أخبار عاجلة

العراق يدفع ثمن نزاعات غيره..

خالد محفوظ

كاتب وإعلامي عراقي
عرض مقالات الكاتب

العراق يدفع ثمن تشظّي مشاكل المنطقة لأنه ببساطة لا يمتلك قراره ولا يمتلك سيادته ولا يمتلك ساسة لديهم القدرة على تلبية متطلبات إخراج بلدهم من دائرة الصراع الإقليمي ووضعه في سكة مصالحه الخاصة بعيداً عن أجندات هذا الطرف أو ذاك.

المنطقة حالياً ملتهبة والأبواب فيها مفتوحة على كل الاحتمالات، أمريكا تزمجر، إيران تتحرش، السعودية تحرض، مصر تتفرج، سويسرا ثم عمان ثم اليابان حاولوا التوسط لكن!

العراق المتضرر الأكبر مما جرى ويجري وسيجري، مدّ رأسه أو لوّح بيده للطرفين المتخاصمين على استحياء لكن أحداً لم ينتبه له، فوضع قادته رأسهم في الرمال بعد أن عرفوا أن حجم الأزمة أكبر منهم بكثير وأنهم مجرد دمى في مسرح السياسة الإقليمية، طبعاً لضعف دور بغداد وعدم قدرتها على التأثير سواء في محيطها أو ما هو أبعد. عدة عوامل أغلبها ليس خافياً، حيث يجب القول إنّ من الصعب جداً تجاوز حقيقة مهمة وحصر تفكيرنا في زاوية واحدة فسياسياً وعند الأخذ بالتحليل لأي موضوع وحتى يكون الطرح منطقياً فيه واقعية تجعله مقبولاً لدى المتلقي وهو جمهور العموم الذي ينتظر من يضع له النقاط على الحروف، يجب أن يكون ملامساً لما جرى أمس الأول وأمس واليوم، وليس النظر فقط لما يحدث في هذه الأثناء هنا وهناك، لسبب أساسي وهو أنه لا يوجد حدث وليد لحظته أو يومه بل كل شيء مترابط وكأنه جملة إذا لم تكتمل كلماتها تبقى بلا معنى.

من هذا الطرح لابد أن نعرف أنّ العراق وقع ضحية لصراع نفوذ سعودي إيراني منذ اللحظة التي دنست فيها قدم أول جندي أمريكي وبريطاني العراق في نيسان ٢٠٠٣ وحتى ساعتنا هذه ولا أحد يعلم إلى متى سيستمر، فطهران نظام براغماتي بامتياز يبحث عن مصالحه في أفريقيا وفي أمريكا الجنوبية وهي تبعد عنه آلاف الكيلو مترات ولا تربطه بدولها أي نوع من روابط التواصل الديني أو اللغوي أو الفكري أو الاجتماعي أو التاريخي، فكيف الحال به مع العراق الواقع على حدوده مباشرة والذي تربطه مع الأغلبية من سكانه أمور لا تحتاج لشرح، خصوصاً وأنّ ما وفره الاحتلال من فراغ أمني وسياسي واقتصادي في البلاد جعله متاحاً على طبق من ذهب للإيرانيين للتغلغل فيه وإجراء التغيير الديموغرافي والجيو مجتمعي، الذي طالما ما حلمت به الجارة الشرقية التي يعتبر فكرها الإيدولوجي الأساسي مبنياً على أنّ العراق هو في الحقيقة أرض السواد التي تعتبر جزءاً من إيران، وهذا ما تؤمن به جميع الأنظمة التي تعاقبت على حكم إيران وليس النظام الحالي فقط. تصوروا أنّ مصدّق عندما قام بانقلابه الشهير ضد الشاه عام ١٩٥٥ في أول خطاب له قال إنّه سيجعل من استعادة الأجزاء السليبة من إيران إلى أحضان الوطن الأم أولى أولوياته وهو ما فسّر وقتها بأنه يشير للعراق.

في المقابل السعودية التي عرفت بسياستها الهادئة سابقاً وعملها الدؤوب تحت الطاولة وخلف الكواليس وبعد أن قدّمت ما قدّمت من دعم هائل في حصار العراق وإلحاق أفدح الأضرار بشعبه ومن ثم توفير كلّ التسهيلات اللازمة لاحتلاله وبتعاون علني وثيق جداً مع المحتل، لم تكن مستعدة لأن تخسر هذا البلد لصالح طهران وتقف متفرجة على ما يجري، وهنا بالذات كانت ساعة الصفر في صراع مميت بالغ الخسائر مسرحه العراق الذي دفع ومازال ثمناً هائلاً لصراع هاتين القوتين الإقليميتين دون أن تتأثرا هما بشكل مباشر أو غير مباشر بقيد أنملة.

هذا الصراع السعودي الإيراني الذي ارتدى ثوباً مذهبياً دينياً انطلقت شرارته في العراق قبل ستة عشر عاماً ومن هنالك تشظّى فضرب لبنان واليمن والبحرين ثم سوريا والمنطقة الشرقية في السعودية وهذا هو الواقع الذي لا يحتاج لأدلة لأننا جميعاً عشنا لحظاته وكنا جزءاً منها، وهو نوع جديد من النزاعات (الاقتتال الطائفي) لم تشهده المنطقة في تاريخها الحديث، مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ الصراعات السابقة كانت على أسس قومية مثلما حدث في فلسطين وما يعرف بأحداث الشمال في العراق منتصف السبعينيات كما أنّ الحرب الأهلية في لبنان التي بدأت مقدماتها عام ١٩٧٢ واندلعت شرارتها الواسعة بعد حادثة الباص عام ١٩٧٥ واستمرت حتى اتفاق الطائف عام ١٩٨٩ كانت حرباً دينية بين المسلمين والمسيحيين ولم تكن حرباً أو صراعاً مذهبياً داخلياً كما يجري منذ احتلال بغداد حتى الآن.

لذلك من الضروري التنبه إلى أنّ عملية خلط الأمور عبر النظر إليها من زاوية واحدة تتعلق بالظرف القائم حالياً فقط، لن يوصل من يريد إلى نتيجة حقيقية أو على الأقل قريبة من الحقيقة وسيجعله منفصلاً عن الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قراءة في المشهد السياسي في لبنان أمريكا تُشعل الحريق لتقوم بدور الإطفائي!

د. عثمان محمد بخاش باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة في محاولة فهم …