أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / خنقوا مرسي ليخنقوا الأمل في أول الطريق

خنقوا مرسي ليخنقوا الأمل في أول الطريق

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

مات محمد مرسي في جلسة محاكمته بتهمة التخابر مع حماس ضدَّ إسرائيل، والذي يحاكمه في ذلكَ منذ ست سنوات هو الذي يتفاخر بخنق حماس لصالح إسرائيل. ما فعل مثل ذلكَ في المبدأ إلا قوم لوط من قبل.

لا ينفصل الكلام على موته عن الكلام على حياه وسيرته المتعلقة بأسره ومحاكمته ومن ثمَّ موته. مات قتلا أم مات ميتة طبيعية أمر لا يهم كثيراً أمام حقيقة إسقاط حكمه واعتقاله ومحاكمته.

أبدأ من إصراري على أنَّ الثورة السورية هي التي عرَّت الجميع وفضحتهم. وعلى هذا الأساس بعد أيام من أول موقف رسمي أعلنه مرسي من الثورة السورية تحرك الجيش وأسقطه. وأفشي سرًّا الآن أنَّ النظام المصري أيام حكم مرسي كان يزود النظام السوري بالأسلحة والخبرات العسكري ويتذكر الكثيرون كيف كانوا يهاجمون مرسي بسبب اكتشاف مثل هذه الأشياء وينسبونها لمحمد مرسي الذي لم يكن يملك من الأمر شيئاً، حَتَّى اضطر إلى إعلان موقفه الشهير وكان أوَّل موقف رسمي منه وكان أحد أسباب النهاية السريعة. لماذا لم يتكلم قبل ذلكَ تلك أسرار لا ندري إن ماتت بموته… ورُبَّما تنكشف كما انكشف غيرها.

هذا المقال متجزئات من كتابي الذي حمل عنوان «رئيس وأربعة فراعين» الذي صدر عام 2014م، وهو موجود إلكترونيًّا لمن شاء الاطلاع عليه.

نعم، الشَّرارة كانت تونس، ولكنَّ الشَّحن موجودٌ في مصر وفي الدول العربيَّة كلِّها، ورُبَّما من دون استثناء. اندلعت الثورة المصرية ضدَّ حسني مبارك في 25 كانون الثاني/ يناير 2011م. وعَلى نحوٍ غير متوقَّع سقط نظام حسني مبارك خلال ثمانية عشر يوماً. لم يصدق المصريون ذلكَ، وكثيرون لم يصدقوا هذا السُّقوط السَّريع لأبرز أعمدة أمريكا وإسرائيل في المنطقة. وتعالت صيحات المصريين بأنَّ ثورتهم أعظم ثورة. لم يدركوا ما حِيك لهم في ليل مبهم. وعاشوا مخدوعين فيما حيك لهم، وأصروا عَلى أن يظلوا مخدوعين عَلى رغم وضوح الحقيقة.

سقط حسني مبارك، فيما يفترض، وحدثت انتخابات؛ خمس استحقاقات انتخابية فاز بها الإخوان المسلمون كلها. وصار رئيس الجمهورية من الإخوان المسلمين هو الرئيس محمد مرسي. ولكنَّ مرسي لم يصمد. تمَّ الانقلاب عليه وعزله واعتقاله وحبسه ومحاكمته عَلى مسلسل اتهامات بدأ ولن ينتهي… ويا لها من اتهامات!!!

لماذا تَمَّ الانقلاب عليه وعزله؟

قبل الدخول في تحليل الحدث، سأبدأ من بداهاتٍ مليئةٍ بالسُّخرية تداولتها صفحات التواصل الاجتماعي تحت عنوان: «رئيس غير صالح للرئاسة»، وتحت عنوان: «مثل هذا الرئيس لا يناسب عالمنا العربي يجب عزله وقد تَمَّ عزله». أمَّا لماذا فلأنَّهُ:

أوَّلُ رئيسٍ مصريٍّ وعربيٍّ منتخبٌ انتخاباً فعليًّا.

أوَّلُ رئيسٍ مصريٍّ مدنيٍّ.

أوَّلُ رئيسٍ مصريٍّ دكتوراه.

أوَّلُ رئيسٍ مصريٍّ موكبه لا يعطِّل حركة المشاة والمرور.

أوَّلُ رئيسٍ مصريٍّ يسمح بظهور مذيعة أخبار «محجبة» في التلفزيون الرَّسميِّ منذ 52 سنة.

أوَّلُ رئيسٍ مصريٍّ ابنه يحصل عَلى أقلِّ من 90 بالمئة في نتائج الثانوية العامة.

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ يأتي بنسبة أقل من 95 بالمئة.

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ حافظ للقرآن.

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ ينتمي إلى تيَّارٍ إسلاميٍّ.

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ تزوَّر كلمته. (كما حصل في طهران).

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ حاصل عَلى شهادة دراسيَّة عليا حقيقيَّة من الخارج.

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ يسمح لوسائل الإعلام المختلفة بانتقاده، وقد كان الإعلاميون الذي انتقدوه عَلى درجة أوقح من الوقاحة وقلة الأدب… صفاقة غير محدودة تبين لنا من بعد أنَّها جوقة الدولة العميقة التي تشحن الشعب للانقلاب.

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ يرفع قضايا نظاميَّة ضدَّ خصومه ولا يدكُّ بهم في السجون من دون تحقيق أو تهمة… وانظروا ماذا فعله السيسي بعده!!

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ يسلِّم عَلى الضابط الذي سجنه ولا يعاقبه.

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ يرسب في عهده ابن مدير الكليَّة الحربيَّة في اختبار تقديم الضباط.

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ يخطب بَيْنَ الثوار.

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ يمنع تعليق صوره في مؤسسات الدولة.

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ يصلي كلَّ جمعة في مسجد جامع ([1]).

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ لا تتعطَّل حركة السَّير من أجل أن يصلِّي في الجامع ([2]).

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ يسكن في شقة إيجار في عمارة سكنية.

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ يسافر أهله عَلى نفقته بالدرجة السياحية ([3]).

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ يرفض علاج أخته بالخارج عَلى نفقة الدولة.

أوَّلُ رئيسٍ عَرَبيٍّ يشتغل ابنه بالخارج مثل أي مواطن ([4]).

لذلك كله، كما يعلق بعضهم ساخراً، لم يصمد محمد مرسي أمام حركة الجماهير التي لم تستطع الانسجام معه، ولم تستطع تقبله. وخلال أيَّام إن لم يكن ساعات انقلب الرأي العام عليه وعَلى كلِّ من نظر إليه باحترام. وكان الانقلاب الذي سموه لفترة ثورةً ثانيةً، وسموه استكمالاً للثورة… ثمَّ لم تعد ثورة، ولم تكن في مصر قبلها ثورة وإنما كان حركة دنيئة ومؤامرة من الإخوان أطاحت بالدَّولة التي كان يرأسها حسني مبارك، والسيسي أعاد الأمور إلى نصابها.

من قبل أن يتَّهمَ أحدٌ الفريق عبد الفتاح السيسي بالتَّخطيط مع قوى خارجيَّة للانقلاب عَلى فوز الإخوان الشرعي أعلن السيسي في ثاني خطابٍ له فيما أذكر قائلاً: «لم نتلق تعليمات من أيِّ أحد، لم ننسق مع أيِّ أحد، لحماية بلدنا»، هذا الخطاب الذي تكرره محطَّات التلفزة الفضائيَّة كثيراً، هو خطابٌ استباقيُّ لوضع حدٍّ لما قد يتمُّ اكتشافه أو استنتاجه من وجودة قوى خارجيَّةٍ مخطِّطةٍ ومدبرةٍ وداعمةٍ للانقلاب، حسبنا أنَّ ثلاث دول عربيَّة في السَّاعات الأولى من الانقلاب تبرَّعت له باثني عشر مليار دولار دعماً واضحاً صريحاً للانقلاب. لا أحد يجهل أنَّ هذه الدول هي السعودية والإمارات والكويت. وحسبنا أنَّ زعماء دولٍ زاروا مصر وباركوا الانقلاب وكانوا مقاطعين لمصر منذ انتصار الثورة، ولا أحد يجهل أنَّ ملك الأردن ومحمود عباس عَلى رأسهم وأسرعهم في ذلكَ… أي إنَّهم باركوا إسقاط حكم الإخوان.

تنحى مبارك وسقطت الثورة

حسناً سنسير مع السيسي عَلى أساس أنَّهُ لم يتلقَّ تعليماتٍ من أيِّ أحدٍ، ولم ينسق مع أيِّ أحدٍ لإسقاط حكم الإخوان، أو لحماية مصر عَلى حدِّ قوله، أي لحماية مصر، ولكن، في حقيقة الأمر، لحماية مصر والأنظمة العربية من نجاح حكم الإخوان في السلطة.

يرى الكثيرون وهماً أنَّ الانقلاب عَلى حكم الإخوان، وإسقاط حكم الإخوان كانت نتيجة لإخفاقهم في السلطة، أو لكذبهم في وعودهم، أو لأنَّ محمد مرسي وعد بما سُمِّيَ خطة المئة يوم ولم ينجح فيها، أو بسبب الإعلان الدستوري، وقيل بسبب أخونة الدولة… كلُّ ذلكَ لا أساس له من الصِّحة، وما ذلكَ كلُّه إلا الأدوات الظاهرة للحقيقة المضمرة الجاهزة سابقاً قبل نجاح الإخوان فيما لو نجح الإخوان في الوصول إلى السلطة.

قال السيسي غير مرَّة، وكرَّر أبواق الانقلاب أكثر من مرَّةٍ: «الإخوان استخدموا الديمقراطية للوصول إلى الحكم».

غريب!! الديمقراطية بالعادة تستخدم لتقشير الثوم والحفر عَلى الخشب، فلماذا هذا الغباء من الإخوان؟ أيجعلون الديمقراطية أداة للوصول إلى الحكم؟

يا عيب (الشوم)؟

هل يوجد أكثر من هذا العبط والهبل والغباء؟

هل يوجد أكثر من ذلكَ اعتداءً عَلى الديمقراطيَّة؟

الإخوان الإرهابيون استخدموا الديمقراطيَّة للوصول للحكم. أمَّا السيسي الوطني الحر فقد استخدم الدبابات والطائرات والرصاص الحيَّ ضدَّ العزَّل ليصل إلى الحكم!!!!

إنَّ الانقلاب انقلابٌ عَلى حكم الإخوان لا عَلى شخص محمد مرسي. هذا الانقلاب عَلى حكم الإخوان سابقٌ عَلى فوزهم وليس لاحقاً عليه. هذا ما حدث بالضَّبط. والدَّليل عَلى ذلكَ أنَّ الثَّورة المصريَّة خُطِفَتْ وهي في ذروة تصاعدها خوفاً من وصول الإسلام السياسي إلى السلطة وصولاً ثوريًّا بشرعيَّةٍ ثوريَّةٍ تجعل من المتعذَّر أو الصَّعب عَلى الأقلِّ التعامل معها إلا من خلال شرعيتها الثوريَّة.

عندما أدرك نظام حسني مبارك، بارتباطاته التي لا يجهلها كثيرون، أنَّ الثَّورة آخذة في التَّصاعد، وأنَّ احتمالات انتصارها غير قليلةٍ، سيَّما وأنَّ الربيع العربي في أوله ولم تُعرف بعد آفاق تطوره. كان القرار الآتي: تنحي حسني مبارك، بضمانات أو بغير ضمانات لا يعنينا ذلكَ. وبقاء النِّظام ببنتيه كاملة لخطف الثورة والسيطرة عَلى الوضع لدى أيِّ انحرافٍ عن المسار. استلم المجلس العسكري السُّلطة بصلاحيات تشريعيَّة. مطمط المجلس في انتقال السلطة إلى الثورة رويداً رويداً من أجل برود الروح الثورية، ضبط إيقاع المرحلة التالية بهدوء وبرود، من خلال مراقبة أيِّ تحول وانعكاساته، ودراسة الإجراءات اللازمة قبل فوات الأوان.

هل كانت أمريكا وإسرائيل حاضرتين في هذا المخطط؟

لا نستطيع تأكيد ذلكَ ولكنَّ لا يستطيع أحد أن يدحضه. ولكنَّ بعض الدول العربية كانت حاضرةً بقوَّةٍ في هذا المخطَّط، والدَّليل عَلى ذلكَ، إذا لم يكن لدينا أيُّ دليلٍ، هو طريقة حضورها في المشهد المصري بعد فوز الإخوان. ولكنَّ الحقيقة التي كشف عنها وزير الدِّفاع الأمريكي روبرت چيتس هي أنَّهُ «تلقى مكالماتٍ شخصيَّة من عدد من زعماء دولٍ خليجيَّةٍ، وضغوطهم المبكرة لمنع الإطاحة بنظام مبارك، والحيلولة دون وصول الإسلاميين للحكم» ([5]).

هنا ينهض التَّصور الذي أعلنا عنه غير مرَّةٍ من أنَّ مخاوف الأنظمة العربيَّة من وصول الإسلام إلى السلطة رُبَّما تفوق مخاوف الغربيين. وهذا چيتس يعلن ذلكَ بصيغة من الصيغ. وتابع چيتس موضحاً أكثر، رُبَّما لتلميع صورة الولايات المتحدة وتبرئتها من معادة الإسلام وإظهار حقيقة أنَّ من ينفخ في نار محاربة الإسلام والإسلاميين هم القادة العرب، قال: «إنَّ حكَّام الدول الخليجيَّة عبَّروا عن قلقهم من موقف واشنطن من الرئيس المخلوع حسني مبارك، وعدم دعمها له بما يكفي. وحذَّر مسؤولو الخليج من تحول مصر إلى نسخةٍ سنيَّة من إيران إذا ما سقط نظام حسني مبارك ووصل الإخوان المسلمون لسدة الحكم» ([6]).

من غير المتوقع أبداً أن لا تكون إسرائيل حاضرةً عَلى الخطِّ السَّاخن من أجل الغرض ذاته، فقد أضاف چيتس في كتابه: الواجب، أنَّهُ «تواصلت رنَّات تليفونات البيت الأبيض من تل أبيب طالبةً من الرئيس الأمريكي التَّمهل والوقوف بجانب حاكم مصر». ويقول إنَّ نتنياهو قال لأحد مستشاري أوباما: «لا أعتقد أنَّ الرئيس أوباما يعرف ما ينتظره»، وأكَّد نتنياهو لأوباما «ضرورة الوقوف مع مبارك مهما حدث» ([7]).

هذا يعني أنَّ أنظمة عربيَّة وإسرائيل وأمريكا كانوا حاضرين في مشهد خطف الثَّورة المصريَّة والانقضاض عليها والتَّربص المناسب لأيِّ تداعيات غير مقبولة، وعَلى رأس هذه التَّداعيات ورُبَّما وحدها هو فوز الإسلاميين بالسلطة وفي مصر الإخوان تحديداً كونهم القوة الإسلامية الأبرز. وأكرِّر هنا ليس الخوف من الإسلاميين كونهم عنصريين أو فاشيين أو إقصائيين أو ما إلى هناك من اتهامات وادعاءات وإنَّما خوفاً من نجاحهم شبه المؤكَّد إن لم يكن مؤكَّداً.

ومع ذلكَ لا أحد من المهتمين يجهل اتهامات العلمانيين للإسلاميين بأنَّهُم إقصائيين وسيحتكرون السلطة، ومعهم الحق في ذلكَ فهم أعنى العلمانيين على مدار سبعين سنة يحكمون البلاد العربية من دون إقصاء ومن دون احتكار للسلطة… سبعين سنة من الاستبداد العلماني واحتكار السلطة وإقصاء الإسلاميين وعلى مدار هذه السبعين سنة ما فتئوا يتهمون الإسلاميين الذي لم يصلوا أبداً إلى السلطة بأنَّهُم سيحتكرون السلطة ويقصون الآخرين!! فتخيل المهزلة. ناهيك عن الفساد ودمار البلاد الذي تم على أيدي العلمانيين طيلة حكمهم.

عَلى هذا الأساس كان الانسحاب الهادئ لحسني مبارك، وتمَّت ترتيبات الانتقال الامتصاصي للثورة. ومع أول انتخابات رئاسية نجد المرشحين للرئاسة هم:

ـ اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية، رئيس المخابرات.

ـ الفريق أحمد شفيق رئيس الوزراء الأخير في نظام مبارك المتهم بالكثير من تهم الفساد.

ـ عمرو موسى وزير خارجية حسني مبارك وأحد رموز نظامه.

أيُّ ثورة هذه وهؤلاء هم مرشحو الرئاسة بعد انتصار الثورة؟ هذا السُّؤال سيبقى مهما بلغ هؤلاء من الأمانة والنزاهة. والذي يزيد الأمور تعقيداً هو فوز أحمد شفيق مناصفةً مع محمد مرسي في الدور الأول، الأمر الذي استدعى إعادة الانتخابات في جولةٍ ثانيةٍ يفوز فيها محمد مرسي بفارق ضئيل عن أحمد شفيق!!! وفي هذا مؤشر خطير إمَّا على مدى وعي الشعب المصري أو على قدرة النظام السابق على التحكم بنتائج الانتخابات، وفي كليها مهزلة ما بعدها مهزلة.

الأمر أمر المصريين كما سيقول الكثير وخاصَّة من المصريين. هذا صحيح، ولكنَّ المنطق هو الذي يأبى تقبل هذا التَّناقض الصَّارخ وليس الانتماء ولا الدين.

عَلى أيِّ حال، هنا صار من السَّهل أن نفهم السَّبب الذي اقتيد الإخوان المسلمون به إلى التَّصريح بعدم الترشح للرئاسة إذا فازوا بالبرلمان. لا أطيل في ذلكَ ولكن لا بُدَّ من توضيح في هذه المسألة. عندما أثارت بعض الأطراف مسألة التَّخوُّف من فوز الإخوان بالبرلمان والرئاسة… هنا قدَّم الإخوان بادرة حسن نية بأنَّهم لن يترشحوا للرئاسة إذا فازوا في البرلمان إتاحة لمشاركة الجميع في السلطة، وهذا غباء غير مسوَّغٍ فأي ديمقراطية هذه إذن؟ ولكن كان ذلكَ عَلى أساس أن لا يترشح رموز النِّظام السَّابق للرئاسة. هذه النقطة التي تجاهلها المنتقدون جميعهم. ولكن عندما ترشح أبرز رموز النِّظام السَّابق للرئاسة قدموا مرشحهم. والسؤال الذي يجب أن يفرض ذاته كيف لثورة أن تسمح لكلِّ رموز النظام الذي ثارت عليهم بأن يرشحوا أنفسهم للرئاسة، ومكانهم الطَّبيعي هو الاعتقال والمحاكمة الثورية لا العادية؟! إذا كانت كل هذه الرموز طليقة حرة فلماذا قامت الثورة إذن؟ هل الفساد والخلل فقط في شخص حسني مبارك؟

الدولة كلها ضد الرئيس مرسي

الخيوط كلها كانت محبوكة بدقَّةٍ بالغةٍ في نظري. والذين يظنون أنَّ إدارة أوباما كانت مُحْرَجَةً أو لا تعرف ماذا تفعل في وقوفها مع الثورة مخطئون. لقد ذكر روبرت چيتس في كتابه أنَّ «أوباما لم يرغب في إهانة حليفٍ رئيسٍ وتاريخيٍّ للولايات المتحدة؛ لما في هذه الخطوة من رسالةٍ سلبيةٍ لحلفاء واشنطن» ([8]), وعنى بذلكَ حسني مبارك. وهو لم يقصر في حمايته وضمان سلامته من خلال الإجراءات التي سبق الكلام فيها. وفوق ذلكَ فإنَّ الولايات المتحدة والغرب لا يمانع من الاطلاع الحقيقي عَلى رأي المجتمع العربي والإسلامي وموقفه من خلال تجربةٍ ديمقراطيَّةٍ حرَّةٍ فعلاً، ولذلك كان سحب رأس النظام المصري وترك الأمر للتجربة مع المحافظة عَلى الإمساك بالخيوط.

نجح حزب الحرية والعدالة في الانتخابات البرلمانيَّة والانتخابات الرئاسيَّة. ولكنَّ مفاصل السُّلطة كلها كانت بيد نظام حسني مبارك. ذهب حسني مبارك وبقي كلُّ شيءٍ كما هو. هنا تسقط كلمة ثورة عما حدث في مصر، ولا يجوز لأحد أن يسميها ثورة. ولذلك لم ينجح أبداً محمد مرسي في إدارة شؤون الدولة، لأنَّهُ لم يكن يتحكَّم بشيءٍ أبداً من أمور الدولة. لقد أعلن أحد ضيوف الاتجاه المعاكس في منتصف عام 2013م تقريباً أنَّ محمد مرسي لم يكن يتحكَّم بأكثر من حرسه الشَّخصي. وبعد الانقلاب بنحو ثلاثة أشهر صرَّح وزير الداخليَّة في حكومته وحكومة السيسي أنَّهُ رفض أوامر محمد مرسي بتأمين الحماية للمحافظين. ولا نعدُّ ولا نحصي لأنَّهُ بالكاد يمكن أن تجد مؤسسة أو إدارة متعاونة مع رئاسة محمد مرسي، في حين كانت جماعة الإخوان تسعى بأيديها وأرجلها في المدن والقرى والمحافظات لإنجاح السلطة… لقد كان واضحاً بعد أقلِّ من شهرين أنَّ هناك مساعٍ مخطَّطةٍ مبرمجةٍ لإسقاط حكم محمد مرسي تتصاعد رويداً رويداً…

لا نريد أن نطيل في التَّعليق والتَّوضيح، ولكنَّ الذي لا يمكن إلا قوله إنَّهُ لا يمكن في أيِّ بلدٍ من العالم أن يحاسب الحزب الحاكم أو الرئيس عَلى وعوده الانتخابيَّة بعد شهرين أو ربع سنة أو نصف سنة من فوزه في الانتخابات! النِّظام المصري الذي خطف الثورة قبل أن تنتصر وحافظ عَلى كينونته وتمترس بها حَتَّى ينقلب عَلى الإخوان إذا فازوا بالسلطة بدأ حربه بعد أقلِّ من شهرين عَلى استلام السلطة؛ بدأت الحرب بذريعة عدم النجاح في خطة المئة يوم الأولى التي وعد بها مرسي إذا فاز في الانتخابات رئيساً لمصر. «تعهد مرسي فيها بحلِّ خمس مشاكل يوميَّة في حياة المواطن المصري وهى إعادة الأمن والاستقرار، ضبط المرور، توفير الوقود، تحسين رغيف العيش، وحل مشكلة القمامة وتكوين مؤسسة الرئاسة من نواب ومساعدين ومستشارين عَلى أن تشمل القوى الوطنية كافة… وزيادة معاش الضمان الاجتماعي ومضاعفة المستفيدين… وتخفيف أعباء الأسرة المصرية في نفقات التعليم وتطوير التعليم والبحث العلمي وتحسين أوضاع المعلمين وأستاذة المعاهد والجامعات…وتعهد بعدم المساس بحرية الإعلام وأنه لن يقصف قلماً أو يمنع رأياً أو يغلق قناة أو صحيفة في عهده مع مراعاة القانون وميثاق شرف المهنة فيما بَيْنَ الإعلاميين…»([9]).

كانت كلُّ مؤسَّسات الدَّولة تقف عائقاً أمام النَّجاح في أيِّ بندٍ من بنود الخطة، ناهيكم عن أنَّها تحتاج فترةً رئاسيَّة كاملةً في أقل تقدير ([10]). إلى جانب الاعترافات الصَّريحة فيما بعد، لدينا عَلى أرض الواقع الشَّواهد الفعليَّة عَلى ذلكَ. ومن الاعترافات الصريحة بأنَّ الدَّولة كلَّها كانت تقف ضدَّ مرسي، وتعمل عَلى إخفاقه، وعدم السَّماح له بالنَّجاح اعتراف اللواء ثروت جودة؛ وكيل جهاز المخابرات العامة السَّابق، بأنَّ الجهاز لم يمد الرئيس محمد مرسي بأيِّ معلومةٍ واحدةٍ صحيحةٍ طوال فترة حكمه. وتابع كيل المخابرات السَّابق في حوار مع الوطن قائلاً: «المخابرات العامة المصرية لم تعط شيئًا حقيقيًّا لمرسي قولًا واحدًا فاصلًا» ([11]).

وكان قبله وزير الداخلية المصري اللواء محمد إبراهيم صرح بمثل ذلكَ وأخطر أكثر من مرَّة، منها مثلاً قوله، في آذار 2014م، في لقاء تلفزيونيٍّ بأنَّ مرسي طلب اعتقال الإعلاميين، عَلى حد زعمه إعلاميين من دون تحديد، وقال ولكنَّني رفضت، وأمرت بحماية كلَّ من يحمل بطاقة تمرد ([12])!!! ما هذا؟  وماذا يعني ذلكَ؟

وصرح أيضاً بوضوح أنَّ وزارة الداخلية رفضت تنفيذ تعليمات مرسي بالمطلق، وضرب مثالاً بأنَّ الرَّئيس مرسي طلب تأمين استلام المحافظين الجدد لمهامهم ولكنَّه رفض تأمينهم… وحدثت فتنة الموجهات ضد دخول بعض المحافظين إلى مكاتبهم… وغير ذلكَ كثيرٌ مما يصعب إحصاؤه من الممارسات التي قامت بها السلطات العسكرية والأمنية والإعلامية والسياسي…

الطريف في الأمر أنَّهُ في حين كوفئ اللواء محمد إبراهيم عَلى تصريحاته الخطيرة هذه فقد حكم القضاء العسكري في 29/10/2014م بالسجن لمدة سنة عَلى اللواء ثروت جودة بتهمة نشر أخبار تمسُّ الأمن القومي عَلى خلفيَّة تصريحه بأنَّ جهاز المخابرات لم يمدَّ الرئيس محمد مرسي بمعلومة صحيحة في أثناء تولِّيه الرئاسة ([13]).

لقد كان واضحاً أنَّ هناك أشياء في الخفاء وراء تظاهر الناس لمنع المحافظين من الدخول إلى عملهم، أدرك بعضه ذلكَ كما فعل الدكتور حمدي حسن الذي وصف: «اعتراض بعض المتظاهرين عَلى دخول المحافظين الجدد لمقارِّ عملهم بالمحافظات بأنَّهُ جريمةٌ يعاقب عليها القانون» ([14])، واستنكر تخاذل قوات الأمن في توفير الحماية للمحافظين والسماح لهم بتأدية عملهم. وأضاف في تصريحات خاصة لـ(اليوم السابع) تعليقاً عَلى تدخل أعضاء من الجماعة لتمكين المحافظين من الدخول لمقرِّ محافظاتهم والاشتباك مع المعارضين الذين أعلنوا اعتصامهم أمام تلك المقرات بأنَّ «هناك من يعطى غطاءً سياسيًّا وإعلاميًّا للبلطجيَّة الذين يعترضون عمل المحافظين». وقال: «سياسة الإخوان حَتَّى الآن تعدُّ أنَّ الحكومة مسؤولة في حالة حدوث أيِّ تعدِّي، وتخاذلها سيدفع الأحداث لغير ذلكَ» ([15]).

ثمَّ جاءت أزمة الإعلان الدستوري التي أقامت الدُّنيا ولم تقعدها. هنا نحن أمام مهزلة حقيقة، أمام فجور فاضح، وعهر واضح. الإعلان الدستوري الذي أصدره مرسي صدر من رئيس منتخب وَفْقَ الدستور، وضمن الحقِّ الدستوري له، وليس فيه ما يسيء… ومع ذلكَ قامت الدُّنيا ولم تقعد بسببه. في حين أنَّ قائد انقلاب، ورئيس انتقالي يصدران إعلانات دستورية تخرق وتخترق الدساتير والديمقراطية تهلل لها وسائل إعلام النِّظام المصري نفسه التي كانت تهاجم الرئيس المنتخب!!!

وعندما تراجع عن الإعلان الدستوري افتعلوا له أزمة القضاء؛ القضاء الذي برَّأ الرَّئيس المصري المخلوع حسني مبارك ورموز نظامه ويُحاكم الرئيس مرسي بتهمة التَّخابر مع حماس!!!! التَّواصل الحميم لمبارك مع إسرائيل وطنيَّةٌ وتواصل مرسي مع حماس خيانةٌ للوطن!! هل هناك أعجب من ذلكَ؟ وفي ظلِّ ذلكَ كلِّه كان افتعال أزمة سيناء؛ الأنفاق… وأخيراً كان الانقلاب باسم تلبية مطالب الجماهير… ثمَّ حملة شيطنة الإخوان إلى حدِّ عدهم شعباً آخر، بل وصل الأمر ببعضهم إلى عدهم أجانب، دخلاء عَلى الوطن!!

كلُّ ذلكَ كان وفق مخطَّطٍ مدروسٍ مبرمجٍ، ليس أبداً تطوراً طبيعيًّا للأحداث كما يوحي الكثيرين أن يصوروا. تسلسل الأحداث وطبيعتها من دون أيِّ أدلة أو قرائن أخرى يوحي بذلكَ بل يؤكِّده. وما ذكرنا ليس إلا مقتضى السياق لأنَّ الحقائق التي تستحقَّ الذِّكر كثيرة جدًّا، وتستغرق الكثير من الجهد، يمكن تتبعها في أكثر من مكان ومن أكثر من مصدر، حسبنا الاستقراء المنطقي للأخبار التي تتداولها كلُّ وسائل الإعلام لا وسيلة متحيزة للإخوان أو ضدَّ حكم العسكر. ولذلك لا عجب أبداً في أن يعلن أمين الجامعة العربية نبيل العربي في مطالع عام 2014م بكلِّ صراحةٍ ووضوحٍ لا يفترق عن الوقاحة قائلاً: «إن حركة ثلاثين حزيران/يونيو (أي الانقلاب) ضربت في الصَّميم المشروع الإسلامي» ([16])، وكي يغطِّي محاربة الإسلام والمشروع الإسلامي بورقة التوت أضاف: «المشروع الإسلامي الذي تقوده تركيا»، وكأنَّهُ يوحي بأَنَّهُ لو كان مشروعاً إسلاميًّا بقيادة غير تركيَّةٍ لبقي الإخوان في السلطة عَلى سبيل المثال؛ المثال التهكمي.

فيما ثبت لا فيما نتخيل: مرسى أراد النهوض بمصر والارتقاء بها، فجاءوا بالسيسي الذي قام (وحده) بالانقلاب بعد سلسلة مفضوحةٍ من الإجراءات والتحريض والتخطيط. وبدأت سلسلة الإنجازات، بدأت باعتبار الإخوان تنظيماً إرهابياً.

الأمر لله. ولم لا. كل الانقلابات تفعل ذلكَ.

وتابع السيسي باعتبار كلُّ من ينتمي إلى الإخوان المسلمين إرهابيًّا. أيضاً سنعد ذلكَ مقبولاً ولو عَلى مضض. ولكن أن يكون إرهابيًّا كلُّ من يمدح الإخوان أو يدافع عن الإخوان أو يروج للإخوان أو يحمل أفكار الإخوان فهذا تمادٍ في الاستبداد غير معقول، لم يعرفه نظام قمعي من قبل في التاريخ كله.

التَّمادي الأكبر من ذلكَ حَتَّى الشَّطط المثير للاشمئزاز فهو أنَّ سلطة الانقلاب صارت تطلب من كلِّ دول العالم تسليمها أي مصري يشعر بالتعاطف مع الإخوان… حَتَّى الذين يظهرون عَلى تلفزيون الجزيرة ستطالب بهم السلطة الانقلابيَّة، وستمارس ضغوطها عَلى المجتمع الدولي لمحاصرة قطر اقتصاديًّا إذا لم تسلمها ضيوف قناة الجزيرة الذين يمدحون الإخوان. أي إن المفكرين والإعلاميين والأدباء هم موضوع الاتهام بالإرهاب؛ المفكر الذي سيكون له موقف إيجابي من الإخوان سيكون إرهابيًّا.

الخلاصة: لا يجوز لأحد بعد اليوم أن يتعاطف مع الإخوان تحت أي ظرف شعوري أو لا شعوري… ورُبَّما حَتَّى في المنام.

وبات من البداهة بمكان أنَّ أيَّ تظاهر في مصر بعد اليوم هو إرهاب لأنَّهُم سيقولون إِنَّهُ تعاطفٌ مع ما يريده الإخوان… تخيل كل من يحتج على النظام فإِنَّهُ يحقق ما يريده الإخوان.

قلت في تلك الفترة: أتخيل أنَّه مخابرات السيسي ستكتب كلمة حرية في كل الشَّوارع، وكل من ينظر إليها سيتم اعتقاله بتهمة الإرهاب.

بل الأدهى من ذلكَ وأشد إدهاشاً وإغراقاً في الديكتاتورية هو حملة منع الصلاة عَلى النبي عقب تولي السيسي السلطة، وظلَّ الانقلاب مانعاً الصلاةَ عَلى النبي. وفي الفترة ذاتها تقريباً أعلن وزير أوقاف السيسي في 25/6/2014م قائلاً: «سنعيد النَّظر في قواعد إقامة صلاة الجمعة». وهو أوَّل قرار من هذا النوع منذ ظهور الإسلام. ماذا يعني يا ترى؟ هل تقديمها إلى يوم الخميس مثلاً؟ أم إلغاء الخطبة منها؟ أم جعلها عَلى الهوية؟ ولم يقف الأمر عند هذا الحد فبعد نحو أسبوع، في 3/7/2014م صدرت قرارات وإفتاءات وتعليمات بمنع الدعاء عَلى الظالمين في الصَّلاة، وعدم تلاوة آيات تتحدث عن الظلم والظالمين!!! وتوج ذلكَ قبل افتتاح العام الدراسي الجديد بإلغاء التربية الإسلامية من المدارس واستبدالها بالتربية الأخراقية. ولم يبقى أمام السيسي سوى أن يصدر طبعات منقحة ومعدلة من القرآن الكريم.

وما زال ما لم نذكره وهو أكثر وفيه الأخطر الذي لا يخطر ببال بشر منها التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير من أجل تحويل مضيق العقبة إلى معبر دولي لا حق لمصر في السيادة عليه، ومنها التنازل لإسرائيل عن حقوق مصر البحري وما فيها من ثروات هائلة من الغاز تغطي احتياجات القارة الأوروبية كلها عشرات السنين، ناهكي عن استرخاص قتل أي مواطن مصري والقول إِنَّهُ إرهابي… وقد شاهدنا الكثير من هذه الفضائح المخزية للإنسانية جمعاء…

السيسي انعطافةٌ كبرى في تاريخ السياسة؛ الانعطافة السيسية. سيتحدَّث التاريخ عن سلوكيات السيسي التي لم يسبق لها نظير من أشد الديكتاتوريات في التاريخ. الديكتاتورية ليست قتل الناس فقط. قتل الناس وحشية، الديكتاتورية هي الاستبداد والتفرد في السلطة، والسيسي يتفرَّد بها الآن عَلى نحو رُبَّما لا أقول إنه غير مسبوق ولكنَّ أقول فجٌّ بطريقة مثيرة ومرعبة…

سينجح السيسي في تدمير القيم والأخلاق أكثر مما نجح السابقون. وسينجح في محاربة الإسلام والمسلمين أكثر مما فعل الكافرون. وسينجح في حماية إسرائيل أكثر مما فعل الإسرائيليون. هذا إذا استمر السيسي في الحكم، وليس ذلكَ بمستبعد أبداً، فإنَّ العالم يقف معه.

هذه مشاهد إلماحية لحقائق واقعة بكثرة. أكرر: يصعب إحصاؤها لكثرتها.

إن ننس لا ننسى كيف احتاروا بماذا يحاكمون مرسي؛ كل كم يوم يخرجون بتهمة أسخف من السخافة. اليوم ([17]) بدأت محاكمة رئيس جمهورية بتهمة التَّواصل مع دولة قطر وقناة الجزيرة!!!

تخيلوا أن يحاكم رئيس دولة عربية بتهمة التواصل مع دولة عربية شقيقة، والتواصل مع محطة تلفزيونية لأَنَّها أجرت معه لقاءً تلفزيونيًّا!!!! بالكاد تجد عبر التاريخ وقاحة بمثل هذه الوقاحة وسخافة بمثل هذه السخافة.

والأشنع من ذلكَ بما لا يقاس أن يحاكم بتهمة التخابر مع حماس لدعمها ضد إسرائيل، والحاكم الذي يحاكمه بذلكَ يتفاخر بدعمه إسرائيل وحماية أمنها، وأنه دمر سيناء وهجر أهلها من أجل أمن إسرائيل. وقدر الله له أن يموت شاهداً وشهيداً على عهر النظام في جلسة محاكمته بهذه التهمة. الله أكبر والعزة لله… ما أظن قوم لوط وصلوا إلى هذه الوقاحة.

وبوقاحة مماثلة وجدنا كيف أنَّ نجد أبواق السيسي يعلنون بكل صراحة «أنَّ أكبر إنجاز للسيسي هو القضاء المبرم عَلى أنفاق غزة». قالوا ذلكَ عَلى قنوات التلفزيون المصرية بدءاً من 3/7/2014م ولم تزل من أكبر مفاخر السيسي. وأردفه الأبواق عبر التلفزيونات المصرية بتعليمات من السيسي شخصيًّا بمكالبة الجيش المصري بالاشتراك مع إسرائيل في قصف غزة. حَتَّى الأفلام الهنديَّة تعجز عن تخيل ذلكَ.

بل إنَّ إسرائيليين لم يستطيعوا تقبل هذا الخطاب الإعلامي المصري الوقح في اتهام حماس ومناصرة إسرائيل. ففي حوار عَلى الهواء مباشر عَلى قناة فرنس 24 كان منسق حملة السيسي في فرنسا يدافع إسرائيل ويهاجم حماس بطريقة أغضبت الإعلاميَّة الإسرائيليَّة المشاركة في الحوار. جنَّنها وهو يدافع عن إسرائيل في قصفها لغزة… هي تقول: «إسرائيل ترتكب جرائم حرب… جرائم حرب…». وهو يقول: «لازم إسرائيل تقصف غزة…». رُبَّما كادت تبصق في وجهه لولا أنَّهم عَلى الهواء، فقالت له باستحقار: «عيب، عيب واحد عربي يقول هيك».

هذا الموقف وحده يجعل البدن يقشعر.

نقطة لم ينته. لم ينته لأنَّ الأمر تجاوز ذلكَ بكثير. إن ما نادت به وسائل الإعلام المصرية، وما قاله فنانون سيسيون ومواطنون سيسيون يضع العقل في الكف، إنه هستيريا حقيقية، إنَّهُ كابوسٌ حقيقيٌّ سيظلُّ يقلق منامات شرفاء العرب عشرات السنين.

هل يمكن تخيل أنَّ مصريين مسلمين يطالبون الجيش المصري بمساعدة الجيش الإسرائيلي في ضرب غزة؟ هذا ما كان فعلاً. إنَّ الإعلاميين المصريين عَلى مختلف القنوات المصرية الذي يطالبون الجيش المصري بقصف غزة، ويسمون قتلى الصهاينة بشهداء الإرهاب الفلسطيني… ليسوا من الفراغ إِنَّهُم صوت السيسي. والمضحك المبكي بعد ذلكَ كله، وبتناقض مربك للحنك الذي لن يعرف كيف يضحك ويغضب معاً، كرر الإعلام المصري كثيراً بعد أسبوعين من العدوان الصهيوني أنَّ «حماس عميلة لإسرائيل وأمريكا».

هذا لا يشبه العاهرة التي تحاضر في الطهارة. تلك العاهرة أطهر من مثل هذا السُّلوك. لأنَّ تلك العاهرة تحاضر في الطهارة ولا تدعي الشَّرف. تحاضر في الطهارة لا تتهم الشرفاء بالدعارة.

دعونا نقترب من الخاتمة بهذه المقارنات السَّريعة بَيْنَ مرسي والسيسي التي تداولتها وغيرها مواقع التواصل الاجتماعي:

أيام محمد مرسي تحدث الإعلام المصري (فلول حسني مبارك)، عن سدِّ النهضة فصوروا الموضوع وكأنَّ السَّدَّ قد تَمَّ بناؤه وانتهى، وأنَّ مصر ستموت من العطش وأنَّ محمد مرسي هو السَّبب… وفجأة عندما نجح الانقلاب السيسي فإنَّ الإعلاميين أنفسهم صوروا أنَّ المشاركة في بناء سد النهضة واجب وطني وديني وأخلاقي… ما هذا؟ وقد قال السيسي خطاب له في أواخر فترته الانتخابية الأولى إن إثيوبيا كانت ميتة رعباً من الرئيس السابق وأنه هو الذي طمأنهم.

أيام محمد مرسي صوروا مشروع تنمية قناة السويس الذي طرحه محمد مرسي عَلى أنَّهُ مؤامرة لبيع مصر ورهنها للخارج… وفجأة عندما نجح الانقلاب صور الإعلاميون والسياسيون أنفسهم مشروع تنمية قناة السويس الذي هو مشروع محمد مرسي بأنَّهُ مشروع قوميٌّ ونهبوا الشَّعب المصري من أجل البدء بالمشروع… والذي نفذوه تفريعة صغيرة سخيفة في قناة السويس ذاتها.

أيام محمد مرسي صوروا السيسي عَلى أنَّهُ من أقطاب الإخوان وهاجموا محمد مرسي عَلى تعيينيه. وعندما قام السيسي بالانقلاب الإعلاميون والسياسيون أنفسهم صوروا السيسي عَلى أنَّهُ جمال عبد الناصر… وقد صدقوا في ذلكَ.

أيام محمد مرسي كانت تنقطع الكهرباء نصف ساعة أو ساعة فتثور الجماهير ووسائل الإعلام وتتهم محمد مرسي شخصيًّا وتطالب بمحاسبته شخصيًّا… بعد الانقلاب صارت تنقطع الكهرباء ساعات يوميًّا فيقول الإعلاميون أنفسهم: من لا يعجبه فليغادر مصر، من أراد أن يعيش في مصر عليه أن يتحمل… بل إنَّ بعضهم ذهب إلى اتهام محمد مرسي أيضاً بافتعال الأزمة وهو وكل قادة الإخوان في الزنازين من أول يوم في الانقلاب!!!

عندما بدأت بوادر أزمة الكهرباء في مصر طرح مرسي مشروع بناء محطات نووية لتوليد الطاقة الكهربائية بحيث تكفي مصر وتصدر الكهرباء، وعندما استلم السيسي قال: «أنا لن أقول لك لا تشعلوا اللمبات… أقول لكم لو كل واحد بَدَّلَ اللمبات العادية بلمبات توفير فكم سنوفر من الكهرباء يا ترى؟!».

والسُّؤال الذي يفرض ذاته الآن: إذا كان السيسي أبو الفلاتر بعد كل هذه الفلاتر قال: «كل حاجة ما ترضيش ربنا إحنا معاها، نؤيدها وندعمها». فماذا كان يمكن أن يقول لو لم يكن مزوَّداً بهذه الفلاتر؟!

الحقائق أوضح من أن تحتاج إلى دليل أو برهان. فقط من عمي بصره وبصيرته سيكون عاجزاً عن إدراكها. الحرب ليست على ما يسمى الجماعات الإسلامية، ولا على الإسلاميين، هذا الاسم التضليلي، وإنما الحرب على الإسلام.

تخيل الآن واضحك، ولستَ بحاجة للتخيل فالأمر واضح: العلمانيون حكموا بلاد المسلمين على الأقل سبعين سنة خلت؛ أفسدوا العباد ودمروا البلاد، واحتكروا السلطة، وتفننوا في الاستبداد، وتمادوا في الإقصاء والإبعاد، وزعموا أنَّهُم دعاة الديمقراطية وأنصار الحريات ووقود الثورات… وعندما قامت الثورات وقفوا ضد الشعوب مع الطغاة، واتهموا (الإسلاميين) بأنهم (يستغلون) الديمقراطية للوصول إلى السلطة، فيما هم خطفوا السلطة بالدبابات والطائرات والمجازر والاعتقالات…

هذه هي أمتنا

أمتنا يا سادة

سيدة القيل والقال

أمتنا يا سادة

وحدها قادرة عَلى المحال

قادرة عَلى تغطية الشمس بالغربال


([1]) ـ قادة العرب كلهم من دون استثناء لا يعرفون من الصلوات إلا صلاة العيدين.

([2]) ـ من شاهد موكب حسني مبارك الذي يبلغ آلاف السيارات لدى تنقله يدرك معي هذا الكلام. عندما كان يصلي مبارك صلاة الجمعة كان أكثر من ثلاثة ملايين مصري يفقدون القدرة عَلى صلاة الجمعة بسبب قطع الطرقات ومنع الحركة، من يتذكر ذلكَ يدرك معنى هذا الكلام، وكذلكَ شأن مواكب قادة العرب كلهم تقريباً.

([3]) ـ عَلى الرغم من ذلك فإن وسائل الإعلام المصرية قلبت هذه الحقيقة زعمت أن مرسي حجز طائرة كاملة عَلى حساب الدولة من أجل سفر عائلته إلى الغردقة، وأنه حجز فندقاً كاملاً من أجلهم عَلى حساب الدولة وهذا كذب أيضاً… وأن الموسم السياحي قد تأثر بسبب هذه الرحلة الاستجمامية لمدة أيام…. عَلى أساس أن مبارك لم يكن يحجز كل أسطول الطيران وكل الفنادق المحيطة بمكان إقامته.

([4]) ـ ابنه طبيب يعمل في السعودية، وظل يعمل فيها ولم يعد مصر ليستثمر كون أبيه صار رئيساً.

([5]) ـ مفكرة الإسلام: تفاصيل الضغوط الخليجية لمنع سقوط نظام مبارك تخوفًا من الإسلاميين ـ موقع مفكرة الإسلام ـ السبت 18 يناير 2014م.

([6]) ـ المصدر السابق ـ ذاته.

([7]) ـ المصدر السابق ـ ذاته.

([8]) ـ مفكرة الإسلام: تفاصيل الضغوط الخليجية لمنع سقوط نظام مبارك تخوفًا من الإسلاميين ـ موقع مفكرة الإسلام ـ السبت 18 يناير 2014م.

([9]) ـ مصطفى الرماح: خطة الـ 100 يوم للدكتور محمد مرسى عقب توليه الرئاسة ـ ضمن صحيفة صدى البلد ـ الأحد 24/6/2012م.

([10]) ـ لقد ورث الرئيس مرسي تركة ستين عاماً من الفساد وتأصيل الفساد واستشرائه في كل بنى الدولة.

([11])  ـ نقلاً عن مفكرة الإسلام: وكيل المخابرات السابق: هكذا تآمرنا عَلى مرسي لإسقاطه ـ الأربعاء الأربعاء 17 أيلول / سبتمبر 2014م.

([12])  ـ قال ذلكَ في لقاء أجراه معه الصحافي مصطفى بكري في برنامج حقائق وأسرار يوم الجمعة 14 آذار/ مارس 2014م.

([13])  ـ نقلا عن الجزيرة مباشر ـ الأربعاء 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2014م.

([14])  ـ راجع: اليوم السابع ـ 21 حزيران/ يونيو 2013م.

([15])  ـ راجع: اليوم السابع ـ 21 حزيران/ يونيو 2013م.

([16]) ـ جاء هذا الكلام في لقاء تلفزيوني منشور عَلى اليوتيوب نشرات كثيرة عنوانها الأغلب: نبيل العربي يعترف 30 يونيو ضرب المشروع الإسلامي بالصميم، أول نشر في 4/1/20134م.

([17]) ـ كتب هذا التعليق الخاص بالمحاكمة في 6/9/2014م.

تعليق واحد

  1. كل ما جاء بهذا المقال من أوله إلى آخره مجرد أكاذيب لا تستأهل الرد عليها، وأذكر كاتبه بقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله: أيكون المؤمن كذاباً؟، قال عليه السلام: (لا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

أبعاد المؤامرة المجوسيَّة-النُّصيريَّة لتدمير الشَّام 5 من 7

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. العلمانيَّة أداة دحْر أهل …