أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الدِّعامة الأولى في دولة الإسلام (بناء المسجد الأعظم بالمدينة)

الدِّعامة الأولى في دولة الإسلام (بناء المسجد الأعظم بالمدينة)

د. علي محمّد الصلابيّ

عرض مقالات الكاتب

كان أوَّلَ ما قام به الرَّسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة بناءُ المسجد؛ وذلك لتظهر فيه شعائر الإسلام، الَّتي طالما حُوربت، ولتقام فيه الصَّلوات؛ الَّتي تربط المرء بربِّ العالمين، وتنقِّي القلب من أدران الأرض، وأدناس الحياة الدُّنيا.
روى البخاريُّ بسنده: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المدينة راكباً راحلتَهُ، فسار يمشي معه النَّاسُ؛ حتَّى بَرَكَتْ عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يصلِّي فيه يومئذٍ رجالٌ من المسلمين، وكان مِرْبَداً للتَّمر، لسهلٍ، وسُهَيْلٍ غلامين يتيمين في حِجْر أسعد بن زُرَارَة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته: «هذا إن شاء الله المنزل»، ثمَّ دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغلامين، فساومهما بالمِرْبَد ليتَّخذَه مسجداً، فقالا: لا، بل نهبُهُ لك يا رسولَ الله! فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هِبَةً؛ حتَّى ابتاعه منهما. [البخاري (3906)] .
وفي رواية أنس بن مالكٍ: فكان فيه ما أقول: كان فيه نَخْلٌ، وقُبورُ المشركين، وخربٌ، فأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالنَّخل، فقُطع، وبقبور المشركين، فنُبِشَتْ، وبالخربِ، فسُوِّيَتْ. قال: فَصَفُّوا النَّخلَ قبلةً، وجعلوا عِضَادَتَيْهِ حجارةً. قال: فكانوا يرتجزون، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم معهم؛ وهم يقولون:
اللَّهُمَّ! لا خَيْرَ إلا خَيْرُ الآخرهْ
فَانْصُرِ الأنصـــــار والمُهَاجِــــــــــرَهْ

شرع الرَّسول صلى الله عليه وسلم في العمل مع أصحابه، وضرب أوَّل معولٍ في حفر الأساس؛ الَّذي كان عمقه ثلاثة أذرع، ثمَّ اندفع المسلمون في بناء هذا الأساس بالحجارة، والجدران – الَّتي لم تزد عن قامة الرَّجل إلا قليلاً – باللَّبن؛ الَّذي يعجن بالتُّراب، ويسوَّى على شكل أحجارٍ صالحةٍ للبناء. وفي النَّاحية الشَّمالية منه، أقيمت ظلَّةٌ من الجريد على قوائم من جذوع النَّخل، كانت تسمَّى «الصُّفة»، أما باقي أجزاء المسجد، فقد تُرِكت مكشوفةً بلا غطاءٍ.
أمَّا أبواب المسجد؛ فكانت ثلاثةٌ: باب في مؤخرته من الجهة الجنوبيَّة، وباب في الجهة الشَّرقيَّة، كان يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بإزاء باب بيت عائشة، وباب من الجهة الغربية، يقال له: باب الرَّحمة، أو باب عاتكة.
أولاً: بيوتات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم التَّابعة للمسجد:
وبُني لرسول الله صلى الله عليه وسلم حُجَرٌ حول مسجده الشَّريف؛ لتكون مساكن له، ولأهله، ولم تكن الحجر كبيوت الملوك، والأكاسرة، والقياصرة؛ بل كانت بُيوتَ مَنْ تَرَفَّعَ عن الدُّنيا، وزخارفها، وابتغى الدَّار الآخرة، فقد كانت كمسجده مبينةً من اللَّبن، والطين، وبعض الحجارة، وكانت سقوفها من جذوع النَّخل، والجريد، وكانت صغيرة الفناء، قصيرة البناء، ينالها الغلام الفارع بيده. قال الحسن البصريُّ – وكان غلاماً مع أمِّه خيرة مولاة أمِّ سلمة -: «قد كنت أنال أول سقفٍ في حُجَرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بيدي». وهكذا كانت بيوت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في غاية البساطة، بينما كانت المدينة تشتهر بالحصون العالية، الَّتي كان يتَّخذها عِلْيَةُ القوم؛ تباهياً بها في السِّلم، واتقاءً بها في الحرب، وكانوا من تفاخرهم بها يضعون لها أسماء، كما كان حصن عبد الله بن أُبيِّ ابن سلول اسمه: (مزاحم)، وكما كان حصن حسَّان بن ثابت رضي الله عنه اسمه: (فارع).
إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بنى بيوته بذلك الشَّكل المتواضع، وكان باستطاعته أن يبني لنفسه قصوراً شاهقةً، ولو أنَّه أشار إلى رغبته بذلك مجرَّد إشارةٍ، لسارع الأنصار في بنائها له، كما كان بإمكانه أن يشيدها من أموال الدَّولة العامَّة؛ كالفيء، ونحوه، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك؛ ليضرب لأمتِّه مثلاً رفيعاً، وقدرةً عاليةً في التَّواضع والزُّهد في الدُّنيا، وجمع الهمَّة، والعزيمة للعمل لما بعد الموت.
ثانياً: الأذان في المدينة:
تشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه لإيجاد عملٍ ينبِّه النَّائم، ويدرك السَّاهي، ويُعلِم النَّاس بدخول الوقت لأداء الصَّلاة، فقال بعضهم: نرفع راية إذا حان وقت الصَّلاة ليراها النَّاس، فاعترضوا على هذا الرأي؛ لأنَّها لا تفيد النَّائم، ولا الغافل، وقال آخرون: نُشعل ناراً على مرتفع من الهضاب، فلم يُقبل هذا الرّأي أيضاً، وأشار آخرون ببوقٍ – وهو ما كانت اليهود تستعمله لصلواتهم – فكرهه الرَّسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه يحبُّ مخالفة أهل الكتاب في أعمالهم، وأشار بعضُ الصَّحابة باستعمال النَّاقوس – وهو ما يستعمله النَّصارى – فكرهه الرَّسول صلى الله عليه وسلم أيضاً، وأشار فريقٌ بالنِّداءِ، فيقوم بعض الناس إذا حانت الصلاة وينادي بها، فقُبل هذا الرَّأي، وكان أحد المنادين عبدَ الله بن زيدٍ الأنصاريَّ، فبينما هو بين النَّائم واليقظان؛ إذ عرض له شخصٌ وقال: ألا أعلمك كلماتٍ تقولها عند النِّداء بالصَّلاة؟ قال: بلى! فقال له: قل: الله أكبر مرَّتين، وتشهَّد مرَّتين، ثمَّ قل: حيَّ على الصَّلاة مرَّتين، ثمَّ قل: حيَّ على الفلاح مرَّتين، ثمَّ كبِّر ربَّك مرَّتين، ثمَّ قل: لا إله إلا الله. فلما استيقظ توجَّه إلى الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، وأخبره خبر رؤياه، فقال: إنَّها لرؤيا حقٍّ، ثمَّ قال له: لَقِّنْ بلالاً؛ فإنَّه أندى صوتاً منك.
وبينما بلالٌ يؤذِّن للصَّلاة بهذا الأذان؛ جاء عمر بن الخطَّاب يجرُّ رداءه، فقال: والله لقد رأيت مثله يا رسول الله! وكان بلال بن رباح أحد مؤذِّنيه بالمدينة، والآخر عبد الله بنُ أمِّ مكتومٍ، وكان بلال يقول في أذان الصُّبح بعد (حيَّ على الفلاح): الصَّلاة خيرٌ من النَّوم مرَّتين، وأقرَّه الرَّسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، وكان يُؤذِّن في البداءة من مكانٍ مرتفعٍ، ثمَّ استُحدثت المنارة (الْمئذَنة) [أحمد (4/43) وأبو داود (499) والترمذي (189) وابن ماجه (706) وابن حبان (1679)][(362)] .
ثالثاً: أوَّل خطبةٍ خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة:
كانت أوَّل خطبةٍ خطبها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة: أنه قام فيهم، فحمِدَ الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثمَّ قال: «أمَّا بعد: أيُّها النَّاسُ! فقدموا لأنفسكم. تعلمُنَّ والله ليُصْعَقَنَّ أحدُكم، ثمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَهُ ليس لها راعٍ، ثمَّ ليقولنَّ له ربُّه؛ وليس له ترجمانٌ، ولا حاجبٌ يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي، فبلَّغك؟! وآتيتك مالاً، وأفضلت عليك، فما قدَّمت لنفسك؟ فَلَيَنْظُرَنَّ يميناً، وشمالاً، فلا يرى شيئاً، ثمَّ لينظرنَّ قُدَّامه، فلا يرى غير جهنَّم؛ فمن استطاع أن يقي وجهه من النَّار ولو بشقٍّ من تمرةٍ فليفعل، ومن لم يجد؛ فبكلمةٍ طيِّبةٍ؛ فإنَّ بها تُجزى الحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمئة ضعفٍ. والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته» [البيهقي في الدلائل (2/524) وابن هشام (2/146)] .
ثمَّ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّةً أخرى، فقال: «إنَّ الحمد لله، أحمده، وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيِّئات أعمالنا، مَنْ يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. إنَّ أحسنَ الحديث كتابُ الله تبارك وتعالى. قد أفلح من زَيَّنَهُ الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث النَّاس، إنَّه أحسن الحديث، وأبلغه، أحِبُّوا من أحبَّ اللهُ، أحِبُّوا الله من كلِّ قلوبكم، ولا تَملُّوا كلام الله وذكرَهُ، ولا تَقْسُ عنه قلوبكم؛ فإنَّه من كلِّ ما يخلق الله يختار، ويصطفي، قد سمَّاه الله خيرتَه من الأعمال، ومُصطفاه من العباد، والصَّالح من الحديث، ومن كلِّ ما أوتي النَّاس الحلالُ والحرامُ، فاعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، واتَّقوه حقَّ تقاته، واصْدُقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابُّوا بروح الله بينكم، إنَّ الله يغضب أن يُنْكَثَ عهده، والسَّلام عليكم» [البيهقي في الدلائل (2/524 – 525) وابن هشام (2/146 – 147)] .
رابعاً: الصُّفَّة التَّابعة للمسجد النَّبويِّ:
لـمَّا تمَّ تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرَّفة بأمر الله تعالى، وذلك بعد ستة عشر شهراً من هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة [البخاري (40) ومسلم (545)]، بقي حائط القبلة الأولى في مؤخرة المسجد النبوي، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به، فظلِّل، أو سقف، وأطلق عليه اسم (الصُّفَّة) أو (الظُّلَّة)[(363)]، ولم يكن له ما يسترُ جوانبه[(364)].
قال القاضي عياض: الصُّفَّة ظُلَّةٌ في مؤخرة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يأوي إليها المساكين، وإليها يُنسب أهل الصُّفَّة[(365)]. وقال ابن تيميَّة: الصُّفَّة كانت في مؤخرة مسجد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، في شمالي المسجد بالمدينة المنوَّرة[(366)]. وقال ابن حَجَرٍ: الصُّفَّة مكانٌ في مؤخَّر المسجد النَّبويِّ مظلَّلٌ، أُعدَّ لنزول الغرباء فيه، ممَّن لا مأوىً له، ولا أهل. [فتح الباري (6/738)][(367)] .
1 – أهل الصُّفَّة:
قال أبو هريرة رضي الله عنه: «وأهلُ الصُّفَّة أضيافُ الإسلام، لا يأوون إلى أهلٍ، ولا مالٍ، ولا على أحدٍ» [البخاري (6452)] .
إنَّ المهاجرين الأوائل، الَّذين هاجروا قبل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، أو معه، أو بعده؛ حتَّى نهايـة الفترة الأولى قبل غزوة بدرٍ، استطاع الأنصار أن يستضيفوهم في بيوتهم، وأن يشاركوهم النَّفقة، ولكن فيما بعد كبر حجم المهاجرين، فلم يعد هناك قدرةٌ للأنصار على استيعابهم؛ فقد «صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئاً بعد شيءٍ؛ فإنَّ الإسلام صار ينتشر، والنَّاس يدخلون فيه، ويكثر المهاجرون إلى المدينة من الفقراء، والأغنياء، والآهلين، والعُزَّاب، فكان مَنْ لم يتيسَّر له مكانٌ يأوي إليه، يأوي إلى تلك الصُّفُّة في المسجد».
والَّذي يظهر للباحث: أنَّ المهاجر الَّذي يقدم إلى المدينة كان يلتقي بالرَّسول صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ يوجهه بعد ذلك إلى مَنْ يكفله، فإن لم يجد فإنَّه يستقرُّ في الصُّفَّة مؤقتاً، ريثما يجدُ السَّبيل؛ فقد جاء في المسند عن عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُشغل، فإذا قدم رجلٌ مهاجرٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دفعه إلى رجلٍ منَّا يعلِّمه القرآن، فدفع إليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رجلاً، وكان معي في البيت، أُعشِّيه عشاء أهل البيت، فكنت أُقرئه القرآن» [أحمد (5/324)] . وقد كان أول مَنْ نزل الصُّفة المهاجرون؛ لذلك نسبت إليهم، فقيل: (صُفَّة المهاجرين)، وكذلك كان ينزل بها الغرباء من الوفود، الَّتي كانت تقدم على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم معلنةً إسلامَها، وطاعتها، وكان الرَّجل إذا قدم على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وكان له عريفٌ؛ نزل عليه، وإذا لم يكن له عريف؛ نزل مع أصحاب الصُّفَّة، وكان أبو هريرة رضي الله عنه عَرِيفَ مَنْ سَكَنَ الصُّفَّة من القاطنين، ومَنْ نزلها من الطَّارقين، فكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا أراد دعوتهم، عهد إلى أبي هريرة، فدعاهم؛ لمعرفته بهم، وبمنازلهم، ومراتبهم في العبادة، والمجاهدة. ونزل بعض الأنصار في الصُّفَّة؛ حبّاً لحياة الزُّهد، والمجاهدة، والفقر، برغم استغنائهم عن ذلك، ووجود دارٍ لهم في المدينة؛ ككعب بن مالك الأنصاريِّ، وحنظلة بن أبي عامرٍ الأنصاري (غسيل الملائكة)، وحارثة بن النُّعمان الأنصاريِّ، وغيرهم.
2 – نفقة أهل الصُّفَّة، ورعاية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والصَّحابة لهم:
كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يتعهَّد أهل الصُّفَّة بنفسه، فيزورهم، ويتفقَّد أحوالَهم، ويعود مرضاهم، كما كان يكثر مجالستهم، ويرشدهم، ويواسيهم، ويذكِّرهم، ويعلِّمهم، ويوجِّههم إلى قراءة القرآن الكريم، ومدارسته، وذِكْرِ الله، والتَّطلُّع إلى الآخرة، وكان صلى الله عليه وسلم يُؤَمِّن نفقتهم بوسائل متعدِّدةٍ، ومتنوعةٍ؛ منها:

  • «إذا أتته صلى الله عليه وسلم صدقةٌ؛ بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هديَّة، أرسل إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها» [البخاري (6452)] .
  • كثيراً ما كان يدعوهم إلى تناول الطَّعام في إحدى حجرات أمَّهات المؤمنين رضي الله عنهن، ولم يكن يغفل عنهم مطلقاً؛ بل كانت حالتُهم ماثلةً أمامه؛ فعن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ رضي الله عنهما قال: إنَّ أصحاب الصُّفَّة كانوا أناساً فقراء، وإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال مرَّةً: «من كان عنده طعام اثنين؛ فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة؛ فليذهب بخامسٍ، أو سادسٍ – أو كما قال – وإنَّ أبا بكر جاء بثلاثةٍ، وانطلق النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعشرةٍ» [البخاري (3581) ومسلم (2057)]. وعن يعيش بن طخفة بن قيس الغفاريِّ، قال: «كان أبي من أصحاب الصُّفَّة، فأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بهم، فجعل الرَّجل ينقلب بالرَّجل، والرَّجل بالرَّجلين؛ حتَّى بقيت خامس خمسة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «انطلقوا»، فانطلقنا معه إلى بيت عائشة». [أحمد (4/429 – 430) والطيالسي (1339)] .
  • وكان صلى الله عليه وسلم يطلب من النَّاس أن يوجِّهوا صدقاتهم إليهم؛ فقد جاء في المسند: أنَّ فاطمة لـمَّا ولدت الحسن؛ طلب منها صلى الله عليه وسلم أن تحلق رأسه، وتتصدَّق بوزن شعره من فضَّة، على أهل الصُّفَّة. [أحمد (6/390 – 391)] .
  • وقد كان صلى الله عليه وسلم يقدِّم حاجتهم على غيرها ممَّا يطلب منه؛ فقد أُتي بسَبْيٍ مرَّةً، فأتته فاطمة رضي الله عنها تسأله خادماً، فكان جوابه – كما في المسند عند الإمام أحمد -: «والله! لا أعطيكما، وأدَعُ أهل الصُّفَّة تُطْوى بطونُهم من الجوع، لا أجد ما أنفق عليهم؛ ولكن أبيعُهم، وأنفق عليهم أثمانَهم» [البخاري (3113)] .
  • وقد أوصى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الصَّحابة بالتَّصدُّق على أهل الصُّفَّة، فجعلوا يَصلُونهم بما استطاعوا مِنْ خيرٍ [الحلية (1/340)]، فكان أغنياء الصَّحابة يبعثون بالطَّعام إليهم [الحلية (1/378)].
    3 – انقطاعهم للعلم، والعبادة، والجهاد:
    كان أهل الصُّفَّة يعتكفون في المسجد للعبادة، ويألفون الفقر، والزُّهد، فكانوا في خلواتهم يصلُّون ويقرؤون القرآن، ويتدارسون آياته، ويذكرون الله تعالى، ويتعلَّم بعضهم الكتابة، حتَّى أهدى أحدُهم قوسَه لعبادة بن الصَّامت رضي الله عنه؛ لأنَّه كان يعلمهم القرآن، والكتابة. واشتهر بعضهم بالعلم، وحفظ الحديث عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ مثل أبي هريرة رضي الله عنه، الَّذي عُرِف بكثرة تحديثه، وحُذَيفة بن اليمان، الذي اهتم بأحاديث الفتن.
    وكان أهل الصُّفة يشاركون في الجهاد؛ بل كان منهم الشُّهداء ببدرٍ؛ مثل صفوان ابن بيضاء، وخريم بن فاتك الأسديِّ، وخبيب بن يساف، وسالم بن عُمير، وحارثة بن النُّعمان الأنصاريِّ، ومنهم من استشهد بأحدٍ؛ مثل حنظلة الغسيل [الحلية (1/357)]، ومنهم من شهد الحديبية؛ مثل جرهد بن خويلد [الحلية (1/353)]، وأبو سريحة الغفاري [الحلية (1/355)]، ومنهم من استشهد بخيبر؛ مثل ثقيف بن عمرو، ومنهم من استشهد بتبوك؛ مثل عبد الله (ذو البِجادَين)، ومنهم من استشهد باليمامة؛ مثل سالم مولى أبي حذيفة، وزيد بن الخطاب، فكانوا رهباناً باللَّيل، فُرْساناً في النَّهار.
    وكان بعض الصَّحابة قد اختاروا المكوث في الصُّفَّة رغبةً منهم لا اضطراراً؛ كأبي هريرة رضي الله عنه، فقد أحبَّ أن يلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويعوِّضَ ما فاته من العلم، والخير – فقد جاء إلى المدينة بعد فتح خيبر في العام السَّابع – وحرص على سماع أكبر قدرٍ ممكنٍ من حديثه صلى الله عليه وسلم ، ومعرفة أحواله، وتبرُّكاً بخدمته صلى الله عليه وسلم ، وهذا لا يتوافر له إلا إذا كان قريباً من بيت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فكانت الصُّفة هي المكان الوحيد الَّذي يؤمِّن له ذلك، ولنستمع إليه يوضِّح لنا ذلك، قال أبو هريرة رضي الله عنه: «إنَّكم تقولون: إنَّ أبا هريرة يُكْثِرُ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقولون: ما بالُ المهاجرين، والأنصار لا يُحَدِّثُون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي هريرة؟! وإنَّ إخوتي من المهاجرين كان يَشغَلُهُم الصَّفْقُ بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، فأشهدُ إذا غابوا، وأحفظ إذا نَسُوا، وكان يَشْغَلُ إخوتي من الأنصار عملُ أموالهم، وكنت امرأً مسكيناً من مساكين الصُّفَّة، أعي حين يَنْسَون» [البخاري (2047) ومسلم (2492)] .
    وهكذا يوضِّح رضي الله عنه: أنه فعل ذلك رغبةً منه في ملازمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ إنَّ أبا هريرة كان له سكنٌ في المدينة، وهو المكان الَّذي تسكنه أمُّه، والَّتي طلب من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها بالهداية. [مسلم (2491) وأحمد (2/320)] .
    ثمَّ إنَّ أبا هريرة رضي الله عنه لم يكن فقيراً مُعْدماً، ففي أوَّل يومٍ قدم فيه على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في خيبر أسهم له صلى الله عليه وسلم من الغنيمة، كما أنَّه لـمَّا قدم كان معه عبدٌ يخدمه – كما ورد في الصَّحيح – ؛ وإذاً فالَّذي أفقره هو إيثاره ملازمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، واستماع أحاديثه، وكان يستطيع الاستغناء عن الصُّفَّة لو أراد.
    كان أهل الصُّفَّة يكثرون، ويقلُّون بحسب تبدُّل الأحوال الَّتي تحيط بأهل الصُّفَّة؛ من عودة الأهل، أو زواجٍ، أو يُسرٍ بعد عُسْر، أو شهادةٍ في سبيل الله.
    ولم يكن فقرهم لقعودهم عن العمل، وكسب الرِّزق، فقد ذكر الزَّمخشريُّ: أنهم كانوا يرضخون النَّوى بالنَّهار، ويظهر: أنَّهم كانوا يرضخون النَّوى – يكسرونه – لعلف الماشية، وهم ليسوا أهل ماشية، فهم إذاً يعملون لكسب الرِّزق.
    4 – عددهم وأسماؤهم:
    كان عددهم يختلف باختلاف الأوقات، فهم يزيدون؛ إذا قدمت الوفود إلى المدينة، ويقلُّون إذا قلَّ الطَّارقون من الغرباء، على أنَّ عدد المقيمين منهم في الظروف العاديَّة، كان في حدود السَّبعين رجلاً [الحلية (1/339، 341)]، وقد يزيد عددهم كثيراً؛ حتَّى إنَّ سعد بن عبادة كان يستضيف وحده ثمانين منهم، فضلاً عن الآخرين الَّذين يتوزَّعهم الصَّحابة [الحلية (1/341)] . ومن أهل الصُّفَّة:
  1. أبو هريرة رضي الله عنه؛ حيث نسب نفسه إليهم.
  2. أبو ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه؛ حيث نسب نفسه إليهم.
  3. واثلة بن الأسقع رضي الله عنه.
  4. قيس بن طهفة الغفاريُّ رضي الله عنه؛ حيث نسب نفسه إليهم.
  5. كعب بن مالكٍ الأنصاريُّ رضي الله عنه.
  6. سعيد بن عامر بن حذيم الجمحيُّ رضي الله عنه.
  7. سلمان الفارسيُّ رضي الله عنه.
  8. أسماء بن حارثة بن سعيد الأسلميُّ رضي الله عنه.
  9. حنظلة بن أبي عامر الأنصاريُّ «غسيل الملائكة» رضي الله عنه.
  10. حازم بن حرملة رضي الله عنه.
  11. حارثة بن النُّعمان الأنصاريُّ النَّجاريُّ رضي الله عنه.
  12. حُذَيفة بن أَسِيد أبو سريحة الأنصاريُّ رضي الله عنه.
  13. حُذَيفة بن اليمان رضي الله عنه.
  14. جارية بن حُمَيل بن نُشَبَة بن قُرْطٍ رضي الله عنه.
  15. جُعَيْل بن سراقة الضَّمَّريُّ رضي الله عنه.
  16. جَرْهَدُ بن خويلد الأسديُّ رضي الله عنه.
  17. رفاعة أبو لبابة الأنصاريُّ رضي الله عنه.
  18. عبد الله ذو البِجَادَين رضي الله عنه.
  19. دكين بن سعيد المزنيُّ، وقيل: الخثعميُّ رضي الله عنه.
  20. خُبَيْبُ بن يساف بن عِنَبة رضي الله عنه.
  21. خريم بن أوس الطائيُّ رضي الله عنه.
  22. خريم بن فاتك الأسديُّ رضي الله عنه.
  23. خُنيس بن حذافة السَّهميُّ رضي الله عنه.
  24. خبَّاب بن الأرتِّ رضي الله عنه.
  25. الحكم بن عمير الثُّماليُّ رضي الله عنه.
  26. حرملة بن أياس، وقيل: حرملة بن عبد الله العنبريُّ رضي الله عنه.
  27. زيد بن الخطَّاب رضي الله عنه.
  28. عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه.
  29. الطَّفاويُّ الدَّوسيُّ رضي الله عنه.
  30. طلحة بن عمرو النَّضريُّ رضي الله عنه.
  31. صفوان بن بيضاء الفهريُّ رضي الله عنه.
  32. صهيب بن سنان الرُّوميُّ رضي الله عنه.
  33. شدَّاد بن أسيد رضي الله عنه.
  34. شقرآن رضي الله عنه مولى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
  35. السَّائب بن خلاَّد رضي الله عنه.
  36. سالم بن عمير من الأوس من بني ثعلبة بن عمرو بن عوفٍ رضي الله عنه.
  37. سالم بن عبيد الأشجعيُّ رضي الله عنه.
  38. سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه.
  39. سفينة رضي الله عنه مولى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
  40. أبو رزين رضي الله عنه.
  41. الأغرُّ المزنيُّ رضي الله عنه.
  42. بلال بن رباحٍ رضي الله عنه.
  43. البراء بن مالكٍ الأنصاريُّ رضي الله عنه.
  44. ثوبان رضي الله عنه مولى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
  45. ثابت بن وديعة الأنصاريُّ رضي الله عنه.
  46. ثَقْفُ بن عمرو بن سُميط الأسديُّ رضي الله عنه.
  47. سعد بن مالكٍ أبو سعيدٍ الخدريُّ رضي الله عنه.
  48. العِرباض بن سارية رضي الله عنه.
  49. غَرَفَةُ الأزديُّ رضي الله عنه.
  50. عبد الرَّحمن بن قُرْطٍ رضي الله عنه.
  51. عبادة بن خالد الغفاريُّ رضي الله عنهم أجمعين، وغيرهم من الصَّحابة الكرام.

وقد وقع بعض الباحثين في خطأ فادحٍ حين استدلَّ بعضهم على مشروعيَّة مسلك بعض المنحرفين من المتصوِّفة، من حيث ترك العمل، والإخلاد إلى الرَّاحة، والكسل، والمكوث في الزَّوايا، والتكايا؛ بحجَّة الاقتداء بحال أهل الصُّفَّة؛ فإن أبا هريرة – وهو أكثر ارتباطاً بالصُّفَّة من غيره – لم يستمرَّ فيها، وخرج إلى الحياة؛ بل أصبح أميراً في بعض أيَّامه على البحرين، في عهد عمر بن الخطَّاب، ولم يكن مخشوشناً في حياته؛ بل إنَّ أهل الصُّفَّة كانوا من المجاهدين في سبيل الله في ساحات القتال، وقد استشهد بعضهم كما ذكرتُ.

كان أوَّلَ ما قام به الرَّسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة بناءُ المسجد؛ وذلك لتظهر فيه شعائر الإسلام، الَّتي طالما حُوربت، ولتقام فيه الصَّلوات؛ الَّتي تربط المرء بربِّ العالمين، وتنقِّي القلب من أدران الأرض، وأدناس الحياة الدُّنيا.
روى البخاريُّ بسنده: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المدينة راكباً راحلتَهُ، فسار يمشي معه النَّاسُ؛ حتَّى بَرَكَتْ عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يصلِّي فيه يومئذٍ رجالٌ من المسلمين، وكان مِرْبَداً للتَّمر، لسهلٍ، وسُهَيْلٍ غلامين يتيمين في حِجْر أسعد بن زُرَارَة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته: «هذا إن شاء الله المنزل»، ثمَّ دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغلامين، فساومهما بالمِرْبَد ليتَّخذَه مسجداً، فقالا: لا، بل نهبُهُ لك يا رسولَ الله! فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هِبَةً؛ حتَّى ابتاعه منهما. [البخاري (3906)] .
وفي رواية أنس بن مالكٍ: فكان فيه ما أقول: كان فيه نَخْلٌ، وقُبورُ المشركين، وخربٌ، فأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالنَّخل، فقُطع، وبقبور المشركين، فنُبِشَتْ، وبالخربِ، فسُوِّيَتْ. قال: فَصَفُّوا النَّخلَ قبلةً، وجعلوا عِضَادَتَيْهِ حجارةً. قال: فكانوا يرتجزون، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم معهم؛ وهم يقولون:
اللَّهُمَّ! لا خَيْرَ إلا خَيْرُ الآخرهْ
فَانْصُرِ الأنصـــــار والمُهَاجِــــــــــرَهْ

شرع الرَّسول صلى الله عليه وسلم في العمل مع أصحابه، وضرب أوَّل معولٍ في حفر الأساس؛ الَّذي كان عمقه ثلاثة أذرع، ثمَّ اندفع المسلمون في بناء هذا الأساس بالحجارة، والجدران – الَّتي لم تزد عن قامة الرَّجل إلا قليلاً – باللَّبن؛ الَّذي يعجن بالتُّراب، ويسوَّى على شكل أحجارٍ صالحةٍ للبناء. وفي النَّاحية الشَّمالية منه، أقيمت ظلَّةٌ من الجريد على قوائم من جذوع النَّخل، كانت تسمَّى «الصُّفة»، أما باقي أجزاء المسجد، فقد تُرِكت مكشوفةً بلا غطاءٍ.
أمَّا أبواب المسجد؛ فكانت ثلاثةٌ: باب في مؤخرته من الجهة الجنوبيَّة، وباب في الجهة الشَّرقيَّة، كان يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بإزاء باب بيت عائشة، وباب من الجهة الغربية، يقال له: باب الرَّحمة، أو باب عاتكة.
أولاً: بيوتات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم التَّابعة للمسجد:
وبُني لرسول الله صلى الله عليه وسلم حُجَرٌ حول مسجده الشَّريف؛ لتكون مساكن له، ولأهله، ولم تكن الحجر كبيوت الملوك، والأكاسرة، والقياصرة؛ بل كانت بُيوتَ مَنْ تَرَفَّعَ عن الدُّنيا، وزخارفها، وابتغى الدَّار الآخرة، فقد كانت كمسجده مبينةً من اللَّبن، والطين، وبعض الحجارة، وكانت سقوفها من جذوع النَّخل، والجريد، وكانت صغيرة الفناء، قصيرة البناء، ينالها الغلام الفارع بيده. قال الحسن البصريُّ – وكان غلاماً مع أمِّه خيرة مولاة أمِّ سلمة -: «قد كنت أنال أول سقفٍ في حُجَرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بيدي». وهكذا كانت بيوت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في غاية البساطة، بينما كانت المدينة تشتهر بالحصون العالية، الَّتي كان يتَّخذها عِلْيَةُ القوم؛ تباهياً بها في السِّلم، واتقاءً بها في الحرب، وكانوا من تفاخرهم بها يضعون لها أسماء، كما كان حصن عبد الله بن أُبيِّ ابن سلول اسمه: (مزاحم)، وكما كان حصن حسَّان بن ثابت رضي الله عنه اسمه: (فارع).
إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بنى بيوته بذلك الشَّكل المتواضع، وكان باستطاعته أن يبني لنفسه قصوراً شاهقةً، ولو أنَّه أشار إلى رغبته بذلك مجرَّد إشارةٍ، لسارع الأنصار في بنائها له، كما كان بإمكانه أن يشيدها من أموال الدَّولة العامَّة؛ كالفيء، ونحوه، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك؛ ليضرب لأمتِّه مثلاً رفيعاً، وقدرةً عاليةً في التَّواضع والزُّهد في الدُّنيا، وجمع الهمَّة، والعزيمة للعمل لما بعد الموت.
ثانياً: الأذان في المدينة:
تشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه لإيجاد عملٍ ينبِّه النَّائم، ويدرك السَّاهي، ويُعلِم النَّاس بدخول الوقت لأداء الصَّلاة، فقال بعضهم: نرفع راية إذا حان وقت الصَّلاة ليراها النَّاس، فاعترضوا على هذا الرأي؛ لأنَّها لا تفيد النَّائم، ولا الغافل، وقال آخرون: نُشعل ناراً على مرتفع من الهضاب، فلم يُقبل هذا الرّأي أيضاً، وأشار آخرون ببوقٍ – وهو ما كانت اليهود تستعمله لصلواتهم – فكرهه الرَّسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه يحبُّ مخالفة أهل الكتاب في أعمالهم، وأشار بعضُ الصَّحابة باستعمال النَّاقوس – وهو ما يستعمله النَّصارى – فكرهه الرَّسول صلى الله عليه وسلم أيضاً، وأشار فريقٌ بالنِّداءِ، فيقوم بعض الناس إذا حانت الصلاة وينادي بها، فقُبل هذا الرَّأي، وكان أحد المنادين عبدَ الله بن زيدٍ الأنصاريَّ، فبينما هو بين النَّائم واليقظان؛ إذ عرض له شخصٌ وقال: ألا أعلمك كلماتٍ تقولها عند النِّداء بالصَّلاة؟ قال: بلى! فقال له: قل: الله أكبر مرَّتين، وتشهَّد مرَّتين، ثمَّ قل: حيَّ على الصَّلاة مرَّتين، ثمَّ قل: حيَّ على الفلاح مرَّتين، ثمَّ كبِّر ربَّك مرَّتين، ثمَّ قل: لا إله إلا الله. فلما استيقظ توجَّه إلى الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، وأخبره خبر رؤياه، فقال: إنَّها لرؤيا حقٍّ، ثمَّ قال له: لَقِّنْ بلالاً؛ فإنَّه أندى صوتاً منك.
وبينما بلالٌ يؤذِّن للصَّلاة بهذا الأذان؛ جاء عمر بن الخطَّاب يجرُّ رداءه، فقال: والله لقد رأيت مثله يا رسول الله! وكان بلال بن رباح أحد مؤذِّنيه بالمدينة، والآخر عبد الله بنُ أمِّ مكتومٍ، وكان بلال يقول في أذان الصُّبح بعد (حيَّ على الفلاح): الصَّلاة خيرٌ من النَّوم مرَّتين، وأقرَّه الرَّسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، وكان يُؤذِّن في البداءة من مكانٍ مرتفعٍ، ثمَّ استُحدثت المنارة (الْمئذَنة) [أحمد (4/43) وأبو داود (499) والترمذي (189) وابن ماجه (706) وابن حبان (1679)][(362)] .
ثالثاً: أوَّل خطبةٍ خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة:
كانت أوَّل خطبةٍ خطبها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة: أنه قام فيهم، فحمِدَ الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثمَّ قال: «أمَّا بعد: أيُّها النَّاسُ! فقدموا لأنفسكم. تعلمُنَّ والله ليُصْعَقَنَّ أحدُكم، ثمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَهُ ليس لها راعٍ، ثمَّ ليقولنَّ له ربُّه؛ وليس له ترجمانٌ، ولا حاجبٌ يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي، فبلَّغك؟! وآتيتك مالاً، وأفضلت عليك، فما قدَّمت لنفسك؟ فَلَيَنْظُرَنَّ يميناً، وشمالاً، فلا يرى شيئاً، ثمَّ لينظرنَّ قُدَّامه، فلا يرى غير جهنَّم؛ فمن استطاع أن يقي وجهه من النَّار ولو بشقٍّ من تمرةٍ فليفعل، ومن لم يجد؛ فبكلمةٍ طيِّبةٍ؛ فإنَّ بها تُجزى الحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمئة ضعفٍ. والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته» [البيهقي في الدلائل (2/524) وابن هشام (2/146)] .
ثمَّ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّةً أخرى، فقال: «إنَّ الحمد لله، أحمده، وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيِّئات أعمالنا، مَنْ يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. إنَّ أحسنَ الحديث كتابُ الله تبارك وتعالى. قد أفلح من زَيَّنَهُ الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث النَّاس، إنَّه أحسن الحديث، وأبلغه، أحِبُّوا من أحبَّ اللهُ، أحِبُّوا الله من كلِّ قلوبكم، ولا تَملُّوا كلام الله وذكرَهُ، ولا تَقْسُ عنه قلوبكم؛ فإنَّه من كلِّ ما يخلق الله يختار، ويصطفي، قد سمَّاه الله خيرتَه من الأعمال، ومُصطفاه من العباد، والصَّالح من الحديث، ومن كلِّ ما أوتي النَّاس الحلالُ والحرامُ، فاعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، واتَّقوه حقَّ تقاته، واصْدُقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابُّوا بروح الله بينكم، إنَّ الله يغضب أن يُنْكَثَ عهده، والسَّلام عليكم» [البيهقي في الدلائل (2/524 – 525) وابن هشام (2/146 – 147)] .
رابعاً: الصُّفَّة التَّابعة للمسجد النَّبويِّ:
لـمَّا تمَّ تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرَّفة بأمر الله تعالى، وذلك بعد ستة عشر شهراً من هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة [البخاري (40) ومسلم (545)]، بقي حائط القبلة الأولى في مؤخرة المسجد النبوي، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به، فظلِّل، أو سقف، وأطلق عليه اسم (الصُّفَّة) أو (الظُّلَّة)[(363)]، ولم يكن له ما يسترُ جوانبه[(364)].
قال القاضي عياض: الصُّفَّة ظُلَّةٌ في مؤخرة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يأوي إليها المساكين، وإليها يُنسب أهل الصُّفَّة[(365)]. وقال ابن تيميَّة: الصُّفَّة كانت في مؤخرة مسجد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، في شمالي المسجد بالمدينة المنوَّرة[(366)]. وقال ابن حَجَرٍ: الصُّفَّة مكانٌ في مؤخَّر المسجد النَّبويِّ مظلَّلٌ، أُعدَّ لنزول الغرباء فيه، ممَّن لا مأوىً له، ولا أهل. [فتح الباري (6/738)][(367)] .
1 – أهل الصُّفَّة:
قال أبو هريرة رضي الله عنه: «وأهلُ الصُّفَّة أضيافُ الإسلام، لا يأوون إلى أهلٍ، ولا مالٍ، ولا على أحدٍ» [البخاري (6452)] .
إنَّ المهاجرين الأوائل، الَّذين هاجروا قبل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، أو معه، أو بعده؛ حتَّى نهايـة الفترة الأولى قبل غزوة بدرٍ، استطاع الأنصار أن يستضيفوهم في بيوتهم، وأن يشاركوهم النَّفقة، ولكن فيما بعد كبر حجم المهاجرين، فلم يعد هناك قدرةٌ للأنصار على استيعابهم؛ فقد «صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئاً بعد شيءٍ؛ فإنَّ الإسلام صار ينتشر، والنَّاس يدخلون فيه، ويكثر المهاجرون إلى المدينة من الفقراء، والأغنياء، والآهلين، والعُزَّاب، فكان مَنْ لم يتيسَّر له مكانٌ يأوي إليه، يأوي إلى تلك الصُّفُّة في المسجد».
والَّذي يظهر للباحث: أنَّ المهاجر الَّذي يقدم إلى المدينة كان يلتقي بالرَّسول صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ يوجهه بعد ذلك إلى مَنْ يكفله، فإن لم يجد فإنَّه يستقرُّ في الصُّفَّة مؤقتاً، ريثما يجدُ السَّبيل؛ فقد جاء في المسند عن عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُشغل، فإذا قدم رجلٌ مهاجرٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دفعه إلى رجلٍ منَّا يعلِّمه القرآن، فدفع إليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رجلاً، وكان معي في البيت، أُعشِّيه عشاء أهل البيت، فكنت أُقرئه القرآن» [أحمد (5/324)] . وقد كان أول مَنْ نزل الصُّفة المهاجرون؛ لذلك نسبت إليهم، فقيل: (صُفَّة المهاجرين)، وكذلك كان ينزل بها الغرباء من الوفود، الَّتي كانت تقدم على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم معلنةً إسلامَها، وطاعتها، وكان الرَّجل إذا قدم على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وكان له عريفٌ؛ نزل عليه، وإذا لم يكن له عريف؛ نزل مع أصحاب الصُّفَّة، وكان أبو هريرة رضي الله عنه عَرِيفَ مَنْ سَكَنَ الصُّفَّة من القاطنين، ومَنْ نزلها من الطَّارقين، فكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا أراد دعوتهم، عهد إلى أبي هريرة، فدعاهم؛ لمعرفته بهم، وبمنازلهم، ومراتبهم في العبادة، والمجاهدة. ونزل بعض الأنصار في الصُّفَّة؛ حبّاً لحياة الزُّهد، والمجاهدة، والفقر، برغم استغنائهم عن ذلك، ووجود دارٍ لهم في المدينة؛ ككعب بن مالك الأنصاريِّ، وحنظلة بن أبي عامرٍ الأنصاري (غسيل الملائكة)، وحارثة بن النُّعمان الأنصاريِّ، وغيرهم.
2 – نفقة أهل الصُّفَّة، ورعاية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والصَّحابة لهم:
كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يتعهَّد أهل الصُّفَّة بنفسه، فيزورهم، ويتفقَّد أحوالَهم، ويعود مرضاهم، كما كان يكثر مجالستهم، ويرشدهم، ويواسيهم، ويذكِّرهم، ويعلِّمهم، ويوجِّههم إلى قراءة القرآن الكريم، ومدارسته، وذِكْرِ الله، والتَّطلُّع إلى الآخرة، وكان صلى الله عليه وسلم يُؤَمِّن نفقتهم بوسائل متعدِّدةٍ، ومتنوعةٍ؛ منها:

  • «إذا أتته صلى الله عليه وسلم صدقةٌ؛ بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هديَّة، أرسل إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها» [البخاري (6452)] .
  • كثيراً ما كان يدعوهم إلى تناول الطَّعام في إحدى حجرات أمَّهات المؤمنين رضي الله عنهن، ولم يكن يغفل عنهم مطلقاً؛ بل كانت حالتُهم ماثلةً أمامه؛ فعن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ رضي الله عنهما قال: إنَّ أصحاب الصُّفَّة كانوا أناساً فقراء، وإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال مرَّةً: «من كان عنده طعام اثنين؛ فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة؛ فليذهب بخامسٍ، أو سادسٍ – أو كما قال – وإنَّ أبا بكر جاء بثلاثةٍ، وانطلق النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعشرةٍ» [البخاري (3581) ومسلم (2057)]. وعن يعيش بن طخفة بن قيس الغفاريِّ، قال: «كان أبي من أصحاب الصُّفَّة، فأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بهم، فجعل الرَّجل ينقلب بالرَّجل، والرَّجل بالرَّجلين؛ حتَّى بقيت خامس خمسة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «انطلقوا»، فانطلقنا معه إلى بيت عائشة». [أحمد (4/429 – 430) والطيالسي (1339)] .
  • وكان صلى الله عليه وسلم يطلب من النَّاس أن يوجِّهوا صدقاتهم إليهم؛ فقد جاء في المسند: أنَّ فاطمة لـمَّا ولدت الحسن؛ طلب منها صلى الله عليه وسلم أن تحلق رأسه، وتتصدَّق بوزن شعره من فضَّة، على أهل الصُّفَّة. [أحمد (6/390 – 391)] .
  • وقد كان صلى الله عليه وسلم يقدِّم حاجتهم على غيرها ممَّا يطلب منه؛ فقد أُتي بسَبْيٍ مرَّةً، فأتته فاطمة رضي الله عنها تسأله خادماً، فكان جوابه – كما في المسند عند الإمام أحمد -: «والله! لا أعطيكما، وأدَعُ أهل الصُّفَّة تُطْوى بطونُهم من الجوع، لا أجد ما أنفق عليهم؛ ولكن أبيعُهم، وأنفق عليهم أثمانَهم» [البخاري (3113)] .
  • وقد أوصى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الصَّحابة بالتَّصدُّق على أهل الصُّفَّة، فجعلوا يَصلُونهم بما استطاعوا مِنْ خيرٍ [الحلية (1/340)]، فكان أغنياء الصَّحابة يبعثون بالطَّعام إليهم [الحلية (1/378)].
    3 – انقطاعهم للعلم، والعبادة، والجهاد:
    كان أهل الصُّفَّة يعتكفون في المسجد للعبادة، ويألفون الفقر، والزُّهد، فكانوا في خلواتهم يصلُّون ويقرؤون القرآن، ويتدارسون آياته، ويذكرون الله تعالى، ويتعلَّم بعضهم الكتابة، حتَّى أهدى أحدُهم قوسَه لعبادة بن الصَّامت رضي الله عنه؛ لأنَّه كان يعلمهم القرآن، والكتابة. واشتهر بعضهم بالعلم، وحفظ الحديث عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ مثل أبي هريرة رضي الله عنه، الَّذي عُرِف بكثرة تحديثه، وحُذَيفة بن اليمان، الذي اهتم بأحاديث الفتن.
    وكان أهل الصُّفة يشاركون في الجهاد؛ بل كان منهم الشُّهداء ببدرٍ؛ مثل صفوان ابن بيضاء، وخريم بن فاتك الأسديِّ، وخبيب بن يساف، وسالم بن عُمير، وحارثة بن النُّعمان الأنصاريِّ، ومنهم من استشهد بأحدٍ؛ مثل حنظلة الغسيل [الحلية (1/357)]، ومنهم من شهد الحديبية؛ مثل جرهد بن خويلد [الحلية (1/353)]، وأبو سريحة الغفاري [الحلية (1/355)]، ومنهم من استشهد بخيبر؛ مثل ثقيف بن عمرو، ومنهم من استشهد بتبوك؛ مثل عبد الله (ذو البِجادَين)، ومنهم من استشهد باليمامة؛ مثل سالم مولى أبي حذيفة، وزيد بن الخطاب، فكانوا رهباناً باللَّيل، فُرْساناً في النَّهار.
    وكان بعض الصَّحابة قد اختاروا المكوث في الصُّفَّة رغبةً منهم لا اضطراراً؛ كأبي هريرة رضي الله عنه، فقد أحبَّ أن يلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويعوِّضَ ما فاته من العلم، والخير – فقد جاء إلى المدينة بعد فتح خيبر في العام السَّابع – وحرص على سماع أكبر قدرٍ ممكنٍ من حديثه صلى الله عليه وسلم ، ومعرفة أحواله، وتبرُّكاً بخدمته صلى الله عليه وسلم ، وهذا لا يتوافر له إلا إذا كان قريباً من بيت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فكانت الصُّفة هي المكان الوحيد الَّذي يؤمِّن له ذلك، ولنستمع إليه يوضِّح لنا ذلك، قال أبو هريرة رضي الله عنه: «إنَّكم تقولون: إنَّ أبا هريرة يُكْثِرُ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقولون: ما بالُ المهاجرين، والأنصار لا يُحَدِّثُون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي هريرة؟! وإنَّ إخوتي من المهاجرين كان يَشغَلُهُم الصَّفْقُ بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، فأشهدُ إذا غابوا، وأحفظ إذا نَسُوا، وكان يَشْغَلُ إخوتي من الأنصار عملُ أموالهم، وكنت امرأً مسكيناً من مساكين الصُّفَّة، أعي حين يَنْسَون» [البخاري (2047) ومسلم (2492)] .
    وهكذا يوضِّح رضي الله عنه: أنه فعل ذلك رغبةً منه في ملازمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ إنَّ أبا هريرة كان له سكنٌ في المدينة، وهو المكان الَّذي تسكنه أمُّه، والَّتي طلب من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها بالهداية. [مسلم (2491) وأحمد (2/320)] .
    ثمَّ إنَّ أبا هريرة رضي الله عنه لم يكن فقيراً مُعْدماً، ففي أوَّل يومٍ قدم فيه على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في خيبر أسهم له صلى الله عليه وسلم من الغنيمة، كما أنَّه لـمَّا قدم كان معه عبدٌ يخدمه – كما ورد في الصَّحيح – ؛ وإذاً فالَّذي أفقره هو إيثاره ملازمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، واستماع أحاديثه، وكان يستطيع الاستغناء عن الصُّفَّة لو أراد.
    كان أهل الصُّفَّة يكثرون، ويقلُّون بحسب تبدُّل الأحوال الَّتي تحيط بأهل الصُّفَّة؛ من عودة الأهل، أو زواجٍ، أو يُسرٍ بعد عُسْر، أو شهادةٍ في سبيل الله.
    ولم يكن فقرهم لقعودهم عن العمل، وكسب الرِّزق، فقد ذكر الزَّمخشريُّ: أنهم كانوا يرضخون النَّوى بالنَّهار، ويظهر: أنَّهم كانوا يرضخون النَّوى – يكسرونه – لعلف الماشية، وهم ليسوا أهل ماشية، فهم إذاً يعملون لكسب الرِّزق.
    4 – عددهم وأسماؤهم:
    كان عددهم يختلف باختلاف الأوقات، فهم يزيدون؛ إذا قدمت الوفود إلى المدينة، ويقلُّون إذا قلَّ الطَّارقون من الغرباء، على أنَّ عدد المقيمين منهم في الظروف العاديَّة، كان في حدود السَّبعين رجلاً [الحلية (1/339، 341)]، وقد يزيد عددهم كثيراً؛ حتَّى إنَّ سعد بن عبادة كان يستضيف وحده ثمانين منهم، فضلاً عن الآخرين الَّذين يتوزَّعهم الصَّحابة [الحلية (1/341)] . ومن أهل الصُّفَّة:
  1. أبو هريرة رضي الله عنه؛ حيث نسب نفسه إليهم.
  2. أبو ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه؛ حيث نسب نفسه إليهم.
  3. واثلة بن الأسقع رضي الله عنه.
  4. قيس بن طهفة الغفاريُّ رضي الله عنه؛ حيث نسب نفسه إليهم.
  5. كعب بن مالكٍ الأنصاريُّ رضي الله عنه.
  6. سعيد بن عامر بن حذيم الجمحيُّ رضي الله عنه.
  7. سلمان الفارسيُّ رضي الله عنه.
  8. أسماء بن حارثة بن سعيد الأسلميُّ رضي الله عنه.
  9. حنظلة بن أبي عامر الأنصاريُّ «غسيل الملائكة» رضي الله عنه.
  10. حازم بن حرملة رضي الله عنه.
  11. حارثة بن النُّعمان الأنصاريُّ النَّجاريُّ رضي الله عنه.
  12. حُذَيفة بن أَسِيد أبو سريحة الأنصاريُّ رضي الله عنه.
  13. حُذَيفة بن اليمان رضي الله عنه.
  14. جارية بن حُمَيل بن نُشَبَة بن قُرْطٍ رضي الله عنه.
  15. جُعَيْل بن سراقة الضَّمَّريُّ رضي الله عنه.
  16. جَرْهَدُ بن خويلد الأسديُّ رضي الله عنه.
  17. رفاعة أبو لبابة الأنصاريُّ رضي الله عنه.
  18. عبد الله ذو البِجَادَين رضي الله عنه.
  19. دكين بن سعيد المزنيُّ، وقيل: الخثعميُّ رضي الله عنه.
  20. خُبَيْبُ بن يساف بن عِنَبة رضي الله عنه.
  21. خريم بن أوس الطائيُّ رضي الله عنه.
  22. خريم بن فاتك الأسديُّ رضي الله عنه.
  23. خُنيس بن حذافة السَّهميُّ رضي الله عنه.
  24. خبَّاب بن الأرتِّ رضي الله عنه.
  25. الحكم بن عمير الثُّماليُّ رضي الله عنه.
  26. حرملة بن أياس، وقيل: حرملة بن عبد الله العنبريُّ رضي الله عنه.
  27. زيد بن الخطَّاب رضي الله عنه.
  28. عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه.
  29. الطَّفاويُّ الدَّوسيُّ رضي الله عنه.
  30. طلحة بن عمرو النَّضريُّ رضي الله عنه.
  31. صفوان بن بيضاء الفهريُّ رضي الله عنه.
  32. صهيب بن سنان الرُّوميُّ رضي الله عنه.
  33. شدَّاد بن أسيد رضي الله عنه.
  34. شقرآن رضي الله عنه مولى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
  35. السَّائب بن خلاَّد رضي الله عنه.
  36. سالم بن عمير من الأوس من بني ثعلبة بن عمرو بن عوفٍ رضي الله عنه.
  37. سالم بن عبيد الأشجعيُّ رضي الله عنه.
  38. سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه.
  39. سفينة رضي الله عنه مولى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
  40. أبو رزين رضي الله عنه.
  41. الأغرُّ المزنيُّ رضي الله عنه.
  42. بلال بن رباحٍ رضي الله عنه.
  43. البراء بن مالكٍ الأنصاريُّ رضي الله عنه.
  44. ثوبان رضي الله عنه مولى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
  45. ثابت بن وديعة الأنصاريُّ رضي الله عنه.
  46. ثَقْفُ بن عمرو بن سُميط الأسديُّ رضي الله عنه.
  47. سعد بن مالكٍ أبو سعيدٍ الخدريُّ رضي الله عنه.
  48. العِرباض بن سارية رضي الله عنه.
  49. غَرَفَةُ الأزديُّ رضي الله عنه.
  50. عبد الرَّحمن بن قُرْطٍ رضي الله عنه.
  51. عبادة بن خالد الغفاريُّ رضي الله عنهم أجمعين، وغيرهم من الصَّحابة الكرام.
    وقد وقع بعض الباحثين في خطأ فادحٍ حين استدلَّ بعضهم على مشروعيَّة مسلك بعض المنحرفين من المتصوِّفة، من حيث ترك العمل، والإخلاد إلى الرَّاحة، والكسل، والمكوث في الزَّوايا، والتكايا؛ بحجَّة الاقتداء بحال أهل الصُّفَّة؛ فإن أبا هريرة – وهو أكثر ارتباطاً بالصُّفَّة من غيره – لم يستمرَّ فيها، وخرج إلى الحياة؛ بل أصبح أميراً في بعض أيَّامه على البحرين، في عهد عمر بن الخطَّاب، ولم يكن مخشوشناً في حياته؛ بل إنَّ أهل الصُّفَّة كانوا من المجاهدين في سبيل الله في ساحات القتال، وقد استشهد بعضهم كما ذكرتُ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مفهوم اللاهوت بين الإسلام والفلسفة الإغريقية!

د. محمد القطاونة أستاذ العقيدة والفلسفة يستطيع الباحث أن يتبين وجود حد فاصلاً …