أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / خلاصة القول: هل ستشن أمريكا الحرب على إيران؟

خلاصة القول: هل ستشن أمريكا الحرب على إيران؟

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

أرجو أن تلاحظ بداية أني أتساءل إن كانت ستقوم حرب ولم أحدد للتمييز بَيْنَ المهدَّد والمهدِّد. يعني ذٰلكَ منطقيًّا أننا سنوسع دائرة الاحتمالات إلىٰ «طرفي الصراع»، علىٰ الرَّغْمِ مما يبدو من أنَّ أمريكا هي  التي تهدد بشن الحرب وليس إيران.

الحقيقة أنَّ الكلام في ذٰلكَ طويل جدًّا غير ممل أبداً. وفيه تفاصيل أكثر من أن تعد أو تحصى، من العبث التَّفكير في قول كلِّ شيء في مقال واحد أو كتاب فقط، ومن البلاهة بمكان أن يترقب القارئ أن يجد كل شيء في مقال أو حَتَّىٰ كتاب واحد، الأمر يحتاج متابعة وديمومة ومثابرة من أجل الإحاطة.

ولٰكنَّ ذٰلكَ كله لا ينفي ولا يمنع من الإتيان بالوجازات المعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو بصير، أما من كان خلاف ذٰلكَ فلن يرضيه العجب وإن كان موشى بالنغم؛ إن أوجزت له تبرَّم وإن توسعت له تورَّم.

لن أعود كثيراً إلىٰ الوراء فقد توسعت فيما كان في الماضي في كتابي «آفاق التمدد الفارسي» الذي صدر قبل بضع سنوات. وإن كنت سأتجاوز تفجيرات ناقلات النفط التي أفردت لها مقالاً خاصاً قبل أيام فإنها لن تغيب عنا لأنها تمثل نقطة انطلاق الأزمة الأخيرة التي تصاعدت فيها المواجهة والتَّهديدات المتبادلة وليست الأمريكية فقط.

دعوني أبدأ من إسقاط وهم يتذرع به الكثيرون ويعولون عليه وبعضهم يتخذه ذريعة لتأكيد جديًّة الحرب بَيْنَ أمريكا وإيران أو قل من أمريكا ضد إيران. هٰذا الوهم هو الحرب الاقتصادية الشرسة من أمريكا ضد إيران، هٰذه الحرب التي أنهكت الاقتصاد الإيراني، وأدت إلىٰ تدمير قيمة العملة الإيرانية وهلم جرًّا من هٰذه النَّتائج التي لا يمكن نكرانها.

العقوبات الأمريكية موجودة منذ سنوات كثيرة وبدأت أمريكا ترامب بتشديدهاً وتصعيدهاً في الأيام الأخيرة… أتجهل أمريكا أن هٰذه العقوبات لعبة كوميدية لا تسقط أنظمة ولا تزعزها ولا تعكر مزاجها أبداً؟

ليست إيران الوحيدة التي تطبيق عقوبات اقتصادية عليها ولم تجد العقوبات ولا الحصار، وليست هي بظاهرة جديدة أبداً، وأثير هنا مسألتين سريعاً في هٰذا الصدد، في عام 1992م تباحث معنا بعض الباحثين في مراكز بحوث أوروبية في سبب عدم جدوى العقوبات الاقتصادية في إسقاط أنظمة الشَّرق أو إضعافها. قلت حينها: هٰذه العقوبات تقوي الأنظمة وتُضعف الشعوب… الأنظمة لا تبالي بالشعب ولو مات كله جوعاً. والمسألة الثانية هي كلَّ الدول التي تمت معاقبتها كانت لها منافذ ومخارج إلا العراق من 1992م إلىٰ 2003م فإِنَّهُ أحكم عليه الحصار إلىٰ درجة تفوق الخيال. لماذا أورد هٰذه المسألة هنا؟ سنعرف قليلٍ لماذا.

أعني من هٰذا الشاهد أنَّهُم يعرفون منذ عقود غير قليلة أنَّ كلَّ العقوبات التي يفرضونها علىٰ الأنظمة تسهم في تقويتها لا إضعافها، ومنذ عقود أرسلوا مختصيهم لتعقب المسألة في بلدان الشرق ذاتها والاستنارة بتحليلات خبرائها أنفسهم. فمن غير  المعقول أن تجعل أمريكا وغيرها من الدول الأوروبية هٰذه الحقائق، ومن ثمَّ فإنَّهم موقنون تمام اليقين أن عقوباتهم كلها حبر علىٰ ورق بل تعزيز لقوة هٰذه الأنظمة علىٰ حساب شعوبها بالدرجة الأولى والخيرة وما بينهما من درجات. ولا أطيل في حقيقة العقوبات الأمريكية علىٰ إيران وأسبابها والغايات العلقة عليه إذ سيكون لذٰلكَ موضوع كلام آخر.

إذن لنسقط من حساباتنا أن الحرب الاقتصادية حرب أو ذات جدوى أو ذات نتائج، ويسقط بذۤلكَ كلام علي شامخاني ومحمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني وغيرهما من المسؤولين الإيرانيين بأن الحرب الاقتصادية بديل عن الحرب أو هي الحرب أو ما شابه ذٰلكَ. أقول ذٰلكَ علىٰ الرَّغْمِ من كل ما يتعرض له الاقتصادي الإيراني من انهيار.

لن نذهب إلىٰ الافتراضات ونناقشها فنحن لسنا أمام شبهات نستخلص منها الأقرب للحقيقة من خلال القرائن وما يساندها ونقائضها وما يعاندها… نحن أمام حقائق دامغة مباشرة وليست استنتاجية ولا لا استدلالية ولا برهانية وقديمة جدًّا في حالة ديمومة غير منقطعة، علىٰ أساس قديمها قلت مراراً منذ سنين وأكرر:

لو رأيت رؤيا ورؤية اليقين أنَّ أمريكا تحارب إيران لقلت هٰذا تمثيل وخداع وتضليل مهما بلغت حجوم الخسائر وأعداد الضحايا… كلها ستكون في سبيل القضية المقدسة بَيْنَهما.

إذن أنا أقطع بداية في أنَّهُ لن تكون أي حرب أمريكية ضد إيران وبالضرورة لن تكون هناك أي حرب إيراني ضد أمريكا، وما الحرب التي تشنها إيران علىٰ ناقلات النفط بأذرعها الظاهرة لا الخفية إلا لأهداف خبيثة متفق عليها ومنها الإيهام والتَّضليل وتصوير إيران علىٰ أنَّها عدو وتعزيز هٰذا التصور علىٰ الأقل عند الجماهير الإيرانية وإن كنت أقرب إلىٰ الطَّعن في أنَّهُم لا يعرفون الحقيقة، وعند عامة المسلمين أنصار نظريًّة لا للطائفية، وكلنا أخوة في الإسلام، وهلم شحطاً في هٰذا الكلام.

مرت كل تفجيرات ناقلات النفط بتبريد الأجواء وتلطيفها علىٰ الرَّغْمِ من التعهدات الأمريكية كلها بأن حماية ناقلات النفط في  الخليج العربي تقع علىٰ عاتقها ولهٰذا الغرض تنتشر بوارجها الحربية في هٰذا الخليج منذ عشرات السنين… وقد تكلمت في ذٰلكَ ومن هٰذا التبريد والتطمين أبدأ.

سؤال ذكي طرحه مذيع قناة الجزيرة علىٰ أحد الضيوف مساء 25/ 6/ 2019م قائلاً:

ـ لماذا هٰذه العودة إلىٰ التصعيد بعد كل هٰذه التصريحات بالتهدئة والرغبة في الحوار؟

بغض النظر عن إجابة الضيف الذي غرَّب وشرَّق ولم يقترب من الحقيقة أقول:

كان لا بُدَّ من التَّصعيد والمزيد من التَّصعيد والإنذار والوعيد للإيحاء بأن الحرب جدية والعداء جدي وليس كذباً ولا تضليلاً كما استقر قرار الجمع الذي يوجهون له هٰذا التَّضليل والخداع، المعنيون بالخداع والتَّضليل أكثرهم لم يصدقوا هٰذه المهاوشات والمناوشات والملاوشات ولم يقتنعوا بأن أمريكا تعادي إيران أو تود محاربتها، وهٰذا القناعة ليست استنتاجاً ولا استدلالاً وإنما هي نابعة من صميم صريح التَّصريحات الأمريكيَّة ذاتها.

هٰذه الفكرة ذاتها هي مفتاح فهم طبيعة الصراع الأمريكي الإيراني. كل صراع بطبيعة الحال له أهداف وغايات وأغراض، هٰذا إذا كان الصراع حقيقيًّا، وإذا كان وهميًّا فمن الضروري إلباس هٰذا الصراع هٰذه الأهداف والغايات والأغراض وتصوير الصراع علىٰ أنَّهُ من أجلها، في حيت أنَّ هناك غايات وأغراض خلفية، مضمرة، مخقية، هي التي يراد لهذه الصراع أن يحققها.

الأدلة علىٰ أنَّ الصراع بَيْنَ أمريكا وإيران صراع وهمي أهدافه الظاهرة مثل أي صراع لحبك اللعبة، ولٰكنَّهُ ذو أغراض خفية. الأدلة والبراهين علىٰ ذٰلكَ كثيرة ليس هٰذا وقتها وقد توسعنا فيها في أماكن أُخْرَىٰ، وسنعود إليها في مقالات أُخْرَىٰ، ونكتفي هنا بأحداث الأيام الأخيرة وما رافقها من تصريحات. أما الأغراض الخفية والتي لم تعد تخفى علىٰ المهتمين علىٰ الأقل فهي تلميع صورة إيران وإقناع عامة المسلمين بأن إيران تعادي أمريكا وأمريكا تعادي إيران، ويأملون من ذٰلكَ أشياء كثيرة أبرزها تغييب الإسلام المسمى بالإسلام السني وتقديم إيران قائدة للمسلمين وممثلة للإسلام الحقيقي كما يزعمون، وعلىٰ منبر الأمم المتحدة قبل أعوام ثلاث أو أربع فيما أذكر قال الرئيس الإيراني حسن روحاني: «نحن الإسلام الحقيقي الذي يجب أن تثقوا فيه وتتعاملوا معه».

عند من يحسن التفكير والتدبير؛ هٰذا الهدف إذن واضح لا لبس فيه. وقلنا الأدلة علىٰ الخداع الأمريكي الإيراني في حقيقة الصراع بَيْنَهما طويلة وكثيرة، إلىٰ جانب الكثير مما وقفنا عنده من مشاهد وأدلة فيما سبق، وإلىٰ جانب ما سنأتي عليه في غير هٰذا المقال، سنقف عند مشهد قيام إيران بإسقاط الطائرة الأمريكية.

بردت العمة الأمريكية واقتنع الجميع بكذب أمريكا في عدائها لإيران فكان لا بُدَّ من حدث جلل يعيد التوتر إلىٰ الذروة من جديد لتدارك الخلل الذي أخرج الصراع الأمريكي الإيراني عن جادة الجدية إلىٰ سكة الهزل. كان التوتر علىٰ هامش تفجير ناقلات النفط التي تذهب بها الظنون إلىٰ الحوثيين وتترأ منها إيران فدخلت إيران علىٰ خط الاتهام مباشرة من دون مواربة بقيامها بإسقاط طائرة أمريكية مسيرة من دون طيار. وأعلنت إيران علىٰ لسان جيشها وخارجيتها أنَّها أسقطت طائرة أمريكية بقرارها وإرادتها ورغبتها وأنَّها امتنعت عن إسقاط طائرة أمريكية أُخْرَىٰ فيها طاقمها لأنهم استجابوا للتهديد الإيراني. يعني ذٰلكَ انه لا لبس أبداً في الموضوع، ولا شبه، اعتراف صريح تام الأركان، اعتراف وليس استقراءً ولا استنتاجاً بحال من الأحوال مع ان الأدلة علىٰ ذٰلكَ قاطعة أيضاً.

قبل أن أتساءل عن ردِّ الفعل الأمريكي دعوني أتساءل:

ـ كيف تتجرأ إيران المهترئة اقتصاديًّا بسبب الحصار الأمريكي في ظلَّ التَّهديدات الأمريكيَّة المتواصلة أن تسقط طائرة أمريكيَّة؟

ـ كيف تتجرأ إيران أن تمنح أمريكا الذريعة للعدوان عليها في القوت الذي تنتظر فيه أمريكا، فيما يرى الجميع، أي هفوة إيرانيَّة لتستغلها مسوِّغاً لشنِّ الحرب؟

نتساءل هٰذه الأسئلة لما نعرفه عن الحمية الأمريكية في شن الحروب علىٰ الشبهات التي تتعلق بأمنها وسمتعها. ولن نجيب علىٰ هٰذه الأسئلة، ولن نضع الافتراضات، سنترك الإجابة لسياق ما سيأتي. ولنبدأ مع رد الفعل الأمريكي علىٰ إسقاط الطائرة الأمريكية في 20 حزيران 2019م وكيف تتالى التعامل الأمريكي مع هٰذا الحدث الكبير؛ الكبير بكل المقاييس والمعايير… ليس حادثاً عاديًّا، إِنَّهُ إسقاط طائرة أمريكية.

وسط ترقب  الجميع الرد الأمريكي المزلزل كتبت علىٰ الفور قائلاً: بعد قيام إيران بتفجير ناقلات النفط التي تعهدت أمريكا بحمايتها، إيران تسقط طائرة أمريكية أبا عن جد. لو لم تكن إيران وإسرائيل وأمريكا ذراعاً واحداً لقامت أمريكا بمسح إيران من الوجود. أقصى ما ستفعله أمريكا هو القصف بتغريدات تيوترية؛ ترقبوا ردة الفعل الأمريكية تويتريا على طريقة ترامب/ حسن نصر الله.

بعد ساعات من ذٰلكَ، في اليوم ذاته، الرئيس الأمريكي ترامب يجمع مجلس الأمن القومي الأمريكي للتشاور. هكذا كان الخبر، فعلقت عليه قائلاً: للتشاور للاختيار بَيْنَ الاحتفاظ بحقِّ الرَّدِّ أو الرد بصواريخ تويترية. لم أتوقع أكثر من ذٰلكَ بحال من الأحوال، في حين كانت وسائل الإعلام والمحللين يترقبون بدء الصليات الصاروخية الأمريكية علىٰ إيران.

بعد ساعات من اجتماع مجلس ألأمن القومي الأمريكي خرج علينا ترامب في مؤتمر صحافي وليس في التويتر

ليعلن اكتشافاته الجديدة المفاجئة، اكتشف أنَّهُ قد تكون إيران أسقطت الطائرة بالخطأ، أو أنَّ شخصاً غبيًّا تصرف من دون مراجعة القيادة الإيرانية، أو أنَّ عسكريًّا أحمق فقد صوابه وصوب علىٰ الطائرة. كان ذٰلكَ صادماً للكثيرين الذي يترقبون ردة فعل عنيفة علىٰ إهانة الهيبة الأمريكية.

قال ذٰلكَ بعد إعلان إيران الرسمي أنَّها وهي بكل حريتها وإرادتها وعقلها وتعقلها قد أسقطت الطائرة، والأدهى من ذٰلكَ أنَّ الحرس الثوري الإيراني في اليوم ذاته وبعد تصريح ترامب هٰذا أعاد إعلان أنَّهُ أسقط طائرة أمريكية، وأضاف الحرس الثوري الإيراني بأنه تفضل علىٰ أمريكا بأنه لم يسقط طائرة أمريكية أُخْرَىٰ لأنها استجابت للأوامر الإيرانية… ومع ذٰلكَ نجد ترامب يكرر أو يكاد يكرر: استهدوا بالله يا جماعة، لعَلَّه شخص أحمق تهور في لحظة غضب وأسقط الطائرة.

ترامب هو الأشد عنجهية بَيْنَ رؤساء أمريكا، والأشد اعتداداً بالعزة الأمريكية يتحول إلىٰ قديس فجأة ومع إيران فقط. أمر عجيب!

في 18 حزيران 2019م أي قبل إسقاط الطائرة بيومين كتبت قائلاً: ترامب الذي هو الأشد وضوحاً وتصريحاً بعدائه للإسلام بَيْنَ الرؤساء الأمريكان يظلُّ كلَّ يوم يكرر: لا أريد الحرب مع إيران ولا إسقاط النظام، ولا حَتَّىٰ تغيير النظام، وإذا توتر وانفعل تمادى فقال: أريد فقط منع حصولها علىٰ سلاح نووي.

والسُّؤال الذي فرض ويظل يفرض ذاته: الرؤساء الأمريكيون السابقون وكلهم معتدلون مقارنة مع ترامب… لماذا لم يفكروا هٰذا التفكير مع العراق وأفغانستان والصومال… وغيرهم من قبل ومن بعد؟

لا بُدَّ من طرح هٰذا السُّؤال لأنَّ المقارنة تكشف عن الزِّيف والتَّضليل في الضَّخ لإعلامي في حقيقة الصِّراع الأمريكي الإيراني.

في مساء اليوم ذاته استضافت قناة الجزيرة القطرية  السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام وقال في سياق الإجابة: «سنرد علىٰ أي اعتداء إيراني على حلفائنا». ردٌّ كوميدي بطبيعة الحال، لماذا سنرد؟ ماذا تنتظرون؟ لماذا لم تردوا علىٰ تفجيرات ناقلات النفط؟ كيف تردون علىٰ العدوان علىٰ حلفائكم ولا تردون علىٰ العدوان عليكم؟ أليست الطائرة التي تم إسقاطها أمريكية باعتراف الجميع؟؟؟

انظر إلىٰ تفسير ترامب الكوميدي بعد حماسة التَّصعيد التي أعقبها بالتماس العذر لمن أسقط الطائرة. في اليوم التالي لإسقاط الطائرة قال بما معناه والمعنى دقيق: «الحمد لله أن الطيارة التي أسقطوها كانت خالية من الركاب… لو كان فيها مدنيون لكان الرد مزلزلاً».

في اليوم التالي لهٰذا اليوم، أي في 22 حزيران 2019م، وصلت الكوميديا الترامبية مدى سرياليًّا. ففي ظهر اليوم الأمريكي أعلن ترامب أنَّ الخيار العسكري ضدَّ إيران علىٰ الطاولة. وبعد ساعات من ذٰلكَ نشر علىٰ تويتر مسرحية تراجيكوميدية عن الضربة العسكرية الأمريكية لإيران، قال:

فيما كانت الطائرات تتحرك للانقضاض علىٰ إيران ومسحها من الوجود سألت المستشارين عن عدد الضحايا فقالوا لي سيقتل نحو مئة خمسين إيرانيًّا. مئة وخمسين، فأمرت فوراً بإيقاف الضربة. لا نستطيع احتمال إثم قتل 150 بريئاً.

انتبهوا إلىٰ هٰذا الرقم مئة خمسون. من أجل الحرص علىٰ أرواح مئة وخمسين إيرانيًّا قرر ترامب وقف إبادة إيران. وترامب نفسه قبل شهرين من هٰذه الحادثة شن غارات علىٰ الباغور بدير الزور السورية وقتل أكثر من 3500 (ثلاثة آلاف وخمسمئة) مدني ما بَيْنَ طفل وامرأة وشاب وشيخ… لم يعتدوا علىٰ أمريكا، ولم يقتربوا منها، ولم يفعلوا شيئاً يمس أمريكا… وحَتَّىٰ نكون موضوعييين سنأخذ الرقم الذي اعترف به الأمريكان أنفسهم إِنَّهُ 2500 (ألفان وخمسمئة) مدني.

كيف يمكن أن أفهم هٰذه الرحمة الترامبية؟

ثمَّ ازداد التصعيد في وسائل الإعلام ولا نجد من تصريحات لأي مسؤول أمريكي توحي بهٰذا التصعيد، وفجأة ظهرت نتائج التصعيد بمزيد من العقوبات الاقتصادية ضد إيران. والطريف فيها أنَّها طالت المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية، وكأن أمريكا جلبت الدب من ذيله. ويخرج علينا ترامب بعد توقيع العقوبات قائلاً: «إسقاط الطائرة الأمريكية هو سبب هذه العقوبات».

أمَّا العراق فتم اتهامها زوراً بأنها تنوي أن تفكر في امتلاك سلاح كيماوي وبناء على هذا الافتراء الأمريكي قامت أمريكا بتدمير العراق…

تخيلوا حج التَّناقض. علىٰ أي حال منذ شهر اعترف بول بريمر الحاكم الأمريكي للهراق عقب الاحتلال بأن مشروع أمريكا في العراق كان إسقاط حكم المسلمين (السنة) وتسليم العراق للشيعة كونهم أكثرية علىٰ حدِّ زعمه.

ومع تزايد التَّصعيد باحتمال نشوب الحرب بَيْنَ أمريكا وإيران عبر وسائل الإعلام وتنبؤات المحللين خرج علينا القائم بأعمال وزير الدِّفاع الأمريكي وهو يناشد دول الناتو الاصطفاف وراء أمريكا، ومؤازرة جهودها، ومساعدتها في منع قيام حرب أمريكيَّة ضدَّ إيران…

تخيلوا مارداً يناشد الناس الإمساك به لمنعه من الدفاع عن نفسه وتحطيم عدوه!!

خلاصة القول وآخر تطورات الوضع، وآخر النتائج التي أوصلها لنا الأمريكيون هي أنَّهُم متشوقون لشن حرب علىٰ إيران وإبادتها ومسحها من الوجود، والذي يمنعهم من ذٰلكَ هو خوفهم من إسالة دماء الأبرياء الإيرانيين، يتوقعون سقوط نحو مئة وخمسين قتيلاً، وهذا أمر لا يستطيعون تحمل إثمه، ولا يسمح لهم ضميرهم بهم…

هٰذه هي الصُّورة التي يقدِّمها الأمريكيون…

فيا شباب، من كان عنده طريقة لإبادة إيران من دون إسالة دماء يرجى منه الاتصال بترامب علىٰ هاتفه المسجل في صفحته بتويتر… ومن ليس عنده تويتر بإمكانه الحصول علىٰ الهاتف من وزير الخارجية السويدي المفوض من ترامب بإعطاء رقم هاتفه لحسن روحاني، أو من رئيس الوزراء الياباني. استغباء منقطع النظير. والمشكلة في الأغبياء وفي من ينخدع ويقبل الاستغباء أو يخضع له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مستحيلات تركيا وخيالات مصر والخليج!

محمد عماد صابر برلماني مصري سابق جاء تصريح البروفسور “ياسين اقطاي ” مستشار …