أخبار عاجلة

السوريون في مصر بين بلاغ للنائب العام و حملة منورين مصر

ربيع الخطيب

ما إن بدأت الحملة المنظمة ضد السوريين في مصر بقيادة بعض المصريين على الصعيد القانوني والإعلامي، حتى ظهرت حملة مضادّة أكبر وأكثر انتشاراً تصدرت “الترند” في وسائل التواصل الاجتماعي تحت شعار “السوريين منورين مصر”، مع فارق كبير وأكثر أهمية هو أن هذه الحملة الثانية عفوية، غير منظمة وتعبّر صراحة عن الشعب المصري وعلاقته بالسوريين ونظرته لهم وموقفه تجاههم، والذي تفاعل معها بطريقة كسرت جدران حملة الهجوم على السوريين.

كيف بدأت القصة ؟
بدأت عندما قدم المحامي المصري سمير صبري بلاغاً للنائب العام يطالبه باتخاذ الإجراءات القانونية للكشف عن مصادر أموال السوريين الوافدين وحصرها، وضرورة أن تكون هذه الأموال تحت الرقابة المالية، مبدياً مخاوفه بشأن مصادر هذه الأموال وكيفية دخولها إلى الأراضي المصرية، وكيفية توجيه أرباحها. مشيراً إلى أن السوريين غزوا المناطق التجارية في أنحاء مصر، واشتروا وأجّروا بأسعار باهظة محولين بعض ضواحي العاصمة المصرية إلى مدن سورية.
المحامي صبري تحدث عن حجم الأموال السورية في مصر والتي قدّرها ب 23 مليار دولار، تتوزع ما بين استثمارات في العقارات والأراضي والمصانع والمطاعم والمحلات التجارية والمقاهي وغيرها، مشيراً إلى أن السوريين يسيطرون على أهم مصانع الألبسة والنسيج، وبعض مناطق التطوير العقاري.
اشتهر صبري المقرّب من النظام المصري الحالي ببلاغاته الكثيرة التي تثير الرأي العام، ضد المشاهير وفي كافة المجالات من فنية واقتصادية وثقافية، ما دفع البعض لاتهامه بأنه يسعى إلى الشهرة وحب الظهور في وسائل الإعلام، أو التصيّد والارتزاق على قضايا تأخذ أبعاداً جماهيرية، إضافة إلى اتهامه من قبل آخرين كأداة تسعى السلطة من خلالها لإلهاء الرأي العام عن قضايا رئيسية إلى قضايا غير ذات أهمية.

السوريون في مصر ..
يشكل السوريون أكبر جالية في مصر، حيث يبلغ عددهم أكثر من مئتين وخمسين ألفاً فيما تقدر المفوضية السامية للأمم المتحدة عدد المسجلين لديها بنحو مئة وثلاثين ألفاً تقريباً. يتوزع السوريون في عدد من المحافظات المصرية، حيث تعتبر مدينة السادس من أكتوبر في محافظة الجزيرة غربي القاهرة المركز الأكبر من حيث الكثافة، تأتي بعدها مدينة العبور في محافظة القليوبية شرقي القاهرة، تليها مدينة العاشر من رمضان شمال القاهرة، وأيضاً مدينة دمياط على البحر المتوسط، بالإضافة لباقي محافظات ومدن مصر.

استثمارات السوريين في مصر ..
يقدّر رأس المال السوري العامل في مصر بأكثر من خمسة وعشرين مليار دولار يتوزع على مختلف المجالات من صناعية وعقارية وزراعية وخدمية وغيرها. حيث تشير الدراسات إلى أن نحو 30% من رأس المال السوري خرج باتجاه مصر، وهذا ما تؤكده احصائيات الأمم المتحدة التي تقول بأن المستثمر السوري يعتبر الأول في مصر منذ العام 2013.
من جهتها تشير الإحصاءيات الحكومية المصرية إلى تزايد الاستثمارات السورية في مصر في الآونة الأخيرة بمعدل 30%، حيث وصل عدد الشركات المؤسسة من قبل السوريين في التسعة أشهر الأولى من العام 2018 إلى 818 شركة وهو ربع عدد الشركات المؤسسة بواسطة أجانب، وبزيادة قدرها 62% عن العام 2017. فيما يقدّر عدد المستثمرين السوريين في مصر بأكثر من 30 ألف مستثمر.

عن هذه الاستثمارات يتحدث الخبراء الاقتصاديون عن الأهمية التي تعود بها على الاقتصاد المصري والمصريين على حد سواء، حيث توفر الآلاف من فرص العمل وتعيل آلاف الأسر، بالإضافة إلى دورها في تحريك عجلة الاقتصاد في شتى الميادين ابتداءاً من استخدام المواد الأولية إلى الاستيراد والتصدير وتحريك سوق العمل، وهو ما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد المصري الذي يعاني منذ عدة سنوات.
أما المجالات التي يعمل بها السوريون فهي متنوعة تكاد تشمل جميع مجالات العمل، يأتي في مقدمتها القطاع الغذائي من مطاعم وغيرها والتي تنتشر على كامل التراب المصري تقريباً بالإضافة إلى محلات الحلويات، حيث انتقلت إلى مصر كبرى وأشهر مصانع الحلويات والعلامات التجارية السورية في هذا المجال والذين اتخذوا من مصر مركزاً للتصنيع ثم التصدير.
بالإضافة إلى وجود العشرات من المصانع التي أسسها السوريون في مختلف المجالات من صناعية ونسيجية وغيرها، حيث تحتل صناعة النسج السورية مركزاً متقدماً.

لماذا الآن ؟
إن الحملة التي أطلقت ضد السوريين في مصر في هذه الفترة تعود بهم و بالمصريين أيضا بالذاكرة إلى العام 2013 وتحديداً بعد الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، حيث قادت أدوات الإعلام المصري حملة ممنهجة وقوية ضد السوريين تحت ذريعة أنهم من “الإخوان المسلمين” بالجملة، بالإضافة إلى اتهامهم بأنهم كانوا يحملون الأسلحة في ميدان رابعة، وغيرها الكثير من الاتهامات، تلك الحملة التي هُدّد فيها السوريون صراحة على شاشات التلفاز وفي جميع مناطق تواجدهم في مصر، والتي كان هدفها غير المعلن صرف نظر المصريين عن مذبحة رابعة وإشغالهم بشيء آخر.
وهنا يتساءل المحامي المصري المختص بحقوق الإنسان أشرف ميلاد في منشور له على فيسبوك عن السبب قائلاً : “حملة جديدة ضد السوريين فى مصر أعادتنا لأجواء عام 2013 تشبه التمهيد بالمدفعية فى الحروب أعقبها هجوم مباشر فى شكل طلب للنائب العام بمراقبة أموالهم فى مصر (على اساس انها مش متراقبة بالفعل مصادر و أوجه صرف)”.

يوم أن احتاج النظام المصري الحالي السوريين…
كان من نتائج سيطرة العسكر على السلطة في مصر بعد انقلاب 2013، أن بدأ الاقتصاد المصري بمرحلة تراجع وانهيار كبيرين دلّ على ذلك تراجع سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار، بالإضافة إلى الارتفاع المنظم والمستمر للأسعار، خاصة البترول والغاز وما تبعه من ارتفاع لكافة المواد الغذائية وفقدان بعضها في أحيان كثيرة. هذه العوامل وغيرها أدّت إلى ازداد كبير في معدلات البطالة تبعتها حالة من التململ بدأت توحي ولو من بعيد بمشروع ثورة على النظام القائم.
هنا بالذات بدأت حملة إيجابية على مختلف المحطات التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي، هدفها الحديث الدائم وبشكل مستفيض عن السوريين في مصر وابداعاتهم ومساهماتهم ونمط حياتهم، وكيف أنه لا يوجد سوري في مصر بدون عمل وهو اللاجئ والمهجر من بلده، وأن ما يعانيه المصريون الشباب من بطالة وفقر مردّه كسلهم وعدم رغبتم في العمل.
فجأة بدأنا نرى النقيض تماماً، فها هم الإعلاميون المصريون يضربون أروع الأمثلة عن قصص نجاحات السوريين في مصر، يستضيفونهم في برامجهم، ويرفعون له القبّعة احتراماً، والمنشورات تملأ وسائل التواصل الاجتماعي. فيما يغيب عن بال الكثيرين من مصريين وسوريين أن من يعملون في مدينة الإنتاج الإعلامي بمصر ينطبق عليهم “لا أريكم إلا ما أرى” في علاقتهم مع النظام. وقد أدت هذه الحملة غرضها بشكل مرضٍ في مواجهة حالة التململ من الشباب المصري على واقع الحال.

السوريين منورين مصر
على الطرف الآخر، ومن باب رد الفعل أطلق مصريون – على مواقع التواصل الاجتماعي – وهم يمثلون في هذه الحالة الغالبية الساحقة وسماً يحمل اسم ” #السوريينمنورينمصر ” وذلك رداً على الحملة التي يتعرض لها السوريون، معبّرين عن رفضهم الشديد لما يجري على السوريين ومؤكدين تضامنهم التام مع “إخوانهم” من السوريين، حيث يرفضون تسميتهم بالوافدين أو اللاجئين أو المهجرين، ويكفي أن نكتب هذا الوسم ليظهر لنا ما يحتويه من منشورات وتعليقات من المصريين تعكس الواقع بعينه للعلاقة بين السوريين والمصريين والتي تعتبر من أروع أمثلة التآخي والذي لا يوجد إلا في مصر.
فقد أشار الصحفي المصري مصطفى محمود في حديثنا معهه حول هذه الحملة إلى هذه الحادثة لا تعبر عن المصريين وإنما عن قلة ليس لها وزناً، مبدياً أسفه لما آلت إليه حال العرب بسبب التفرقة التي رسمتها حدود سايكس بيكو، ومرحّباً بالسوريين الذين أثبتوا وجودهم في بلدهم مصر، منوهاً إلى أن تصرف المحامي المذكور لا يعدوا عن كونه بحثاً عن الشهرة على حساب قضية تمس الرأي العام.
من جانبه قال السيد جمال عيد رئيس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في تغريدة على حساب تويتر:
“اشقائنا #السوريينمنورينمصر ، ومصر اجمل بيكم وبذوقكم وجهدكم والعشرة والمحبة. وزي ما بيقول المثل : اذا ما شالتكوش الأرض ونشيلكم فوق دماغنا ،، مرحب بيكم في مصر ، بنحبكم ، احنا الناس ، احنا المواطنين.”
أما الصحفي محمد كامل فقد كتب مقالة طويلة دفاعاً عن السوريين وتضامناً نقتطف منها ” من القاهرة.. هنا دمشق
لا يوجد في الوطن العربي من هو أقرب شبها للمصريين من السوريين.. ولا أكثر عشقا لمصر والمصريين من السوريين.. يعرف ذلك جيدا من تسنى له زيارة سوريا ورأي معاملة السوريين للمصريين هناك.” وأضاف “السوريون مجتهدون.. ناشطون.. أذكياء.. أمناء .. ماهرون.. ناجحون في كل أعمالهم.. لا يعيشون عالة على أحد ولا يقبلون..”
في الختام نقول، إذا كانت القيادة السياسية في تركيا وصفت الأتراك بالأنصار والسوريين بالمهاجرين في إشارة إلى الاستقبال الذي لقيه السوريون في تركيا بعد الثورة وما جرى فيها، فإن الشعب المصري ومنذ العام 2011 جعل هذه العلاقة واقعاً عاشه عشرات الألوف من السوريين – وأنا منهم – في أرض الكنانة التي دخلها السوريون آمنين، فعاشوا بين ظهراني المصريين دون أن يشعروا بمرارة الغربة وقساوة اللجوء.

ربيع الخطيب
رسالة بوست-مكتب فرنسا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الكيانات المتساندة ووهم الصراع !

أحمد الهواس رئيس التحرير حتى آذار/ مارس 1924 كان ثمة وحدةٌ شعورية …