أخبار عاجلة

يوسف الصديق، هل “يفكر”؟ أم “ينكت” بروح الجريد المرحة؟

البروفيسور أبو يعرب المرزوقي

فيلسوف إسلامي
عرض مقالات الكاتب

نشرت صورة ليوسف الصديق يتكلم فيها على التلاعب بالقرآن عند نقله من الشفوي إلى الكتابي في المصحف حتى لو صدقنا أن القرآن لم يكتب إلا حينها فخلطنا بين جمع نسخه وبين كتابته واعتبرناها الأولى. وقد سبق لي أن علقت مازحا على كتابه “ما قرأنا القرآن أبدا” الذي اعتبرته ملحة وليس بحثا أكاديميا بمعنى النكتة الجريدية ردا على ملحة بملحة- إذ المرازيق أجوار الجريديين ويشتركون في “التنكيت المرح”. سميت بحثه بالأثيمولوجيا القذافية وإن بالعكس عندما اعتبر القذافي شكسبير شاعرا عربيا لأن اسمه يشبه «الشيخ زبير» كما اعتبر الصديق الجبت هي «ايجبت» أي مصر باليونانية إلخ….
وقيل لي إن الملحة لم تعجبه لما وردت على لسان معلق في أحد البلاتوهات في فضائية تونسية. لكني حول تحريف القرآن وليس حول مصادره اليونانية سمعت نغمته الجديدة عديد المرات. فهو يعتبر تدوين القرآن في المصحف العثماني تلاعبا به مدعيا انه غير القرآن الشفوي. وهذا ما اعتبره لاباليساد لأن المدون غير الشفوي دائما. ذلك أني أستبعد أن يكون قائلا بالخرافة الشيعية رغم أن الشبه بين الدعويين لا يغفل عنه ذو عقل. والفرق الوحيد هو أنهم يعتقدون ذلك قد حصل منذ وفاة الرسول الخاتم وليس عند التدوين النهائي في مصحف عثمان.
لذلك وبنفس المنطق المازح يمكنني أن اعتبر التمييز بين المصحف والشفوي “لاباليساد” إذا نفيت عنها القصد الشيعي. فالنقلة من الشفوي إلى الكتابي طبيعي أن تحدث تغييرا ما حتى بالصدفة. المشكل أنه استعمل تلاعب ومن ثم فالتغيير مقصود بهدف التحريف. وذلك هو المعنى الشيعي لتحريف القرآن العثماني في مقابل قرآن فاطمة أو قرآن علي.
ورغم أنه لم يصل إلى أرذل العمر فإن علاماته -حتى لا يعلم من بعد علمه شيئا-بدأت تظهر. فهذه الفكرة نفسها حتى بهذا المعنى تبقى ملحة جريدية كذلك. وقبل الكلام فيها وبيان أنها نكتة وليس إعلاما باكتشاف علمي سأعود إلى مسألة الأثيمولوجيا. سأفترض كل ما قاله صحيحا بخصوص الأصول اليونانية للكلمات التي عرضها في كتابه حول قراءة القرآن “الثورية” التي يدعيها. ومع ذلك فهي لا تثبت الأطروحة التي يفترض هذه الظاهرة اللغوية دالة عليها في حالة صحتها.
فحتى في التسليم بأن الأصول اليونانية ثابتة فإنها لا يثبت شيئا يخص علاقة القرآن من حيث هو رسالة بمعاني يونانية فضلا عن النظامين اللذين يتعلق بهما القرآن أعني نظام تعمير الارض والاستخلاف فيها ونظام العلاقة بين هذا النظام وعلاقة الإنسان بما يتعالى على الدنيا.
وسأضرب مثالا يقرب المعنى الذي أقصده: فالمساجد الإسلامية -ومنها جامع القيروان-غالب حجارتها رومانية وخاصة أساطينها (العرص). فهل فقدت خصوصيتها الإسلامية ومعانيها القرآنية فصارت المسجدية فيها تتحدد بالحجارة التي شيدت بها؟
مثل هذا الخطأ التأويلي لا يقبل من “فيلسوف” يدعي التفرد بالذكاء والألمعية الحداثية عند حداثيي العرب لأن ما يحدد حقيقة الشيء -بمعنى ما يفيده للإنسان المتصل بها روحيا أو حتى علميا أو جماليا-ليس المادة التي رسم فيها بل الرسم نفسه في أي مادة اتفق. فيمكن أن أعبر عن معان بكلمات ذات أصل إنجليزي أو يوناني أو “كرنكاتي” أو جريدي من حيث مادة الألفاظ مع صحة ذلك فعلا دون أن تكون المعاني المقصودة هي دلالاتها في تلك المادة اللفظية. وهذا وحده كاف لبيان خواء كتاب “ما قرأنا القرآن أبدا”. ومن يعلم وجوه الشبه بين الفرنسية والانجليزية مثلا يعلم ما يسمى بالصداقة الزائفة في دلالة الالفاظ المتشابهة.
أمر الآن إلى مسألة التغير الذي يحصل خلال الانتقال من الشفوي إلى الكتابي. وحصوله غير القصدي أي الذي لا يهدف للتحريف لا يمكن لأحد أن ينكره وهو لا يغير من قدسية القرآن تماما كما لا يغير من مسجدية المسجد خطأ المهندس في كتابة آية على جدرانه أو حتى خطؤه الهندسي في بناء قبابه ومئذنته. وهذا ما قصدته باللاباليساد. لكن الكلام هو على التلاعب خلال النقل من الكتابي إلى الشفوي أي التغيير التحريفي بقصد فصلا عن كون المسلمين يعتقدون أن القرآن من أصله كتابي لأنه من اللوح المحفوظ ولذلك يسمى كتابا وهو ما ينفي كل أمكانية أن يكون القرآن قد بقي شفويا حتى عهد عثمان وأنه كان مكتوبا خاصة والكتاب يلح حتى على كتابة دين بين المتعاملين ناهيك عن القرآن وهم يرون اليهود كيف يعاملون كتابهم. وليس لقائل هذا الكلام الذي يردده الصديق إلا طريقتان لا ثالث لهما لأثبات هذه الدعوى. فلنبحث في أسانيدهما:
1. الطريقة الأولى علمية أساسها علم تحقيق النصوص وهي مبنية على وجود نسخ بديلة مختلفة عن النسخة العثمانية ما يعني أن الاحتجاج سيعتمد على مفاضلة بين النسخ بعد مقارنتها لبيان أيها أكثر صحة أو أقل تحريفا إذ يعسر أن نزعم وجوده في واحدة وعدمه في الثانية قبل ذلك بل وبإطلاق أيضا. وهي طريقة نقلية بمعنى أنها تعتمد على العيان التجريبي. وطبعا فهي مصحوبة بطريقة نظرية هي قرب ما تتميز به النسخة الفاضلة على النسخة المفضولة مما نفترض أنه الاصل أي مما يكون أكثر تناسقا في المشترك بين النسخ المختلفة التي نفاضل بينها بعد المقارنة إن كانت موجوده.
2. الطريقة الثانية ليست نقلية بل هي عقلية خالصة لأنها لا تنطلق من تعدد نسخ موجودة بل من فرضية استنتاجية في غياب تعدد النسخ وحضور نسخة وحيدة هي النسخة العثمانية (اللهم إلا إذا كان يقول بنسخة فاطمة أو علي). وأعتقد أن الصديق ميال للطريقة الثانية لأن لم أسمعه يقول بالطريقة الشيعية أو عبر عما قد يستنتج منه أنه يقول بها.
ولما كانت الطريقة الأولى قد جربها كل أدعياء البحث عن الأصل. وعندنا منهم الكثير من الدجالين الذين مولتهم “مؤمنون بلا حدود” ليخرجوا لنا مسخا يضحك منه أي دار بدراسات القرآن عند القدامى إذا قارن ما يدعونه من إضافات إلى علم القراءات فإني أعتقد أن له طريقة أخرى هي الثانية. لذلك فكلامي سأحصره فيها وهي طريقة لم يقل بها الصديق وحده بل قال بها كل من ادعى أكثر من ذلك فنفى حتى صحة بداية التدوين مع المصحف العثماني بل اعتبره متأخر التدوين مثل الحديث في القرن الثالث. لكن الصديق يتكلم على المصحف العثماني. ولا أحتاج لمطالبته بالحجج على ما يقول لعلمي أنها مستحيلة نقلا وعقلا ومن ثم فلن أحاججه هو بل سأبين هذه الاستحالة المضاعفة لأن القصد ليس هو بل إلجام من هم أكثر من «تنكيتا» سمجا.
1. وأبدأ بالاستحالة النقلية:
فكيف يدعون إثبات الفرق بين موجود ومعدوم؟ الموجود هو قرآن المصحف. والمعدوم هو القرآن الشفوي. فالشفوي من خاصياته الجوهرية أنه إذا لم يدون يموت مباشرة بعد التلفظ به ولا يبقى إلا في ذاكرة من سمعوه وحفظوه وهؤلاء لا نعلم من بقي منهم حيا بعد 14 قرنا حتى لو كان بينهم نوح فسمعه الصديق ليخترع ملحته.
2. وأثني بالاستحالة العقلية:
كيف ندعي الفرق بين الشفوي والمدون إذا لم نثبت ما يستحيل إثباته عقلا أي استخراج فراغات في القرآن المدون تثبت إزالة شيء منه وزيادات فيه تثبت إضافة شيء إليه من دون علتين منطقيتين هو ما يثبت الاستحالة:
• علة الامتناع الأولى:
لا بد أن نثبت أن النص من دون الفراغات التي ندعيها فرضيا يكون فاقدا لشروط تناسق ما بقي فيه بمعنى أن الثغرات تعبر عن وجودها بعدم التناسق في النص الذي هي فراغاته؟
• علة الامتناع الثانية:
لا بد أن يكون النص بتلك الزيادات التي ندعيها قد ملأت الفراغات التي ادعيناها فاقدا للشروط التناسق فيه بسببها وأن نثبت أن النقصان والزيادة يترابطان بعلة التلاعب المزعوم؟
لماذا أقول إن ذلك مستحيل عقلا؟ وأعني بالاستحالة العقلية أمرين:
1. الأمر الأول هو أن الاستحالة العقلية لا تطلب إلا إذا سلمنا أن القرآن نص عقلاني يسلم بمبادئ العقل الثلاثة التي كانت سائدة لما نزل. والصديق وأمثاله لا يسلمون بذلك. فهو يعتبره نصا إن لم “خرافيا” فهو إبداعي (لقيسه الرسول على شكسبير) وككل خرافة أو نص إبداعي جمالي. كلاهما لا يخضع للعقلانية التي تنطق عليها مبادي العقل أي مبدأ ثبات الهويات ومبدأ عدم التناقض ومبدأ الثالث المرفوع. وأنا أيضا أعتقد أن القرآن لا يسلم بهذه المبادئ ولكن ليس لأنه خرافة أو إبداع إنساني بل لأنه يستند إلى العلم المحيط الذي لا يقول بنظرية المعرفة والقيمة المطابقة في علم الإنسان مثل أرسطو ويحصر الإحاطة في علم الله وحده لعلمه بالغيب. ولكن هذه قضية أخرى وليس هنا محل الكلام فيها.
2. الأمر الثاني أن تطبيق معيار العقلانية في هذه الحالة حتى لو تنازلنا عن الأمر الأول وقبلنا باستعمال معيار العقلانية فإن ذلك ينبغي أن ينطبق أيضا على ما يفترض ناقصا أو ما يفترض زائدا وسكون هو بدوره نصا. فمن أين سيأتي به وهو شفوي ولم يبق ممن سمعوه أحد حيا إلا أصحاب “الملح” في العالم وليس في الجريد وحده.
والنتيجة أن هذه المحلة الثانية مثلها مثل الملحة الأولى أو النكتة الجريدية لا تثبت أن صاحبنا فعلا يعي ما يقول وأنه يردد حكاية تراوح بين الدعاية الشيعية والدعاية العلمانية وكلتاهما لا تزعمان أمرا مستحيل الوقوع لكن ليس كل ممكن حاصلا وإلا لاستحال أن يوجد شي هو على حقيقته ما هو لأن كل موجود ممكن لكن ليس كم ممكن موجود.
وهذا من منطق الجهات ليس بمعنى مناطق الجمهورية بل بمعنى جهات الوجود في الاصطلاح المنطقي إن بقي للخرف المخرف منطق. لأن ما يعني في النصوص المرجعية هو ما يعتقده المؤمنون به وليس ما يتخيله أعداؤه أو أدعياء العلم الزائف الذين تغيب عنهم هذه المعطيات فيدعون ما لا يستطيعون إثباته فيصح عليهم ما يقول هيجل في المشككين في كل شيء عدى التشكيك في تشكيكهم.
وختاما فغالبا ما لا أرد على مثل هذه الخرافات لأن الرد عليها يبدو في غير متناول من قد يكون الرد شافيا لغليله. طفح الكيل فاضطررت للتلطيف بالكلام على «النكت» عند قبيلته (الجريد) وقبيلتي (المرازيق).

المصدر: مدونة الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

دور التنمية المستدامة في القطاع التعليمي من منظور الفكر الإسلامي

د. محمد القطاونة أستاذ العقيدة والفلسفة بالاشتراك مع أ.سعيد محمد زعبنوت_ باحث دكتوراة …