أخبار عاجلة

نَحْوَ لُغَةٍ فُصْحَى فِيْ وَسَائِلِ الإعْلَام – المبحث الأول

نصير محمد المفرجي

إعلامي وباحث في اللغة العربية.
عرض مقالات الكاتب

توطئة:

إن اللغة هي من أهم أدوات التشكيل الثقافي ، بل من أهم عوامل تشكيل الأمم ؛ لأنها وعاء الفكر وأداة التعبير والتواصل والتفاهم بين الناس ، توثق صلاتهم ، وتقوي روابطهم ، وتبني ثقافتهم ، وتشد وحدة اللحمة بينهم ، وهي مستودع ذخائر الأمة ومخزونها الثقافي وتراثها ، الذي يُجسِّر بين حاضرها وماضيها ، ويصل حاضرها بمستقبلها ، ويحدد قسمات شخصيتها وملامح هويتها.. إنها الوطن الثقافي الذي يصنع الوجدان ، ويحرك التفكير، ويترجم الأحاسيس ، ويغيرالسلوك ، ويسهل تبادل المعارف وتلقي العلوم.

فإذا كانت اللغة بهذه القدرة الخارقة في التأثير والتشكيل الثقافي ، أو بناء الشاكلة الثقافية ،التي تُعدّ المُوجّه لرؤية الإنسان والمنطلق لحركته وتعامله مع الناس ومواصلته مع تاريخه ، أي بناء وجهته في الاتجاهات جميعًا ، الماضي والحاضر والمستقبل ، كانت العامل الأهم في تشكيل الأمة وتفاهمها وتواصلها ، وكانت من القلاع الأولى والحصون الثقافية والاجتماعية والتراثية المستهدفة ، لأن استهدافها يعطل نمط تفكيرالأمة ، ويلغي عقلها ويطمس شخصيتها ، ويعبث بثقافتها، ويقطع أوصالها ، ويجفف ينابيعها ، ويجتث جذورها ، ويتركها في مهب الريح ، وخصوصًا عندما تكون اللغة لغة العقيدة والقيم ، والثقافة والحضارة ، والعلم والتعليم ، والعبادة ، كاللغة العربية التي شرّفها الله في كتابه المقدّس القرآن الكريم : ” وَإنَّهُ لَتَنْزيلُ رَبِّ العَالَمِينَ {} نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ {} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرينَ {} بِلِسَاٍن عَرَبِيٍّ مُبِينٍ” {الشعراء: 192-195}.

ولكنّ الواقع المحزن الذي نعيشه يتمثل في أن اللغة العامية ، لغة الجهل ، تتقدم ، والفصحى ، لغة العلم والتاريخ والتراث والحضارة ، تتراجع إلى المعاجم ، وأن أساليب تعليمها باتت لا تشجع بل قد تنفر..

وقد أصبح الإعلام اليوم مؤسسة تتـعامل مـع حـياة كامـلة ، بكل مـا تعــني هـذه الكلمة ، فهو مؤسـسة اقتصـاديـة لا تقتصر على أخبار نقل أسواق المال والأعمال والأسهم والشركات والتجارات والصناعات والمبتكرات ، وترصد الأسعار والأسواق ، وتقـوم بالإعـلان الـمغري بالاستهلاك ، وتروج للسلع الـمتنوعة ، وإنـما تتجاوز ذلك إلى الدراسات والتحليلات والاستشراف المستقبلي ، وإقامة الندوات ، واستضافة الخبراء ، إلى درجة يمكن معها أن نقول : إن الإعلام أصبح صناعة اقتصادية ثقيلة ، و مدرسة اقتصادية ذات تعليم مستمر ، فالذي يملك الإعلام يملك التحكم بالأسواق والإنتاج والثقافة العالية ، التي تحول دون المخاطرات المالية وتبصر احتمالات المستقبل .

من أجل ذلك ينبغي الارتقاء بالعربية في وسائل الإعلام، فالإعلام إذا كان بالمستوى المطلوب ، لغة وأداءً ، يصبح مدرسة لتعليم اللغة.. ذلك أنه مع استمرار السماع ينضج الأسلوب والطريقة في الذهن ، فتتولد المقدرة على المحاكاة ، فيبدأ الإنسان في استخدام اللغة السليمة في حاجاته وأغراضه وأفكاره.

وهذا يعني أن وسائل الإعلام المتعددة من مكتوبة ومسموعة ومرئية قادرة على تنمية الملكة اللغوية عند المتلقي ، ما سوف يؤدي إلى الارتقاء بالإعلام نفسه ، والتحول من لغة الأمية والجهل “العامية ” إلى لغة العلم والحضارة “الفصحى”،والارتقاء بالأداء ، وبناء القاعدة اللغوية والثقافية المشتركة ، الفصحى ، وبذلك يمثل الإعلام ، بكل عطائه ، موقعًا مساندًا للعملية التعليمية والتربوية ، ولايتحول إلى وسيلة استلاب ثقافي متقدمة في داخل الأمة .

ونعني باللغة الفُصْحَى اللغةَ الأكثر شهرةً بين اللغاتِ ذات الأصلِ الواحدِ.

وقد وردت “الفُصحى” في سياق التفضيل ؛ فقالوا اللغة الفُصحى العالية واللّغة الفُصحى المشهورَة….، أمّا الفصيحة فقد وردت في باب البيان في هذه اللغة أو تلك من لغاتِ العرب ، ووُصِفَ بالفَصاحَةِ كلُّ ما هُو مُبينٌ ، وقد تستوي اللهَجاتُ العربيةُ في الفَصاحةِ والبيانِ ولكنَّها تتفاوتُ في أنَّ إحداها أفصحُ من الباقي فهي فُصْحى … وبذلك نطقت المعاجم العربية.

المبحث الأول : الخطأ في بناء الفعل المعتلّ

من المعلوم أن الفعل إلى ينقسم صحيح ، ومعتَلّ . فالصحيح : ما خلت أصوله من أحرف العلّة ، وهى الألف ، والواو، والياء ، نحو كَتَبَ وجَلَسَ. ثمإنّ حرف العلة إن سُكِّنَوانفَتَحَ ما قبله يسمى لِينًا ، كَثْوب وسَيْف ، فإن جانسه ماقبله من الحركات يسمى مدّاً ، كقال يقُول قِيلا ؛فعلى ذلك لاتنفك الألف عن كونها حرفَ علة ، ومدٍّ ، ولين ، لسكوِنها وفتح ما قبلها دائمًا ، بخلاف أختيها. ويقسم الصحيح إلى سالم ، ومضعَّف ،ومهموز. أمّا المعتلّ: ماكان أحد أصوله حرف عِلة ، نحو وجد ، وقال ، وسعى .

وينقسم المعتل إلى مثال، وأجوف، وناقص، ولفيف.

1- المثال: ما اعتلت فاؤه(الحرف الأول) ، نحو:  وَعَدَ ويَسَر، وسُمِّي بذلك لأنه يماثل الصحيح في عدم إعلال ماضيه. وهوإما يائىّ الفاء،أو واويُّها.

2 – الأجوف: وهو ما اعتلت عينه(الحرف الثاني ) ، وسمي بالأجوف لوقوع حرف العلة في جوفه،  نحو : قال ، ينام ، باع .

3- الناقص: وهو ما كان حرفه الأخير معتلًّا.، نحو: دعا، رمى، سعى.

4- اللفيف: وهو ما اجتمع فيه حرفا علة، وينقسم إلى نوعين:

أ- لفيف مقرون: وهو ما  وُجد فيه حرفا علة من دون أن يفرق بينهما حرف صحيح،  نحو: شوى، لوى، طوى.

ب- فعل لفيف مفروق: وهو ما  وُجد فيه حرفا علة وفرق بينهما حرف صحيح ، نحو: وقى، وعى.

التقاءالسّاكنين في المضارع الأجوف المجزوم:

يترتّب على جزم المضارع الأجوف التقاءساكنين؛السّاكن الأول هوالسّاكن الأصلي في عين الكلمة، والسّاكن الثّاني هوعلامة جزم المضارع. والعربية لاتجيزالتقاء ساكنين، من إجل ذلك يُحذف السّاكن الأول عادة. مثلا الفعل(يعيش)فعلمعتلّ أجوف إذا سبق بجازم مثل (لم يعيش) يجتمع ساكنان: الياءالساكنة والسّكون النّاجم عن الجزم، فتتخلّص الكلمة من هذا الوضع بحذف الساكن الأول، فتصبح الكلمة (لم يعِش).

ومن أمثلة ذلك في وسائل الإعلام:

“إنّ الأمر لم يسيرعلى النّحو المطلوب…”.الصواب: (يَسِرْ).

“حتى اليوم لم نعود إلى المسار الطبيعي للسّياحة…”.الصواب: (نعُدْ).

“لم يحتاجالجيش للتوغل…”.الصواب: (يحتَج).

“إنْ لم تنصاع لأوامره…”.الصواب:  (تنصَعْ).

“إذا لم تستجيب الحكومة لمطالبهم…”الصواب: (تستجِب).

“لم تحيل لجنة النزاهةهذاالملف الى البرلمان…”.الصواب: (تُحِل).

“الأمرالذي لم يروق لمجلس المحافظة…”.الصواب: (يَرُقْ).

“…ابن الجنوب لم يستفيد…”.الصواب: (يستفِد).

“…لم تعتاد عليه…”.الصواب:  (تعتَد).

“ولم تقوم الوزارة بالإجراءات اللازمة…”.الصواب: (تقُم).

الخلط بين الناقص الواوي والناقص اليائي:

والناقص – كما أسلفنا- ما اعتلّت  لامه، نحوغزا ورمى،وسُمِّي بذلك لنقصانه ،بحذف آخره في بعض التصاريف، كغَزَتْ و رَمَت، ويسمى أيضًا ذا الأربعة، لأنه عند إسناده لتاءالفاعل يصير معهاعلى أربعة أحرف، نحو: (غَزَوْتُ و رَمَيْتُ).

ومن أمثلته في وسائل الإعلام :

“… وهو يُخطي خطواته الأولى…”. الصواب: (يَخطو).

” دعيتُ الله أن يحفظ العراق …”.الصواب: (دعوتُ).

انتهى المبحث الأول في سلسلة مقالات “نَحْوَ لُغَةٍ فُصْحَى

فِيْ وَسَائِلِ الإعْلَام” . مبحث جديد يأتيكم بإذنه تعالى في الأسبوع المقبل إنْ شاء الله تعالى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

هل كان عنترة بن شداد نصرانيا والرد على لويس شيخو؟

أ.د. إبراهيم عوض كاتب ومفكر مصري. ونصل إلى المسألة الثالثة، وهى زعم لويس …