوف تختفي الشرور إلى الأبد، وسيعم انتشار الحقُّ والصلاح، مثل شمس تحكم العالم، وكلُّ الذين ينتمون إلى أسرار الذنوب لن تبقى لهم باقية، ستملأ المعرفة العالم، وسيختفي الجهل ويزول تمامًا”، كما وُصف في ترتيلة انتصار الحق والصلاح (ق1: 27). وتحدَّد هويَّة هذا البطل أكثر في ترتيلة بعنوان مناجاة إلى صهيون “كُن مسرورًا وازدد بهجةً يا صهيون/ أحمد الأعلى، منقذك/ علَّ روحي تبتهج في مجدك.” وأخيرًا، يُعلن عن اسم هذا البطل في رؤيا مسائحية (ق4: 521) “…السماوات والأرض سوف تصغى إلى مسيحه، وما من واحدٍ هناك سوف يضل ويبتعد عن وصايا القدِّيسين وأوامرهم.” على هذا، فمن الواضح أنَّ كاتب هذه التراتيل متأثِّر بعقيدة المَسيَّا المخلِّص التي روَّج لها الكتاب المقدَّس، بظهور بطل سيقضي على الشر وينشر السلم والأمن على مدار “عصور…لا تُعدُّ ولا تُحصى“.

وقد جعلتَ (الروح الشاردة الضالَّة) تعود/ حتَّى تدخل في الميثاق معك/ وقف (في حضرتك إلى الأبد) / والمسكن السرمدي/ الذي يضيء بالنور الكامل إلى الأبد/ حيث (لا) ظلام/ (وتنتشر أيام البهجة) التي لا تنتهي/ في عصور من السلام (لا تُعدُّ ولا تُحصى).

ب. تأثير الغنوصيَّة على رسائل “بولس الرسول”: رسالته لأهل روميَّة نموذجًا

تزخر هذه الرسالة بالعديد من عناصر عقيدة الغنوصيَّة، ولعلَّ أبرزها تقديس الروح واعتبار أنَّ الخلاص الروحي من خلال الالتحام بالمسيح هو سبيل النجاة. وقد ذُكرت الروح 42 مرَّة، ومن أمثلة هذا في الرسالة:

إصحاح 1

“فَإِنَّ اللهَ الَّذِي أَعْبُدُهُ بِرُوحِي، فِي إِنْجِيلِ ابْنِهِ، شَاهِدٌ لِي كَيْفَ بِلاَ انْقِطَاعٍ أَذْكُرُكُمْ (9) …لأَنِّي مُشْتَاقٌ أَنْ أَرَاكُمْ، لِكَيْ أَمْنَحَكُمْ هِبَةً رُوحِيَّةً لِثَبَاتِكُمْ (11) …

إصحاح 5

“لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا (5) …”

إصحاح 7

حَتَّى نَعْبُدَ بِجِدَّةِ الرُّوحِ لاَ بِعِتْقِ الْحَرْفِ (6)”

إصحاح 8

نَحْنُ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ” (4) …” لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ” (6) …” وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ” (9) … “لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ” (14)

إصحاح 15

“وَأَيْضًا يَقُولُ اشَعْيَاءُ: «سَيَكُونُ أَصْلُ يَسَّى وَالْقَائِمُ لِيَسُودَ عَلَى الأُمَمِ، عَلَيْهِ سَيَكُونُ رَجَاءُ الأُمَمِ».وَلْيَمْلأْكُمْ إِلهُ الرَّجَاءِ كُلَّ سُرُورٍ وَسَلاَمٍ فِي الإِيمَانِ، لِتَزْدَادُوا فِي الرَّجَاءِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (12-13).

يختم بولس الرسول رسالته في الإصحاح 16 ببشارة بقدوم الإله المخلِّص الذي سيمحي الشرَّ ويقضي على قوى الظلام: “َأُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا حُكَمَاءَ لِلْخَيْرِ وَبُسَطَاءَ لِلشَّرِّ. وَإِلهُ السَّلاَمِ سَيَسْحَقُ الشَّيْطَانَ تَحْتَ أَرْجُلِكُمْ سَرِيعًا” (19-20).

حرص بولس الرسول على الإشارة إلى فناء الجسد وبقاء الروح، وضرورة تخليص الروح من آثامها من خلال الرياضة الروحية بنبذ الانغماس في الشهوات والتقشُّف:

إصحاح 1

“لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ” (24)

إصحاح 6

“لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ” (12)

إصحاح 13

” الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ” (14)

يقصد بولس الرسول بالذين “أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ” حزب أبناء الظلام الذين لم يهتدوا إلى النور الإلهي، فضلُّوا الطريق ولم تصلهم الحكمة لانشغال قلوبهم بالدنيا ونسيانهم الدينونة. ومن أمثلة توصية بولس بالأخذ بيد أبناء الظلام:

إصحاح 2

” وَتَثِقُ أَنَّكَ قَائِدٌ لِلْعُمْيَانِ، وَنُورٌ لِلَّذِينَ فِي الظُّلْمَةِ” (19).

ومن نماذج تصنيف البشر ما بين حزب أبناء النور وحزب أبناء الظلام

إصحاح 13

” قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ” (12).

تطرَّق بولس الرسول إلى مسألة فناء الجسد وحقارته مقارنةً بالروح، وإلى أنَّ التطهُّر من الآثام والخطايا لا يكون إلَّا بتزكية الروح والالتحام بالمسيح:

 إصحاح 3

بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ” (20)

إصحاح 6

” عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ، كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ” (6)

“إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ” (12)

“أتكَلَّمُ إِنْسَانِيًّا مِنْ أَجْلِ ضَعْفِ جَسَدِكُمْ. لأَنَّهُ كَمَا قَدَّمْتُمْ أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلنَّجَاسَةِ وَالإِثْمِ لِلإِثْمِ، هكَذَا الآنَ قَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ لِلْقَدَاسَةِ” (19)

إصحاح 7

“إِذًا يَا إِخْوَتِي أَنْتُمْ أَيْضًا قَدْ مُتُّمْ لِلنَّامُوسِ بِجَسَدِ الْمَسِيحِ، لِكَيْ تَصِيرُوا لآخَرَ، لِلَّذِي قَدْ أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لِنُثْمِرَ للهِ” (4)

فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ” (14)

إصحاح 8

” إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ

“لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ، فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ” (3)

“لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ. لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ. فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَوَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ، فَالْجَسَدُ مَيِّتٌ بِسَبَبِ الْخَطِيَّةِ، وَأَمَّا الرُّوحُ فَحَيَاةٌ بِسَبَبِ الْبِرِّ.” (6-10)

ج-تأثير الغنوصيَّة على فِكر “يوحنَّا المعمدان”: أمثلة من إنجيل يوحنَّا

يتميَّز إنجيل يوحنَّا عن باقي الأناجيل المعترَف بها في عدم تطرُّقه إلى مسألة ميلاد المسيح؛ إذ تبدأ الأحداث برواية يوحنَّا المعمدان نزول الروح القُدُس على المسيح، وشهادته هو على ذلك بعينه “وَشَهِدَ يُوحَنَّا قَائلاً: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ. وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ، ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ، فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ” (إصحاح 1: آيتان 32-33). ينفي يوحنَّا معرفته السابقة بالمسيح، ما يتعارض مع رواية القرآن الكريم لعلاقة القرابة بين مريم العذراء ونبي الله زكريَّا (عليه وعلى سائر أنبياء الله أزكى الصلوات وأتم التسليم) التي وردت في سورة آل عمران (37-39): “فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أنَّى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ. فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بيحيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ”، وهذا يفيد بمعرفة زكريَّا، أبِّ نبي الله يحيي، بمريم، باعتبارها ابنة أخت زوجه، أم النبي يحيي.

ربَّما يرجع هذا الإحجام عن ذكر صلة القرابة بين يحيي وعيسى إلى تعمُّد إنجيل يوحنَّا طمس هويَّة مريم العذراء، التي لم تُّذكر إلَّا باسم “أم يسوع” في الآيتين 1 و3 من الإصحاح 2، ولم يُشر إليها إلَّا باعتباره “أمَّه”، وليس هناك أثر لميلادها إيَّاه بعد جاءها الروح القُدُس لتبشيرها به. علاوة على ذلك، فهناك ذِكر لإخوة ليسوع المسيح في أكثر من موضع-مثل الآية 12 في إصحاح 2-هذا بالإضافة إلى تسمية يسوع بـ “ابن يوسف”، في إشارة إلى يوسف النجَّار، كما ورد في الآية 42 من إصحاح 6: “وَقَالُوا: «ألَيْسَ هذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟».” أضف إلى ذلك أنَّ شخصيَّة مريم المجدلية، التي ظهرت على استحياء في الأناجيل الثلاثة الأخرى، تلعب دورًا محوريًّا في الأحداث، باعتبارها امرأة ضُبطت وهي تمارس البغاء، ثم تابت على يد المسيح الذي رفض رجمها.

اقتصر ظهور المجدليَّة في إنجيل متَّى على حضورها القيامة (إصحاح 27: آية 56 و61)؛ ولا يختلف ظهورها في إنجيل مرقس عن هذان حيث ظهرت وقت الصلب (إصحاح 15) والقيامة (إصحاح 16)، وفي المرتين لم يُعرَّف القارئ بها. وكبر دورها قليلًا في إنجيل لوقا، حيث ظهرت باعتبارها امرأةً أخرج منها المسيح سبعة شياطين (إصحاح 8: آية 2)، وعاودت الظهور وقت الصلب (إصحاح 24). أمَّا في إنجيل يوحنَّا، فدورها محوري، حيث حلَّت محل السيدة مريم، وهي هنا زوجة وأم، في التوجُّه إلى قبر المسيح ومعاينته واكتشاف غياب جثمانه، وبالطبع لهذا دلالته القويَّة. لم تكن تسمية امرأة اتُّهمت بالزنا في هذا الإنجيل بمريم مصادفةً، كما لم يكن فتور علاقة المسيح بأمِّه الملموسة في مناداته لها وقت الصلب قائلًا “يا امرأة“-كما نادى غيرها من النساء في هذا الإنجيل-عفويًّا، وكأنَّ المجدلية المتَّهمة بالزنا هي انعكاس للعذراء، التي طُمس على معجزة ميلاد المسيح من رحمها بلا زواج. لا يتَّفق هذا مع اتِّهام اليهود لمريم بالزنا فحسب، بل يفتح المجال أمام الاعتقاد بأنَّ الروح القُدُس يمكن أن ينزل على أيِّ شخص فيحل الربُّ فيه، ويُصبح تجسيدًا له.

يحفل إنجيل يوحنَّا بعناصر عقيدة الغنوصيَّة، وأبرزها اعتبار العلم والهداية الإلهيين نورًا يجسِّده المسيح، وتقديس الروح القُدُس باعتباره السبب في الخَلق، واعتبار الكلمة سببًا للوجود المادي، والتشديد على أهميَّة الخلاص الروحي من خلال التطهُّر من الخطايا، وتحقير الجسد الترابي. نشهد في هذا الإنجيل كذلك نفس التصنيف الملاحَظ في مخطوطات قُمران بتقسيم الخَلق إلى حزبين، حزب من “أنباء النور” وآخر من “أبناء الظلام“، وهذا صميم الغنوصية، التي تعتبر أنَّ الشر من صُنع إله غير إله الخير هدفه إضلال الناس عن الطريق القويم. وبالطبع أهم عنصر للغنوصية في هذا الإنجيل تحدُّث يسوع عن نفسه على أنَّه تجسيد للرب بفضل حلول الروح القُدُس فيه، وهي التي توصل كلام الربِّ على لسانه، وتنجز مشيئة الربِّ بيديه.

النور الإلهي أم إله النور؟

تكرر كلمة “نور” خمسًا وعشرين مرَّة في إنجيل يوحنَّا، في إشارة إلى المسيح، وإلى ما جاء به من علم نابع في الأصل من الربِّ، ومن نماذج ذلك:

إصحاح 1

كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ اسْمُهُ يُوحَنَّا. هذَا جَاءَ لِلشَّهَادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ، لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ. لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ، بَلْ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ. كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ ” (6-9).

إصحاح 3

وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السيئات يُبْغِضُ النُّورَ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلاَّ تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ. وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ، لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللهِ مَعْمُولَةٌ»” (19-21).

إصحاح 8

“كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا قَائِلاً: «أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ»” (12)

إصحاح 9

“أَجَابَ يَسُوعُ: «لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ. يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ. يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ. مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ»” (3-5)

إصحاح 12

“فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «النُّورُ مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلاً بَعْدُ، فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ لِئَلاَّ يُدْرِكَكُمُ الظَّلاَمُ. وَالَّذِي يَسِيرُ فِي الظَّلاَمِ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ. مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ آمِنُوا بِالنُّورِ لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ النُّورِ». تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهذَا ثُمَّ مَضَى وَاخْتَفَى عَنْهُمْ” (35-36).

“أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى الْعَالَمِ، حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لاَ يَمْكُثُ فِي الظُّلْمَةِ” (46).

وبما أنَّ الإبصار، وما يقترن به من رؤية حسيَّة، من المرتبطات بالنور، فقد تكرَّر ذِكر مادَّة “بصر” أكثر من عشرين
مرَّة في إنجيل يوحنَّا؛ ومن المثير للانتباه أنَّ أكثر معجزة تكررت في هذا الإنجيل. ومن نماذج ذلك:

إصحاح 6

“وَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ لأَنَّهُمْ أَبْصَرُوا آيَاتِهِ الَّتِي كَانَ يَصْنَعُهَا فِي الْمَرْضَى.” (2)

“أَجَابَهُمْ أَبَوَاهُ وَقَالاَ: «نَعْلَمُ أَنَّ هذَا ابْنُنَا، وَأَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى. وَأَمَّا كَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ فَلاَ نَعْلَمُ. أَوْ مَنْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَلاَ نَعْلَمُ. هُوَ كَامِلُ السِّنِّ. اسْأَلُوهُ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَنْ نَفْسِهِ»” (20-21)

“فَقَالَ يَسُوعُ: «لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ، حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ».” (39)

إصحاح 12

“«قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ».” (40)

السمو الروحي في مقابل فساد الجسد

إصحاح 3

“أَجَابَ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ. اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ. لاَ تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ.” (5-7)

لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمِ اللهِ. لأَنَّهُ لَيْسَ بِكَيْل يُعْطِي اللهُ الرُّوحَ.” (34)

إصحاح 4

اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا».” (24)

إصحاح 6

اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا. اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ” (63)

إصحاح 7

“قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ، لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ.” (39)

عودة المسيح أم انتقال الروح إلى المعزِّي؟

يتميَّز إنجيل يوحنًّا بتبشيره بعودة المسيح في زمن آخر، بل ويفرد لذلك مساحة كبيرة. فيسوع يعيد ويكرر كثيرة أنَّه “ماضٍ” إلى الآب، وأنَّه سيعود من جديد؛ غير أنَّه لا يشير إلى عودته الشخصيَّة، إنَّما إلى مجيء شخص أسماه “المعزِّي”. ورد ذِكر المعزِّي عدَّة مرَّات في إنجيل يوحنَّا عدَّة مرات، هي:

إصحاح 14

“وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ” (16)

لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ. بَعْدَ قَلِيل لاَ يَرَانِي الْعَالَمُ أَيْضًا، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَرَوْنَنِي. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ.” (18-19)

وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ” (26)

إصحاح 15

وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي.” (26)

إصحاح 16

لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ.” (7)

لا يرتبط المسيح بالمعزِّي إلَّا من ناحية الروح، فكلاهما من “الآب”؛ وأدق وصْف للمعزِّي في إنجيل يوحنَّا يأتي في الآية 26 من الإصحاح 14 “وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ“. يعني هذا أنَّ عودة يسوع بالروح فقط في جسد المعزِّي.

المسيح ابن الربِّ وتجسيده

ربَّما يكون إنجيل يوحنَّا أكثر الأناجيل المعترف بها التي أبرزت بنوَّة يسوع للربِّ، ومنح يسوع لنفسه بذلك سلطات الربِّ وقدراته بفضل حلول الروح القُدُس في جسده؛ ومن نماذج ذلك:

إصحاح 1

اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.” (18)

(يوحنَّا يقول): “وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ” (34).

إصحاح 3

لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ.” (17)

اَلآبُ يُحِبُّ الابْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ. الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ.” (35-36)

إصحاح 5

” فَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ». فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللهِ. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ.” (17-19)

“لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ. لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ، لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ.” (21-23)

إصحاح 6

لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ.“(44)

إصحاح 8

” أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ أَبِيكُمْ». فَقَالُوا لَهُ: «إِنَّنَا لَمْ نُولَدْ مِنْ زِنًا. لَنَا أَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ». فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَوْ كَانَ اللهُ أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي، لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ اللهِ وَأَتَيْتُ. لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي.” (41-42)

إصحاح 10

أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” (30)

“وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ، فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ” (38)

لخَّص الإصحاح 5 في حوار المسيح مع اليهود المهمَّة التي أُرسل لإنجازها، فالعمل الذي يريد الآب أن يعمله ألَّا يترك البشر في حالة موت ومرض بل هو يريد أن يحيي البشر (21). الاين يعطي الحياة لمن يقبله ويومن به ويتحد به، فالابن يكوِّن الكنيسة التي هي جسده لكل من يقبل. ومن يرفض فقد حكم على نفسه بالهلاك. وهذا معنى دينونة الابن للبشر (آية 22). يدعو المسيح الجميع إلى أن يقبلوه بوصفه صورة الآب، ومن أكرمه فكأنَّما أكرم الآب، ومن يقبله فقد آمن بالآب بالطريقة الصحيحة وتكون له حياة أبديَّة (23-24). ويحدد المسيح دعوته الأساسية لتكون التوبة، وكل من يفعل يتحد به فتكون له حياة؛ فهو له الحياة في ذاته، لذلك هو قادر على الإحياء (24-25). وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الاعتقاد في أبوَّة الخالق لخلقه نابع من الديانات الوثنيَّة، التي اعتبرت أنَّ علاقة الخلق تضاهي علاقة النكاح أو عملية تخصيب الأرض، التي يثمر عنها خروج مخلوقات جديدة للحياة. ويشرح موقع القديس تكلا التبشيري ((st-takla.org طبيعة الفرق بين بنوَّة يسوع للربِّ وبنوَّة سائر الخلق له: ” كل المؤمنون يعتبرون أولًد لله. ولكن ولًدة المسيح وبنوته للآب هي من طبيعته الإلهية والأقنومية، أما بنوتنا لله فهي بالانتساب، وبالنعمة، وباستحقاقات صليب المسيح والشركة معه.” يحصل البشر العاديُّون على البرِّ من خلال الإيمان بالمسيح، الذي يكفل لهم الاتحاد به في الموت والقيامة، إعمالًا بما جاء في رسالة بولس الرَّسول إلى أهل روميَّة (إصحاح 6: آيات 3-5).

6.نقاط التشابه والاختلاف بين أفكار “سيِّد العدالة” و”بولس الرسول” و “يوحنَّا المعمدان”

تب ّين مما سبق أنَّ هناك مفاهيم مشتركة انعكست في أفكار الشخصيَّات الثلاثة محل الدراسة، فيما يتعلَّق بدمج الديانة السماوّية بالعقيدة الغنوصيَّة، والاعتقاد في أبوَّة الرب لخلقه واتخاذه ابنًا جّسده لتخليص البشر من خطاياهم بمجرَّد الإيمان به؛ لأنَّ هذا الإيمان يكفل الاتصال الروحي بالابن، الذي فوَّضه الآب يوم الدينونة (القيامة) لحساب الخَلق.

ومن أهم نقاط الاتفاق كذلك العنصرّية تجاه سائر البشر غير بني إسرائيل. فقد رأينا في مخطوطة الهيكل أنَّ الربَّ يعد بني إسرائيل بإفناء كافة الشعوب التي تعاديهم من السُّكان السابقين للأرض المقدَّسة ” سوف أطرد من أمامكم: العموريين والكنعانيين والحثيين والجرجاشيين، والبرزاتيين والهيواتيين واليبوسيين،) خذوا حذركم لا تعقدوا عهدًا) مع سُكَّان البلاد (التي) ستدخلونها، حتى لً يبرهنوا على أنَّهم قادرون على (الكيد لكم (، يتوجَّب عليكم تدمير (مذابحهم وتحطيم) أعمدتهم (و) قطع (أشجارهم المقدَّسة، وإحراق أصنامهم بالنار). لوحظت هذه النبرة العنصرّية في كتابات بولس الرسول في رسالته إلى أهل روميَّة (إصحاح 2: آية 10) “وَمَجْدٌ وَكَرَامَةٌ وَسَلاَمٌ لِكُلِّ مَنْ يَفْعَلُ الصَّلاَحَ: الْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ الْيُونَانِيّ” ينبع الاعتقاد في أولوّية اليهود في الخلاص من كونهم أصحاب فضل،
فالخلاص جاء منهم إبراهيم وإسحق ويعقوب؛ “والشعب اليهودي بمعرفته السابقة بالله كان الشعب الوحيد
الذي يعرف الله وله علاقة بالله فخبراتهم الروحية أكثر .لهذا ف ُهم لهم إمكانيات التفوق والعمق الروحي“، وفق ما جاء في التفسير الرسمي للكتاب المقدَّس لهذه الآية. ونستشعر هذا الاستعلاء في قول اليهود في إنجيل يوحنَّا (إصحاح 8: آية 33) ” إِنَّنَا ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ قَطُّ! كَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: إِنَّكُمْ تَصِيرُونَ أَحْرَارًا؟”. يخبر قول اليهود هذا عن اعتزازهم بانتسابه إلى أب الأنبياء إبراهيم، الذي لم يأتِ من الأنبياء من بعده إلَّا من نسله وابنه إسحق، وفق عقيدتهم.
وبرغم نقاط لاستفاق تلك، فهناك نقطة خلاف في غاية الأهميَّة بين فكر “سيِّد العدالة” و”بولس الرسول” و “يوحنَّا المعمدان”” وتتعلق تلك النقطة بموقف كل منهم تجاه ناموس موسى.  ورد في مخطوطات قمران-المعبِّرة عن عقيدة “سيِّد العدالة” وفِكره”-ما يوحي بانتقاد لاذع لانتهاك ناموس موسى، وقد ورد في التسابيح المنسوبة إلى “سيِّد العدالة” ما يشير إلى التزامه بالحفاظ على الناموس وما جاء به. أمَّا عن موقف العهد الجديد من الناموس، فيقتصر التصريح بالالتزام به على إنجيل متَّى، في الآية 17 من إصحاح 5 “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ.” مع ذلك، فقد خصص “بولس الرسول” جزءًا ليس بالهيِّن في رسالته إلى أهل روميَّة من أجل التشديد على إبطال العمل بالناموس، إلَّا فيما يتعلق بالأخلاقيَّات التي يحضُّ عليها والنبوءات التي بشَّر بها. ومن المثير أن بولس قد شبَّه العلاقة بالناموس مثل العلاقة بين امرأة وزوجها؛ فإذا ما مات الزوج، تحررت المرأة من عقد الزواج، كما جاء في الآية 2 من الإصحاح 7 “فإن المرأة التي تحت رجل هي مرتبطة بالناموس بالرجل الحي ولكن إن مات الرجل فقد تحررت من ناموس الرجل.”

وأوضح بولس قصده في الآية 4 الإصحاح 7، التي تقول: “إذًا يا إخوتي أنتم أي اضا قد متم للناموس بجسد المسيح لكي تصيروا لآخر للذي قد أقيم من الأموات لنثمر لله؛” وما يقصده بولس هو أنَّ المعموديَّة قد أماتت أتباع المسيح بأن قتلت فيهم الأناس السابقين، فسقطت معهم أحكام الناموس. وموتنا للناموس لحساب اتحادنا مع المسيح لا يعني انهيار الناموس، بل تحقيق غايته بتقديمنا للرجل الآخر الذي أقيم من الأموات لنقوم معه “لأنَّ غاية الناموس هي: المسيح للبر لكل من يؤمن (الإصحاح 10: آية 4). والمقصود بـ “البر” هنا هو تكفير الذنوب. وقد استند بولس في هذه الحالة إلى ما َذ َكر النبي هوشع في الإصحاح 10 من سِفره، على الإيمان بالمخلِّص الآتي للتكفير عنهم، فنجز بذلك مهمة الناموس “ازرعوا لأنفسكم بالبر، احصدوا بحسب الصلاح؛ احرثوا لأنفسكم حراثا فإنه وقت لطلب الرب حتى يأتي (المسيح) ويعلمكم البر” (آية 12). وقد أكَّد بولس في أكثر من مناسبة إيمانه بما جاء في الآية 4 من إصحاح 2 في سفر حبقوق، وهو أنَّ البار يحيا بالإيمان؛ وجاء ذلك في رسالته إلى أهل روميَّة (إصحاح 1: آية 17) “لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ، لإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا»“. وقد جاء كذلك في رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية “وَلكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ، لأَنَّ الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا” (إصحاح 3: آية 11).

لا يختلف “يوحنَّا المعمدان” عن “بولس الرسول” في موقفه من الناموس؛ فقد تطرَّق إنجيل يوحنَّا في أكثر موضع إلى أنَّ صراع اليهود مع يسوع كان في أصله بسبب عدم احترام الأخير في نظرهم للناموس، ومن أمثلة ذلك عمله يوم السبت “فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ” (إصحاح 5: آية 18). غير أنَّ يسوع واجههم بأنَّهم هم من أبطل الناموس بالتوقُّف عن العمل بما جاء به: “أَلَيْسَ مُوسَى قَدْ أَعْطَاكُمُ النَّامُوسَ؟ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَعْمَلُ النَّامُوسَ! لِمَاذَا تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي؟” (إصحاح 7: آية 19). وتوضح الآية 49 من الإصحاح 7 أنَّ جهل اليهود بمقاصد الناموس كان سبب عدم فهمهم حقيقة رسالة يسوع “وَلكِنَّ هذَا الشَّعْبَ الَّذِي لاَ يَفْهَمُ النَّامُوسَ هُوَ مَلْعُونٌ” (إصحاح 7: آية 49). ويبدو أنَّ يسوع فقط لم يرد الالتزام الحرفي بالناموس، إنَّما العمل بفحواه. ويشكو يسوع في الآية 43 من الإصحاح 8 من عدم فهم اليهود مقاصده “ لِمَاذَا لاَ تَفْهَمُونَ كَلاَمِي؟ لأَنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَسْمَعُوا قَوْلِي” (إصحاح 8: آية 43).

يُفهم مما سبق أنَّ غياب التفاهم بين اليهود والمسيح فيما يتعلَّق بمضمون رسالته كانت من أسباب الصراع بينهم وبينه، ثمَّ بينهم وبين أتباعه، وقد أقرَّ القرآن الكريم بذلك في الآية 113 من سورة البقرة “وقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ على شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كذلك قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ”. وقد روى ابن عبَّاس (رضي الله عنهما وأرضاهما) أنَّ سبب نزول هذه الآية الكريمة هو أنَّه لمَّا قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رافع بن حريملة ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى وبالإنجيل. وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء؛ وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة. تعيد هذه القصَّة إلى الأذهان معارضة الكنيسة الكاثوليكيَّة إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، واستندت تلك المعارضة إلى غياب أيِّ نص في الأناجيل عن عودة بني إسرائيل إلى أورشليم.

جدير بالذكر أنَّ بمناسبة مرور 1827 عامًا على تحقُّق نبوءة المسيح بدمار القدس (70 ميلاديًّا)، أصدرت الكنيسة الكاثوليكيَّة عشية الأول من أيار/مايو 1897 بيانًا استنكرت فيه سعي اليهود لتأسيس دولة لهم في الأرض المقدسة، على اعتبار أنَّ هذا يتناقض مع نبوءات الإنجيل، حيث ذُكر في إنجيل لوقا (إصحاح 21: آية 24) “وَيَقَعُونَ بِفَمِ السَّيْفِ، وَيُسْبَوْنَ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ، وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الأُمَمِ، حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الأُمَمِ“. يعني ذلك إقرار إنجيل لوقا بأحقيَّة سائر الأمم في أورشليم بعد دمار اليهود، الناتج عن عدم وفائهم بعهدهم مع الربِّ.

وأرسل البابا بيوس العاشر في كانون الثاني/يناير من عام 1904 إلى تيودور هرتزل-مؤسس الحركة الصهيونيَّة-خطابًا أعلن فيه امتناعه عن تأييد تأسيس دولة إسرائيل على أرض فلسطين بسبب عدم اعتراف اليهود بنبوَّة عيسى وألوهيته “إنَّني بصفتي قيِّمًا على الكنيسة لا أستطيع أن أجيبك بشكل آخر. لم يعترف اليهود بسيِّدنا؛ ولذلك لا نستطيع أن نعترف من الشعب اليهودي. وبالتالي، فإذا جئتم إلى فلسطين وأقام شعبكم هناك، فإنَّنا سنكون مستعدِّين-كنائسَ ورهبانًا-لتعميدكم جميعًا.”

لم تعترف الكنيسة الأرثوذوكسيَّة الشرقيَّة حتى الآن بأحقيَّة اليهود في العودة إلى فلسطين، استنادًا إلى أنَّ المسيح لم يذكر أبدًا في الأناجيل شيئًا عن هذا. بالطبع، ليس من المعقول أن يصدر كنيسة في منطقة غالبيَّة سُكَّانها من المسلمين، الذين ينص قرآنهم الكريم على بطلان عهد الربِّ لإبراهيم (عليه وعلى سائر أنبياء الله أزكى الصلوات وأتم التسليم) في أكثر من موضع، أن يصدر منه تصريح مباشر بأحقيَّة اليهود في أرض فلسطين. بيد أنَّ كافة الخطوات التي تتبعها السياسة في منطقة الشرق الأوسط تصبُّ في مصلحة إعلان دولة إسرائيل الكُبرى، تمهيدًا لعودة المسيح.

لعلَّ في استناد الكنيستين الكاثوليكيَّة والأرثوذكسيَّة الشرقيَّة إلى غياب أيِّ نصٍّ في العهد الجديد يلمح إلى أحقيَّة اليهود في العودة إلى فلسطين بعد دمار-الذي بشَّر به المسيح-ما أوجب وجود أيِّ نصٍّ ما جاء في هذا السياق في العهد القديم. ذكر الدكتور سهيل زكَّار في مقدِّمة ترجمته لمخطوطات البحر الميِّت أنَّها النص اليهود-العبري أو الآرامي-الوحيد، باستثناء بردية ناش، المكتوب على مواد قابلة للتلف يعود إلى ما قبل المسيحية، مما يمنح تلك الأسفار المشروعية ويؤكد على صحتها. قبل عام 1947 كان سفر اشعياء أقدم نص عبري على الإطلاق، وهو موجود في مجموعة بن عاشر في القاهرة، ويعود تاريخه إلى عام 895 ميلاديًّا. أمَّا المتاح الآن فهو أقدم ألف سنة تقريبًا، ويوجد المحذوف من التوراة والمحذوف من التوراة المزيف، مع استثناءات قليلة. تدعم المشروعيَّة التي منحتها مخطوطات البحر الميَّت لأسفار العهد القديم ما جاء فيها من وعد لإبراهيم بأرض من النيل إلى نهر الفرات الكبير، في مواجهة اتهامات التحريف التي تطال الأناجيل.
لم يصدِّق الكثيرون الرواية الساذجة عن طريقة العثور على مخطوطات قُمران عام -7491نفس عام قرار الأمم المتَّحدة بتقسيم فلسطين-وعلى مخطوطات نجع حمَّادي عام 1945-تزامنًا نهاية الحرب العالمية الثانية وانتصار بريطانيا، صاحبة وعد إنشاء وطني قومي لليهود على أرض فلسطين، والولايات المتَّحدة الأمريكية، الداعم السياسي والعسكري الأكبر لإسرائيل منذ إعلان الدولة عام 1948، وحتَّى الاعتراف بالقُدس عاصمةً لها، واتخاذ قرار بنقل سفارتها إلى القُدس باعتبارها عاصمةً لإسرائيل عام 2017. وتعدُّ الدكتورة زينب عبد العزيز من المشكِّكين في صحَّة قصة اكتشاف المخطوطات، حتَّى أنَّها سردت في كتابها عن مخطوطات قُمران (2008) عثور أوريجين-وهو أحد آباء الكنيسة اليونانية عاش في القرن الثالث الميلادي-على مخطوطات للعهد القديم، من بينها نسخة لمزامير داود، في زلعة
تعود إلى زمن بعيد .ولم تختلف طريقة اكتشاف تلك المخطوطات عن الاكتشافات اللاحقة، فكان العثور من خلال بحث أعرابي عن كلب له تاه في كهوف أريحا، فوجد الأعرابي نفسه بالصدفة في كهف مليء بالكتب، فأخبر يهود
القدس، ممن توجَّهوا فو ارا إلى الكهف ليجدوا مجموعة من كتب العهد القديم ومخطوطات أخرى بالعبرية. ما استقر في فَهْم الدكتورة زينب عبد العزيز هو أنَّ هناك احتمالية كبيرة، تكاد تصل إلى حد الجزم، بأنَّ تكون الترجمة التي ظهرت لمخطوطات البحر الميِّت هي نتاج عملية تعديل وصياغة حرصت على عدم المساس بالعقيدة الكاثوليكية .ما يثبت هذا ما رُوي في الكتاب عن عملية التلاعب في الترجمة بأوامر صريحة من رئيس اللجنة المسيحية الدولية للمراجعة، أو من رؤسائه في الفاتيكان .أضف إلى ذلك، خضوع منطقة اكتشاف المخطوطات والتنقيب عنها للحماية البريطانية البروتستانتية، وإمكانية إخفاء اليهود بعد إعلان دولتهم عام1948 بعض المخطوطات بالقوَّة. كان من الممكن التغاضي عن ادِّعاء أنَّ الفاتيكان من الكنائس المعارضة للصهيونيَّة حتى عشية تبرئة البابا بولس السادس-أول بابا للفاتيكان يحتل الكرسي البابوي بعد اكتشاف مخطوطات قُمران عام 1947، دم المسيح في كانون الأول/أكتوبر من عام 1965 خلال فعاليات المجمع الثاني للفاتيكان. أعاد بولس السادس ما ذكره مارتن لوثر قبل أربعمئة وخمسين عامًا تقريبًا في مقال المسيح وُلد يهوديًّا، بأن ألمح إلى أصول المسيح اليهوديَّة من ناحية الجسد، كما أنَّ المسيحيين قد تسلَّموا تراثهم من اليهود، على حدِّ وصْفه. أدان البابا كذلك التشهير باليهود بأنَّهم ملعونون في الأناجيل.  يبدو أنَّ أصل ذلك الاتجاه يعود إلى شعور الكنائس الغربية بقُرب عودة المسيح وبضرورة التحام مسيحيي العالم لمواجهة عدو واحد، هو ابن الإنسان الذي سيظهر قبيل عودة المسيح في دولة دينيَّة متشددة، بحسب اعتقادهم. صوَّت لصالح تبرئة اليهود من دم المسيح بأغلبية 1663 صوتًا في مقابل250 صوت. وتجدر في هذه المرحلة من الدراسة الإشارة إلى تاريخ الصراع بين اليهود والكنيسة، مما أدَّى إلى نشوء ما بات ُيعرف باسم المسيحيَّة الصهيونيَّة، أو المذهب البروتستانتي، أ ّول مذهب في المسيحيَّة نادى بإرجاعها إلى أصلها اليهودي.

7.المسيحيَّة الصهيونيَّة: هل “المسيح وُلد يهوديًّا حقًّا”؟

نال مارتن لوثر-مؤسس المذهب البروتستانتي الإصلاحي-من الذم والانتقاد على مدار القرون الخمسة الماضية على يد المنظِّرين الكاثوليك ما لم ينله غيره، على نقيض ممَّا ناله من مديح وتوقير من قِبل معتنقي مذهبه. عُرف لوثر منذ بداية حركته الإصلاحية بدعوته الصريحة إلى العمل بالعهد القديم وبفكرة أرض الميعاد، ويكفي عنوان مقاله الأول الذي دشَّن به حركته-المسيح وُلد يهوديًّا (1523) -لإثبات ذلك. وبرغم ما أبداه لوثر من احتفاء باليهود وبعهدهم القديم في البداية، عاد وألَّف كتابًا بعد ذاك المقال بعشرين عامًا عنونه بـ “عن اليهود وأكاذيبهم”. يحمل الكتاب رسالة معادية لليهود ألفها زعيم الإصلاح البروتستانتي الألماني مارتن لوثر عام 1543، ثلاث سنوات قبل وفاته.

رأى لوثر في مقاله الأول-المسيح وُلد يهوديًّا-أنَّ تعليم اليهود أصول العقائد المسيحيَّة قد يثمر عن تحوُّل الكثيرين منهم إلى مسيحيِّين على درجة عالية من الورع، وعن عودتهم إلى العقيدة الأصلية التي بشَّر بها آباؤهم الصالحون وأنبياؤهم، مفترضًا أن لو أنَّ اليهود من الرُسل والمبشِّرين الأوائل قد تعاملوا مع الأغيار بنفس التعالي والكِبر الذي يتعامل به المسيحيون مع اليهود في زمنه، لما انتشرت المسيحية وتمسَّك بها معتنقوها على مرِّ الأجيال حتى وصلت إلى قرنها السادس عشر. أضاف لوثر أنَّ الربَّ لم يخلع على أُمَّةٍ من الشرف والتوقير ما خلعه على اليهود، فهم شعبه المُختار، وينبغي اتِّباعهم، فهم الأُمَّة الوحيدة التي استؤمنت على كتاب الربِّ (رسالة بولس الرسول لأهل رومية، إصحاح 3: آية 2) – “يُخْبِرُ يَعْقُوبَ بِكَلِمَتِهِ، وَإِسْرَائِيلَ بِفَرَائِضِهِ وَأَحْكَامِهِ. لَمْ يَصْنَعْ هكَذَا بِإِحْدَى الأُمَمِ، وَأَحْكَامُهُ لَمْ يَعْرِفُوهَا” (مزمور 147: آيتان 19-20).

صرَّح لوثر في مقال المسيح وُلد يهوديًّا-That Jesus was born a Jew (1523) بأنَّه يأمل أن يجتذب إلى المسيحية أناسًا من اليهود، مضيفًا “إنَّ الحمقى منَّا، أعني الباباوات والقسِّيسين وعُلماء الدين ذوي القلوب الفظَّة تعاملوا مع اليهود بطريقة جعلت كلَّ من يأمل أن يكون مسيحيًّا مُخلصًا يتحوَّل إلى يهودي. لو كنتُ يهوديًّا ورأيت كل هؤلاء الحمقى يقودون ويعلمون المسيحية فسأختار على البديهة أن أكون خنزيرا بدلا من أن أكون مسيحيًّا. لقد تعاملوا مع اليهود على أنَّهم كلابٌ، لا بشر.” يردد لوثر ّفكر بولس الرسول في رسالته إلى روميَّة، قائلًا: “إنَّ الروح القُدُس أنزل كل أسفار الكتاب المقدَّس عن طريق اليهود وحدهم؛” ووصل الأمر إلى حدِّ اعتبار أنَّ اليهود هم أصل الرسالة السماوية، كونهم ينتسبون إلى بني إسرائيل، ولديهم قرابة للمسيح (من هُنا نشأت أهميَّة وجود نسل للمسيح-ابنة المسيح في شفرة
دافنشي (. الأكثر إثارةً للدهشة من ذلك، فقد وصف لوثر اليهود في هذا المقال بالسادة، والمسيحيين بالكلاب: “إنَّنا كالكلاب-أي المسيحيين-الذين لً مكان لهم سوى تحت المائدة لالتقاط الفُتات الذي يتساقط من على موائد أربابنا اليهود، وإنَّ هذا حدَّدته طلاقة القدرة الإلهيَّة منذ القدم، فهم السادة ونحن العبيد.”

من العجيب أنَّه تزامُنًا مع انتشار البروتستانتيَّة في شمال أوروبا، ألَّف لوثر كُتيِّبًا تراجع فيه عن كلِّ حفاوته باليهود، وذمَّهم فيه بأسوأ الألفاظ، وهو كُتيِّب On the Jews and their Lies-عن اليهود وأكاذيبهم (1543)، الذي ذكر فيه كذب ادعاء اليهود بأنَّهم شعب الله المختار. من أبرز ما كتبه عن اليهود في هذه المقالات هو وصفه لهم: “بشكل عام هم أبناء زنى، ليسوا شعب الله المختار، وتباهيهم بأنهم من سلالته، وبالختان وبالقانون، يجب اعتبار كل ذلك قذارة.” وكتب لوثر بأن اليهود هم “براز الشيطان… التي تتمرغ فيه مثل الخنازير”، وكتب لوثر بأن المعبد اليهودي هو “عاهرة الفاسد وعاهرة الشر الوقحة “. ودعا لوثر لحرق المعابد والمدارس اليهودية في النار، وتدمير كتب صلاتهم، ومنع الحاخامات من التبشير وتدمير منازلهم، ومصادرة ممتلكاتهم وأموالهم. وكتب مارتن لوثر “ينبغي ألا تظهر لهم أي رحمة أو عطف”، “لا تمنح لهم الحماية القانونية”، وكتب لوثر أن هؤلاء اليهود “الديدان السامة” ينبغي أن يجبروا على العمل القسري أو الطرد في كل الأوقات. ” ودعا مارتن لوثر أيضا إلى قتلهم، فكتب… “ونحن على خطأ أن لم نقتلهم”.

عثرت على الكتاب بالصدفة منظَّمة الصليبية الوطنية المسيحية-Christian Nationalist Crusade، وهي منظَّمة أمريكية توصف بمعاداة الساميَّة، وقد تُرجم عام 1948 من الألمانيَّة إلى الإنجليزية، وقد بقي هذا الكتاب في مكتبة الكونجرس في أمريكا، باعتباره وثيقةً تاريخية هامة. ومن المثير للانتباه بالطبع عدم شهرة الكتاب، مقارنة بسابقه، والسؤال هو لماذا أُخرج إلى النور على يد منظَّمة أمريكية في هذا التوقيت بالذات؟ على أيِّ حال، تدَّعي هذه المنظمة تمسُّكها بالجذور المسيحيَّة للولايات المتحدة في مواجهة المدِّ اليهودي.

استشهد لوثر في هذا الكتاب بالآية في سفر هوشع عن إنكار الربِّ صلته باليهود “لَسْتُمْ شَعْبِي وَأَنَا لاَ أَكُونُ لَكُمْ” (إصحاح 1: آية 9). ووصل لوثر، الذي كان يدعو إلى الحوار اللين مع اليهود لأنَّه قد يخرج من ظهورهم من يؤمن بالمسيحيَّة، إلى قناعة بعدم جدوى الجدال الديني مع أي يهودي لأنَّهم “ارتضعوا الكراهة لربِّنا، ولُقِّنوا طرق التسميم في الطفولة فلا أملَ في إصلاحهم.” جاء ذلك في ردٍّ من لوثر على صديق له مسيحي أرسل له عن حوار جدلي دار بينه وبين يهودي حرَّف معاني التوراة بهدف تحقيق مصلحة شخصيَّة. يضيف لوثر: “وهم على الحقيقة المنافقون سفَّاكو الدم بلا مراء، ولم يكتفوا بتحريف التوراة، وتزييف كلامها من أوَّلها إلى آخرها، مضيفين إلى ذلك تفاسيرهم المُضلَّة، بل أشدُّ أمانيهم التي ترقص في قلوبهم، تطلُّعهم إلى الوقت الذي يتمكَّنون فيه من وضْع يدهم علينا بالتسلُّط القاهر الماحي؛ لأنَّنا في نَظرهم وثنيُّون.”

وصل الأمر بلوثر إلى نعت مدارس اليهود بعشِّ إبليس: “فاحذر كلَّ الحذر، واعلم أنَّ مدارسهم في أيِّ مكانٍ ما هي إلا عش إبليس، حيث يُكثرون من التبجُّح بأنانيتهم واجترار العُجب والخُيلاء، وحَبْك حبال الكذب والتجديف على الله وخَلقه، وهم يمارسون كلَّ هذا بأساليب غريبة وفتَّاكة، ويتقنونه إتقان الأبالسة. وأينما وقع لك أن ترى يهوديًّا أو تسمع أنَّه يتعاطى التدريس والتعليم، فلا تظنَّن أنَّك ترى ببصرك غير الأفعى.”

قبل أن يموت بالذبحة الصدريَّة عام 1546، شنَّ لوثر حملةً موسَّعة في ألمانيا لطرد اليهود منها، إن لم يدخلوا المسيحيَّة؛ كي تتخلص ألمانيا من الربا والافتراء. وكانت آخر خُطبة وعظ له-قبل وفاته بـ 3 أيَّام فحسب-عن هذا المضمون. وكانت وصيَّته لزوجته كما يلي: “متى انتهيتُ من عملي الرئيسي وأتممته، فإنِّي سأتفرغ لطرد اليهود من البلاد. فإنَّ الكونت ألبرخت-كبير أساقفة ماينز وقتها-عدوٌ لهم…وبمعونة الربِّ فإنِّي في عظاتي المنبريَّة سأكون عونًا للكونت ألبرخت، وأكشف عن اليهود الستائر.”

8.شيفرة دافنشي في مقابل شيفرة “يحيى شكري”

بعد استعراض تش ّبع العقيدة التي تتضمنها مخطوطات ُقمران بمفاهيم الغنوصيَّة المتعارضة مع الإسلام، بقي تطبيق ما سبق عمليًّا على مجموعة من الأعمال السينمائية المصرّية التي كشفت العقيدة الحقيقية لبني إسرائيل منذ نشأتها على أرض مصر الفرعونيَّة، مرورًا بتطوُّرها في الأندلس الأمويَّة، وحتَّى وصولها إلى شكلها النهائي في الغرب في القرون الأخيرة. لا شكَّ في أنَّ العقيدة الصوفيَّة النابعة من الغنوصيَّة لها سماتها الخاصة لدى كلِّ أمَّة. وقد طوَّر بنو إسرائيل مفهومًا للصوفيَّة يُعرف بـ “القبَّالة”.
القبَّالة
عمد بنو إسرائيل إلى البحث في أسرار الكون وخفاياه، وبخاصة أسرار ال َخلق، والعالم السماوية والأرضية، والغيبيات عمومًا، وعلاقاتها ببعضها لاستبيان طبيعة حلول الإله فيهم. يعتقد بنو إسرائيل أنَّ الإله لم يتَّخذ صورته إلَّا عند خَلق الإنسان من ذكر وأنثى. انفصلت الأنثى عن الذكر بحدوث الخطيئة الأولى، وسقطت مع أول ثنائي بشري إلى الأرض، وكانت مع اليهود في مصر وفي السبي البابلي. حدث خلل كوني بنزول الأنثى، وتُسمَّى السكينة (شخيناه)، ويطلق عليها المملكة، وجماعة إسرائيل. لابد وأن تتحد الأنثى مع الإله في جسم واحد كي ينصلح ذلك الخلل. يستوجب التحام الجانبي الذكوري والأنثوي في الإله تطهُّر بني إسرائيل من الأرواح الشريرة، وممارسة طقوس العبادة. نُفيت
الأنثى مع الشعب بعد الخطيئة الأولى، وحدث خلل كوني، وهذا الخلل كي ينصلح لًبد من أن يغفر الإله الذنوب، فيعاود الذكر الإلهي الالتحام بالأنثى (المملكة/جماعة إسرائيل)، وهذا مرتبط بعودة الشعب إلى أرض الميعاد.الشخيناه هي إسرائيل، وهناك ارتباط روحي وجسدي بين شعبها وبين الإله/إسحق كوك رأى أنَّ طهارة الشعب اليهودي تزداد كلَّما ازداد تعلُّقهم بأرض الميعاد.

شيفرة دافنشي

نشرت هذه الرواية عام 2006 لتحقِّق نسبة مبيعات تجاوزت 20مليون نسخة. وتقوم الأحداث الأساسيَّة في الرواية على ضوء ما ورد في إنجيل فيليب-أحد ما تضمَّنته مخطوطات نجع حمَّادي-عن زواج المسيح بمريم المجدليَّة وإنجابها منه ابنة هربت إلى مصر لتضعها، ثم أخذتها إلى جنوب فرنسا لتستقر الابنة وتتزوج ويكون لها نسل هناك. تطعن هذه الرواية في ثوابت الكاثوليكيَّة وتتهم الكنيسة بمحاربة مريم المجدلية وابنتها، لكنَّ ابنة المسيح المزعومة بقيت وتفرَّق نسلها في البلدان الأوروبية، كما وصل إلى أمريكا. تكمن أهمية هذه الرواية فيما يتعلق بعقيدة بني إسرائيل في أمرين أساسيين: الأول هو محاولة إثبات اندماج المسيح الإله مع أنثى في عملية أثمرت نسلًا، في محاكاة صريحة لعملية
الخلق الإلهية؛ والثاني هو محاولة إثبات أنَّ للمسيح نسل من ابنة-والنسب في اليهوديَّة من ناحية الإناث وليس الذكور-سينحدر منه “المعزِّي”، أو “الفارقليط”ـ ليحكم العالم ويخلِّص بني إسرائيل من آثامهم.

مَن هو “يحيى شكري”؟

هو مخرج مصري، ُولد في عشرينيَّات القرن الماضي في الإسكندرّية، إلى حيث وصل القدِّيس مرقس-رسول المسيح-في بداية رحلته التبشيريَّة إلى مصر، والذي أجرى شكري فيلمًا وثائقيًّا عن حياته. تلقَّى تعليمه الثانوي في كليَّة فيكتوريا-Victoria College، وهي مدرَسة بريطانيَّة أُسِّست عام 1902، احتفالًا بمرور 20 عامًا على الاحتلال البريطاني على مصر، وتيمُّنًا باسم ملكة بريطانيا حينها. برغم أنَّ هذه المدرسة قد ضمَّت بين جدرانها أبناء العائلات اليهوديَّ، فلا يمكن الاعتقاد بأنَّها تخصَّصت في تعليمها في بثِّ أفكار القبَّالة اليهوديَّة في أدمغة الطلاب وإعدادهم للعمل مستقبلًا بما يخدم مصالح بني إسرائيل. والدليل على ذلك أنَّ من بين طلَّابها أفراد من العائلة الهاشمَّية التي حكمت العراق والأردن، ومنهم الأمير عبد الإله-ولي عهد العراق ونجل آخر ملوك الحجاز-والملك الحسين بن طلال. ومن بين خريجي تلك المدرسة من المسلمين الممثل المصري ميشيل شلهوب، يهودي الأصل الذي أسلم باسم عمر الشريف، وكان كابتن فريق الكرة الذي كان الحسين بن طلال أحد أعضائه. ولن ننسى كذلك أنَّ من خرِّيجي تلك المدرسة إدوارد سعيد، أستاذ الاستشراف الفلسطيني.

قدَّم ُمخرجنا-الذي ظلَّ ينكر يهوديَّته إلى آخر أيام حياته، وأقيمت طقوس الصلوات الجنائزيَّة على جثمانه وفق الشريعة الكاثوليكيَّة-سلسلة من أربعة أفلام تناول فيها سيرته الذاتيَّة متقاطعةً مع الأحداث السياسيَّة في مصر، ورمز فيها إلى شخصه باسم” يحيى شكري”، هي إسكندرية ليه؟ (1978) وحدُّوتة مصريَّة (1982) وإسكندرّية كمان وكمان (1990) وإسكندرّية نيويورك (2004). ربَّما انكشف هويَّة “شكري” الآن، وإن لم تكن، فهو المخرج يوسف شاهين. لا تعنينا هذه الأفلام الأربعة كثيرًا في هذا البحث، وإن كانت وثيقة الصلة به. ما يعني هو كيف رصد “يحيى شكري “نشأة القبَّالة اليهوديَّة في مصر الفرعونيَّة ونهلت من أسرارها في فيلم بعنوان المهاجر (1993)، ثم كيف تطوَّرت في الأندلس بفضل فلسفة ابن ُرشد في فيلمه المصير (1997)، وأخيرًا كيف أصبحت هي المتحكِّم في السياسة الغربيَّة تجاه الشرق الإسلامي في فيلم باسم الآخر (1999).

المهاجر (1993) يروي الفيلم عن شاب ُيدعى رام-وهي كلمة من معانيها كبش، ومن معانيها نبات معمِّر، ورام هي كلمة كنعانية تعني المنطقة المرتفعة-يسافر إلى مصر برغبةً منه كي يتعلَّم عن أهلها أصول “الزراعة”، هكذا يقول. وأحداث الفيلم مأخوذة عن قصَّة نبي الله يوسف (عليه وعلى سائر أنبياء الله أزكى الصلوات وأتم التسليم)، ولكن بحسب الرواية التوراتيَّة في سفر التكوين ورواية إحدى مخطوطات قُمران.

يبدأ الفيلم بمشهد للبطل وقد ربطه إخوته جذع نخلة وأخذوا يضربونه بالسوط، والسبب الأساسي هو حقدهم عليه؛ كونه الابن المفضَّل لأبيهم، زعيم القبيلة الذي كان ينوي أن يورثه الزعامة، متخطِّيًا باقي الإخوة. يُذكِّر منظر البطل-الذي من معاني اسمه كبش-وهو مستسلم أثناء الضرب بالسوط بهيئة يسوع المسيح أثناء الصلب ليفدي البشر بدمه. وإذا ما وضعنا رمزّية النخلة في عقيدة بني إسرائيل لجسد المرأة، لصار لفُّ البطل ذراعيه حول النخلة مماثلًا للفِّ يسوع طفلًا ذراعه حول رقبة أمِّه.

3.2-من فيلم المهاجر

يقف البطل في المشهد التالي رافعًا ذراعيه أمام القمر-الذي يرمز إلى الأم، أو أنثى إله الشمس، وهو ربُّ السماء المشبَّه بالذَّكر؛ وللأرض نفس رمزّية القمر. يقف البطل هكذا بعد أن دفن نفسه في رمال الصحراء بلا رداء، وهي عادة من عادات الأمم الوثنيَّة عند التماس الخصوبة من إله السماء، حيث يرمز تلامس جسد الرجل بالأرض العلاقة بين الزوجين، حتَّى أنَّ بعض الفلَّاحين في الأمم الوثنيَّة كانوا يجامعون زوجاتهم في الحقل، طلبًا للخصوبة.

3.3-من فيلم المهاجر

وهنا يتفاجأ البطل بقدوم أبيه، ويدخلان في حوار يطلب فيه البطل أن يرسله أبوه إلى مصر ليتعلَّم الزراعة:

الأب ينادي ابنه بصوت عالٍ: كلُّ ما تره في السماء القمر والنجوم؟ أين خالق الكون كلُّه إذًا؟

رام: هو أنت الذي كان دائمًا يقول لي أنَّ أُمِّي جميلة مثل جمال القمر؛ كنت أغازلها.

الأب: لديك حقٌّ. (كانت) قمر ليلة التمام. هذا ما يجعلني أراها أمامي، كما أراك بالضبط.

البطل: أبي… أرسِلني إلى مصر بلد النور كي أتعلم.

الأب: أتريد أن تبعد عن قسوة إخوتك؟ أرني ظهرك.

البطل: كلا، بل أريد أن أسافر لأتعلم زراعة الأرض؛ لأنَّه ليس جيِّدًا أن تجري الناس وراء الغنم (جوييم) التي تستقر أينما دبَّت أقدامها، لتأكل ونحن نشاهدها؛ أمعقول هذا؟! أريد أن أتعلم يا أبي كي أزرع الشعير بدلًا من أركض خلفها. أريد أن أتعلم كيف أحمي الغنم من الذئاب… من الجفاف، من رياح الجنوب.

الأب: ستبعد عنِّي لسنين.

البطل: أنا أريد أن أذهب إلى النور يا أبي. إلى مصر، بلد العلم. بدلًا من أُدفن هُنا في الرمل وأظلُّ تائهًا. أبي، دعني أسافر.

الأب: ها أنت قررت، فما الاستعجال؟ لما كلُّ هذه العجلة؟

رام: أريد أن أسبق الريح.

الأب: وماذا تنوي لنا هي الأخرى؟

رام: رياح الجنوب. أبي، انظر، هذه نجمة الشمال. على هذا، تكون هذه رياح الجنوب.

الأب: أنت تراها كلَّها (يقبِّله على فمه) …بوركتَ أنتَ (حلَّت عليكَ البرَكَة).

كما سبق الإشارة، البطل (رام) ُيشبِّه الأم بالقمر، ويصف مصر بـ “بلد النور”، والنور رمز للحكمة الإلهيَّة في العقائد الوثنيَّة التي اعتبرت الشمس تجسيد الإله، والمعرفة الصادرة عنه أشعة نورانية. يريد البطل أن يزرع الشعير تحديدًا، والشعير يرتبط لدى بني إسرائيل بعيد عيد الباكورة، وقد احتفلوا به لأوَّل مرَّة بعد دخولهم إلى أرض كنعان. إذا ما تأمَّلنا اختيار البطل لكلمة “الغنم” في إشارته للأنعام، لوجدنا تشابُهها اللفظي مع كلمة “غوييم”، أي الأغيار في العبريَّة. إذا افترضنا أ ّن هذا هو المقصود بـ “الغنم”، لكان المعنى هو أنَّ البطل يبحث عن وسيلة يوقف بها تهديد انحراف الأمم الأخرى عن المسار الذي يريده بنو إسرائيل وإمكانية تهديد تلك الأمم استقرارهم. وما يُثبت ذلك إشارة البطل إلى تهديد” رياح الجنوب”، في كناية عن عقائد الأمم في نصف الكرة الأرضية الجنوبي المناهضة لعقيدة بني إسرائيل، ولا ينطبق هذا أكثر شيء إلَّا على الإسلام المتعارض مع عقائدهم. وبالنسبة إلى “الجفاف”، فالخوف هنا من ندرة المطر الذي يعتبرونه ماءً مباركًا يُنزله ربُّ السماء لإنبات الزرع، تمامًا مثلما يثمر ماء الرجل عن الذريَّة. وتروي الآية 1 من إصحاح 39 في سفر التكوين أنَّ يوسف “أُنزل” إلى مصر، وكأنَّما اختيرت تلك البلد له لهدف، دون إشارة إلى مؤامرة أخوته عليه. وورد ما يشابه ذلك في مخطوطة ق4: 372، التي تقول “رُمي بيوسف إلى أراضٍ غير معلومة، إلى أُمَّة غريبة…” وكان الذي به في زيارة مصر وع ّرفه بعلومها حكيم من قبيلته عاش هناك، وأبرز مظاهر حكمته إمساكه بعصا بها عين، أشبه ما تكون بعصا الربِّ التي أنبتت لوزًا-في إشارة إلى عين الر ّب المراقبة بسبب التوفق الصوتي بين كلمي لوز ويراقب في العبريَّة-الوارد ذكرها في سفر العدد (إصحاح 17: آيات 6-10).

3.4-من فيلم المهاجر

وبعد نزوله إلى مصرَ، بدأ البطل يتعلَّم أسرار الحكمة الفرعونية، فدخل إلى غرفة التحنيط، وهي نموذج لغُرف التأمُّل في العقيدة الغنوصيَّة: مكان مُظلم لا يدخله النور إلى من جهة علويَّة، وهو نور يرمز إلى تنزُّل الحكمة الإلهيَّة.

3.5-من فيلم المهاجر

يسقط البطل مغشيَّا عليه، ويقع في التابوت، في إشارة إلى بعثه من جديد بفضل ما يأخذه عن حكماء المصريين من علوم.

3.6-من فيلم المهاجر

يذهب البطل فيما بعد مع أحد حكماء المصريين-المعلِّم-ليعلِّمه كيف يزرع الأراضي الصحراوية. وهنا يبدأ البطل في تعلُّم كيفية استغلال مصادر الطاقة الأربعة في الماسونيَّة: النار، والماء، والتراب، والرياح. توضح اللقطة التالية جلسة للبطل ومعلِّمه أمام النار، وكل يعطي ظهره للآخر.

3.7-من فيلم المهاجر

وهذه هي عادة المُعلِّم في المحافل الماسونيَّة

3.8-حديث المعلِّم في المحافل الماسونيَّة معطيًا ظهره لأتباعه

يظهر البطل في هذه اللقطة وهو يلقي بالتراب في الهواء، في محاولة للحصول على الطاقة

3.9-من فيلم المهاجر

ويظهر في هذه وهو يدعو الرب وقت الغروب على أرض مرتفعة، في نفس طقوس عُبَّاد الشمس، أو المجوس.

3.10-من فيلم المهاجر

ويظهر أبوه وهو واقف للتأمُّل والصلاة على أر ٍض مرتفعة في ذات الوقت، وكأنَّ الإشارة هنا لرمزّية الأب للربِّ الخالق في العقائد الوثنيَّة

3.11-من فيلم المهاجر

ولمّا فشلت كلُّ محاولات البطل في إيجاد مصدر للمياه العذبة، سجد على التراب وشك أصابعه في بعضها، في إشارة من أشهر إشارات الماسونيَّة، وأخذ يتلو بعض التمائم

3.12-من فيلم المهاجر

وبينما هو ساجد، يسمع البطل خرير ماء عن بُعد، فيذهب ليجد نبع ماء عذب

3.13-من فيلم المهاجر

فيقفز في الماء فات احا ذراعيه ليأخذ شكل جسمه شكل الصليب، وكأنَّما هو نازل للتعمُّد

3.14-من فيلم المهاجر

وبعد أن صار حكيمًا، يعود البطل إلى أبيه. وكما جاء إلى مصر على ظهر جمل…

3.15-من فيلم المهاجر

يعود على ظهر جمل مع إخوته، وهذا يتَّفق مع الرواية التوراتيَّة، ويخالف الرواية القرآنيَّة في الآية 94 من سورة يوسف “وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ”.

3.16-من فيلم المهاجر

العير هو ركب الحمير، وقد أثبتت دراسة أجريت على عظام الجمال التي تعود لآلًف السنين والتي وُجدت في مناطق متفرقة من الشرق الأوسط أنَّ الجمل استُخدم في النقل في الأرض المقدَّسة عام 930 ميلاديًّا، أي بعد زمن نبي الله يعقوب بما يقارب خمسمائة عام. وهذا يعني صحَّة الرواية القرآنيَّة. فقد نشرت منظمة ناشيونال جيوغرافيك الإعلاميَّة عبر موقعها الإلكتروني في 10 فبراير 2014، مقالًا يستعرض نتائج بحث علمي أجراه عالما آثار يتبعان جامعة تل أبيب الإسرائيليَّة، نُشر عام 2013 على مجلَّة Tel Aviv: Journal of the Institute of Archaeology of Tel Aviv University، الخاصَّة بمعهد الآثار في التَّابع لجامعة تل أبيب.

3.17-مقال ناشيونال جيوغرافيك

يشير مقال ناشيونال جيوغرافيك إلى أنَّ الجمل ذُكر في الكتاب المقدَّس 47 مرَّة، وارتبط الذِّكر بالآباء أبراهام ويعقوب ويوسف، على اعتبار أنَّ الجمل كان مُستئنسًا وقتها، برغم أنَّ هؤلاء الآباء من المفترض أنَّهم عاشوا خلال الفترة ما بين عامي 2000 و1500 قبل الميلاد؛ ومن أمثلة ذلك ما جاء في سفر التَّكوين ” فَوَضَعَ الْعَبْدُ يَدَهُ تَحْتَ فَخْذِ إِبْرَاهِيمَ مَوْلاَهُ، وَحَلَفَ لَهُ عَلَى هذَا الأَمْرِ. ثُمَّ أَخَذَ الْعَبْدُ عَشَرَةَ جِمَال مِنْ جِمَالِ مَوْلاَهُ، وَمَضَى وَجَمِيعُ خَيْرَاتِ مَوْلاَهُ فِي يَدِهِ. فَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى أَرَامِ النَّهْرَيْنِ إِلَى مَدِينَةِ نَاحُورَ. وَأَنَاخَ الْجِمَالَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ عِنْدَ بِئْرِ الْمَاءِ وَقْتَ الْمَسَاءِ، وَقْتَ خُرُوجِ الْمُسْتَقِيَاتِ” (إصحاح 24: آيات 9-11). باستخدام الكربون المشع، أثبت العالمان الإسرائيليَّان أنَّ العظام الموجودة للجمال تعود إلى ما بعد ذلك بكثير، تقريبًا إلى الفترة ما بين عامي 930 و900 قبل الميلاد، أي ما بعد حُكم النبي سليمان.

وبرغم عودة البطل من مصر مع سائر إخوته، ومع زوجته المصريَّة وابنيه منها، لا يحتضن الأب في المشهد الأخير سوى البطل وأخيه، في إشارة صريحة إلى نزعة بني إسرائيل العنصريَّة تجاه سائر الأمم، بدايةً من إسماعيل-ابن هاجر المصريَّة-الذي اعتُبر سفر التكوين أخاه إسحق الابن الوحيد للأب أبراهام.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ رام الملتزم بلباس قومه طوال الأحداث، ارتدى في مشهد واحد فحسب رداء الفراعنة، وهو مشهد اجتماعه بإخوته قبل أن يكشف عن هويته لهم

3.18-من فيلم المهاجر

وفي هذا التصرُّف إشارة واضحة إلى نيَّة رام الانتقام من الإخوة على طريقة فرعون، باستعبادهم وتسخيرهم لخدمته.

المصير (1997)

يتناول هذا الفيلم الصراع بين العالِم الإسلامي ابن رُشد والمؤسسة الدينيَّة في الأندلس في عصر الخلافة الأموّية، والتي تحاربه بسبب فلسفته. كان ابن ُرشد قد رأى عدم وجود تعارُض بين الدين والفلسفة، ولكن هناك بالتأكيد طرقًا أخرى يمكن من خلالها الوصول لنفس الحقيقة المنشودة. وكان يومن بسرمدية الكون، ويقول بأنَّ الروح منقسمة إلى قسمين اثنين: القسم الأول شخص ي يتعلق بالشخص والقسم الثاني فيه من الإلهية ما فيه. وبما أنَّ الروح الشخصية قابلة للفناء، فإن كل الناس على مستوى واحد يتقاسمون هذه الروح وروح إلهية مشابهة. وجد بعض المدلِّسين في هذا الرأي لابن رُشد ما يتَّفق مع عقيدة َوحدة الوجود الغنوصيَّة، فاتُّهم بنشر أفكار تدعو إلى الشرك.
نفى ابن رُشد ما نُسب إليه من اتهامات في إفتائه بما يخالف الشريعة، ولم يكن الأمر-كما يروي التاريخ-سوى دسيسة وفرية للنيل من مكانته بعد أن وصل إلى مجالسة خليفة المسلمين والتواصل معه بشأن العلم والفلسفة. ورضخ الخليفة للضغوط الصادرة من المؤسسة الدينية لحرق كافة كتب الفلسفة، وترك المفيد من كتب الطب والفلك والرياضيَّات. أسهم نفي ابن ُرشد إلى مدينة اليُسانة، التي كانت حينها موطنًا لليهود، مما أجبره حينها على التواصل مع موسى بن ميمون، تلميذه المزعوم الذي أخذ عنه الكثير من العلوم، لكنَّه-بلا شك-دمجها بخفايا المتون الهرمسية، أو القبَّالة.

يقدِّم المشهد التالي جدالًا بين شابٍّ انضمَّ إلى جماعة إسلاميَّة متطرِّفة وبين العالِم ابن رُشد، يردُّ فيه الأخير بعنف على ادعاءات الشاب:

الشاب: (أبي) الخليفة الأعظم لم يعبأ بي يومًا (هنا يظهر بوجهه، في إشارة إلى صدقه هو).

ابن رشد: هذه هي طاقته. لا تنتظر من كلِّ شخص أن يصل إلى الكمال (وهو يدير ظهره، وكأنَّما يتهرَّب من الرد الحقيقي). ثمَّ أنتَ لست طفلًا؛ أنت الآن رجل مسؤول عن اختياراتك. لا أنتظر منك وأنت ابن عشرين عامًا أن تتعلل بأن أمك ماتت وأنا صغير وأبي أهملني وحبَّ أخي أكثر. فأُصبت بعُقدة وكرهت الكون كلَّه ومن حقي أن أعتبرهم شياطين وكفرة. قد يكون من السهل أن يبرر المرء الكسل والغيرة والحقد والكراهية التي يخفيها بداخله ويلقي بالخطأ على الآخرين. هل تريد أن تشعر برفعة شأنك؟ افعل ما ينفع الناس، وسيأتيك التقدير حينها دون أن تسعى إليه، لكنَّ الكراهية التي تتمرغ فيها عبارة عن كُفر، هي أبعد شيء عن كلام ربِّنا.

3.19-من فيلم المصير

الشاب (يظهر بظهره): أحببتُ أن أوصل كلمة ربِّنا إلى الناس.

ابن رشد (منفعلًا): وهل أوصل أنا كلامي إلى الجن؟ (يضرب الكرسي بقدمه)

3.20-من فيلم المصير

أنت؟ (مستخفًّا ومستهزئً) وهل يستطيع مثلك أن يوصل كلام ربِّنا؟ ما هذا الكبر؟! كيف وأنت جاهل وغبي ولست مدركًا كم أنت فارغ من الداخل وتردد أي كلام. تحفظ بيتي شعر فتصبح شاعرًا، أو تحفظ آيتين فتصبح عالمًا؟ ماذا تعرف عن الطب؟ عن حركة الكون؟ عن الرياضيَّات؟ عن الكيمياء؟ عن الفلسفة؟ ماذا تعرف عن الحب؟ عن الحق؟ عن العدل حتى توصل كلام ربِّنا؟ أجبني. أريد من أحد أن يوضح لي: لما أكتب ولمَن؟ طالما أنَّ ما أكتبه لا يصل إلى أحد؟ (ويُلقي الكتب على الأرض). لن أنتظر حتى يحرقوهم، سأحرقهم أنا واحدًا تلو الآخر، وكلٌّ يبحث عن مصلحته. (يلقي المصباح على الورق، فيهرع الشاب إلى إخماد النار التي أمسكت به).

3.21-من فيلم المصير

إلى جانب أسلوب الحوار الذي لً يليق بعالم إسلامي، يُلاحظ في اللقطات التي يظهر فيها ابن رُشد أنَّه يقوم بحركات مختلفة من إشارات الأصابع في الماسونيَّة. أهم من هذا، أنَّه اشترط الإلمام بالمعرفة في العلوم التطبيقيَّة قبل الدعوة إلى الله، بلا أيَّة إشارة إلى العلوم الشرعيَّة اللازمة لذلك. وفي هذا الخطاب ما يتَّفق مع النقد الذي يوجِّهه الغرب إلى الإسلام في هذه الآونة بالرجعيَّة والتخلُّف وعدم الإلمام بأحدث العلوم التقنيَّة، التي أحدث طفرة ماديَّة ينعم بها الغرب، بينما يتخبَّط المسلمون في الظلام. نأتي إلى الشاب الذي يدير ظهره في اللقطات، فهو يؤدِّي دور ابن خليفة المسلمين يعشق الرقص، ويعيش هائمًا على وجهه، ويقضي معظم وقته في حانة لمطرب مغربي وزوجته الغجرية الإسبانيَّة، اللذين يعتبرانه بمثابة الابن. ارتكب الشاب خطيئة الزنا مع أخت الغجريَّة، فحملت منه، وما كان منه إلَّا أن هرب من المسؤولية، وانضمَّ إلى جماعة صوفيَّة متطرِّفة الأهداف.

3.22-من فيلم المصير

وعلى النقيض من هذا الشاب المسلم المتطرِّف، يظهر شاب مسيحي يفد من فرنسا إلى الأندلس كي يتتلمذ على يد ابن رُشد، فيأخذ ابن رُشد عن الحكمة التي حصَّلها. وبالطبع، كان من مقصودًا أن يكون هذا الشاب مشابهًا في الملامح للشاب المسلم المتطرِّف، وكأنَّنا أمام المسيح وضدَّه.

3.23-من فيلم المصير

وكان الشاب قد توجَّه إلى الأندلس بعد أن حكمت السلطة الدينيَّة الكاثوليكيَّة على أبيه بالموت حرقًا على خشبة بسبب اطِّلاعه على كُتُب ابن رُشد. أليس في هذا الوصف ما يطابق صَلْب المسيح، وانتقال روحه إلى المعزِّي الذي سيخلفه؟

3.24-من فيلم المصير

نأتي إلى نقطة في غاية الأهميَّة، وهي الوسيلة المتَّبعة في الفيلم لمواجهة التطرُّف الإسلامي: لقد علَّق المفكِّر المصري-صاحب موسوعة الصهيونيَّة-عبد الوهَّاب المسيري على هذا قائلًا “يوسف شاهين يواجه التطرُّف بالغناء والرقص “. قد يبدو التعليق ساخرًا، ولكن من يفطن إلى المغزى سيفهم عمق هذا التعليق. ما أراد المسيري إيصاله هو أنَّ طقوس الثيوصوفيَّة والشامانيَّة، وغير ذلك من العقائد التي تستهدف التنشيط الروحاني، يعتبر الغناء والرقص من أهم طقوسها. تروي الشامان جابرييل روث أ ّن في العديد من الجمعيات الشامانيَّة، إذا ما أتى مريض يشكو من تثبُّط العزيمة، أو الكآبة، أو الإحباط، فلا تجد الجمعية إلا أربعة أسئلة لتطرحها” متى توقفت عن الغناء؟ متى توقفت عن الرقص؟ متى توقفت عن التمتع بالقصص؟ متى توقفت عن التمتع بصفاء النفس في الصمت؟“، كما جاء في مقدِّمة كتابها Maps to Ecstasy-الخرائط المؤدِّية إلى النشوة (1998).

يقدِّم الفيلم نموذجًا للتنشيط الروحاني يجريه المطرب والراقصة لإخراج الفتاة التي حملت سفاحًا من ابن الخليفة من حالة الكآبة. وأولى الخطوات هي أن يتحدَّث المطرب معها وهي على صمتها

3.25-من فيلم المصير

وبعد ذلك يبدأ المطرب في الغناء، ويشاركه الآخرون بالرقص. يُلاحظ أنَّه يقوم بحركة الإشارة بالسبَّابة الشهيرة في الماسونيَّة

3.26-من فيلم المصير

وفي المرحلة الثالثة، تُجبر الفتاة على المشاركة في الرقص، بلا تجاوُب

3.27-من فيلم المصير

وفي المرحلة الأخيرة، تنس ى الفتاة الحُزن، وتشارك في الرقص، وفي الإشارة بالسبَّابة المعروفة في الماسونيَّة، ويشارك المطرب والراقصة في الغناء ابن رُشد ذاته.

3.28-من فيلم المصير

يتضح من خلال الصورة التي قُدِّم عليها ابن رُشد أنَّه نموذج المُعلِّم الحكيم، وكأنَّما هو رام-بطل المهاجر-بعد أن وصل إلى مرحلة المضج الفكري، وصار من الواجب أن يورث علمه إلى أحد يستحقَّه، وهذا بالطبع هو الشاب المسيحي.

3.29-من فيلم المصير

يغادر ابن رُشد قرطبة إلى اليُسانة، معقل يهود الأندلس، بعد أن تتهمه المؤسسة الدينية، التي من بين أعضائها متطرِّفون يسعون إلى الوصول إلى ال ُحكم، بالإلحاد بسبب آرائه الفلسفيَّة. ويقف أعضاء تلك المؤسسة يشاهدونه ترحيله وحرق كُتُبه وهم يسبحون، في إشارة إلى النفاق والمتاجرة بالدين.

3.30-من فيلم المصير

وبينما يأخذ ابن رُشد الشاب المسيحي معه إلى موطن اليهود، يقف ابن الخليفة-الضالع بالزنا والهارب من المسؤوليَّة والمنضم إلى جماعة متطرِّفة-إلى جانب أبيه يشاهد ترحيل العالم وأسرته، وهو يرتدي عباءة دمويَّة اللون. وتظهر على السور أمام الشاب وأبيه الخليفة راية معلَّقة مكتوب عليها “وما النصر إلَّا من عند الله” على خلفيَّة حمراء اللون، في إشارة إلى السلوك الدموي للمؤسسة الحاكمة، التي تتخذ من الدين وسيلة لتحقيق مآربها. وقوف الشاب المتطرِّف إلى جانب أبيه يشير إلى كونه امتدادًا له في الحُكم، كما ينبئ بعصر أشد ظلاميَّة إذا ما وصل إلى الحُكم يومًا.

3.31-من فيلم المصير

وفي إشارة إلى نفاقه، يظهر الشاب في نفس الحدث مع فئة الجماهير المحتشدة، المعروف عنها سهولة الانقياد وعدم القدرة على تكوين صورة صحيحة عمَّا يجري حولها

3.32-من فيلم المصير

يرحل ابن رُشد بعدَ حرق كُتُبه ومعه الشاب المسيحي إلى موطن اليهود، ويبقى الخليفة ومؤسسته الدينيَّة المنافقة، ويظلُّ معهم الشاب المتطرِّف شبيه المسيحي شكلًا وضدَّه خُلُقًا

3.33-من فيلم المصير

لا شك أن اختيار المخرج ممثلين متشابهين في الشكل ومتناقضين في السلوك والتوجُّه كان مقصودًا، وكأنَّما يعرض نموذجًا للمسيح وضدِّه. والمقصود بهذا أ ّن ابن الخليفة المسلم وربيب أوروبا الكاثوليكيَّة، متمثلةً في الراقصة الغجرية، لا يمكن أن يؤول به الحال إلَّا متطرفًا. أمَّا المسيحي المتمرِّد على قسوة كاثوليكيَّة فرنسا ورفضها للأفكار التنويريَّة، فهو نموذج للتسامح الديني والنقاء الروحاني. وقد حافظ عليه ابن رُشد بأن حمله معه إلى موطن يهود الأندلس، ليبقى معهم ويحفظ لديهم أسرار الحكمة التي تلقَّاها.

الآخر (1999)

يتناول هذا الفيلم العلاقات المصريَّة-الأمريكيَّة بعد مرور 20 عامًا على معاهدة السلام، التي خرج بموجبها مستوطنو إسرائيل من سيناء عام 1982. يدور الصراع بين سيِّدة أعمال أمريكية متزوِّجة من رجل أعمال مصري وفتاة مصريَّة تعمل صحافيَّة تسعى للكشف عن فساد عالم البزنس. تتزوج الشابة من ابن سيدة الأعمال الأمريكيَّة رغمًا عن الأخيرة، التي تسعى إلى التفرقة بين تلك الشابة وابنها، ثمرة زواجها من رجل الأعمال المصري الذي تزامن ميلاده مع فترة السلام المصري-الإسرائيلي بمباركة أمريكا. وليس للسيدة الأمريكيَّة هدفٌ من إبعاد الشابة عن ابنها سوى رفضها اختلاط ابنها أمريكي النشأة ومصري الأصل مع الأغيار من غير المصبوغين بالصبغة الغربيَّة، في نموذج للعنصرّية أشبه ما يكون بعنصريَّة الرب في سفر التكوين ضد هاجر المصرية وابنها.
تبدأ أحداث الفيلم في الولايات المتَّحدة، وتحديدًا أمام جامعة كولومبيا الأمريكيَّة، حيث كان الشاب-بطل الأحداث الذي كان يدرس ظاهرة الإرهاب في العالم الإسلامي-على موعد مع إدوارد سعيد، أستاذ الاستشراق فلسطيني الأصل، الذي يظهر في الفيلم بصفته الحقيقيَّة. ويصاحب البطل زميل له من الجزائر يدرس في نفس المجال.

حرص المخرج على أن تكون أولى لقطات الفيلم لكرة ضخمة، تضاهي كرة السحرة التي ُتستخدم في استحضار الشياطين والتنبُّؤ بالغيب، وفي الخلفية ناطحة سحاب عملاقة، في إشارة إلى التقدُّم الحضاري الهائل بفضل العلوم الحديثة.

3.34-من فيلم الآخر

يتوجَّه الشابان المصري والجزائري إلى مكتب إدوارد سعيد، ومن الملاحظ أنَّ اللونين الأبيض والأسود يغلبان على ملابس الأشخاص الثلاثة في المشهد. يرمز الأبيض والأسود في الماسونيَّة إلى التواصل بين البشر والجن عن طريق اللون الأبيض والأسود، حيث يمثل الأبيض البُعد البشري والأسود البُعد الشيطاني.

3.35-من فيلم الآخر

نلاحظ في الجانب الأيسر من هذه اللقطة وجود عواميد ترمز إلى عواميد الهيكل، كما نلاحظ وجود شجرة على الجانب الأيمن ترمز إلى شجرة الحياة. أمَّا عن حركات الأيدي، فكلُّها من إشارات الماسونيَّة؛ فالدكتور إدوارد سعيد يضم السبَّابة والإبهام على شكل دائرة فوقها ثلاثة أصابع، في إشارة إلى ثالوث الذكر ووحدة الأنثى اللازم اندماجهما من أجل عملية النسل المشابهة للخَلق؛ أمَّا الشابان، فكلٌّ منهما يشبك أصابع يديه، في إشارة الأخوّية الشهيرة في الماسونيَّة.

ويجري حوار بين المفكر فلسطيني الأصل والشابين حول استخدام الغرب للعنف تجاه الشرق الإسلامي:

إدوارد سعيد: ليست أمريكا وحدها… كلُّ مَن لا يؤمنون إلَّا بالقوَّة الغاشمة لابد أن يفجِّروا مقاومة وعنف وكراهية ضد الآخرين.

3.36-من فيلم الآخر-إشارة ثالوث الذكر ووَحدة الأنثى

البطل: لكن حضرتك أمريكي الجنسيَّة وأصلك فلسطيني، لمن يكون انتماؤك هكذا؟

3.37-من فيلم الآخر-إشارة الإبهام

إدوارد سعيد: يا ليتنا نتوقف عن التفكير بهذا الشكل. هم اخترعوا الكمبيوتر؛ أمَّا نحن فاخترعنا الكتابة. ليس المهم من يعطي من. الحضارة الفرعونية مثلًا مثل موسيقى بتهوفن، ملكٌ للبشريَّة كلِّها.

3.38-من فيلم الآخر-إشارة العين الواحدة المراقبة، أو عين الأعور الدجَّال

الشاب الآخر (المفترض أنَّه جزائري يُقتل ضمن أحداث الفيلم بسبب الإرهاب): وهل يفهم الأمريكان ذلك؟

إدوارد سعيد: أنا أتمنى يأتي عليهم يومٌ ويأتي علينا نحن الآخرين يومٌ لا نعود نقول فيه “أنا وأنتَ“، نقول “نحن“.

يشير إدوارد سعيد بالعديد من حركات الماسونيَّة بأصابع يديه الاثنين، ما بين حركة الإشاحة بالإبهام، وحركة قرني الشيطان، وحركة ومدِّ الخنصر والسبَّابة مع ثني الأصابع الثلاثة الباقية. والأهم من حركات الأصابع، يبرر سعيد في حديثه أعمال العنف الأمريكية بأنَّها “مقاومة “الأعمال الإرهابيَّة النابعة من أفكار متطرِّفة توجِّه سلوك المعادين للغرب. الغرب هنا معذور في أي عنف يصدر منه؛ كونه بذلك يصد عدوانًا مرتقبًا. أمَّا عن الحل الأمثل للخروج من ذلك الصراع في عقيدة المفكِّر الكبير فهو التخلُّص من أي مفاهيم تؤدِّي إلى التعارض الفكري بين الطرفين“: أنا أتمنى يأتي عليهم يوم ويأتي علينا نحن الآخرين يوم لا نعود نقول فيه <<أنا وأنت>>، بل نقول <<نحن>>”.

وتدور أحداث الفيلم بعد ذلك لتشير بأصابع الاتِّهام إلى الإسلام الشمولي، باعتبار أنَّ أفكاره التوسعيَّة هي سبب الصراع؛ وكأنَّ الغرب-اليهودي والمسيحي والعلماني-يحمل أغصان الزيتون، بينما يدهسها الشرق الإسلامي بسبب رغبته في السيطرة على حُكم العالم. والسؤال يطرح نفسه: ألم يكن من الأحرى أن يراجع إدوارد سعيد الأطماع التوسُّعيَّة التي تنصُّ عليها أسفار العهد القديم قبل رمي الإسلام بما ليس فيه؟

نأتي إلى أهم مشاهد الفيلم، وهو زفاف الشاب النصف أمريكي من الشابَّة المصريَّة تحت سفح الهرم الأكبر-مسكن لوسيفر/حامل الضوء، وهو إبليس-على الأرض. يُطلَق في نهاية الحفل صاروخ ُيحدث لمعانًا في السماء على شكل نجم فوق الهرم المدرَّج، وحينها تقول أم الشاب “الفرح انتهى“. لا شكَّ في رمزيَّة النجم إلى نجم الميلاد، الذي يُعتقد في ظهوره قبيل ظهور الماشيح. أمَّا عن المقصود بـ “الفرح انتهى“، فهو انتهاء حالة السِلم مع الأغيار، اللازم إخضاعهم إلى سطوة الغرب للتمهيد إلى الظهور المقدَّس.

3.39-من فيلم الآخر

تتواصل الأحداث بعد زواج الشاب من الفتاة المصريَّة، وتصرُّ الأمريكية على التفريق بينهما. استخدم المخرِج السيِّدة الأمريكية بوصفها تجسيدًا للولايات المتحدة، بكلِّ غطرستها واستعدادها لفعل أي شيء في سبيل الحفاظ على ما تمتلكه. وسبقت الإشارة إلى أنَّ تشبيه الأرض بالأنثى هو من عقائد الأمم الوثنية. وما يثبت هذا اختيار شكل فراش السيِّدة الأمريكية ليكون على شكل رمز للإلهة البابليَّة عشتارإلهة الخصوبة وأنثى البعل.  يرمز الباب إلى عشتار باعتبارها المنفذ الذي تخرج منه الذرّية المفعمة بالحياة.

3.40-باب عشتار

يدور بين السيِّدة وزوجها حوارٌ يكشف عن هويَّتها:

3.41-من فيلم الآخر

المرأة: عبادتك له (تقصد ابنهما) ليست حُبًّا، أنت مبهور من الحلم الأمريكي الذي يُجسِّده. كنت تتمنى أن تكون مثله مولود في كاليفورنيا، في أمريكا التي لا يقدر أحد أن يدوس عليها (يقهرها).

الرجل: لكن أنا ضغطتُ عليها قليلًا.

المرأة: من يضغط عليَّ أنسفه نسفًا

وتضرب شاشة التلفاز بزجاجة خمر، فيُسمع صوت دوي، وهو لصاروخ يصدر عن طائرة تضرب برجًا

وتضرب شاشة التلفاز بزجاجة خمر، فيُسمع صوت دوي، وهو لصاروخ يصدر عن
طائرة تضرب برجًا…

3.42-من فيلم الآخر

ثمَّ يأتي صاروخٌ آخر يضرب برجًا ثانيًا

3.43-من فيلم الآخر

يذكِّر هذا المنظر بشكل التفجير على إحدى فئات الدولار

3.44-تفجير على إحدى فئات الدولار

وتأتي مرحلة المواجهة الحربيَّة

3.45-من فيلم الآخر

وأخيرًا يأتي انفجار نووي

3.46-من فيلم الآخر

ويعيد هذا الشكل إلى الأذهان شكل الانفجار النووي على فئة أخرى للدولار

3.47-تفجير نووي على فئة للدولار

في هذه المرحلة، تجلس الأمريكيَّة مع شاب يتزعَّم جماعة إرهابيَّة، هو في الأصل شقيق الشابَّة زوجة ابنها. يحدث بين الأمريكيَّة والإرهابي لقاء افتراضي في فضاء الإنترنت في برج إيفيل في فرنسا تطلب المرأة من زعيم الجماعة الإرهابيَّة أن يُبعد أخته عن ابنها، ويجري حوار بينهما تعترف فيه الأمريكيَّة بتسهيل توصيل الأسلحة إلى الجماعات الإسلاميَّة المسلَّحة. .ما يثير الاهتمام في الأمر هو أن الحوار ينتقل إلى مرحلة في غاية الحساسيَّة، إذ يقول زعيم الجماعة الإرهابيَّة أنَّه لمَّا يقيم دولة الخلافة ويصل إلى باريس سيطهِّرها من نسائها، ويقصد الغانيات. معنى أن يصل الإسلام عبر الإرهاب
إلى فرنسا أنَّه تجاوز جنوب أوروبا قبل أن يصل إليها.

3.48-من فيلم الآخر

نلاحظ في هذه اللقطة للشاب الإرهابي في حواره الافتراضي مع الأمريكيَّة، وتحديدًا على الجانب الأيسر شكل مشابه لمتحف الفاتيكان وكاتدرائيَّة القديس بطرس

3.49-متحف الفاتيكان وكاتدرائيَّة القديس بطرس

وكأنَّ الرسالة المقصودة هي إشارة ضمنيَّة لوعد رسولنا الكريم (عليه وعلى سائر أنبياء الله أزكى الصلوات وأتم التسليم) بفتح القسطنطينيَّة وبعدها روميَّة. فقد روى أحمد في مسنده والحاكم، وصححه الذهبي، وصححه الألباني، عن أبي قبيل قال كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص، وسئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) “أي المدينتين تفتح أولًا قسطنطينية أو رومية،” فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) “مدينة هرقل تفتح أولًا”، يعني قسطنطينيَّة. يقرُّ الرسول في هذا الحديث بدخول الإسلام القسطنطينيَّة، وهي تركيا اليوم، وروميَّة، وهي إيطاليا اليوم. وبما أنَّ الإسلام قد دخل تركيا منذ أكثر منذ ستة قرون تقريبًا، فالدور على إيطاليا. والسؤال يطرح نفسه: ما الحكمة في الإشارة إلى هذا في هذه المرحلة في الفيلم بعد تدمير برجين واشتعال حرب وحدوث تفجير نووي؟

الردُّ في حديث آخر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ، فَإِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحٍ وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ، قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا الَّذِي فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّانِيَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ. فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الْآخَرُ. ثُمَّ يَقُولُوا الثَّالِثَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ. فَيُفَرَّجُ لَهُمْ، فَيَدْخُلُوهَا فَيَغْنَمُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْمَغَانِمَ إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ، فَقَالَ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ، فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَيَرْجِعُونَ) رواه مسلم في ” صحيحه ” (2920). يعي الغرب جيدًا نبوءات آخر الزمان، ويعرفون أنَّ المسيح لن يعود إلا عند وصول الإسلام روما، ومن الواضح أنَّ في هذا الوصول ما يخدم مصلحة أكبر، وهي عودة المسيح. وتجدر الإشارة إلى أنَّه قد نُسب إلى أحد خامات اليهود قوله أنَّ الإسلام سيكون بمثابة “مكنسة” يطهرون بها أوروبا من المسيحيَّة، وبالطبع هو يشير إلى ك ّل مذهب يخالف الفكر الصهيوني. غير أنَّ اليهود يقلبون الحقائق، ويدَّعون أنَّ من سيغزو روما أبناء إسماعيل، وليس أبناء إسحاق. الأهم من هذا كله أن الفتح بالتكبير، وليس بالسلاح، وفق ما جاء على لسان النبي الأمي-أي الأممي الذي تدين برسالته كافة الأمم.

لا يعني حوار السيدة الأمريكيَّة المسيحيَّة المتعصِّبة مع زعيم الجماعة الإرهابيَّة المسلم المتطرِّف في باريس تحديدًا سوى الإشارة إلى أنَّ الزحف الإسلامي لن يتجاوز هذه البقعة. بعد أن صارت روما رواء الشاب، حانت نهاية الزحف بوقوف المجسِّدة لأمريكا أمامه باعتبارها حائط صد، ويوحي رداؤها دموي اللون إلى استعدادها للتضحية في سبيل إجهاض الحُلم التوسُّعي للإسلام الشمولي. ويبدو أنَّ المقصود بقول السيدة الأمريكيَّة “الفرح انتهى” بعد دوي صاروخ أحدث لمعانًا في السماء أنَّ موعد عودة المسيح قد اقترب، ولابد من إعداد العدَّة لعودته، وإن تكلَّف ذلك صراعات دوليَّة.
تنتهي الأحداث بمقتل زعيم الجماعة الإرهابيَّة على يد رجال الأمن، بعد أن يتسبب في مقتل الشابَّة-أخته-وزوجها-ابن الأمريكيَّة. ويظهر في هذا المشهد المأسوي، وبرغم تناثر الرصاص العشوائي، شاب كان صديقًا للبطل منذ بداية الفيلم

3.50-من فيلم الآخر

يجمع الشاب يدي الزوجين القتيلين، اللذين ذهبا كضحيَّة، ليس للتطرُّف الإسلامي فحسب، إنَّما لتعاوُن الغرب لإبعاد الأغيار عن بلاده وأبنائه. ويرمز اقتران الزوجين بعد مقتلها إلى اقتران الرب بالشخيناه بعد عودة بني إسرائيل إلى الأرض المقدَّسة بعد تضحيات دامية.

3.51-من فيلم الآخر

والسؤال: ما هي أهميَّة دور هذا الشاب؟ في حقيقة الأمر، رمزيَّة دور هذا الشاب في هذا الفيلم ستتضح في النقطة القادمة. غير أنَّه من الواجب هنا إيضاح أبعاد شخصيته في هذا الفيلم. برز دور هذا الشاب في الفيلم في مشهد العُرس

3.52-من فيلم الآخر

حيث أقسم ألَّا يغادر قبل أن يرقص

3.53-من فيلم الآخر

وبعد ذلك يدعو رجل مسن إلى الرقص، وهو يغمز بإحدى عينيه، على طريقة الماسونيِّين في الإشارة إلى عين المراقَبة الإلهيَّة، أو عين الدجَّال، ويقبض على العصا بيد على شكل القبضة المعروفة في الماسونيَّة.

3.54-من فيلم الآخر

هذا ويتعمَّد المخرِج أن يجعل آخر لقطات الفيلم عودة السيِّدة الأمريكيَّة إلى بلدها، ودخولها إلى بوابة تأخذ شكل باب مخدع الإلهة عشتار البابليَّة، في إشارة إلى وقوفها على قدميها، واستمرارها في الوجود، وعدم انهزامها بعد مقتل ابنها الوحيد. ولا شكَّ في أنَّ رد الفعل المتوقَّع في هذه الحالة هو الثأر.

3.55-من فيلم الآخر

مولانا (2017)

برغم أنَّ هذا الفيلم ليس من إخراج “يحيى شكري”، إلَّا أنَّ تجسيد هذا الممثل لشخصية بطل الأحداث في “مولانا” تربط شخصيتيه في الفيلم وفي “الآخر” ببعضهما. وأهم العناصر المشتركة بين مضمون “مولانا” وثلاثيَّة “يحيى شكري” انتقاد المؤسَّسة الدينيَّة واعتبار أنَّها مجرَّد ذراع تستخدمه السلطة في تحقيق أغراضها، وتمرُّد فئة مستنيرة من العارفين على المؤسَّسة الدينيَّة ودعوتها إلى إصلاح قائم في المقام الأول على اتِّباع روح الدين وليس نصوصه. وفيلم مولانا مأخوذ عن رواية بنفس الاسم صدرت عام 2012، من تأليف إعلامي يعتنق الفكر الشيعي ومن أشد المروِّجين له، وإن لم يعلن تشيُّعه. وقد اتَّخذ من نموذج الشيخ الصوفي المنتمي إلى آل البيت في الرواية المثال الواجب للاحتذاء به في القول والعمل، في وسط جشع مشايخ أهل السُّنَّة ونفاقهم وتكالُبهم على منافع الدنيا. تتصاعد الأحداث بعد أن يُجبر الشيخ حاتم-بطل الرواية والمُلقَّب “مولانا”-على إقناع شاب ينتمي إلى أسرة رئيس الجمهوريَّة بالعدول عن قراره اعتناق المسيحيَّة. ما يورق الأسرة الرئاسيَّة هو سمعتها، باعتبار الإسلام أحد الأعمدة التي تقوم عليها المؤسسة الحاكمة. تنتهي أحداث الرواية باكتشاف أنَّ الشاب المتنصِّر كان في الأصل يتظاهر بذلك، بينما كان يقصد للاندساس بين المسيحيين لتنفيذ عملية إرهابيَّة ضدَّهم. والمعنى الضمني هو أنَّ المسلم لا يرقى إلى اعتناق المسيحيَّة بسبب ما في عقيدته من أفكار متطرِّفة؛ فالمسلم المعتنق للمسيحيَّة عبارة عن إرهابي متخفٍّ. وبرغم انتهاء الرواية بمطالبة حاتم بإقناع الشاب تسليم نفسه للعدالة، أُضيف إلى الفيلم مشهد للشيخ في إحدى الكنائس، وهو يقدِّم العزاء في الضحايا المسيحيِّين مع مشايخ آخرين. يلقي الشيخ في الكنيسة خطابًا بزيِّه وعمامته الأزهريَّين، لا يستنكر فيه ما حَدَث فحسب، إنَّما يلقي فيه بالمسؤوليَّة على الجميع.

3.56-من فيلم مولانا

نلاحظ أنَّ الشيخ دائمًا يتعمَّد النظر إلى اليسار، ويقوم بأصابعه بحركة قرني الشيطان الماسونيَّة. ويقف الشيخ بين صورتين للمسيح، إحداها له في المهد، والأخرى بعد نزول الروح القُدُس عليه. يلقي الشيخ حاتم في خطبته باللوم فيما حدث على الأفكار المتأصِّلة في الأذهان، التي تشجِّع على ارتكاب أعمال العنف ضد الآخرين، داعيًا إلى اتخاذ موقف إيجابي لإنهاء الصراع الدموي.
وبعد انتهائه من خطبته، تظهر صورة المسيح كاملة إلى جانب الشيخ، مع تعمُّد تمويه وجه المسيح في مقابل إبراز وجه هي الشيخ، وكأنَّما الإشارة المقصودة أنَّ هذه العقلية هي النموذج العصري لفكر المسيح القائم على المحبَّة والتسامح

3.57-من فيلم مولانا

يظهر الشيخ هنا وهو يخرج من الكنيسة، ويقوم بحركة ضم السبَّابة والإبهام التي ترمز إلى رقم 11، وهو الرقم الرامز إلى قرني الشيطان، وهو أيضًا رقم الدجَّال في الماسونيَّة، كونه يفوق رقم 10، الرامز إلى الإله الخالق. وفي ذات الوقت، يغلق الشيخ إحدى عينيه بالإصبعين، في إشارة لعين الرقابة الإلهية، أو عين الدجَّال. ويُلاحظ رضا القساوسة عمَّا قال

3.58-من فيلم مولانا

يغادر الشيخ حاتم القاعة في وسط وجوم مشايخ الأزهر، وحفاوة القساوسة، وهو يقوم بإشارة رفع الإبهام الماسونيَّة

3.59-من فيلم مولانا

ويلتف الشباب حو الشيخ، إعجابًا بما قال، وكأنَّما المطلوب هو فكر محسوب على الإسلام يُرضي غير المسلمين ويتوافق مع ملَّتهم…المطلوب هو شيخ مسيحي الفِكر والتوجُّه في زي الأزهر.

9.خاتمة

بعد تحليل ما روي عن طقوس جماعة الإسينيِّين-التي أقامت في منطقة البحر الميِّت في كهوف قُمران في الفترة ما بين القرن الأول قبل الميلاد حتَّى فترةٍ أقصاها عام 70 ميلاديًّا-تبيَّن أنَّها أبعد ما تكون عن سلوك أتباع نبي الله عيسى بن مريم (عليه وعلى سائر أنبياء الله أزكى الصلوات وأتم التسليم). فطقوس تلك الجماعة هي تقريبًا نفس طقوس الجماعات الماسونيَّة، وأبرزها التعميد بالماء لإماتة الإنسان العتيق، والقَسَم على الولاء التام للجماعة، وعدم القبول إلَّا بعد فترة اختبار قد تمتد إلى ثلاثة أعوام، واتِّباع الأوامر بلا اعتراض أو سؤال، والعيش في أخويَّات يتشارك فيها الأفراد الملكيَّات والواجبات، وقبل كلِّ ذلك السريَّة التامَّة، والموت في حال الخروج عن الأسس الموضوعة، واتِّباع مرشد روحي في أداء المهام يُطلق عليه “المعلِّم“. من الواضح من طريقة معيشة تلك الجماعة في كهوف ليس بها سوى منفذ للضوء أنَّها كانت تتبع العقيدة الغنوصيَّة في مذهبها اليهودي المعروف بالقبَّالة. نرى الصليب قد حُفر على الجدران، ويعني هذا أنَّ تلك الجماعة لو كانت قد ظهرت قبل ظهور المسيح وصَلبه، فمن أين لها أن تؤمن بالصليب إلَّا باتِّباعها العقائد الوثنيَّة السابقة؟

3.60-كهوف قُمران

ونلاحظ في الصورة التالية وجود ما يُشبه المذابح فوق الكهوف، ما يعني ممارسة طقوس الذبح فوق المرتفعات الخاصة بعبَدة آلهة الشمس، وبخاصة البابليين.

3.61-كهوف قُمران

وعلى أي حالٍ، فهناك كهوف شبيهة بهذه في سلطنة عُمان يُطلق عليها “مجلس الجن”؛ إذ يُعتقد أنَّها كانت مسكونة بالجن في السابق، ويخشى المواطنون الاقتراب منها. فكيف لإنسان لا يستحضر الشياطين ويستعين بهم أن يعيش في كهوف مثل هذه؟

3.62-كهوف مجلس الجنِّ

أمَّا عن الكهف الذي آوي إليه الفتية المؤمنون في بداية انتشار رسالة نبي الله عيسى، ويُعرف بكهف الرَّقيم، فيقع في قرية الرجيب، التي تبعد 7 كيلو متر شرق العاصمة الأردنيَّة، عمَّان. يصدر الله تعالى في مطلع سورة الكهف، وقبل سرْد قصَّة أصحاب الكهف والرَّقيم، تحذيرًا للمشركين من بعض عباده، ممَّن نسبوا إليه الوَلَد “وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)”.

3.63-كهف “أصحاب الكهف والرَّقيم”

وتشير قصَّة هؤلاء الفتية المؤمنين إلى أنَّهم آثروا الانعزال عن مجتمع شاعت فيه عقيدة وثنيَّة ادَّعت بنوَّة رجل من بني البشر، هو بلا شكٍّ يسوع النَّاصري، لله تعالى “نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)”. كأنَّما أراد الله تعالى أن يضرب مثلًا على الالتزام بصحيح رسالة نبيِّه عيسى بن مريم بهؤلاء الفتية، الذين آووا إلى كهف، ليس لممارسة طقوس مستمدَّة من ديانات وثنيَّة يُشرك من خلالها بالله ويُظنُّ أنَّها تقرِّب إليه، وإنَّما للحفاظ على سلامة معتقدهم والاحتماء من شرِّ الفئة الباغية التي أرادت تحريف صحيح العقيدة “وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20)” (سورة الكهف). مورست عقوبة الرَّجم المذكورة في الآية 20 من سورة الكهف بالفعل على أتباع المسيح، ولعلَّ قصَّة رجم استفانوس، الذي شارك فيه بولس الرَّسول بنفسه قبل الإيمان بالمخلِّص، وقتما كان اسمه شاوُل “وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ. فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي»” (سفر أعمال الرُّسُل: إصحاح 7: آيتان 58-59). أفاق الفتية من نومهم الطويل، بعد أن ظهر دين الحقِّ على الوثنيَّة، وقُضي على أتباع الملَّة الباطلة، من كفَّار بني إسرائيل مصداقًا لقوله تعالى في سورة الصَّف “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)”.

من هو سيِّد العدالة؟

نأتي إلى أهم نقطة، وهي هويَّة “سيِّد العدالة/مُعلِّم الحقِّ والصلاح”؛ قبل ترشيح أنسب الأشخاص الذين تنطبق عليهم مواصفاته، لنتذكَّر أوَّلًا أهم تلك الفضائل التي دافعت عنها جماعته: العدالة، والدفاع عن الحقِّ، والدعوة إلى الإصلاح، وبرِّ الوالدين، والرفق بالأطفال وكبار السنِّ، والحرص على التطهُّر، والإحجام عن الزواج؛ كما وصف هو نفسه في تراتيله بالحكمة، والقدرة الفائقة على تفسير النصوص لدرجة تُعجز كلَّ من يجادله.
إذا ما استرجعنا قول الله تعالى في نبيِّه يحيى بن زكريا (عليهما وعلى سائر أنبياء الله أزكى الصلاة وأتم التسليم) في سورتي آل عمران ومريم، لوجدنا أنَّ كافة فضائل جماعة قُمران ومعلِّمها تنطبق عليه:

سورة آل عمران

“فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بيحيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)”: يوصف نبي الله يحيي بأنَّه “سيِّد“، وزعيم قُمران لقبه “سيِّد العدالة”؛ وهو أيضًا “حصور”، أي لا يتزوَّج النساء، وجماعة قُمران انقطعت للتعبُّد وزهدت في الزواج.

سورة مريم

” ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يحيى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7) … يَا يحيى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (14)… فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)”

يُقال أنَّ المقصود بـ “الكتاب” هنا التوراة التي أُنزلت على موسى، وهناك رأي آخر بأنَّ الكتاب ربَّما يكون الدستور السماوي الشامل لكافة الكُتب التي أنزلها الله تعالى، بما فيها من شرائع وعبادات وأحكام. ويرى بعض المفسِّرين أنَّ ذكر الله تعالى للكتاب يعني السُّنة المرتبطة بتفسير الكتاب والإفتاء في المسائل العامة. وربَّما يعني الكتاب الكتب السابقة، ولكن ربَّما يعني الدستور/العقد السماوي الذي وضعه الله تعالى من أحكام وثوابت غير قابلة للتحريف والالتفاف واللي لإرضاء الأهواء. وكأنَّ معنى الكتاب هُنا العقد، فالعقد شريعة المتعاقدين، ولا يمكن أن الأخذ بعقد إن لم يكن مكتوبًا. أمَّا الحُكم، فيُقصد به الأحكام الشرعية الثابتة غير القابلة للتحريف والتأويل على حسب الهوى؛ وقيل الحُكم هو اللب والرزانة؛ وقيل هو الأسرار والخفايا المرتبطة بالآيات المنزَّلة التي تفرِّق الآيات الصحيحة عن المُحرَّفة.

ويرى الشيخ الشعراوي أنَّ الكتاب والحُكم مرتبطان، بحيث يشيران إلى المنهج الربَّاني وما يرتبط به من أحكام تنبثق عن هذا المنهج وتتفق معه ولا تنحرف عنه أبدًا. لا يمكن تزييف الأحكام على حسب الأهواء، وقد نزلت الآية 79 من سورة آل عمران “مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ” حينما جادل نفر من نصارى نجران الرسول (عليه وعلى سائر رُسل الله أفضل الصلوات وأزكى التسليم) وانضم إليهم في الجدال بعض من يهود المدينة، فسألوه رسول الله صلى الله عليه وسلم بماذا تؤمن وتأمر؟ فأبلغهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأوامر المنهج ونواهيه، وأصول العبادة، ولأن تلك الجماعة كانوا من أهل الكتاب، بعضهم من نصارى نجران والبعض الآخر من يهود المدينة، وكانوا يزيفون أوامر تعبدية ليست من عند الله، ويريدون من الناس طاعة هذه الأوامر.

وُصف يحيى ببر الوالدين، وبالحنان الذي يشمل الجميع، وبالتقوى، كما نُفي عنه الظلم والطغيان، أي كان عادلًا مُنصفًا. ووُصف-عليه السلام-كذلك بالصدق ضمنيًّا، فقد دعا أبوه الله تعالى أن يرث ابنه من آل يعقون، الذين آتاهم سبحانه “لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا“. ويعني هذا أنَّ مواصفات “سيِّد العدالة/مُعلِّم الحقِّ والصلاح” تنطبق أكثر شيء على نبي الله يحيى. وما يدعم هذا الافتراض أنَّ الله قد قال عنه “مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ“، والمقصود بهذا تصديقه رسالة عيسى بن مريم بعد بعثته وحُكمه بصحَّة كتابه المنزَّل من السماء، وفي هذا ما يتَّفق إلى درجة ما مع ابتهال “سيِّد العدالة” في تراتيله قائلًا “السماوات والأرض سوف تصغى إلى مسيحه، وما من واحدٍ هناك سوف يضل ويبتعد عن وصايا القدِّيسين وأوامرهم،” وفي هذا إقرار بأنَّ المتحدِّث ليس هو المسيح. أضف إلى ذلك قول “سيِّد العدالة” عن قدرته المُعجزة على تفسير النصوص وكشف أسرار كلام الربِّ، وفي هذا ما يتَّفق مع إتيان يحيى الكتاب والحُكم.

بعد الإشارة باستفاضة في النقطة الخامسة في هذه الدراسة إلى التشابهات بين سيرة بولس الرسول والمتحدِّث في التراتيل والأناشيد في مخطوطات قُمران، وبعد إظهار نقاط التشابه في أفكار زعيم جماعة قُمران وبولس الرسول ويوحنَّا المعمدان، أقرب تصوُّر يمكن الوصول إليه عن هويَّة “سيِّد العدالة/مُعلِّم الحقِّ والصلاح” أنَّها عبارة عن دمج لشخصيتي بولس ويوحنَّا في شخص رجل واحد كان على اتصال بجماعة قُمران وعاش فيها فترة من الزمن. ومن العجيب أنَّ مهمَّة يحيي بالتصديق برسالة عيسى قد حُوِّلت زورًا إلى مهمَّة التبشير به؛ في حين أنَّ عيسى هو الذي جاء مبشِّرًا برسول يأتي من بعده.

ويتناول المستشرق الفرنسي شارل جينيبير في كتابه Le Christianisme antique-أو المسيحيَّة القديمة-الصادر بالفرنسيَّة عام 1921 ميلاديًّا، والمنشور في نسخة بالعربيَّة من ترجمة شيخ الأزهر الأسبق الإمام عبد الحليم محمود-طيَّب الله ثراه-باسم المسيحيَّة: نشأتها وتطوُّرها، الانقسام العقائدي لبني إسرائيل في الفترة السابقة لميلاد نبي الله عيسى، مُفترضًا أنَّ ذلك الانقسام يعود إلى مرحلة السبي البابلي، وتأثُّر فئة من بني إسرائيل بعقائد الأمم الوثنيَّة، بينما احتفظت فئة أخرى بتعاليم الدين الصحيحة، وهي الفئة التي بقيت في الأرض المقدَّسة ولم تفارقها. وافترض وجود فرقتين أساسيَّتين في مجتمع بني إسرائيل حينها. يعيد ذلك على الأذهان قول رسول الله-عليه وعلى سائر أنبياء الله ورسله أزكى الصلوات وأتم التسليم-عن عوف بن مالك “افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتْ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ قَالَ الْجَمَاعَةُ” (سُنن ابن ماجه: 3982). يذكِّرنا الحديث الشريف عن انقسام بني إسرائيل زمن مولد المسيح بانقسام المسلمين إلى فرقتين أساسيَّتين اليوم، السُّنَّة والشيعة، وتندرج تحت كلِّ فرقة منهما فرق أخرى، غالبيتها انبثقت عن المذهب الشيعي، بل وبعضها صار ديانات مستقلَّة، نذكر منها البابيَّة والبهائيَّة والقديانيَّة والدرزيَّة والعلويَّة.

وبما أنَّ عيسى بن مريم-نبي الله ورسوله إلى بني إسرائيل-لم يخاطب قومه في القرآن إلَّا قائلًا “يا بني إسرائيل”، ولم يسمِّهم أبدًا اليهود، فالفرقة التي اختلفت عقيدتها عمَّا بُعث به هي فرقة اليهود. ولو تأمَّلنا مسمَّى “اليهود”، لوجدنا أنَّه يشير إلى الانتساب إلى سبط يهوذا، الذي انحدر منه نبي الله داود، والمبشَّر أن يأتي من نسله المسيَّا؛ وينطبق الأمر ذاته على مسمَّى “شيعة علي بن أبي طالب”، كون المهدي، الذي تكاد تتطابق عقيدته عند الشيعة مع عقيدة المسيَّا عند اليهود، سيأتي من نسله. ذكرنا وجود تشابه شديد بين عقيدة المخلِّص في آخر الزمان عند اليهود والشيعة، ولعلَّ هذه الآيات 1 إلى 6 من سورة مريم، على لسان نبي الله زكريَّا. ونبي الله زكريَّا من أواخر أنبياء بني إسرائيل، وكان كفيلًا للعذراء مريم في صباها، وقد ظهر في مرحلة زمنيَّة كان بنو إسرائيل يترقَّبون ظهور المخلِّص؛ تقول الآيات “كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)”. المثير للانتباه هو استخدام نبي الله زكريَّا عن خشيته من أناس من بني قومه أشار إليهم بـ “الْمَوَالِيَ“، جمع مولى-نفس مُسمَّى فقهاء الشيعة المحرَّف إلى مُلَّا، وتُجمع على ملالي. وبحسب موسوعة ويكيبيديا الرقميَّة، هذا اللقب منتشر استخدامه في الإشارة إلى علماء المسلمين في البلدان الشرقيَّة، مثل العراق وإيران، وتركيا، وباكستان، وأفغانستان، وشبه القارة الهندية، وآسيا الوسطى والبوسنة. الأجدر بالإشارة أنَّ بعض الجماعات اليهوديَّة استخدمت اللقب، “وبالأخص اليهود الفرس ويهود بخارى”، للإشارة إلى الزعامة الدينيَّة.

اجتمع فقهاء الإسلام، بما فيهم الصحابي الجليل عبد الله بن عبَّاس-رضي الله عنهما-على أنَّ المقصود بقوله تعالى “وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا” أنَّ زكريَّا خشي من أن يرثه عصبة بني عمومته لأنَّه لا وريث له. والسؤال: إذا كان رسولنا محمَّدٌ قد قال في حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وغيرهم “إنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنَّما ورَّثوا العلم. فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافر”، فماذا كان الوريث ليأخذ غير النبوَّة والكتاب؟ شعر النبي زكريا بدنو الأجل “وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا“، فأراد أن يطمئن على وجود مَن يقيم الحُجَّة على بني إسرائيل وقت ظهور النبي المرتقب، والذي لم تُخبر عنه الرسالة السماويَّة المتَّفقة مع القرآن الكريم أكثر من كونه نبيًّا مرسلًا لبني إسرائيل لنفي العقائد الباطلة وإعادتهم إلى الطريق القويم. وفي قوله تعالى “وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي” إشارة جديدة إلى شعور زكريَّا بتدابير خفيَّة لهؤلاء “الْمَوَالِي” لتحريف الحقائق؛ أمَّا عبارة”مِن وَرَائِي“، فهي تشير ليس فقط إلى أنَّ تلك التدابير ستُحاك بعد وفاة زكريَّا، إنَّما من وراء ظهره في حياته، لكن “وَهَنَ” صحَّته يحول دون قدرته على مواجهة خصومه.  استجاب الله تعالى دعوة زكريَّا، وورث يحيى النبوَّة، مصداقًا لقوله تعالى في الآية 39 من سورة آل عمران “فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ“، والكتاب، كما تشير الآية 12 من سورة مريم ” يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا”. وتُسند الآية 39 من سورة آل عمران إلى نبي الله يحيى مهمةً سيضطلع بها: “مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ“، والمقصود بـ “كَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ” نبي الله عيسى، وفق آراء المفسِّرين. وتعزز الآيتان 10 و11 في سورة مريم الانقسام في صفوف بني إسرائيل خلال الفترة السابقة لظهور نبي الله عيسى “قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)”؛ أوحى الله تعالى لنبيِّه زكريَّا بألَّا يكلِّم الناس جميعًا إلا رمزًا، بما فيهم قومه، الذين يشاركونه طقوس العبادة “سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا“، مما يعني وجود فئة من بني إسرائيل تميَّزت عن باقي الناس بالتزامها برسالة الأنبياء. ويعني هذا أنَّ الفئة المخالفة لرسالة الأنبياء هي فئة “الموالي”، التي-كما يوحي اسمها-بأنَّها انقسمت في داخلها إلى فئة من الأسياد العارفين والمقرَّبين من الربِّ، وفئة من الأتباع.

باختصار، أراد نبي الله زكريا لمَّا شعر بقرب لقاء ربِّه أن يطمئنَّ على الحفاظ على رسالة الأنبياء من آل يعقوب من عبث مُعتنقي العقائد الشرقيَّة وتحريفهم الوحي الإلهي بما يساير تلك العقائد. أمَّا عن مصدر تلك العقائد، فسبقت الإشارة إلى تشبُّع عقليَّة بني إسرائيل في مرحلة ميلاد عيسى بالعقائد الوافدة من الأمم الوثنيَّة، وبخاصَّة الشرقيِّة، حيث سُبوا في بابل، وأعادوا كتابة التوراة وفق عقائد الأمم الأخرى. أراد زكريَّا “وَلِيًّا” صالحًا من أولياء الله، يحكم بين بني إسرائيل وفق ما جاء في “الْكِتَاب” السماوي عن حقيقة عقيدة المسيَّا وقت ميلاد آخر أنبياء بني إسرائيل، وليس خاتم الأنبياء والمرسلين. ورث يحيى النبوَّة والكتاب عن أبيه، والصدق المدحض للبهتان عن آل يعقوب، الذين قال تعالى عنهم في الآية 50 من سورة مريم “جَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا“، ليؤازر عيسى بن مريم-المبعوث “رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ” (سورة آل عمران: آية 49) -في قوم “كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ” (سورة المائدة: الآية 70).

تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الإسينيِّين الذين نقلوا إلى مصر وفلسطين عقيدة المسيَّا المخلِّص، أو المسيَّا الملاك-التي طبِّقت من قبل على بوذا في الهند-في المجامع العلمية في المناطق التي زاروها، ومن هنا انطلقت العقيدة إلى آسيا الصغرى، حيث نشأ شاؤول الطرسوسي، وإن كان في الأصل من بلاد فارس. طبَّق المؤمنون بتلك العقيدة من اليهود على المسيح عيسى بن مريم، الذي اعتبروه المسيَّا المنتظر، وفق نبوءة النبي ناثان وبشارتي النبيين اشعياء ودانيال، وكلُّها وردت في التوراة. ولعلَّ هذه المؤشرات تثبت أنَّ جماعة الإسينيِّين هي مؤسس حركة “القوَّة الخفيَّة”، نواة الماسونيَّة العالميَّة. ونذكِّر أنَّ الباحثين مايكل بيجنت وريتشارد لي أشارا في كتابهما خديعة مخطوطات البحر الميِّت-Dead Sea Scrolls Deception (1993) إلى اعتقادهما أنَّ الفترة التي قضاها شاؤول الطرسوسي ما بين محاربته أتباع المسيح وانضمامه إليهم لم تكن في دمشق-حيث أشاع أنَّه رأى المسيح في طريقه إليها-ولكن في صُحبة جماعة قُمران من الإسينيِّين. ويحضرنا في هذا السياق قول الله تعالى في الآية 27 من سورة الحديد “ثُمَّ قَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ“؛ وقد أوضح الله تعالى فعل الفاسقين من أتباع المسيح في الآية 47 من سورة المائدة “وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فأولئك هُمُ الْفَاسِقُونَ“. ينبِّئنا الله تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين بأنَّ من أتباع المسيح من بدَّل كلامه تعالى وأدخل على العقيدة السماويَّة ما ليس فيها من بِدع.

يعني هذا أنَّ عقيدة ألفيَّة المسيح ونزوله آخر الزمان ليحكم العالم، ويقضي على كافة أعداء بني إسرائيل، وحُكمه يوم القيامة بين الخَلق، ودخول الجنَّة والفوز بالنعيم الأبدي بمجرَّد الإيمان به بلا عمل، قد وُلدت في كهوف قُمران. وهناك من النصوص القرآنية ومن الأحاديث النبويَّة الصحيحة مع ما يتعارض مع هذا كلِّه. كما أنَّ عقيدة الغنوصيَّة التي تقضي بتقسيم مهام الخَلق بين خالقٍ سماوي وخالقٍ للكون المادي وكلمة هي بدعة يتعارض معها القرآن الكريم. ولعلَّ في التوافق الفِكري بين “سيِّد العدالة” و”بولس الرسول” و “يوحنَّا المعمدان” ما يشير إلى كون آثارهم من كتابات من إعداد شخص واحد اتَّخذ لنفسه هوية أحد هؤلاء الثلاثة، أو واحد منهم. ويشترك الثلاثة في التبشير بالمسيح المخلِّص في آخر الزمان، ويبدو أنَّ مهمَّة القديس يوحنَّا في التبشير بالمسيح والشهادة على صحَّة بعثته الإلهية ونزول الروح القُدُس عليه في ظهوره الأول قد تم تكرارها، ولكن بإسنادها إلى عدَّة شخصيات. ولعلَّ في اختيار المخرج المصري اسم “يحيى شكري”-“يحيى” على اسم القديس يوحنَّا، و”شكري” تيمُّنًا بصيغة الثناء للربِّ في تراتيل مخطوطات قُمران-ما يشير إلى مشاركته في حَمْلة التبشير العالميَّة بعودة المسيح.

ولعلَّ في اختيار اسم بابا الفاتيكان منذ وفاة البابا بيوس الثاني (1958)، وهو البابا الذي اكتُشفت المخطوطات في عهده، وحتَّى إتاحة المخطوطات للاطلاع العام، ما يثبت اقتران بولس ويوحنَّا في التوطئة لعقيدة المسيحيَّة ونشرها في مهدها. فبعد بيوس الثاني، جلس على الكرسي يوحنَّا الثالث والعشرون منذ أكتوبر 1958 إلى يونيو 1963، والذي جاء بعده بولس السادس منذ يونيو 1963 إلى أغسطس 1978، وبعده جاء يوحنَّا بولس الأول لمدة 33 يومًا حتى سبتمبر 1978، وخلفه يوحنَّا بولس الثاني منذ أكتوبر 1978 إلى أبريل 2005، وكأنَّ يوحنَّا بولس الثاني هو الثاني في الترتيب بعد “يوحنَّا المعمدان” و”بولس الرسول” من حيث الأداء والفِعل. يُذكر أنَّ من أهم مظاهر التماهي مع اليهود التي أبداها البابا يوحنَّا بولس الثاني الوعد بتعديل 70 آية من العهد الجديد فيها إساءات لليهود، مع التذكير بالأصول اليهودية للمسيح والحواريين، والدعوة إلى تنقية الذاكرة من الأفكار المعادية لليهود.

 وتجدر الإشارة إلى أنَّ مَن وقَّع على وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح هو البابا يوحنَّا الثالث والعشرون عام 1963 ميلاديًّا، خمسة أشهر قبل وفاته. وعُرف عن البابا يوحنَّا الثالث والعشرين على إظهار حفاوة باليهود، وتعاطف مع قضيَّتهم. وقد ذَكر أنَّه اطَّلع بنفسه أثناء خدمته في الشرق الأدنى على معاناة اليهود هناك من الاضطهاد؛ ومن ثمَّ رأى في إفساح الطريق أمام اجتماعهم في وطن قومي ما يستحق التأييد. ولمَّا جاء وفدٌ من اليهود الأمريكيِّين لتقديم شكرهم للبابا، استقبلهم يوحنا قائلًا: “«أَنَا يُوسُفُ أَخُوكُمْ. أَجَلْ، إِنَّ ثَمَّتَ فَرْقًا بَيْنَ الذِي لاَ يُؤْمِنُ إِلاَّ بِالعَهْدِ القَدِيمِ وَبَيْنَ الذِي يُؤْمِنُ أَيْضًا بِالعَهْدِ الجَدِيدِ أَنَّهُ الشَّرِيعَةُ الهَادِيَةُ العُلْيَا. وَلَكِنَّ هَذَا الفَرْقَ لاَ يُنْقِصُ شَيْئًا مِنَ الأُخُوَّةِ القَائِمَةِ عَلَى أَصْلِنَا الوَاحِدِ: أَلَسْنَا جَمِيعًا أَبْنَاءُ أَبٍ وَاحِدٍ فِي السَّمَاوَاتِ؟ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا حُبٌّ مُشْرِقٌ، حُبٌّ نَشِيطٌ فَعَّالٌ»”. تجدر الإشارة إلى أنَّ خدمة البابا يوحنَّا الثالث والعشرين في الشرق الأدنى كانت في تركيا أثناء تولِّيه منصب رئيس المهمَّة الديبلوماسيَّة للفاتيكان هناك في ثلاثينات القرن الماضي، الفترة التالية لسقوط الخلافة، أي أوج سطوة يهود الدونمة.

وتستدعي مسألة ادِّعاء الأصول اليهوديَّة للمسيح بعض الانتباه، فقد حدد الله تعالى في الآية 33 من سورة آل عمران “إِنَّ اللَّهَ اصطفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ” نسب نبيِّه ورسوله عيسى بن مريم ليكون من آل عمران، المنحدرين من سلالة أب الأنبياء إبراهيم، وكأنَّه أراد أن ينفي انتساب المسيح لأي فئة ادَّعت إيمانها بالله بعد تحريف الوحي الإلهي بما يخدم مصالحها. من المعروف أنَّ اليهوديَّة هي ملَّة ابتدعها عزرا الكاتب بعد عودة بني إسرائيل من بابل، اتِّباعًا لعقائد الأمم الوثنيَّة، التي اعتقدت في ظهور مسيَّا مُخلِّص يضمن لها حُكم العالم ويطهِّرها من آثامها بلا عمل.

وأصل مُسمَّى اليهوديَّة هو الانتساب لسبط يهوذا، الذي كان يُتنبَّأ بخروج المَسيَّا المنتظر منه، وفق نبوءات ناثان واشعياء ودانيال في العهد القديم. وجاء عيسى بن مريم لينفي أنَّه المَسيَّا، ويُحدد مهمَّته قائلًا “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ“، كما تروي الآية 6 من سورة الصفِّ. وجاءت الآية 49 من سورة آل عمران “وَرَسُولًا إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الموتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلك لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” لتؤكِّد هذه المهمَّة، وتشير إلى أنَّ عيسى قد بُعث ليثبت أمام بني إسرائيل الذي استعانوا بتعاويذ وتمائم تسخير الجان أنَّ كلمة الذين كفروا السفلى ويبرهن على أنَّ كلمة الله هي العليا بما قام به من معجزات “بِإِذْنِ اللَّهِ“. جاء المسيح ليثبت كذب نبوءات العهد القديم بشأنه، ولعلَّ من حِكم المولى تعالى في نزول المسيح آخر الزمان ليفصل بين المهدي والدجَّال أن يؤيد المهدي ويشهد أمام الجميع كذب ادِّعاء أنَّ المَسيَّا في آخر الزمان من بني إسرائيل وسيحكم العالم ألف عام وسيُدخل بني إسرائيل الجنَّة بلا عمل بمجرَّد الإيمان به وسيُهلك كافة الأمم سواهم. وقد ورد في صحيح البخاري-الصحيح الجامع برقم 3449-أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) قال: “كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم”؛ كما جاء في صحيح مسلم-حديث برقم 312-أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) قال: “فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لاَ، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ.” يتَّضح الآن أنَّ في رفض عيسى إمامة المسلمين في وجود المهدي تأكيدًا على إمامة المهدي للأمَّة.

وآخر نقطة نودُّ إيضاحها هي إشاعة فرية عن زواج المسيح من مريم المجدليَّة، وأنَّ ابنتها التي أنجبتها منه في مصر قد انتقلت معها إلى فرنسا. وقد علمنا أنَّ المخرج المصري “يحيى شكري” قد أشار إلى هذا ضمنيًّا بإظهار أنَّ شبيه المسيح وافد من فرنسا في فيلمه المصير. وفي فرنسا ذاتها، يتوقف زحف المسلمين إلى أوروبا-كما جاء في الآخر. وفي هذا ما يعني أنَّ بني إسرائيل قد اختلقوا كذبة عن وجود نسل للمسيح، سيأتي حفيد له منه ليكون تجسيدًا جديدًا للربِّ، وقد هيَّأ إنجيل يوحنَّا لهذا بالإشارة إلى أنَّ “المعزِّي/الفارقليط” سيكون مختلفًا عن المسيح في الخِلقة، ولكن سيطابقه في الروح. وكما ذكر رسولنا الكريم أنَّ المهدي من وِلد فاطمة، فالمسيح الإله في آخر الزمان من وِلد سارة، ابنة عيسى ابن مريم المزعومة. ومن الجلي أنَّ فرية ابنة المسيح ما هي إلَّا محاولة عبثيَّة لإكساب الدجَّال الشرعيَّة وقت ظهوره؛ وما هي كذلك سوى حيلة مفضوحة لمحاربة قدر الله تعالى الذي قضى بأن يكون الإمام في آخر الزمان من نسل خاتم الأنبياء والمرسلين، مُحمَّد بن عبد الله (عليه وعلى سائر أنبياء الله أزكى الصلوات وأتم التسليم).