أخبار عاجلة

إضاءة سياسية – الحرب على إيران

محمد سعيد سلام

سياسي سوري
عرض مقالات الكاتب

ينقسم التحليل السياسي انقساما حادًا في تحديد الموقف الأميركي حيال إيران والحرب عليها هل ستقع أو أنها مجرد وهم؟

والقضية الأهم ليست الحرب على إيران بحد ذاتها بقدر ما هي إيران نفسها ودورها الوظيفي في المنطقة وملفاتها منذ ظهور مشروع الملالي.

لذا فإن الكلام والحوار والتأسيس النظري حول إيران يعدّ من أهم القضايا السياسية المحورية في منطقتنا وقل حد الندرة من يتعاطى شأنها من السياسيين والمحللين بدقة سواء من المنتمين إلى الأحزاب والحركات أو المستقلين على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم.

يقوم العالم على القيادة الأحادية المهيمنة والمتسلطة وتعتمد هذه القيادة المتوحشة – فيما تعتمده – على توزيع الأدوار بين الجميع بما يحقق سطوتها وهيمنتها ومصالحها الجشعة مع ترك هوامش تضمن استمرارية النظام والتضحية باي أحد يفقد صلاحيته ودوره في خدمة الأميركي أو يظهر أن غيره أفضل منه بأداء الدور المطلوب.

وتحاول بعض الحكومات -العصابات- إظهار نفسها بموقع المعادي والمتحدي للأميركي وهيمنته، لكن الحقيقة غير ذلك فهي أما أنها تكذب وتخدع شعبها وتضلله أو أن ذلك جزء من الدور المناط بها أصلًا على شاكلة دور العصابة الحاكمة في المقاومة والممانعة قبل الربيع العربي.

وفي المقابل فإن أغلب الحكومات منسجمة مع نفسها في العلاقة مع الأميركي ومقرّة بدورها الوظيفي المنوط بها وتؤدي كامل فروض الطاعة لسيدها بكل رضا وخضوع.

ولقد كشف الربيع العربي وبخاصة الثورة السورية بشكل واضح وفاضح هذه الأدوار الوظيفية بمستوى شبه تام أمام كثيرين.

ولم تعد هذه الأدوار الوظيفية خافية إلاّ على معاند مكابر أو جاهل في السياسة أو انتهازي لا يراعي إلا جشعه وطمعه.

وتتناقض هذه الأدوار مع الإنسان وقضاياه الكبرى في العالم أجمع، لكنها مع إنسان منطقتنا أكثر تناقضًا وأشد وطأة وسوءًا.

وتعد بلادنا إحدى أهم البقع الجغرافية في العالم، بل إنها الأهم فهي بمنزلة القلب، من يسيطر عليها ويتحكم بمقدراتها يسيطر على العالم أو يحوز موقعا رياديًا فيه.

ويرتكز النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على ثلاثة أركان في عملية ضبط المنطقة والسيطرة عليها.

أولها من حيث الأهمية الكيان الصهيوني، وثانيها عصابة الملالي، وثالثها المنظومة المستبدة.

ويدرك جميع اللاعبين الإقليميين أهمية الأدوار الوظيفية لهذه الأركان في تثبيت النظام الدولي، كما تدرك هي نفسها أدوارها ومكانتها عند سيدها الأميركي الذي يكلؤها ويرعاها.

وهي بهذا المعنى لا تناقض جوهريًا ولا تضاد فيما بينها، بعكس ما يتوهم بعضهم ويروج آخرون.

وقد أتيح للكيان الصهيوني مستوى معين ومتقدم من القوة مقارنة بجميع من حوله، ودعم اقتصاديا وسياسيا بما يحقق له الاستقرار الداخلي، وعملت الآلة الإعلامية بمهنية عالية في تصوير بنيته الداخلية على أنها متماسكة وديمقراطية، وأنها بوابة الدخول إلى العلاقة مع الأميركي والأوروبي.

ومع كل هذا وسواه ظهر أن البيئة العربية متماسكة وتملك حيوية عالية في التحرك تجاه أهدافها العليا، وإحداث خرق كبير وفرض معادلة تجاه الصهيوني ومشغله وداعمه الأميركي رغم كل الصعوبات والتحديات.

الأمر الذي استدعى خطوة كبيرة تكاد توازي المشروع الصهيوني برعاية دولية على شاكلة الرعاية التي حظي بها المشروع الصهيوني مع التلبيس على أنها إسلامية، وهي ابعد ما تكون عن الإسلام وقيمه، فكانت ولادة وظهور مشروع الملالي ليكون موازيًا للمشروع الصهيوني في خدمة الدولي الأميركي ضد كل قضايانا.

وقد خدع كثيرون إلا قليلا بهذا المشروع وساندوه وظاهروه، وكان على رأس المخدوعين – ومازال بعضهم – الحركة الإسلامية فضلا عن الأحزاب القومية واليسارية.

وزاد الدعم بكل أنواعه لراسي المنظومة المستبدة سورية والسعودية وسائر أعضائها ليمارسوا جهارا نهارا القتل والإجرام والاغتصاب والتعذيب والتهجير والاعتقال.

ولقد استطاعت الثورة السورية وحدها أن تزلزل أركان النظام الدولي الثلاثة في منطقتنا بنسب متفاوتة وان تحدث أثرًا بالغُا في سائر الذين تربطهم علاقة بأحد هذه الأركان أيًا كان شكل هذه العلاقة وحقيقتها.

فلم يبق من العصابة الحاكمة القابعة في دمشق إلا شكل ورقي هزيل كأوراق الخريف المنثورة على قارعة الطرقات تدوسها جميع الأقدام غير مكترثة بها.

وكسر مشروع الملالي على أرض سورية بعد تصميم عال وإرادة منقطعة النظير وتضحيات جسام.

وارتعد الصهيوني من تمركز الإنسان الواعي الحر في دمشق وتموضعه وتحركه في وسطه الإقليمي بما يليق بالمنطقة وتاريخها وحضارتها.

واستنفر سيدهم الأميركي بكل إمكاناته السياسية والعسكرية والإعلامية محركا جميع الأدوات الوظيفية للحفاظ على المشروعين الدنيئين وما تبقى من منظومة الاستبداد.

وبعد أن قدم كل التسهيلات للإيراني لممارسة إرهاب الدولة بأبشع صوره وأكثره توحشا ضد الحرية والكرامة المنشودتين.

وبعد أن مرر الروسي والته الفتاكة لتفتيت الحاضنة العظيمة ومعاقبتها وتهجيرها وقتل أكبر عدد ممكن منها لحماية مشروع الملالي والحفاظ على ماء وجه حرسه الثوري وتقدير دوره بعد أن استطاعت هذه الحاضنة أن تكسر الإيراني.

بعد كل هذا وعبر ثماني سنوات يريد الأميركي أن يقنعنا انه سيحارب أهم أدواته الوظيفية في المنطقة بعد الصهيوني ليصرف المنطقة ويشغلها عن هدفها الرئيس في تحقيق الانتقال السياسي الذي أرادته الثورة السورية.

كم مرة حارب الأميركي الإيراني كلاميًا ثم كافاه في آخر المطاف!

ماذا أكثر من إسقاط طائرة أميركية!

إن تحسين شروط تبعية مشروع الملالي من قبل الأميركي لا تعني عداوته ومحاربته.

وان محاولة الإيراني رفع أجور خدماته ووظيفته لا تعني تمرده على سيده الأميركي.

والضربة الأميركية للإيراني التي إن وقعت لن تكون إلا اضطرارا شديدا.

وليست أكثر من ضرب الأب لابنه حينما يزداد فجوره وطغيانه على من حوله فيضطر لضربه حماية له وحفاظا عليه من نفسه.

ولو استعرضنا مواقف ثلاثة عقود أميركية تجاه إيران لوجدناها نسخة طبق الأصل.

ولو استعرضنا تصريحات الطرفين علمنا أنها هي هي لم يتغير إلا أشخاصها الأميركيون وصفاتهم.

ولو رجعنا إلى الأرشيف الإعلامي المقروء والمرئي والمسموع لتأكد لنا أن الأسئلة واحدة والإثارة ذاتها وربما العناوين هي عينها، حتى بعض الإعلاميين لم يتغيروا ومازالوا يعيدون برامجهم علينا مع الضيوف أنفسهم إن لم تعاجلهم المنية.

وفي الختام:

إن العدو الحقيقي المستهدف من قبل الأميركي ومشروعيه في المنطقة وبقايا الاستبداد هو كل من يتطلع إلى السيادة والكرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

وقفات مع مقالة “النظام الإسلامي” بين واقعية التطبيق وخيال الاستحالة”

د. عثمان محمد بخاش باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة طرح الكاتب “سامي …