أخبار عاجلة

المجتمع الإسلامي في صحيفة المدينة

محمد السائح

كاتب وقانوني سوري.
عرض مقالات الكاتب

إن من أعظم الدساتير والنظم لا شك ولاريب هو النظام الإسلامي بمحتوياته وغاياته بدءًا بنظامه العقدي ثم الشرعي وليس انتهاءً بالسياسي والاجتماعي والمعاملات المتداولة بين المجتمع، والمجتمع والحاكمية.

وقد شدّ انتباهي النصوص أو المواد التي وضعها محمد عليه الصلاة والسلام في وثيقته لأهل يثرب التي -إن جاز التعبير – فهي عروة وثقى حقيقّ على اللبيب أن يستمسك بها ويحذو حذوها ممن أراد إنشاء دولةٍ أو لنقل أمةً تحقق التلاحم البشري بكل أطيافه. لقد حقق النبي الكريم وأنجز دولةً بكل مقوماتها وأصعدتها من بطن أمة وسطًا بكينونتها حين قال الله تعالى (وجعلناكم أمةً وسطا) وحين تمعن النظر في كيفية بلورة ذاك المجتمع القبلي (قريش) من قبل النبي عليه الصلاة والسلام، تجد عظمة هذا الرجل “النبي” وذكائه وحلمه المنقطع النظير. كل هذا من لدن حكيم عليم (الله)جلّ جلاله، وتجد كيف أن هذا الرجل الفذ صيّر دولةً حين لم تكن أمة بل عبارة عن مجتمعات قبلية يسودها العرف والعادات ولا يحكمها سوى ذلك. وحتى حين خالف الرسول الأعظم اليهود بشريعتهم أراد من بين المبتغيات هو ليس فقط مخالفة دينية شرعية، بل أيضًا مخالفة مجتمعية ترمي إلى خلق مجتمع إسلامي كائن لوحده دون الاستعانة بنظم مجتمعية أخرى، هذا بالإضافة إلى الغاية الشرعية الأساسية وبالتالي أراد نبينا الكريم صهر تلك المجتمعات بالمجتمع الإسلامي الذي تولّد مفهوم الأمة، وبدور ذلك أصبح اليهود وكل كتابيّ جزءً من تلك الدولة لهم ما على المسلمين والعكس بالتأكيد صحيح. وكم من المفكرين الاجتماعيين والسياسيين قد انبرى في تعاريف الأمة والدولة أمثال المفكر ذو العقل المستنير (ابن خلدون) حين عرّف الأمة وفرّق بينها وبين الدولة. وحتى المفكرون الغرب صالوا وجالوا بأقلامهم في تبيان الدولة ومقوماتها وإنشاءها وتعريف الأمة، لكنها لم ولن تصل في لجً بحر القانون الإسلامي المستمد من القانون الإلهي مهما عاموا وسبحوا سيبقون على شواطئه.

لقد وُضِعت دساتير وقوانين “جمّة” ناظمة للحكم وعلاقة الحاكم بالمحكوم من آلاف السنين كشريعة حمورابي التي تناولت في موادها الشؤون المدنية وقضايا الأحوال الشخصية والشؤون العسكرية والمعاملات التجارية، إلا أن تلك الشريعة عنت بالدنيا وما تطرقت إلى الدين، لذلك يمكن أن نطلق عليها سمة (العلمانية) وشبيه ذلك قانون (جوستنيان) إلا أن جوستنيان – باستثناء القضايا المدنية – تطرق إلى الدين سيما وأن من شارك في وضع هذا القانون هم رجال الدين المسيحي البيزنطي. ولكن كل هذا ينصهر في بوتقة المصالح السياسية للإمبراطور وحاشيته وأيضَا مدونة (لبت عشتار) السومرية التي كانت مدونتها تتألف من مواد بغية إقامة العدل أولًا ثم التطرق للشؤون المدنية ومثيلاتها. ولكن في مقدمتها وهو أساس ذلك نظرية (التفويض الإلهي) الذي لا يعدو كونه وثنًا والغاية من هذا التفويض تحقيق السيطرة البشرية للحاكم على محكوميه. من هذه الأمثلة نستنتج رخاوة تلك الشرائع والقوانين التي وضعت بيد الإنسان من أجل مصلحة فرد على حساب أفراد وهو المجتمع. لذلك لا تجد شريعة أو قانونًا مستدامًا كشريعة الاله الواحد الأوحد سيما النهج الإسلامي بكل عناصره ومدوناته، ولا تجد له مثيلًا أو ندًا في العدل بين الناس بكافة مذاهبهم أو أديانهم. تلك صحيفة محمد (عليه الصلاة والسلام) التي اشتملت بها الرحمة والعدل والإنصاف لأهل يثرب وللناس أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

العاهل الأردني وإيزنهاور وملءفراغ القوة!

جهاد الأسمر كاتب ومحامٍ سوري. التاريخ السياسي للمنطقة العربية يعيد نفسه،وذلك من خلال …