أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / مذكّرات.. جرح الماضي ينزف من جديد.

مذكّرات.. جرح الماضي ينزف من جديد.

عزيزة جلود.

* الحلقة الثانية:

كان يا ما كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان لحتى كان

 تقول شهرزاد:

 في ثالث يوم أتينا به إلى السجن استيقظنا مذعورين لأن السجّان طرق الباب بطريقة مفزعة . نهض الأطفال مذعورين خائفين وأجهش طفلي والطفلة الأخرى بالبكاء الشديد .

 فتح السجان الباب ليدخل لنا الطعام فقلت له : أفزعت وأخفت الأطفال فرد علي قائلاً : أظن أنك أنتِ التي فزعتي وليس الأطفال !!

 رمى لنا الطعام وأغلق الباب بقوة .

 لقد كان الطعام يتألف من صحن مربى وبعض قطع الجبن وخبزعسكري (صمون مشهور برداءته).

 تلاقت نظراتي و نظرات الأخت التي كانت معي بالغرفة وأحسسنا بحسرة وحزن وشفقة على أطفالنا الذين تعلقوا بثيابنا من خوفهم .

 هدّأنا من روعهم وجلسنا متحلقين حول صحون الطعام وبدأنا نأكل ونطعم أطفالنا. فما لبثنا أن استغرقنا بالضحك وكأنّ شيئاً لم يكن.

 وبعد بضعة أيام من وجودنا في السجن، طرق أحد السجانين الباب وقال :

 اليوم موعد الذهاب إلى الحمام . نظرت إلى وجوه الأخوات لأستعلم عن هذا الحمام فقد كنت حديثة السجن فقد مضى على وجودي بضع أيام .

 رأت الأخوات الدهشة على وجهي وتساءلن كيف سنذهب لنستحم ونحن نساء ؟

 وكيف سنغسل ثيابنا ؟

 وكيف سأحمم طفلي الصغير ؟

 فانفجرن بالضحك وقلن لي (( الحمام غير شكل )) وخاصة عندما نصرخ للسجان، ( باردة – سخنة )

 ضحكت مع الأخوات و رددت معهن, باردة – سخنة

 وعندما حل المساء بعد يوم طويل من الصراخ والعذاب لأن الشباب المعتقلين كان الدور لهم في الحمام . وكان السجان يخرج سجناء كل غرفة وهو يحمل الكرابيج ( ليست حلويات العيد ) ،ويبدأ بضرب السجناء من لحظة خروجهم من الغرفة حتى وصولهم الى الحمام بعد عشر دقائق ينتهي حمامهم ويعودون كما خرجوا بالضرب والسباب والصياح.

 كنا نقول لهم في سرنا ( حمام الألم يا شباب ) وندعوا على السجانين بكسر أيديهم ولكن نراهم لاحقاً وأيديهم سليمة لم يصبها أذى. وحل المساء وجاء دورنا فحملنا ملابسنا النظيفة و لوح صابون الغار ( جلبه لنا أهلنا ) وليفة.

 دخلت لأول مرة كان المكان يتألف من غرفة كبيرة مقسمة أقسام بجدران قصيرة فيما بينها. يعلو كل قسم دوش من الأعلى ليس لهم ابواب (هذا المكان هو بقايا الاستعمار الفرنسي وهذا السجن كان يستعمل إصطبلاً لخيول الفرنسيين).

 دخلت كل واحدة زاوية من تلك الزوايا وبدأ السجان يعد لنا : واحد إثنان ثلاثة

 ليفتح لنا سِكر الماء. وانهمر الماء علينا من دوش الحمام وبدأ صراخ الأخوات يعلو من كل زاوية فمن كانت قريبة للباب، أي من بداية سيل الماء تأتيها حارّة فتقول ( سخنة ). ومن كانت بعيدة يأتيها الماء بارد فتقول ( باردة ) عندها يصرخ السجان من الخارج منزعجاً: سخنة – باردة , سخنة – باردة

 ليأتيه صدى صوت آخر وآخر هكذا حتى تنتهي المدة المحسوبة لنا

 فيصرخ السجّان : واحد اثنان ثلاثة، ثم يغلق سِكر الماء .

 هكذا ينتهي حمامنا ثم نبدأ بالتفاوض مع السجّان على المدة التي سنستغرقها و نحن نغسل ثيابنا . وبعد صد ورد ينتهي كل شيء و نعود أدراجنا إلى زنازيننا العتيقة الموحشة بعد أن نكون قد نشرنا ثيابنا على جدران الحمام .

 ربما سألني سائل منكم وكيف غسلتي طفلك ؟

 نعم لقد كان بهجتنا جميعاً كان يزحف من زاوية حمام إلى أخرى، وكل واحدة من الأخوات تقوم بمعكة لرأسه الأشقر الصغير فيهرب منها لأخرى لتفعل به كسابقتها فيخرج و هو أنظف مَنْ استحم في هذا اليوم بجسمه الصغير وقلبه الأبيض النظيف الذي لا يعرف ما يدور حوله، فيضحك ببراءة جميلة نضحك لها جميعاً فيغسل قلوبنا من كل حزن وألم ونعود لندعوا على أيدي سجانينا بالكسر ويخيم الظلام وترقد كل واحدة بجانب الأخرى نحمد الله تعالى لقد انتهى يوم من أيام سجننا .

 وينام شهريار السجان وتسكت شهرزاد عن الكلام .

تنويه: ينفرد موقع رسالة بوست بنشر مذكرات السيدة عزيزة جلود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

تأسيس التجمع الوطني العربي في المنطقة الشرقية

أُعلن اليوم ومن عدة مواقع عن تأسيس ” التجمع الوطني العربي في المنطقة الشرقية ” …