أخبار عاجلة

التعليم العالي في العراق بين التخبط والفشل

المحامي محمد نادر العاني

باحث في مجال حقوق الإنسان
عرض مقالات الكاتب

يعد مفصل التعليم العالي في أي بلد مفصلا مهما حيث يمضي بدوره نحو التنمية والتطور والتقدم لتحقيق الفعالية الحقيقية في استثمار الموارد البشرية التي تمثل الطاقة المستدامة لاي دولة إذ يعتبر التعليم العالي في أي بلد (العامود الفقري) للدولة.

    وإن النظر بتعمق في مخرجات وزارة التعليم العالي في العراق بعد عام ٢٠٠٣ والتمعن بالقرارات والأنظمة والقوانين التي تتبعها الوزارة سنجد أمامنا حقائق خطيرة قادت بالوزارة والجامعات والشهادات نحو منحدر الضعف والسلبية وتدني في المستويات وهبوط الوثائق العلمية والذي يعكس بدوره التراجع الكبير للروح التنموية التي تقود البلد نحو التقدم.

إن التعليم العالي في العراق مر بعدة قفزات ومنعرجات منذ انبثاق الدولة العراقية إلى يومنا وتعد  اللبنة الأولى هي جامعة بغداد لتأسيسها إلى ما قبل تأسيس الدولة العراقية ، حينما تم افتتاح كلية الحقوق قبل تأسيس الدولة بشكل ٍ انفرادي ، وبعدها وتحديدا ً عام 1927 تم افتتاح كلية الطُب والصيدلة أيضا ً ، هذا تم قبل تسمية جامعة بغداد مع الكليات الأخرى نهاية الخمسينات من القرن المنصرم بتشكيلات أو بكليات وربمّا بمعاهد أكثر من السابق ، تلتها في بداية الستينات تأسيس الجامعة المستنصرية ، ثم جامعتي الموصل والبصرة عام 1967 والجامعة التكنولوجية الرصينة ظهرت في الميدان العلمي العراقي منتصف السبعينات …

نعم الجامعات العراقية وتحديدا ً التي ذكرناها المنصرم بمكانة عالمية بين الجامعات، وتتنافس الصدارة في الكثير من المجالات، ولا سيما البحث العلمي، رغم قلة الكادر التدريسي واعتمادها على إبرام العقود مع أساتذة من دول صديقة، سبق وأن مارسوا مهنة التدريس في جامعات رصينة. وبلغت ذروة الرصانة العليمة وقوة الشهادة العراقية في فترة السبعينات من القرن الماضي. وفقا لشهادة الأمم المتحدة (اليونسكو) للتربية والتعليم والثقافة، كانت تعتبر الجامعات العراقية من أفضل جامعات المنطقة، فيما تخص الحركة العلمية والمختبرات وتكنلوجيا متطورة متوفرة للطالب مع الدعم الحكومي، بحيث جامعة بريطانية، أجرت دراسة عن كفاءة الطلاب القادمين من خارج المملكة المتحدة، كان الطلاب العراقيون يحصلون على المرتبة الثانية بعد الصينيين، وكانت الجامعات العراقية حينذاك، تشرف على، وتدعم القاعدة الصناعية من الكهرباء والطاقة ولا سيما الطاقة الذرية.

وحتى فترة الثمانيات صحيح بسبب الحرب مع إيران قل الاهتمام بالتعليم العالي بسبب الحيز العسكري في تلك الفترة إلا أنها بقت مخرجات الجامعات ورصانة التعليم في عطاء مستمر ونتائج مثمرة وما إن أتت فترة التسعينات فكان الحصار الجائر وضعف الإمكانيات المادية وضعف دعم الجانب البحثي وهجرة بعض الأساتذة إلا أنها لم تكن هذه العوامل جدار لسقوط التعليم فقد حافظت الشهادة العراقية على قوتها ومارست الإجراءات الحكومية بعض القرارات لدعم التعليم العالي ولكن كان بسبب الظرف الصعب وممارسة بعض الشخصيات غير الكفؤة أدوارهم في هذه الوزارة لم يكن على التعليم على اكمل وجه.

أما بعد الاحتلال الأمريكي إلى اليوم فقد شهد الواقع العلمي والعملي أسوء موجة وأزمة وأجهها التعليم العالي منذ انبثاقه في البلد فقد وقع أمام فشلا كبيرا رفقة الفشل السياسي والاقتصادي وتنمي ظاهرة الطائفية والمحاصصة وأضحت اليوم الشهادة الأولية والعليا ضعيفة القيمة وأحيانا لا قيمة لها. من اهم نتائج ذلك خروج الجامعات العراقية من التصنيفات العالمية للرصانة التعليمية.

 ويمكن إجمال الفشل في هذه الوزارة إلى عدة أسباب:

1.التنمر السياسي على الجانب العلمي: إذ اضحى التدخل السياسي في المجال العلمي قائما على مجمل مفاصل الوزارة وصولا إلى رئاسة الجامعات وعمادة الكليات وحتى رئاسة الأقسام وبشكل واسع على مستوى القرار والتعليم والمناهج وغياب الاعتماد على الكفاءة في تثبيت شخصيات ذات قدرات علمية وإدارية

2. الطائفية والمحاصصة: لحقت هذه الوزارة كحال بقية الوزارات مبدأ المحاصصة المقيت الذي تتقاسم فيه الأحزاب المتنفذة المناصب واللجان والأدوات المالية والاستثمارية للوزارة والجامعات. وأيضا دخول الوازع الطائفي إلى أحضان هذه الوزارة وأضحينا نشاهد العبارات والشعارات ليس لها من التعليم في شيء ضمن باحات الحرم الجامعي للجامعات.

3. الفساد الإداري: فهذا الموضع الذي يمضي في مرافق الدولة كالهشيم في النار لحق بشكل كبير بوزارة التعليم فمنذ ٢٠٠٣ إلى اليوم حصلت وزارة التعليم العالي على ميزانيات انفجارية بالإضافة إلى الموارد المالية التي تستحصلها الجامعات ذاتيا إلا أنها بقت اغلب الجامعات وكلياتها وبناياتها ومكاتبها ومختبراتها في موقف الانجمادي دون تطوير فعال ملموس على أرض الواقع بسبب الفساد الذي نخر هيكل الوزارة.

4. التخطيط السيء في قبول الطلبة وتخريجهم : لم تعد الجامعات العراقية تستقبل الطبلة وفق الكفاءة والمعدل الجيد حيث تنازلت القبولات إلى ادنى المستويات وادنى معدلات القبول وفقا للقرارات مشتتة لجهود المتفوقين بسبب  تزايد عدد الجامعات الحكومية وعدد كليات والأقسام إذ  اصبح بشكل كبير وواسع جدا حيث أصبحت الجامعات تستقبل بما لا يقل عن ٧٠ الف طالب وطالبة في كل سنة إضافة إلى فتح في اغلب الكليات التعليم المسائي وقرارات الجديدة  افتتاح  التعليم الموازي أتت أكلها في تخريج دفعات كبيرة  تحمل البكالوريوس على أسوء ما يكون خصوصا وان اغلب الجامعات. تعد مرور الطالب في مرحلة البكالوريوس مرور الكرام بأي مستوى تعليمي كان وما يؤكد ذلك الأدوار الكثيرة للطالب وإعادة الامتحان بجميع مواد الرسوب ونظام العبور والتحميل والكيرفات كل ذلك أسهم في إضعاف الشهادة العراقية الحكومية الأولية وفقدان لميزتها حيث تركز الوزارة على الأعداد الكمية للخريجين دون الاهتمام بنوعية الطلبة الذين تخرجوا.

5. الفشل الكبير للتعليم الأهلي :  تعد كبوة الفشل التعليمي هي اعتماد وزارة التعليم العالي على التعليم الأهلي بشكل كبير وصدور قانون رقم ٢٥ لسنة ٢٠١٦ المدمر الذي اعتبر القشة التي قسمت ظهر البعير فهذا التعليم التجاري البحت الذي تقود جامعاته وكلياته شخصيات سياسية وجهات متنفذة لاهم لها  إلا تحقيق الربح المادي على حساب الشهادة والعلمية حيث أن التعليم الأهلي احدث خرق كبير في مبادئ العدالة والكفاءة والاجتهاد فخروقاته العلمية من قبول تأسيس الكلية الأهلية إلى تخريج الطلبة  عليها  علامات الاستفهام كثيرة  بما لا يسع المجال مناقشتها تفصيليا في هذا المقال . حيث أن هذا التعليم الذي أنشأته وزارة التعليم العالي العراقي وتعتبره جزءا من فروعها يشكل مخاطرة كبيرة على قيمة الشهادة العراقية وعلى المجتمع والهيئات والوزارة ككل فعندما يصبح معدل القبول في هذه الكليات لقسم الطب الأسنان ٨٠ والهندسة ٦٠ والقانون ٥٥ فهو يحمل في طياته كوارث خطيرة، والأدهى من ذلك انه. لا يوجد اهتمام علمي في متابعة المحاضرات والمناهج والتقويمات والحضور وحتى الدرجات الامتحان مما يجعل منها تخرج الألاف الطلبة في كل عام مع انعدام الكفاءة والعلمية لدى اغلبهم والواقع المزرى يشير إلى ذلك.

6.  القرارات التجارية للدراسات العليا: استكمالا لكوارث الشهادات الأولية هنالك كوارث تتبعها الوزارة في مسألة الشهادات العليا رغم أن الواقع التدريسي في العراق في الدراسات العليا يتسم بالصرامة وعدم فتح مجال للتعليم الأهلي إلا انه بدء يدخل العامل التجاري بشكل غير ظاهر مما يلقي سلبياته على واقع التعليم وهذا العامل يتداخل بنمطين:

* نمط الأول ما يسمى النفقة الخاصة والامتيازات عند قراءتنا للقبول في السنوات الأخيرة نجد نتائج عجيبة منها للحاملين للشهادة العليا والذين مازالوا يدرسون والمقبولين هم من أكثر من ٥٠% ممن معدلاتهم في البكالوريوس بين ٥٨ و٦٧ بينما أصحاب المعدلات ٧٥ إلى ٩٠ لا يشكلون ٣٠ % رغم كثرة أعدادهم وعندما نأتي لنفسر هذه الظاهرة نجد على سبيل المثال إن جامعة الأنبار كلية القانون في هذا العام كانت خطتها للتنافسي كالاتي ٤ نفقة عامة.  ٤نفقة خاصة. ٥منتسبين عسكريين نفقة خاصة. ١متضررين بدون شرط المعدل.   ١ امتياز شهداء. ١. ضمانات. عندما تجمعها تجد ٩ مقعد يعتبرون نفقة خاصة تجاريا ٣ امتيازات وهؤلاء لا يتطلب منهم شرط المعدل واغلب متقدمين عليها أصحاب المعدلات الضعيفة أما المعدلات العالية يترك لهم التنافس على ٤ مقاعد فقط في ظلم وإجحاف بحقهم وبالتالي تنعكس ذلك على استحالة التدريسي تطبيق كورس علمي مكثف بمستوى عالي لتدني اغلب مستويات الطلبة.

*أما النمط التجاري الثاني  ما يسمى معادلة الشهادات العليا في الخارج فهذه كارثة من كوارث وزارة التعليم على البلد حيث تقبل معادلة الشهادات العليا من خارج العراق في اغلب البلدان معتمدة في ذلك نظام قانون رقم ١ عام ١٩٧٩ لمعادلة الشهادة المتهرئ والمنتهي إذ أن أغلب الشهادات العليا في الخارج تأتي إلى العراق وتعترف بها الوزارة  لا يمكن أن تخضع للمعايير العلمية البتة بل هي تجارية بحتة خصوصا في ظل قبول تلك الجامعة المعترف بها عراقيا لاي طالب بدون أي شروط بسبب العامل الاقتصادي الذي تعيشه هذه البلدان كون أغلب الشهادات العليا تأتي من الخارج العراق من البلدان النامية  متهرئة اقتصاديا وعلميا بمبالغ زهيدة فماجستير في مصر ممكن أن تأخذ ب٣٠٠٠ آلاف دولار فقط اليوم من بعض الجامعات ، السودان ٢٠٠٠ دولار الهند الجامعات الفقيرة ٢٠٠٠ دولار إيران بعد الحصار الاقتصادي وهبوط قيمة العملة أمكن استحصالها ب٢٠٠٠ دولار . وأخذت الأعداد الهائلة تذهب خارج العراق وتأتي بالشهادات وتعترف بها الوزارة بلا أدني حدود للرصانة مما أدى إلى ضرب قيمة الشهادة العليا والدراسات العليا في البلد ككل.

7. الوضع الاقتصادي للخريجين: فالفشل العلمي لوزارة التعليم أيضا قابله فشل حكومي على مستوى الاقتصاد. فالتضخم الكبير والبطالة العامة والبطالة المقنعة في دوائر الدولة جعل من مئات الألاف من خريجي البكالوريوس والألاف من حملة الشهادات العليا أمام شبح الفقر وغياب الوظائف والفوارق الطبقية مما سبب إلى إحباطا كبيرا لديهم وضعف قيمة الشهادات في استخدامها للعمل بتخصصاتهم.

8. عوامل أخرى: منها هجرة العقول وكبار التدريسين والمؤلفين إلى جامعات عالمية وعربية بسبب الوضع الأمني والسياسي والوضع الاجتماعي مما سبب ضعفا كبيرا على مركز الوزارة وتفرعاتها في الجامعات. وأيضا من الأسباب التراجع عدم الاعتماد على مناهج متطورة مواكبة للجامعات العالمية الرصينة. وأيضا الفساد الذي يرافق نظام الابتعاث والزمالة. إهمال الدراسات والرسائل العلمية والمجهودات العلمية للطلبة مما تؤدي إلى فقد المجهودات قيمتها.

كل ذلك وغيره من الأسباب التي أدت إلى التراجع الكبير في ميزان التعليم العالي في العراق مما أفقد كثيرا من مكانة الجامعات العراقية وهيبة الطالب العراقي بسبب السياسات الخاطئة المبنية على التخبط وسوء التخطيط فيجب مراجعة الأفكار والقوانين والقرارات مراجعة علمية استراتيجية للحفاظ على ما تبقى للشهادة العراقية الأولية والعليا من قيمة وإيجاد مشاريع حقيقية تعالج مشاكل التعليم الأهلي والمناهج وإعادة النظر بقنوات القبول للدراسات العليا وفقا لمعايير الكفاءة والرصانة. واعتماد خطط اقتصادية توفق بين الأعداد المتخرجة والوظائف المتاحة.

أما غير ذلك سيبقى التعليم يتدهور يوما بعد يوم ولا يجد أحدا ينقذه وسيؤدي بذلك إلى نتائج سيئة وسلبية على المجتمع والخريجين والدولة ككل فالتعليم العالي كما قلنا هو العمود الفقري للدول والذي تستند عليه بشكل فعال البلدان في الوقت الحاضر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الشيخ محمود أفندي حجة على المتقاعدين

د. عز الدين الكومي كاتب مصري عندما قال الإمام أحمد كما نقل عنه …